2- كان ناصر أحد القلائل الذين انفردوا عن ذلك الجيل من الشعراء الشباب (وكانوا شباباً بالفعل في تلك الحقبة، أواخر السبعينيات) في خيار أعتبره حاسماً تماماً، ليس على صعيد حياة كلّ منهم فحسب، بل في ما سيتوالى من أطوار لاحقة في حياة قصيدة النثر العربية. ذلك الخيار هو الانعتاق المبكّر والواعي من إسار نموذج "القصيدة اللبنانية"، الذي هيمن على كتابة الغالبية الساحقة من شعراء قصيدة النثر الشباب، وفرض جملة من السمات الأسلوبية التي استقرّت ورسخت واكتسبت تدريجياً صفة "المواضعات" و"الأعراف".
في الأردن سوف يكتشف ناصر شعر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصايغ، كما سيسرد بنفسه. وفي بيروت سوف يقرأ خليطاً من كلّ ممثلي الحداثة الشعرية العربية تقريباً، إذ كان في وسع المرء "أن يرى في شارع واحد أو شارعين نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش وخليل حاوي ومعين بسيسو وسعدي يوسف وشوقي أبو شقرا وبول شاؤول وعباس بيضون وكمال خير بك (كان أنسي الحاج في الجانب الآخر من بيروت لكن مشروعه الشعري المتمرد حاضر). هذا إلى جانب حضور الشعرية الغربية بصفتها مصدراً أساسياً للكتابة، أو في الأقلّ، شعرية مقارنة"، يقول ناصر، ويعدّد أسماء مثل ت. س. إليوت، سان جون بيرس، رامبو، رينيه شار، ريتسوس، كفافي...
آنذاك كانت "القصيدة اللبنانية"، وفي نظر ناصر دائماً، هي تلك التي "جعلت من قصيدة النثر خياراً شعرياً، وربما سياسياً مضاداً أيضاً، في مواجهة "القصيدة الوطنية" التي كان يطبعها الهاجس الوطني المقاوم، وكان يكتبها فلسطينيون ولبنانيون وعرب، واتخذت من الوزن وسيطاً لها". لكننا نعرف أنّ ناصر، في مجمل مزاجه الشعري وربما في القسط الأعظم من عدّته الشعرية، كان منحازاً لتوّه إلى تقاليد "القصيدة العراقية"، وقصيدة سعدي يوسف بصفة خاصة، في مستوى أساسي واحد على الأقل: أنّ سعدي كان "أقرب الشعراء العرب الكبار إلى قصيدة النثر من حيث التخفف من ثقل الإيقاع النظامي وسيولة مادته التعبيرية، وقربها من اليومي"، كما سيقول أمجد ناصر في شهادة شعرية. ولهذا الانحياز أهمية بالغة في يقيني، لأنه مَدَّ نماذج قصيدة النثر العربية الشابة (قصيدة أواسط السبعينيات) بروحيّة كتابة أكثر أصالة واقتراباً من الموروث الشعري، وأكسبها بالتالي حيوية خاصة في العلاقة مع الذائقة، وهي العلاقة التي بدا وكأنّ "القصيدة اللبنانية" لا تراهن عليها أو لا تعبأ بها كثيراً.
ومنذ عام 1979، أي منذ أولى قصائد النثر التي أخذ ناصر يكتبها، نعثر على هاتين السمتَين الفارقتَين ـ الأصالة والحيوية ـ وندرك دون كبير عناء، ولكن ببهجة خاصة، أنّ أبناء هذا الجيل يقبضون لتوّهم على عدد من المفاتيح المختلفة في الكتابة الشعرية، وينشقّون ويجرّبون ويجدّدون، ولكن دون إدارة الظهر تماماً لموروث القصيدة العربية الحديثة، وللمكتسبات التي حققتها على جبهات أخرى غير الجبهة اللبنانية.
وفي قصيدته "كونكريت"، والتي يوقّعها في بيروت عام 1979، يقول ناصر:
إلى أين تأخذنا الأقدامُ
المكوّنة من عشر أصابع؟
إنها أقدامنا ذات الأجراس العشرةِ
المبحوحةِ
صاعدةً مدارج الكونكريت
بمزيج من الألياف
والخوف،
وقليل من الدم،
إنها أقدامنا،
صهواتٌ واطئةٌ،
تسبح في براري الإسمنت.
ونتعرّف في هذا المقطع على عدد من الخصائص التي ستميّز ناصر عن سواه، وستطبع نتاجه القادم، وتشكّل مادّة القلق التعبيري الدائم الذي سيقوده إلى تجديد دائم لأدواته وموضوعاته وخياراته الأسلوبية. ولكننا ندرك أيضاً، وأساساً، أنّ هذه بصمة شعرية مختلفة عن المألوف في قصيدة النثر السبعينية: لأنها لا تنأى كثيراً عن السائد آنذاك في اللغة والمزاج والنبرة واللقطة الشعورية فحسب، بل تعيد أيضاً صياغة تعاقد حيوي مع الذائقة، مردّه تلك الآثار العراقية الغائرة عميقاً في تكوين ناصر.
3- كان طبيعياً، ولكن لم يكن آلياً أو تلقائياً، أن تسفر هذه التربية الجمالية عن رسوخ فصحى رفيعة في قصيدة ناصر. ومنذ القصائد الأولى كان واضحاً أنّ اللغة رهان مركزي في قرارة الشاعر، وأنّ مسعاه هو تطوير فصحى غنيّة، حارّة المعجم، عالية الإيحاء، حسّية العناصر، تشكيلية الصورة، بصرية الاستعارة، وإيقاعية التكوين في بنياتها الدلالية والصرفية والصوتية.
ولقد نجح في تحقيق هذا كلّه، على مراحل، ولكن بثبات واضطراد...
ورغم أنّ ناصر استهلّ مجموعته الثانية، "منذ جلعاد كان يصعد الجبل"، 1981، باقتباس من أنسي الحاج وآخر من راينر ماريا ريلكه، فإنّ لغة هذه المجموعة كانت في حال مختلفة تماماً عن تلك التي يمكن أن توحي بها لغة هذين الشاعرين. كذلك كانت الموضوعات (الأرض بما تضجّ به من تواريخ وعشائر وعناصر، المشهدية البدوية، البورتريهات البشرية، المناخات الكابوسية، الرثاء، البدايات الإيروسية...) تشدّ اللغة إلى نطاق تعبيري آخر، وإلى رؤيا شعرية أكثر احتشاداً وملحمية.
خذوا هذا المثال من "أيتها الهوادج"، القصيدة القصيرة البديعة التي يندر أن يفرّ من إغواء اقتباسها أيّ دارس لشعر أمجد ناصر:
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
يا أجراس الصحراءِ
من هنا مرّ الأردنيون
حفاةَ السيوفِ والأقدامِ
في أرواحهم يقدح حجر الصوّانِ
وفي لحاهم المغبرّةِ
تعوي الذئاب.
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
من هنا مرّ شعبي
عارياً وضامراً يسحب خلفه
نهراً يابساً
وصقوراً كهلة.
ولاحظوا كم تنفرد هذه القصيدة في رؤيتها ولغتها ومجازها وعمارتها الإيقاعية، بحيث يصعب ردّ نسبها إلى أية كتلة شعرية سائدة آنذاك (مطلع الثمانينيات)، فكيف بوضعها في سلّة "القصيدة اللبنانية" ذات العلامات الفارقة المتماثلة، الذهنية والتجريدية والذاتوية.
وفي مناسبة صدور مجموعته السادسة "مرتقى الأنفاس"، 1997، أتيحت لي ـ من جديد، ولكن في معطيات فنّية متجددة ـ بهجة متابعة اكتمال المزيد من خصائص هذه الفصحى العالية، وتوقفتُ عند تلك الجزالة الخاصة التي تتبدى عليها اللغة الشعرية، والتي تذكّر بحرارة المعجم في مجموعتَيْ "رعاة العزلة" 1986، و"وصول الغرباء"، 1990، بصفة خاصة، وإنْ كانت المجموعة الأخيرة تذهب أبعد في استكشاف باطن الفصحى واستثمار الطاقات الإيحائية لمفردات غير دارجة، ولكنّ مخزونها الدلالي يتدفق بيسر، ويسلم قياده بسهولة. كذلك توقفتُ عند بنية التكامل المدهشة التي ترتديها الجملة الاستعارية، وهي إجمالاً من النوع الرعوي الغنائي الشفيف تارة، أو البدوي البرّي الحارّ طوراً، اللذين امتاز بهما أمجد ناصر عن أقرانه. وفي هذه البنية تبدو عناصر الاستعارة وكأنها تتجمع على نحو عشوائي أوّلاً، لكي تباغت بعدئذ حين تتنافر دلالياً حتى تكاد تقترب من الهلوسة البصرية الحرّة، قبل أن تلتئم مادّتها أخيراً لتصنع علاقة مجازية مدهشة في ائتلاف خطوطها التشكيلية:
ما عرفتُ، مذ نوديتُ، سوى هذه الرغبةِ
تقودني بخطمها الأعمى إلى مسيل الليل
سوى لهب البنفسج يصّاعدُ من تنين الجوفِ
سوى الامّحاء.
بأوعية الندم نضحتُ غبارَ الأفكارِ
وتركتُ للمقبلينَ
زفرتي حجراً
على رابية.
4- منذ مجموعته الرابعة، "وصول الغرباء"، شرع ناصر في تكريس تقليد يندر أن نعثر عليه - بهذه الدرجة من الصفاء والقصدية وحسن التنفيذ - في معظم المشاريع الشعرية المكتملة التي تصنع مشهدية قصيدة النثر العربية المعاصرة: تكريس مجموعة شعرية بأسرها لموضوعة واحدة، أو لسلسة تنويعات ضمن موضوعة واحدة جامعة. وفضيلة هذا التقليد أنه يمنح الكتابة الشعرية طابعاً "غائيّاً" و"تعاقدياً" في مستوى التنفيذ الجمالي للنصّ الشعري، أو بالأحرى الترجمة الفنّية للمعنى، وهو بالتالي يمنح القارئء فرصة ثمينة لبلوغ تفاعل أكثر وضوحاً مع نجاح أو إخفاق الشاعر في الوفاء بحصّته من تحدّي المعنى الذي اختار مواجهته بنفسه. ثمة، من جانب آخر، فرصة استدراج القراءة إلى استقبال أكثر حيوية للنصّ الشعري، الأمر الذي يقتاد القارئ إلى درجة أرقى وأكثر "نزاهة" في تلمّس وتذوّق ما تنطوي عليه هذه الكتابة الشعرية من مشقّة (وغنيّ عن القول إننا بأمسّ الحاجة إلى توافق كهذا، في ضوء ما تُتهم به قصيدة النثر من خفّة واستخفاف بالشكل والمحتوى في آن). وثمة، ثالثاً، مغامرة زجّ الشكل الشعري في اختبار مفتوح مع الموضوعة/ الموضوعات، والقبول بعواقب ما يمكن أن يسفر عنه جدل هذه المواجهة، وما إذا كانت تُنهِضُ الشكل أم تُقعِده.
وفي سياقات هذا التحدّي، الذي أشدّد أنه ليس البتة رياضة يسيرة، قارب ناصر الموضوعة الإيروسية في مجموعته الخامسة "سرّ مَن رآ"، 1994، ولكنّ قصائده هذه تجاوزت الإيروسي والشبقي والغريزي والحسّي، أو هي بدأت منها لكي تقارب قصيدة الحبّ القصوى. ولقد بلغت شأو تجسيد الموضوعات الحلمية في أطوار من التوغّل البصري المدهش في تفاصيل الجسد؛ أو انقلاب المألوف في تلك التفاصيل إلى جملة استعارية حارّة واختراقية؛ أو الاحتفاء الباخوسيّ بأيّ وكلّ مستوى من اللقاء الخام بين لحم حيّ مشتعل، وآخر يتوهجّ مجازياً دون أن يقلّ اشتعالاً؛ أو اقتفاء أثر الهوية طَيّ اصطراع تناحري حول العزلة، ولقاء الآخر، ورشق الذات على مرآة نرجسية مبرَّحة، ولكنها طبيعية بفضيلة إنسانيتها المعرّاة من أقنعة العقل؛ أو - أخيراً - مصالحة الجسد مع النفس، عن طريق إنشاد (يطلق عليه أمجد ناصر صفة "التعزيم") يتوسّل العقل في نهاية المطاف، لأنه يضع القارئ في الحسبان، ويضعه على نحو قصدي وبارع وماهر:
أعينُنا بيضاء من الفرح
كأننا عُميٌ نراكِ بالرائحةِ
ونتقرّاك بالأنفاس.
امرأتُنا كلّنا
فشلنا في معرفة الأثير
وعندما رفعتِ يدكِ
مَدَدنا أيدينا
ولم تكن هناك مرآةٌ
مسّنا هواؤكِ فجرّحنا
طلعنا عليكِ من كلّ فجّ
ولم ننفرد.
وضمن سياقات التحدّي ذاته، وفي مجموعته السادسة "مرتقى الأنفاس"، نقل ناصر قصيدة النثر العربية التسعينية إلى منطقة تحدٍ شاقة، نادرة أو غير شائعة على الأقلّ، هي مقاربة الموضوعة التاريخية من موقع ملحمي إنشادي. وهذه مقاربة كفيلة بممارسة أشدّ الضغوط على الشكل أوّلاً، وعلى عمارات الإيقاع - التي لا تقوم في قصيدة النثر على أيّ عتاد عروضي يسهّل تحقيق الإنشاد - ثمّ على النثر ذاته، وسيط الكتابة الشعرية، بسبب طبيعته العصيّة على الانتظام في وحدات إنشادية. وكان ممّا يبهج في هذا الصدد أن ناصر نجح في تحقيق درجة رفيعة من امتزاج الملحمي بالغنائي، حتى ليبدو أنّ صوت الشجن العالي - الذي يتعالى في الكثير من قصائد المجموعة - إنما بُحّ واخشوشن وتكثّف بسبب من ارتقاء الأنفاس لدرجَين في آن معاً: غناء الذات وملحمة الجماعة.
مجموعته السابعة "حياة كسرد متقطع"، 2004، تسجّل نقلة مميّزة، وذات أهمية خاصة، ليس في سياق تطوّر تجربة ناصر الشعرية الشخصية فحسب، بل على صعيد تطوّرات قصيدة النثر العربية المعاصرة بصفة أعمّ، وفي تفصيل مركزي بالغ الحساسية وشديد الإشكالية: هاجس الشكل إجمالاً، وقلق الشكل الراهن تحديداً. ولم يعد خافياً، الآن وقد انقضت أربعة عقود ونيف على ولادة "قصيدة النثر" العربية، أنّ الشكل الذي يُسقط الوزن ويعتمد النثر ولكنه يحافظ على تقطيع للأسطر شبيه بشكل "قصيدة التفعيلة"، وقع أسير الرتابة والتماثل، وبات ساكناً جامداً محافظاً، هو الشكل الذي رُفعت له رايات التجديد والتجاوز والحداثة.
وفي هذه المجموعة يحاول ناصر مواجهة معظم هذه المفارقات، وتذليل ما تسفر عنه عادة من عوائق قراءة وإيصال، وتكريس "أعراف" شكل منفتح ومفتوح في آن. إنه، أوّلاً، ينحاز مباشرة وبوضوح تامّ إلى النثر كوسيط تعبيري، وإلى شعرية النثر أو الشعر في النثر بالأحرى، لكي يكسر دائرة التضادّ القاتلة التي وقع فيها الشكل من حيث التسمية والمصطلح في الأساس، قبل الاعتبارات الأخرى التي تخصّ اختلاق صراع قطبي بين "وزن" و"نثر" داخل "القصيدة". وهو، ثانياً، يتوغّل عميقاً في باطن الجدل المحتدم أبداً بين "اللغة اليومية" و"اللغة الشعرية"، هذه الأخيرة التي كانت على الدوام امتياز الشعر عن النثر، قبل أن تهبط من علٍ بقرار إرادي من الشاعر نفسه، الحريص على "الهامشي" و"المجّاني" و"اليومي"، ولكنها فشلت مراراً في أن تمسّ شغاف قارىء يعيش هذه اللغة كلّ يوم... لأنها ببساطة لغته الهامشية والمجّانية واليومية!
وهو، رابعاً، يشتغل على القصيدة الدرامية، أو القصيدة بوصفها سردية قصيرة حول لقطة إنسانية بالغة الخصوصية، ليست مع ذلك متجرّدة من عوامل الماضي والحاضر والمستقبل، وليست في منجاة من ضغوطات المعنى والتاريخ والبلاغة والأسطورة. إنها القصيدة التي تروي عَدّ النجوم في بلدة المفرق الأردنية، لكي تقودنا إلى أسطورة مغربي في فاس القديمة، ثمّ من منازل القمر في لندن إلى خرافات الطفولة وحكايا الجدّات. وهي القصيدة التي نقرأ فيها عن منديل السهروردي أو الخاتم القيرواني أو الرُقَم الطينية، ولكننا في الباطن العميق نواصل النواس بين الحلم والحقيقة، بين الرؤيا واليقين، وبين الدلالة في الرمز والمدلول في الحكاية.
وأرجو، ختاماً، أن يجد قارىء هذه المختارات الكثير من البيّنات على مسعى مركزي في شعرية أمجد ناصر: أنه يجهد للانتقال بشكل قصيدة النثر العربية المعاصرة إلى مصافّ أخرى أشدّ رقيّاً، وأكثر مشقّة وتعقيداً في تقديري، وأعلى قدرة على تخليص الشكل من سكونيته وجموده وبناء تعاقد صحّي مع قارىء لا يضلّ طريقه إلى الشعر الحقيقي.
من ديوان "مديح لمقهى آخر"
بيروت 1979
الجبل
I
... فيا سيدّي،
يا جميلَ الَمُحيّا
لكَ الآنَّ اغماض عينيكَ
بعضٌ من الثلج
بعضُ نبيذِ القرى
يعيدُ لكَ اللونَ
والهدأة الصافيةْ.
لكَ الآنَ أن تشتهي منزلاً في جنوبِ الوطنْ
وتبدأه بالشجرْ
وأنت تحبُّ من الشّجرِ الأرزَ،
خُذْ أرزةً،
فرعها طيبٌ
وامضِ في الأرض، لا تلتفتْ للوراءِ
فما الأرزُ الاّ أراغنُ أطفالنِا الميتين.
II
لكَ الآنَ بعد أن ادركَ البحرُ،
أدركتْ سهلنا الطبقّاتُ العريضةُ
أن تهتدي للجبل.
فالقصورُ مطعمةٌ بالذهب
والقصورُ مطعمةٌ بالرصاص
والقصورُ على غرّة الثلج
عاريةٌ
كالحجارة.
III
لكَ الآنَ ان تشربَ القهوةَ الرائقةْ.
وتذكّرْ:
كنتَ تغسلُ كفّيكَ بالثلجِ
والبندقيةُ في الكتفِ مائلةٌ
والصباحُ صغيرٌ على "المتن"
حينَ استدرتَ إلى الخلفِ
عانقتها،
كالعصافيرِ زرقاءَ،
قبلّتها،
في الفم المستثير،
الفم المشتهى.
وثبَّتَّ في مَفّرقِ الشَّعر،
فجرا،
قرنفلة
من دماء الرفاق.
تلكَ كانت تناولُك الطلقات،
"البيانَ الشيوعيَّ"،
تقرأُ "ايلوارَ"،
كانت تترجمهُ لغةً من تُراث البنادقِ والشِّعر.
تُفْتَحُ نارُ المواقعِ واسعةً،
فتخبئُها بينَ صدركَ
والسّترةِ العسكرية.
كانت تطاردُ خصلتها بعد أن
يرفع القصفُ كفّيهِ
لكنها،
حين تطبقُ كلُّ الجهاتِ
شجرا ترتديهِ العساكرُ
تبصرُ رتلاً من القبعاتِ
وتبصرُ نهراً من القبعاتِ
وتبصرُ أرضاً
تحُاصرُها
القبعاتُ.
IV
فيا سيدّي،
يا جميلَ المحَّيا
لكَ الآن أن تستعيدَ السكينةَ والحلمَ:
إن البلاد التي راودتكَ فنادقها،
مرةً في المساءِ
داهمتكَ مدافعُها
فجأةً في الجبالِ
وكانت بلاداً
تراشقُ حلمَ المسافرِ
بالياسمينِ الدمشقيّ
لا تبتغي أن تسمّي الجراحَ جراحاً.
تقولُ اصنعوا لغةً وجواداً من البرتقال.
ولكنها.......
***
قلنسوةٌ فوقَ رأسِ المسافرِ
ترشحُ منها الطيورُ الذبيحة.
V
هذي البلادُ مزيجٌ من الحزنِ
والشجرِ المتسامق
والطبقاتِ الفتية.
بيروت مطلع 1978
الشافعي
(إلى صلاح الحباشنة)
واحدٌ،
ليسَ أكثرَ من رجلٍ واحدٍ،
ولكنهُ عالياً كانَ
منتشراً كالجبال التي حدَّرته إلى السّهل،
كان عصيّاً ومحتدماً مثلَ صخرِ الجنوب.
جموحاً ومنبسطاً مثلَ خيلِ الجنوبْ.
إنه الشافعيُّ.
"راكينُ" هبَّتْ على فرعه
مثل غصنٍ من النار
نادتهُ "نسوانُها" الحاملاتُ
ملابسَهُ الدامية.
يا عريسْ
أنتَ يا زين الشبابِ،
عُلّيةُ الدار
يا قمرْ ما غابْ عن بير الكرمْ
ولا خلا الحجارْ.
الآن تأتي مثقلاً بالثلج والنوار.
II
كان "جلعادَ" يدنو من السّهلِ
يدنو من العشب.
إنّ السماءَ (وننظرُ)
تلامسُ ليّنةً رأسهُ المرتفعْ
فيهجسُ مؤتلقاً بالأسى
والخطى تهبطُ الصّخرَ
نازلةً للقرى
(فقدنا التجمُّلَ بالصبرِ
حين فقدنا الغصون)
والشافعيُّ،
تسامقَ واحتدَّ
في هيئةِ الحَورِ
وارتدّ نحو الجبلْ.
هتفتُ به:
ـ ليتَ أن البلادَ التي بينَ عينيكَ،
تعرفُ أسماءَكَ القرويةَ
أسماءَ أشجاركَ المائله
على أنه ماثلَ الصخرَ في قلبهِ
(كان أيضاً وديعاً وسهلاً)
فخاطبني وهو يتركُ للرِّيحِ قامتَه الناحله
ـ عاودِ الرقصَ يا صاحبي
وترفقْ
بأغانيكَ والشِّعر،
إنك للسهلِ
لكنني للجبال التي أتبينُ أطيارَها
مثلما تتبينُ وزنَ القصيدةِ،
يا صاحبي،
حين يدركُ عشبٌ خطاكَ اتئدْ
وامش هوناً على أختنا الأرض.
III
أيها الشافعيُّ،
ويا واحداً راودتهُ المقاهي طويلا
ويا واحداً
راودته النساءُ نحيلاً
ولكنه ما انثنى
حسبُك الآنَ
أنْ تبتني نخلةً من حديدٍ وماء.
نخلةٌ في يديكَ
نجوةٌ من عصورِ الهلاك.
حسبُكَ الآنَ
أن تشتهي لغةً لنُحاسِ الوطن
هكذا..
نشتهي لغةً من نُحاسٍ ونُهملُها
نشتهي وطناً مِثلَ جلعادَ يوماً
ونهملُ أشجاره في الغداةِ
نشتهي امرأةً من "مؤاب"ٍ
ونجهلُ من أين يفجؤها الطلقُ.
IV
سيدّي
أيها الشافعيُّ
إذا غادرتني يداكَ
وغادرتني نخلةً للسماءِ،
فما زال جلعادُ
أرضاً لطيرِ الجنوب
وما زلتُ أعرفُ
أسماءَ هذي القرى.
عمان 6/1977
مديح لمقهى آخر
مقهى آخر
بوسعكَ،
أنتَ الذي لا يكلُّ من الارتهانِ
بوسعك أن ترحلَ الآن:
لا وجهةً
لا حقائبَ
لا ماءَ في جرَّة العُمرِ
لا زوجةً في الثياب النظيفةِ
لا مطراً في المسالكِ
لا نجمةً في الفضاء الذي يكسرُ الظَهْرَ
صحيحٌ!
ولكنه كفنٌ واحدٌ ثم ترتاح!
ـ أقمتُ طويلاً؟
ومقهى "الجزيرة" لم ينحنِ في المساء،
على ركبتيه
لم يشتهِ شارعاً آخرَ
لم يضقْ بمساحتهِ
وبأخشابهِ الشّتويةِ،
بالزُبن الدائمين
ولم يرتجلْ مشهداً للنساءِ المثيراتِ
في المدنِ الساحلية
لم ينتهِ ضيّقاً كيديكَ،
- وماذا تقولُ؟
- أحاولُ أنْ أهتدي لصباحٍ
يلائمُ ترنيمتي وهوامَ الشعابِ.
صباحٌ آخر
وكلَّ صباحٍ
يفاجئُنا باحتمالِ الرحيلِ
إلى مدنِ الآخرينَ،
ذات الملامحِ في وجههِ المستطيلِ
البثورُ الدميمةُ
- ما يسميه حبَّ الشبابِ -
التعابيرُ
والمبسمُ المتراخي.
- أترحلُ؟
- هذا الصباحُ مواتٍ؟
- اذا شئتَ كان..
ولكنها نظرةٌ للمدى المتباعدِ،
تلكَ الغيومُ البعيدةُ فوقَ الشِّعاب
التي لا تُرى
وأخرى لشاي "الجزيرة"،
هذي السخونةُ في ملمسِ الكأسِ،
وثالثة للرفاقِ المحيطين،
التآلفُ في لغةِ اليوم والفهمِ؛
يسقطُ طيرُ الفجيعةِ في دمهِ المرتخي ولا يهتدي
للبداية.
كلامٌ آخر
لم تكن تلك رغبته الوحيدةَ ولم يكن يحفلُ بالمسرات كثيراً ولكن جسده المحترقَ بالرغبات والمنطفىء في الاسفلت البارد واصلَ النشيدَ المحكومَ بالفجيعة.
يحاصرُنا بالخرائط،
بالاحتمال والحدقة الفارغة.
ويبحثُ بين الوجوه عن الدهشة المستمرة
وبين البلاد عن الوطن المستمر
وبين الأصابع عن لسعة الاغتراب
وبين الجوارب عن لحم انثى.
وما كانَ يبحثُ عن لغةٍ تنشلُ العمرَ
والشِّعرَ غبَّ ابتعاد الخطى والحقائب،
ما كانَ...
ما كانَ...
كلُّ بلادٍ على بعد مرمى الحجر
والبلادُ التي لم تصلها اليدان
لم تصلها الحجارةُ بالناس
منبوذةٌ في عراء الأباعد.
أيُّ القصائدِ لم تبتدىء بالأنا واليباس؟
وأيُّ الرّياح التي لا تهبُّ على غرتي؟
لم تكن رغبةً في عبور الضبابات والمطر المتساقط في العين
لكنه الجسدُ المتواثبُ يحملني للنشيد أو الانتحار.
تداع أخير
لا فرقَ بين المعاطف في ثلج "جلعادَ"
وبين القميص المشّجر بالدم في "الاشرفية"
هذي البثورُ الدميمةُ في وجهك المستطيل
ومقهى "الجزيرة" في جادة "الملك فيصل"
والله في أهبة للرحيل
ولا زوجة في ثيابك
لا نجمة في السماء
التي تكسر الظَهرَ منذ انحسار الرضا.
الشجر
النشيد:
أيتها المدنُ المبهمه
يا موطنَ الحجارِ والعرقْ
أيها الزمنْ
يا مولعاً بالاندحار والمفاجأة
يا حديدْ،
يا طوطميِ الجديدْ
أعطِنا نبيذَنا القوي
ويوَمنا السعيدْ.
القصيدة
لنقل إنه الارتحالُ عن الوطن البدويّ الصغير
انحدرت مع الإبل
مع وبرها المتعطش للعشب والشعر
صوبَ الحجار الكبيرة والجرف والمدن المبهمة.
وطنٌ بدويٌّ صغيرٌ على كتفي واقفٌ كالشّجر
يا شجر..
أنت يا واقفا فوق كتفي المهيض
تودع "عجيانَنَا" و"الحلالَ" الذي يشهقُ الآنَ مختنقا بالهجير
يا شجر..
أنت يا ضاربا في الغيومِ البعيدةِ
في روح أمي.
مررنا على "وضحةَ" المستحمةِ بالصّهدِ والشّيحِ
لما تزل نكهةُ الثدي والعنقِ عالقةً في لساني
ولما يزل صوتُها البدويُّ يباعدني في متاه السفر.
يا شجر..
أيها الميتُ والحيُ والوطنُ المبتلى بالرجال الصغار
شربناك في أمسنا علقما وفي يومنا علقما
وفي غدنا حجرا عاقرا كالسماء.
مرةً ثانيه
يهبطُ الشوقُ مختلطاً في الأصابع
مشتكباً في دمي البكرِ
والحجارُ الكبيرةُ داخلةٌ في ضلوعي
وخارجةٌ من يديَّ
وطالعةٌ كالحديد على غرتي المُغضية.
***
تطامنتُ حين دخلتُ "السلمونَ" الصغيرَ
أليفٌ هو البار مثل بلادي الصغيرة
يشرّعُ أبوابه للهموم النبيلة
يشعلُ للقادمين من الشارعِ المستريبِ
نجوما نحاسيةً
ويغمرُها بالعرق
نجمةً
نجمةً
جسداً مزهراً بالحريق.
إننا في الحريقِ نمازجُ بين الوجوهِ الأليفةِ والماء
بين الرمال المعافاة والسِّلِّ
ونودعُ سرَّ التشتتِ في حضرةِ العرقِ الأبيضِ
المتصلبِ في زهرة الرأس.
***
عندها أتسللُ من عتمة البارِ
مندهشا بالحضارات والطرقِ الموصدة!
إنني المستلّلُ من عتمةِ البارِ
في عتمةِ الليلِ
في عتمةِ الشارعِ المنتحي جانبا
نحوَ عتمةِ صدري الثقيلة
وأهجسُ متكئا
على قامتي الناحله:
رجالا لهم قامةُ الرّمحِ
أطالوا الوقوفَ على جثةِ البدويِّ الصغيرِ
ومروا خفافا على دار بائعة اليانصيب
اشتروا ورقا واحتمال الخسارة.
شارعُ "السلط" كان طويلا ومزدحما بالخطى
والنساء الجميلات
و"الشهرزادُ" تقدّمُ بيرتها البارده
من الصّبحِ حتى الهزيعِ الأخيرِ
تقدّمُ بيرتَها البارده.
عمان مطلع 1977
كونكريت
تأخذُنا الأقدامُ إلى حالاتٍ مقتضبةٍ
في العَتْمِ، لا نجرؤ على الابتعاد كثيراً
وغالباً ما يَحدثُ هذا في العمائرِ
الكبيرةِ والمنافي،
نصعدُ أحجارَ السُّـلّمِ،
المتراصّةَ
المربّعةَ،
الغافية.
نشعلُ عودَ ثقابٍ
(إذا كنا نضمرُ محبةَ التَبْغِ)
نمدُّ أيدينا،
تصطدمُ بالملمسِ الباردِ،
ألواحٌ من الإسمنت شديدةُ التماسُكِ.
تتساقطُ فتائلُ "الشّيدِ" والروماتيزم.
نرتقي أحجاراًً أخرى
نمدُّ أيدينا أيضاً،
لا أخشابٌ تشيعُ الأنسَ
ولا ملابسُ داخلية.
نشعلُ لفائفَنا لنطردَ بالدخان الحيّ
سطوةَ الوحدةِ الاسمنتيةِ،
ولكي نؤكدَ شَجاعتَنا الغريزيةَ المهذبةَ
نطلقُ لحناًًً كنداء الاستغاثة.
الأبوابُ من الحديد الصُلب
أقفالٌ كعقارب السّهوب الاستوائية
تنبضُ على الأبواب.
إلى أين تأخذنا الأقدامُ
المكّونةُ من عشر أصابعَ؟
إنها أقدامُنا ذات الأجراسِ العشرةِ المبحوحةِ
صاعدةً مدارجَ الكونكريت،
بمزيجٍ من الألياف
والخوف،
وقليلٍ من الدم،
إنها أقدامُنا،
صهواتٌ واطئةٌ،
تسبحُ في براري الإسمنت.
بيروت 6 / 1979
من ديوان "منذ جلعاد كان يصعد الجبل"
بيروت 1981
أيُّ الأناشيد تلك
I
ماذا نفعلُ بالجبال الأكثرِ عُلوا من قاماتنا نحن
الفتيان المزهوينَ بأغصان الفُتوّةِ ونُحاسِ القبضات؟
تنأى الأكماتُ والكينا وأشجارُ التّرمسِ البرّيِّ،
ويتسعُ قلبُ الإسمنت، وتنفردُ غزالةٌ بالرّكضِ
على قميص المؤابىِّ، وتقتربُ سنابكُ الهجانة
وصليلُ الخيزرانِ، وسياراتُ الجيبِ المكشوفة..
أيُّ هلعٍ يُصيبُ الحبارى آنذاكَ. أيُّ ارتجافٍ يشيلُ الضحى المتباطىء بين أعشاب الشيحِ ونُقرَةِ الماء، ويحطّه شظايا؟
أيّ شِّعرٍ إذن سيعيدُ لنا لسعةَ مياهِ الفجر في
حقول الشمال؟ أيُّ الأناشيدِ ستُنهضُ فينا
المسرّاتِ القديمة، وتعيدُ دفءَ الصباحاتِ
إلى زغبِ العارضينِ؟
II
اتسعَ نطاقُ المغامرةِ فدلفنا إلى القصيدةِ والأرض.
اختلط كلُّ شيء بكلِّ شيء، فجاء الأردنيون من
أسرع المهارِ إلى خيام مشدودةٍ على أسنّةِ الحرابِ التي تخطفُ من "عِجيانِنا" حليبَ النوْقِ وغرّةَ الفرسِ المحجلّةِ.
اتسعَ نطاقُ المغامرةِ فجاءت نساؤنا إلى صفيح المدن والثكنات:
الوشمُ تحت الشفة السفلى أو على الزند، الخزامُ
في الأنف، والثيابُ السودُ إعلاناتٌ على أزمنةِ النفي والطرادِ.
جاء الأردنيون من أوسع برّيةٍ وأكبر شمس ودخلوا في حاضناتِ الرصاصِ وأنفاق الفوسفات ومغاور البرق؛
جاؤوا من الشمال والجنوب، من البحر الميت والصحراء، فألفوا المدينة مُتناهَبةً بين سدنة الخرائطِ وتجار المواشي وموثقي العقود. كانت "فيلادلفيا" مُعدّة لاستقبال الأمير.
الاحتفال والنشيد لهم ولنا مشاريعُ التوطين والسدودُ النخرةُ والمعلبات. واهراءاتُ "روما" اندلعتْ في اسطبلات
خيلِ الأمير، اندفع العبيد باتجاه التمثيل الضوئي ومقالعِ
الكلسِ، يخصون الثيران ويحددون الأرضَ فالعمامةُ البيضاءُ استوتْ على رأس الأمير والحاشيةُ انتظمت في وبر الجمالِ، والطرقُ شقّتْ وبهائمُ البريد سُيِّرتْ.
اتسع نطاقُ المغامرةِ فجاء "كليب الشريدة" مع رعيل الخيلِ والأنصارِ وتحصَّن بالزيتون، البواريدُ ذوات الطلقة الواحدةِ في يدٍ واللّجامُ في الأخرى، فَسَرَتْ رَعشةٌ في ظهورِ النساءِ فأطلقْن الزغاريدَ وعَجنَّ الحنّاء.
اختلطَ كلُّ شيء بكلِّ شيءٍ ولم يتقدم الزيتونُ شبراً واحداً، لكن الطواحينَ ظلّت تدور، من الشمالِ إلى الجنوب ظلت أحجار الرحى تطحنُ القمحَ والندى وأصابعَ النساءِ، تطحنُ مناديلَ الأعراسِ والحلمَ المخاتل.
بيروت 1980
حصاد
أيتها الكَرك
عندما تهبط عمّانُ من دوّارها الخامسِ
ويلمعُ باطنُ فخذِها كالحربةِ،
تكونُ "راكينُ" قد نامتْ بعينٍ،
وفي العين الأخرى
تخلعُ سنابلُ القمح
قُبعاتِها لأحجارِ الرّحى.
بيروت حزيران 1980
وحشة
إنني صالحٌ للعزاءِ في أيِّ وقت.
لا وقتَ يلائمُ حصادَ القمحِ
إلى الشمال من هذه الوحشة.
إنهم يفضُّون الرسائلَ في المباني الزرقاء.
المياهُ الساطعةُ تتسللُ، الآنَ، إلى وحدةِ الأمهات.
الأمهاتُ يَهْرَمْنَ بين الإبرةِ والخيطِ بانتظارِ الأولادِ
والأولادُ لا يعودون.
بيروت آذار 1980
هجاء
كصقرٍ مُحطمِ القلبِ
كعاصفةٍ بلا أسنان
سأتكىءُ على حافّةِ المدينة
وأصدُّ بظهري شظايا الأصدقاء
وأتذكّرُ غليونَ جدتي الطويل
ولن أتوهَّمَ فتوحاتِ العرب الأُولِ
وبعد ذلك لن أعتقدَ أنّ باريسَ مربطُ خيلِنا
ولن أنتحبَ على جبال "البرانسِ"
وهي تذوبُ بين أيدينا كقالَبِ ثلجٍ
ولن أرفعَ أكمامَ ردائي
إلى حيثُ اللّه من أجل "الغافقي"
وحين يمرُّ موكبُ ملوكِ بني الأحمرِ
أمام قدميَّ
لن أكلفَ حاجبيَّ بالتحية.
سأظلُّ أذكرُ السيفَ والنطعَ
سأظلُّ أذكرُ الذهبَ والفضّةَ
سأظلُّ أذكرُ الجوعَ والفيافي
سأظلُّ أذكرُ الصعاليكَ والأيائلَ
يجيئون للشرب من راحة يدي المثقوبة
وأنا متكىء على حافةِ المدينة
مُحطمُ القلبِ كصقرٍ
مُنقطعُ الجذورِ كعاصفة.
بيروت آذار 1980
أصَيصٌ
هذا ما تريدُه، إذن:
بندقية الصيدِ
وسَرج الحصانِ
وصُرَّة التبغ المعلقة في السّقف.
هذا، إذن،
ما دعاكَ إلى العودةِ
خُذ أيضا
حزمةَ الأوراقِ الملَّونةِ
فما تزالُ تصلُحُ لإشعالِ الحطب
وأدواتِ الحلاقة - تلك - التي على الرَّفِّ
وسترةَ الجِلدِ..
وأيضاً زجاجاتِ النبيذِ المطمورةَ في القشِّ،
لا تأسَ
فأزهارُكَ تنبتُ، الآن،
في أصيصٍ آخر.
بيروت نيسان 1980
ضفيرةٌ واحدة
ضفيرةٌ واحدةٌ
ضفيرةٌ من سَعَفٍ وعويلٍ
ضفيرةٌ واحدةٌ لي.
وقلبي يهتزُّ بين الليل والنّدى
كحرَبة متساقطةِ الأسنان.
ضفيرةٌ واحدةٌ من دخانٍ بعيدٍ
للغريبِ الذي أنا أو اللّه.
غريبٌ في المضارب المصطفقةِ
ناءٍ
موُحشٌ
يابسٌ
مُبتلٌّ
ساكنٌ
وعاصفٌ
في مضاربَ بعيدةٍ ومصطفقةٍ
قلبي أو اللّه.
الأيدي
I
ما جدوى الأيدي
بالنسبة لنا نحنُ الذين
لا نُحسنُ الرقصَ أو النحت.
إننا نَحارُ أين نذهبُ بها
وخاصةً عندما نسيرُ وحَدنا في
الشوارع.
نشبكُها، نفردُها على الجنبين
نطوِّحُ بها بعيداً،
نضفُرها وراءَ ظهورِنا
كأغصانٍ مَقصوفَةٍ
كعاصفةٍ مَؤجَّلة.
تُرى من يُطلقُ هذه الطيور المرّعبة
التي تئزُّ على مقابضِ الأبواب؟
نبدأ باليدين
وعندما لا يسعفُنا الكلامُ
ننتهي باليدين؛
فهل ننتهي؟
II
نُرَبّيها للأصدقاء
فتحصدُها المياهُ العميقةُ والحروب.
بيروت كانون الاول 1979
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
يا أجراسَ الصحراءِ
من هنا مرَّ الأردنيونَ حفاةَ السيوفِ والأقدام
في أرواحهم يقدحُ حَجرُ الصّوّانِ
وفي لحاهم المغبّرةِ تعوي الذئاب.
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
من هنا مرَّ شعبي
عارياً وضامراً يَسْحَبُ خَلْفَهُ
نهراً يابساً
وصقوراً كهلة.
بيروت أيار 1980
ثغاء النحاس
الآباءُ حدثونا عن الغزو والثاراتِ
ولكنهم لم يحدثونا عن الشهداء.
أجراسُ القطيعِ كانت كلَّ شيءٍ،
ثغاءُ النحاس
لم ينقطع أبداً.
والأنهارُ والواحات تفرُّ
من تحتِ سنابكِ الخيلِ في الليل.
الليلُ والخيل.
أهذا هو التاريخ؟
بيروت أيار 1980
من ديوان "رعاةُ العزلة"
عمان 1986
منفى
أرأيتِ؟
نحن لم نتغيَّر كثيراً
وربّما لم نتغير أبداً:
الألفاظُ المشبعةُ
النبرةُ البدويةُ
العناقُ الطويلُ
السؤالُ عن الأهل والمواشي
الضحكةُ المجلجلةُ
رائحةُ الحطبِ القديم
ما تزالُ تعبقُ في ثيابنا.
أرأيتِ؟
نحن لم نتغيَّر كثيراً
وربما لم نتغير أبداً:
جلساتُ القرفصاءِ
الغسيلُ المحتشدُ أمامَ البيوتِ
الأولادُ المعفرونَ بالترابِ
الشايُ المنعنعُ في المساءات
النميمةُ المنعشةُ
الرضى بالقليلِ
الأخذُ بالثأرِ
والدمُ الذي لا يصيرُ ماءً،
كأننا ما نزالُ في المفرق
أو السلط، في الكرك أو الرمثا.
كأننا ما اجتزنا حدودَ الشمالِ
إلى المدن الكبرى والسواحل.
حيث تهدُر حربٌ
ويَهدُر بحرٌ
ويمسكُ الغرباءُ بعضَهم بعضاً
من الياقاتِ،
أو يطلقونَ الرصاصَ
من شرفاتِهم
على حبال الغسيل.
بيروت 29/1/1982