eKtab
EN ع
وحروفي الخضراء تثمر كالنخيل
اقرأ عينة مجانية

وحروفي الخضراء تثمر كالنخيل

بقلم د. محمد حبلص

صفحة 1
المقدمة

أيُّها القارئ/ الإنسان لن أخون العهدَ المُبرمَ بيننا، لن أقطع حبل الوصال، لن أبيع الكلمة، نعمةَ الله عليَّ، بمال الدنيا، وذهب الأرض، لن أؤثر عليها أيَّ شيء آخر، مهما علا شأنُهُ، وغلا ثمنُهُ. هي في معتقدي أرفع من أيِّ منصب، واقوى من الظالمين، وأبقى من عروش الطغاة، ستظلُّ الكلمة تجمعنا على الحقِّ والحقيقة، وتهدينا بنورها الساطع العميم، إلى الفلاح والطريق القويم، فنسير مبصرين إلى الحريّة والكرامة والمعرفة والسُؤْدُد.

لن أخون الكلمة، ميثاقيَ الثابتَ مع الله، ولو افترى عليَّ المفترون، أو كاد لي المُكيدون، ستظلّ، هي، سيفيَ الصارمَ المُسْلَطَ على رقاب المجرمين.

كلُّ شيءٍ سواها ريبٌ، كلُّ شيءٍ سواها جهلٌ، وهي العلم واليقين.

الكلمةُ هي معجزةُ الله في خلقه المسيح:

(إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون)(1). وأمرُ الله يكون بالكلمة، بها خَلْقُنا، وموتُنا، وبَعْثُنا، هي رسالةُ الله إلى عباده، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وقد أَوكل حَمْلَها إلى الرجال الصفوة المنتجبين من عباده.

وأقسم بحرفها، بالقلم، آلةِ كتابتها، بالكتابة التي تصير الكلمةُ فيها خطاباً ورسالة:(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(2).

هذا القسمُ الإلهيُّ أتى لتأكيد عظمة الكلمة، وللإشارة إلى مقامها الرفيع.

هي حكمُ الله ودستورُهُ في الدنيا، وحجّتُهُ في الآخرة، سلطتُها فوق كلِّ السلطات، لا تخشى مستكبراً ولا طاغية، هي أمُّ الثورات، وصانعة الفتوحات، الممالكُ تزول والقرون تزول، كلُّ شيءٍ يزول، وهي تبقى، أبداً، متألِّقة زاهية. إنّها سمةُ العروبةِ وروحُها، وحاملةُ حضارتها وثقافتها إلى سائر الأمم. ما اتخذتها أمّةٌ سلاحاً إلاّ وانتصرت، وما هجرتها أمّةٌ إلا وانهزمت، بها عزَّز طارق بن زياد ثبات جنده فدخلوا الأندلس، وقال المعريّ فلسفته في الحياة والموت، بها قال المتنبيّ حكمته الخالدة، فلعلَّنا نعرف أهميّة دورها في صناعة مجدنا وعزِّنا، فنعتصمَ بها متّحدين، واثقين، مرتشدين بنورها إلى طريق العلم، والفكر، والأدب.

د. محمّد حبلص

برقايل في 11/12/2010
صفحة 2
خاتمة النبوّة

طه بمدحِكَ أستولي على الكَلمِ
أشدو فيُسمعُ شدوي كلَّ ذي صَمَمِ
في بعض معناكَ صغتُ الشعر مرتقياً
حتّى تبوّأتُ فيه قمَّة القِمَمِ
يا أيّها المصطفى البيضاءُ سنّتُهُ
على خطاكَ أراني ثابتَ القدمِ
حطّمتَ أصنامنا، والحقُّ منتشرٌ،
لم تُبقِ في عُرْفِنا منها على صنمِ
أنت النبيُّ الذي طابت شمائلُهُ، (3)

وأنتَ نورُ الهدى للنّاس كلِّهمِ
إنّي تبعتُكَ، والأشواقُ تدفعني
فصرتَ حبّاً جرى في مهجتي ودمي
معلّمي أنتَ، يا جدّي، ومدرستي،
فمن يُربَّ على مسعاكَ يستقمِ
ما أنتَ إلاّ نذيرٌ ناصحٌ- كَمُلَتْ
بكَ الرسالاتُ- سَمْحٌ غيرُ منتقمِ
خُلْف القبائل قد بدّدْتَهُ أبداً
مَنْ كان في البدو أو مَنْ كان في الأُطُم (4)
جمعتَ شَملَهمُ، شيّدتَ عزَّهمُ،
وقد نزعتَ الذي فيهم من الأضمِ(5)
نالوا الرّشاد، وقد كانوا، على قلقٍ،
يستقسمون قبيل الذّكر بالزُّلم
صاموا، وصلَّوْا فصاروا يُعرَفون تُقىً
بين الورى، بجميل الفعل والسِّيَمِ
قد مثّلوكَ فِعالاً في الحياةِ، وقدْ
صفحة 3
بوركتَ، أنتَ، لهم في الدين من علمِ
ليت السّفينةَ إذْ في اليمِّ تحملني
تكون منكَ مراسيها على أَمَمِ
أنا العشوقُ، وقلبي مُترَعٌ وَلَهاً،
وليس قلبي- ابا الزَّهراءِ- بالشَّبِمِ
وقائلٍ: مَنْ به تزهو؟ أقول له:
محمّدٌ خيرُ خلْقٍ جاء من رَحِمِ
فإنّكَ المرتجى يومَ القيامة، إذْ
يكون- يا سيّدي- بعثي من الرَّجم (6)
أنت الذي، يا حبيبي، يُستَجارُ به
من الجحيم التي تكتظّ بالحِمَمِ
بئس المصيرُ، مصيرُ المرء منتهياً
إلى حريقٍ عظيمِ الهولِ محتدمِ
العمرُ ومضةُ برقٍ، ويلَ مُنفقهِ
في الإثم، إذْ تعتريه خَلْجَةُ الكَظَمِ (7)
يخيبُ كلُّ امرئٍ مستكبرٍ، أَشِرٍ،
منافقٍ، جاحدٍ، مَيْتِ الجنانِ، عمِ
لا ينفعُ الناسَ، يوم البعث، من عملٍ
سوى اعتصامٍ بحبلٍ غيرِ منفصمِ
يا أيّها القُرَشيُّ القحُّ يا خُلُقاً
كان الكريم، فأعطانا بلا كزَمِ(8)
جبريلُ جاءَك بالتنزيل فانتعشتْ
روحُ العروبةِ من ترتيلةِ الكَلِمِ
لقد حويتَ جميعَ المَكْرُماتِ، وقد
أعطاكَ ربُّكَ ما أرضاكَ من قِيَمِ
لولاكَ لم ينهدمْ صرحُ الملوكِ، ولم
تَقُمْ شِداداً عمادُ الدين في العَمَمِ
فليس مَنْ يأخذ الإسلامَ شرعتَهُ،
بين الشرائعِ، في الدنيا بمنهزمِ
صفحة 4
بكَ اهتدينا إلى الرحمن، بارئنا،
وقد نشرنا كتابَ العلم والحِكَمِ
عليكَ منّا صلاةٌ قدْرُها، عَدَداً،
ما أنزل الله من خيرٍ ومن دِيَمِ
نُهديكَ من مُهَجٍ حَرَّى مشوَّقةٍ
إلى ثراكَ سلاماً غيرَ منصرمِ
أريتَنا، ساعياً، إسلامَنا عمَلاً
حتّى نظمنا الورى في دولة النُّظُمِ
توقَّد العقلُ، واشتدّتْ ذكوّتُهُ،
وأمّةُ السيف صارتْ أمةَ القلم
مَنْ يتّخذْ هَدْيَكَ المعصومَ مسلكَهُ،
في العالمين، عن الآثام ينعصمِ
إنّ الجمال الذي في شخصكَ افتقرت
له البريّةُ من عُرْبٍ ومن عَجَمِ
حملتَ من ربِّكَ الأعلى رسالتَهُ
فكنتَها الرّحمةَ الكبرى إلى الأمم
فقد جعلتَ رشيداً كلَّ ذي أوَدٍ،(9)
وقد رددتَ صحيحاً كلَّ ذي ألمِ
فإنْ تمرَّ يداكَ السّمحتانِ على
جُرْجٍ أليمٍ وسيعِ الثغرِ يلتئمِ
هُداكَ فينا إلى الفردوس يوصلنا،
حيث الخلودُ بلا يأسٍ ولا سأم
اللهُ أكبرُ في أرجائنا انتشرت
لم ينطلقْ جَرْسُها من قبلُ عَبْرَ فمِ
في أرضِ مكَّةَ قد ثارت على شِيَعٍ
صفحة 5
ذوي ضلالٍ، ذوي شِرْكٍ، ذوي سَخَمِ(10)
قد كان قبلكَ وجهُ الكونِ مكتدِراً
فصار مبتهجاً من روعة النَّغمِ
بُعثتَ فينا نبيّاً خاتماً، ولقد
سطعتَ بدراً، أضاء الدربَ في الظُّلمِ
أُطيع أمرَكَ لا أعصيه في عملٍ
كيلا اصير شقيَّ النفس ذا ندمِ
فداكَ روحي التي تنبثُّ في جسدي
لولاكَ لم أتلُ قرآناً ولم أَصُمِ
إشفعْ لنفسيَ عند الحشر يوم أرى،
في اللّوح، سعييَ معروضاً لدى الحَكَمِ
إنّي أخاف عذاباً لا يُطاقُ، وأن
ألقى الجحيم بما قد جئتُ من لَمَمِ
يا هاديَ الأنفس العمياء خذ بيدي
على الصراط، فما خطوي بمنتظِمِ
إنّي أتوق إلى لقياكَ مرتجياً
سنا محيّاكَ في قدسيّة الحرمِ
يُصيبني سَقَمٌ إنْ عشتُ أيَّ هوىً
إلا هواكَ هو الشّافي من السَّقمِ
تباركَ اسمُ الذي كانت مشيئتُهُ
أن تجعلَ العُربَ شعباً غيرَ منقسمِ
هو الإلهُ القديرُ الواحدُ، الصَّمَدُ،
المصوِّرُ، الغافرُ، الوهّابُ، ذو الكرمِ
قفّى بكَ الله- يا طه- على رُسُلٍ
فكنتَ للرُّسْل طرّاً خيرَ مختتِمِ.
في 22/5/2003
صفحة 6
أمّي

لكِ الحروفُ تُغنِّي مجدَها نَغَما،
وتستحيلُ قصيداً رائعاً كَلِما
فأنتِ أولى بها من كلِّ ذي أدبٍ،
حاز البيانَ، فأضحى جهبذاً عَلَما
فَلْتنتشي طَرَباً، ولْتهزُجي فَرَحاً،
ولْتطردي عنكِ هذا الحُزْنَ والألما،
ولْتفخري بي حيالَ الأمّهاتِ، فقد
أَنجبْتِني شاعراً أثرى الورى حِكَما
لولاكِ، أمّي، لَمَا قلتُ القريضَ، ولا
أصبحتُ أفصحَ كلِّ النّاطقين فما
أَلستِ مدرستي الأولى ومطلقتي
إلى الحياة طموحاً، يَنشدُ القِمَما؟
لولاكِ ما غصتُ في بحر الكلام، ولا
أَجريتُ يوماً على قرطاسِهِ قلما
أميّ عطاؤكِ يجري دونما مِنَنٍ
كأنَّكِ النَّبعُ يجري ماؤهُ كرما
سقتْ يداكِ عطاشَ الزّهر فانتعشتْ،
وقد تفتّح ثغرُ الوردِ وابتسما
فهذه الروضةُ الغنّاءُ دائمةٌ،
أتى الربيع صبيّاً، أو مضى هَرِما
فيها القُرُنفُلُ يستولي بنضرتِهِ
على القلوب، إذا ما شبَّ واحتلما
والياسمينُ له في دارنا أَرَجٌ،
يجدِّدُ الروحَ، يُجلي الكَرْبَ والسقَما
تباركتْ يدُكِ الخضراءُ، لو لمستْ
جُرْحاً لأُبرئَ مِ الأوجاعِ والتأما
أُمّي، نداءٌ له في مهجتي أَثَرٌ،
ما زال يجعلني طفلاً، وإنْ قَدُما
كأنّما العمرُ باقٍ في حداثتِهِ،
فما تبعثر ماضيه، وما انصرما.
في 8/5/2009
صفحة 7
يراعي سلاحي

كلماتي تعبي بحمل نشيدي
في طريقي إلى المَرامِ البعيدِ
مُثْقَلاتٌ حروفُها بهمومٍ،
في فؤادي ثَبَتْنَ كالجلمودِ
أتوخّى التعبيرَ عن حُزْن نفسي،
وبياني مكبَّلٌ بالقيودِ
حوليَ التفَّ الحاقدون، أرادوا
أسْرَ أفكاري واغتيال قصيدي
فدخلتُ الوغى دفاعاً عن الحرف،
أٌضحِّي وحدي، بدون جنودِ
كلَّما ضمَّد الزمانُ جراحي
أُبتلى بعدها بجرحٍ جديدِ
لم أجدْ في الحياة سيِّئَ حالٍ
مثل حرٍّ يُقيم بين العبيد
يا يراعي، على الصحيفة سطِّرْ
ألمي، واجعلِ الحروفَ شهودي
أنتَ في معمع الصراع سلاحي،
حيث أسعى إلى المقام المجيدِ
لا تُهادنْ، لا تنكفئْ، لا تساومْ،
ظلَّ سهماً في عين كلِّ حسود
صفحة 8
قَدَري في الحياة عيشي غريباً
بين أهل النِّفاق، أهل الجحودِ
كم بلاءٍ يُصبني كلَّ يومٍ،
هو آتٍ من القلوب السّودِ
أتحدّى الرياحَ غيرَ مبالٍ،
شامخاً، ثابتاً كطودٍ وطيد
إنَّني في مسيرتي مستمرٌّ،
لستُ ارضى بخيبةٍ أو قعود
أتقصّى مآربي باتئادٍ،
وهوىً عاقلٍ، وصبرٍ مديد
لا ينال العلى امرؤٌ دون بذلٍ،
وعذابٍ مرٍّ وكدْحٍ شديدِ
إنَّ هذي الحياةَ دارُ امتحانٍ،
وتبارٍ بين الورى في الجهودِ
ومن النّاس مَن يحاولُ مجداً،
غير كُفْءٍ له، وغيرَ عتيد
إنَّ حُكْمَ اللّصوص يُلهبُ شعري،
ويُلظِّيه ثورةً في الوجودِ
فابتلائي بحُكْمِهمْ كابتلاء
(المتنبّي) بسارق العنقودِ
كُتِبَ البؤسُ والعذابُ على روحي،
فعيشي مرٌّ كطعم الهبيد
أَوَ أبكي، والشامتون كثيرٌ،
كلُّهم راغبٌ بقطع وريدي؟!
لن يرى الدّهرُ دمعتي، لن يرى
الدّهر انكفائي عن مأربي المنشودِ
فأنا الشاعرُ الذي يجعل القولَ
حصاناً، يعدو بدون برودِ
في 14/3/2010
صفحة 9
إلى لصّ يحاول أن يسرق مجد شاعر

هكذا دائماً هي تبدو الحياةُ

لكلِّ اللصوصِ،

وتبدو المطامحُ والرغباتُ،

ويبدو المَرامُ البعيدْ

شجراً يتدلّى بأشهى الثمارِ،

قريبَ القطوف لمن يشتهي

أو يريدْ

هكذا دائماً هي تبدو الحياةُ،

بغير سياجٍ،

بغير جدارٍ،

فحاوَلَ لصٌّ،

على غير علمٍ بمعنى الكلامِ،

بمعنى البيان،

اختلاسَ حروفِ القصيدْ

حيث حطّم كلَّ الصناديق

في بيت شاعرْ

لم يجدْ غير بعض الدراهمِ

فرَّ بها وتوارى،

وغنّى لها متفاخرْ

عادَ منكسراً، خائباً،

ظنَّ أنَّ الحروف مخبَّأةٌ

في صناديقَ من خشبٍ
صفحة 10
أو حديدْ

بيد أنَّ الحروف مخبَّأةٌ

في القلوبِ،

مخبَّأةٌ في العقولِ،

مخبَّأةٌ في المشاعرْ،

ليس يسطيع لصٌّ

إليها الوصولَ،

وتأبى انقياداً

لغير فحول المنابرْ

هي في مأمنٍ

من أذى العابثينَ،

ومن حَسَدِ الحاسدينَ،

ومن رغبات العبيدْ

لن ينال علاها سوى شاعرٍ،

يجعل الكلماتِ شعاعاً،

يجوب البلادَ القصيّةَ،

يجتاز كلَّ الحدودْ

لن ينال علاها سوى شاعرٍ،

أوجَعَتْهُ جراحُ الطفولةِ

في غزَّةٍ،

أوجَعَتْهُ جراحُ الطفولةِ

في قندهار،

وقد ضعضعتهُ الخطوبُ،

ودارتْ عليه الدوائرْ

فحروفُ القصيدِ

من القلب تخرجُ،

من مُهَجٍ

سَكَنْتها الهمومُ،

وأنّاتُ كلِّ المساكينِ

والأشقياءِ، وكلِّ الجياع،

وكلِّ العراةِ،

حروفُ القصيدِ

من القلب تخرجُ شعراً،

يثورُ على الظالمينَ

الذين طغَوْا،

واستباحوا حقوقَ الشعوبِ،

وصارت قلوبُهمُ كالجليدْ

ليس يسطيع لصٌّ

إليها الوصولَ،

وأن يسرقَ المجدَ من شاعرٍ،

مَنَحتْهُ الحياةُ وسامَ النضالِ،

وقد أعْلَنَتْهُ لكلِّ البريَّةِ

ثائرْ

في 1/4/2010