صفحة 1
حوار مع الرئيس...
اهتزت المرأة كثيراً.. خرجت كل أصواتها المكتومة، التي أعرف ولا أعرف، أمسكت بأصابعي تحدثني، شعرت أن «ريختر» أعصابها بلغ آخر مداه، قالت الخرساء المنفعلة:
ـ خرج الصم والبكم في اعتصام.. فهل يتفرج العميان عليهم؟
سألتها الهدوء.. ازدادت عصبية، قلت:
ـ وما السبب؟
بسرعة شديدة جاءني الجواب:
ـ الشرطة سحلت أصم أبكم في الميدان الكبير، عندما تجاوز الميدان الذي سيمر منه الرئيس إلى مجلس الوزراء للاجتماع بالحكومة.
ـ كيف؟
ـ بينما كان يعبر الطريق، زعق الضابط به، لم يسمعه، سبّه، مضى نحو الجهة الأخرى من الميدان، جهاز الضابط كان قد أرسل إشارة، استقبلها ضابط آخر عند الجانب الذي سيصل إليه الأبكم.. ولما وصل، انهالت عليه الهراوات واللكمات، وشتى صنوف الضرب، سواء بالأرجل، أم بالأيدي، ولما اكتشفوا أنه معوّق.. تركوه ينزف دمه وعادوا إلى مواقع «التشريفة!».
ـ افتراء وجبروت.
فار دم المرأة لجوابي، فهذا لا يبلّ ريقها، وحركت أصابعي وسبتني أنا وجميع العميان.. محتقرة كل الفصيل الذي أنتمي إليه.. قالت:
ـ لا تملكون نخوة، ماء يجري في عروقكم وليس دماً.
ـ أي.. يا مرة قليلة حياء.
***
غادرت زوجي الصمّاء البكماء للمشاركة في الاعتصام، بعدما أبلغتني أن الصم سيطالبون بحقهم، ولن يعيقهم شيء!
فكرت فيما لو حدث لها مكروه.. قلت لنفسي: هل سيتركهم الأمن ليعكروا مزاج السيد الرئيس وأصحاب المعالي الوزراء، خاصة وزير الداخلية؟
جال خاطري حيال موتها.. أو إحداث عاهة مستديمة لها، ألا يكفي أنها بكماء.. صمّاء؟ ماذا سأفعل مع العيال... وا... وا...
***
مرت ساعة، رن جرس التليفون، لما رفعت السمّاعة كان البحيري يمازحني:
ـ كانت ليلة من إياهم؟
قلت مهموماً:
ـ اسألني عن النهار.
ـ مالك؟
رويت للبحيري الحكاية، أدهشني بقوله:
ـ معها الحق.
ـ كيف؟
ـ سأعاود الاتصال بك.
***
شغلني الجانب الإنساني تارة، غرزت في رمال النبل وحقوق الإنسان المعوق، وغيره، في بلاد ترى في عسكري الأمن.. السلطة وتخشاه.. فكيف بموكب الرئيس و«التشريفة» الخاصة به؟
أيقنت أن الصم البكم، سيواجهون هولاً ما بعده.. رن جرس التليفون
ـ بحيري
ـ سنخرج لنشاركهم.. افتح الراديو يا أخي.. تابع الأخبار.
ـ أخبار؟
***
اعتصم نحو 50 ألفاً من إخواننا الصم البكم في ميدان... رافعين لافتات سلمية، تطالب باستقالة وزير الداخلية.. هذا وقد حاصرت قوات الأمن كل المداخل والمخارج المؤدية إلى الميدان.. ونناشد السادة المواطنين الالتزام بتعليمات الأمن.. حفاظاً على استقرار البلاد.. ووحدة الصف.
أدرت قرص التليفون.. جاءني صوت البحيري:
ـ لن نتجه إلى الميدان نفسه.. سوف نخرج إلى ميدان.. الساعة 12 ظهراً نجتمع هناك.. كلنا وسنطالب بحوار مع الرئيس!
***
ميدان للصم البكم وآخر للعميان.. حوار مع الرئيس.. الله أكبر، ناديت عجمي البواب، أوصلني إلى الباص.. صعدت متجهاً إلى الميدان.. وكان معي الكثير من العميان، ينصتون إلى راديو كان بحوزة أحدهم.
حاول الأمن تفرقة اعتصام الصم البكم، اندلعت المواجهات الدامية، ضرب هنا وصد هناك.. اشتد الأمر سوءاً، إذ وصل أكثر من مائتي ألف أصم أبكم إلى مداخل الميدان واشتبكوا مع أفراد الأمن.. نجحوا في فتح ثغرات عديدة.. سقط قتلى وجرحى من الطرفين، ولم تفلح القنابل المسيّلة للدموع في فض الحالة.. إذ تحصن الصم البكم بأصابع «الفيكس» هذه التي منعت الاختناق، ومحلول طبي للعين يقاوم تسييل الدموع.. هذا ما تقوله: لندن!
***
اهتزت المرأة كثيراً.. خرجت كل أصواتها المكتومة، التي أعرف ولا أعرف، أمسكت بأصابعي تحدثني، شعرت أن «ريختر» أعصابها بلغ آخر مداه، قالت الخرساء المنفعلة:
ـ خرج الصم والبكم في اعتصام.. فهل يتفرج العميان عليهم؟
سألتها الهدوء.. ازدادت عصبية، قلت:
ـ وما السبب؟
بسرعة شديدة جاءني الجواب:
ـ الشرطة سحلت أصم أبكم في الميدان الكبير، عندما تجاوز الميدان الذي سيمر منه الرئيس إلى مجلس الوزراء للاجتماع بالحكومة.
ـ كيف؟
ـ بينما كان يعبر الطريق، زعق الضابط به، لم يسمعه، سبّه، مضى نحو الجهة الأخرى من الميدان، جهاز الضابط كان قد أرسل إشارة، استقبلها ضابط آخر عند الجانب الذي سيصل إليه الأبكم.. ولما وصل، انهالت عليه الهراوات واللكمات، وشتى صنوف الضرب، سواء بالأرجل، أم بالأيدي، ولما اكتشفوا أنه معوّق.. تركوه ينزف دمه وعادوا إلى مواقع «التشريفة!».
ـ افتراء وجبروت.
فار دم المرأة لجوابي، فهذا لا يبلّ ريقها، وحركت أصابعي وسبتني أنا وجميع العميان.. محتقرة كل الفصيل الذي أنتمي إليه.. قالت:
ـ لا تملكون نخوة، ماء يجري في عروقكم وليس دماً.
ـ أي.. يا مرة قليلة حياء.
***
غادرت زوجي الصمّاء البكماء للمشاركة في الاعتصام، بعدما أبلغتني أن الصم سيطالبون بحقهم، ولن يعيقهم شيء!
فكرت فيما لو حدث لها مكروه.. قلت لنفسي: هل سيتركهم الأمن ليعكروا مزاج السيد الرئيس وأصحاب المعالي الوزراء، خاصة وزير الداخلية؟
جال خاطري حيال موتها.. أو إحداث عاهة مستديمة لها، ألا يكفي أنها بكماء.. صمّاء؟ ماذا سأفعل مع العيال... وا... وا...
***
مرت ساعة، رن جرس التليفون، لما رفعت السمّاعة كان البحيري يمازحني:
ـ كانت ليلة من إياهم؟
قلت مهموماً:
ـ اسألني عن النهار.
ـ مالك؟
رويت للبحيري الحكاية، أدهشني بقوله:
ـ معها الحق.
ـ كيف؟
ـ سأعاود الاتصال بك.
***
شغلني الجانب الإنساني تارة، غرزت في رمال النبل وحقوق الإنسان المعوق، وغيره، في بلاد ترى في عسكري الأمن.. السلطة وتخشاه.. فكيف بموكب الرئيس و«التشريفة» الخاصة به؟
أيقنت أن الصم البكم، سيواجهون هولاً ما بعده.. رن جرس التليفون
ـ بحيري
ـ سنخرج لنشاركهم.. افتح الراديو يا أخي.. تابع الأخبار.
ـ أخبار؟
***
اعتصم نحو 50 ألفاً من إخواننا الصم البكم في ميدان... رافعين لافتات سلمية، تطالب باستقالة وزير الداخلية.. هذا وقد حاصرت قوات الأمن كل المداخل والمخارج المؤدية إلى الميدان.. ونناشد السادة المواطنين الالتزام بتعليمات الأمن.. حفاظاً على استقرار البلاد.. ووحدة الصف.
أدرت قرص التليفون.. جاءني صوت البحيري:
ـ لن نتجه إلى الميدان نفسه.. سوف نخرج إلى ميدان.. الساعة 12 ظهراً نجتمع هناك.. كلنا وسنطالب بحوار مع الرئيس!
***
ميدان للصم البكم وآخر للعميان.. حوار مع الرئيس.. الله أكبر، ناديت عجمي البواب، أوصلني إلى الباص.. صعدت متجهاً إلى الميدان.. وكان معي الكثير من العميان، ينصتون إلى راديو كان بحوزة أحدهم.
حاول الأمن تفرقة اعتصام الصم البكم، اندلعت المواجهات الدامية، ضرب هنا وصد هناك.. اشتد الأمر سوءاً، إذ وصل أكثر من مائتي ألف أصم أبكم إلى مداخل الميدان واشتبكوا مع أفراد الأمن.. نجحوا في فتح ثغرات عديدة.. سقط قتلى وجرحى من الطرفين، ولم تفلح القنابل المسيّلة للدموع في فض الحالة.. إذ تحصن الصم البكم بأصابع «الفيكس» هذه التي منعت الاختناق، ومحلول طبي للعين يقاوم تسييل الدموع.. هذا ما تقوله: لندن!
***
صفحة 2
تقول الإذاعة:
ـ اعتصم أكثر من 70 ألفاً من العميان في ميدان..... تضامناً مع الصم البكم الذين نجحوا في السيطرة على الموقف في ميدان.....، وكيف أن الاعتصامات جمعت بين رجال ونساء وأطفال المعوقين، هنا وهناك، ولفتت إلى أن العميان يطالبون بحوار مع الرئيس الذي رفض الاستجابة إلى مطالبهم، وكيف أن صم وبكم لندن خرجوا في تظاهرة سلمية تضامناً مع إخوانهم المعوّقين في بلادنا.
***
لما أدرك الصم والبكم خروجنا.. أسرع أكثر من 50 ألفاً منهم للتجمّع معنا.. فأصبحوا أعيننا وصرنا نحن صوتهم، وجرّب الأمن معنا ما جرّبه معهم، ربما سقط منا عدد أكبر، لكن المواجهات زادتنا إصراراً على المضيّ نحو هدفنا!
***
الحوار مع الرئيس!!
***
قالت الخرساء:
ليس لمبصرة أن تتزوج أعمى، لكني تزوجتك ظناً أنك رجل، لن تتركني وجماعتي للسلطة تعذّبنا، نحن نواجه الشرطة الآن.. ويعلم الله من سنواجه في الغد!
ما قالته أخذني إلى التأمل، فكّرت أن بيتنا ينهار.. لن نعود إليه مرة أخرى، وأن الأولاد سيواجهون مستقبلاً تعساً، وأن السلطة ـ لا محالة ـ ستنتصر علينا، نعم غاب النور عن عيني، وبقيت هي تعيش في عالم من الصمت، لست أدري عن ضوضائه شيئاً، ربما الضوضاء ليست تماماً ما يصل إلينا صوتاً، إنما هي تجيء من العمق، فتصبح الصوت الأشد إيلاماً.
هي عيناي، أنا صوتها، هكذا حال المعوّقين، الاثنان بواحد صحيح!، كان يكفي المسؤولين تلك الحقيقة، نحن نكابد الكثير، ونشاهد الفيلم في التلفزيون متجاورين، أسمع وأصابعها بين أصابعي، هي تنقل الصورة وأنا الحوار.. هكذا نتكامل لعالمينا مع الحياة، كانت شديدة الذكاء، فهي ابنة لوالدين.. كانا من الأصحاء، وجاءت إعاقتها بقدر من الله، كذلك أصبحت ضريراً.
أحببنا الوطن.. هتفنا له كثيراً، وغنينا أناشيد الحرية، كنا نحلم من أجله.. بأمل أن يعيش أولادنا حياة أفضل، رزقنا الله ثلاثة، ولدين وبنتاً كلهم أصحاء، له الحمد.. يدرسون على وعد بالتفوق، نتسامر ونسهر معاً، ولو كان الترمس والبطاطا الحلوة هما كل ما يمكننا الاستمتاع به.. في هذه اللحظات.
سعدت كثيراً بزواجي منها، وكانت فرحانة، قلت لها:
ـ من حقنا الحياة/الكريمة.
قالت:
ـ من حقنا
***
كانت جميلة جداً يا بحيري، كانت الدنيا.. وأنت لا تستطيع منع الحياة عن أشياء كثيرة، لكنه قال ساخراً:
ـ أعمى تزوج بكماء.. هكذا قرّرت لكما الحياة.. فماذا ستنجبان؟
ـ يكفي أن ننجب يا بحيري.
سأقول للرئيس: كانت تعدّ لنا طعاماً شهيّاَ، مرتين في الأسبوع ـ وكيف أن قطعة اللحم الدسم، كانت تتملص من أصابعي، فكانت تعيدها إليّ، ولما تغيّرت الأمور واشتدّت علينا الأزمات الاقتصادية، إثر عوامل داخلية، لنا يد فيها، وأخرى خارجية، وصار اللحم بطاطس، صنعت الصماء كثيراً من أنواعها الشهيّة، هي والباذنجان والفلفل الأخضر.. القرنبيط والطماطم، لكن الزيت ارتفع سعره، بينما كان برميل النفط يتجاوز سعره المائة دولار.. ناهيك عن الغاز.. السياحة، لذا لجأت إلى البطاطس المسلوقة.. تضع فيها بعض التوابل، ليسهل بلعها، لم نتذمر، وكنا نقنع العيال، بأن إعلانات «الفاست فود»:.. هي مجرّد تحريض على ضياع الهوية والصحة!
قلنا ذلك كثيراً، بينما كنا نعتصر ألماً، فنحن أيضاً اشتهينا تلك الأطعمة، ولو لمجرّد التعرّف إلى مذاقها.
سأقول أيضاً: إن كل وعود الرخاء لشعب عانى الكثير.. قد تعرّضت لمؤامرات دنيئة لا يد لكم، أو لحكوماتكم الرشيدة فيها.
وإذا غضب الرئيس، سأذكّره بما صنعه حينما فزنا بالكأس الدولية في كرم القدم، كيف تم تكريم اللاعبين، وأهم حدث، تمثل في رفع سيادته بيديه الكأس الكريمة إلى أعلى.. حينها هللنا، رقصنا وغنينا.. فليس لدينا إنجازات أخرى.. لا، لن أشير إلى عدم وجود الإنجازات، فقد أنجزت أسرة رأفت مصلح جارنا الذي ارتحل بأسرته إلى ناحية راقية ليسكنوا فيها، بعدما عملت ابنته في الإعلانات، ومنها إلى السينما.
سأقول أشياء كثيرة، وسأذكر الرئيس بعيد الشجر.. عيد الفلاح، العمال.. ويوم المعاق/الإنسان.. وكيف أن الشجر حزن جداً، بعدما لم نعد نحتفل به، بيد أنه صار يسبّ كل من أراد أن يستظل بظله، ويلعن أي يد تمتد لقطف ثمرة منه، وصارت مهمته الوحيدة في البلاد.. أن صار خلفية خضراء، لوطن عاش آلاف السنين أخضر بعطاء.. أصبحت الخضرة فيه عقيماً..
الفلاح هجر أرضه، وتحولت إلى بنايات شوهاء، يسكنها هو وأولاده هؤلاء الذين ذهبوا شرقاً وغرباً بحثاً عن رزقهم.. هرباً من بلاد ندر فيها رزق الغلابة.. بعد أن صار في يد حفنة.. يقال إنها فسدت وأفسدت ولاتزال!
إضرابات العمال أصبحت أكثر من إنتاجهم.. خروج إلى معاش مبكر.. بيع وشراء، صاروا معوّقين مثلنا تماماً، يعتمدون استهلاك البضائع الصينية.. مثلنا تماماً.. وكيف أن زوجاتهم يشكين جفاف لياليهن، جراء الحالة النفسية لأزواجهن.
سأقول للرئيس أشياء كثيرة.
***
ـ اعتصم أكثر من 70 ألفاً من العميان في ميدان..... تضامناً مع الصم البكم الذين نجحوا في السيطرة على الموقف في ميدان.....، وكيف أن الاعتصامات جمعت بين رجال ونساء وأطفال المعوقين، هنا وهناك، ولفتت إلى أن العميان يطالبون بحوار مع الرئيس الذي رفض الاستجابة إلى مطالبهم، وكيف أن صم وبكم لندن خرجوا في تظاهرة سلمية تضامناً مع إخوانهم المعوّقين في بلادنا.
***
لما أدرك الصم والبكم خروجنا.. أسرع أكثر من 50 ألفاً منهم للتجمّع معنا.. فأصبحوا أعيننا وصرنا نحن صوتهم، وجرّب الأمن معنا ما جرّبه معهم، ربما سقط منا عدد أكبر، لكن المواجهات زادتنا إصراراً على المضيّ نحو هدفنا!
***
الحوار مع الرئيس!!
***
قالت الخرساء:
ليس لمبصرة أن تتزوج أعمى، لكني تزوجتك ظناً أنك رجل، لن تتركني وجماعتي للسلطة تعذّبنا، نحن نواجه الشرطة الآن.. ويعلم الله من سنواجه في الغد!
ما قالته أخذني إلى التأمل، فكّرت أن بيتنا ينهار.. لن نعود إليه مرة أخرى، وأن الأولاد سيواجهون مستقبلاً تعساً، وأن السلطة ـ لا محالة ـ ستنتصر علينا، نعم غاب النور عن عيني، وبقيت هي تعيش في عالم من الصمت، لست أدري عن ضوضائه شيئاً، ربما الضوضاء ليست تماماً ما يصل إلينا صوتاً، إنما هي تجيء من العمق، فتصبح الصوت الأشد إيلاماً.
هي عيناي، أنا صوتها، هكذا حال المعوّقين، الاثنان بواحد صحيح!، كان يكفي المسؤولين تلك الحقيقة، نحن نكابد الكثير، ونشاهد الفيلم في التلفزيون متجاورين، أسمع وأصابعها بين أصابعي، هي تنقل الصورة وأنا الحوار.. هكذا نتكامل لعالمينا مع الحياة، كانت شديدة الذكاء، فهي ابنة لوالدين.. كانا من الأصحاء، وجاءت إعاقتها بقدر من الله، كذلك أصبحت ضريراً.
أحببنا الوطن.. هتفنا له كثيراً، وغنينا أناشيد الحرية، كنا نحلم من أجله.. بأمل أن يعيش أولادنا حياة أفضل، رزقنا الله ثلاثة، ولدين وبنتاً كلهم أصحاء، له الحمد.. يدرسون على وعد بالتفوق، نتسامر ونسهر معاً، ولو كان الترمس والبطاطا الحلوة هما كل ما يمكننا الاستمتاع به.. في هذه اللحظات.
سعدت كثيراً بزواجي منها، وكانت فرحانة، قلت لها:
ـ من حقنا الحياة/الكريمة.
قالت:
ـ من حقنا
***
كانت جميلة جداً يا بحيري، كانت الدنيا.. وأنت لا تستطيع منع الحياة عن أشياء كثيرة، لكنه قال ساخراً:
ـ أعمى تزوج بكماء.. هكذا قرّرت لكما الحياة.. فماذا ستنجبان؟
ـ يكفي أن ننجب يا بحيري.
سأقول للرئيس: كانت تعدّ لنا طعاماً شهيّاَ، مرتين في الأسبوع ـ وكيف أن قطعة اللحم الدسم، كانت تتملص من أصابعي، فكانت تعيدها إليّ، ولما تغيّرت الأمور واشتدّت علينا الأزمات الاقتصادية، إثر عوامل داخلية، لنا يد فيها، وأخرى خارجية، وصار اللحم بطاطس، صنعت الصماء كثيراً من أنواعها الشهيّة، هي والباذنجان والفلفل الأخضر.. القرنبيط والطماطم، لكن الزيت ارتفع سعره، بينما كان برميل النفط يتجاوز سعره المائة دولار.. ناهيك عن الغاز.. السياحة، لذا لجأت إلى البطاطس المسلوقة.. تضع فيها بعض التوابل، ليسهل بلعها، لم نتذمر، وكنا نقنع العيال، بأن إعلانات «الفاست فود»:.. هي مجرّد تحريض على ضياع الهوية والصحة!
قلنا ذلك كثيراً، بينما كنا نعتصر ألماً، فنحن أيضاً اشتهينا تلك الأطعمة، ولو لمجرّد التعرّف إلى مذاقها.
سأقول أيضاً: إن كل وعود الرخاء لشعب عانى الكثير.. قد تعرّضت لمؤامرات دنيئة لا يد لكم، أو لحكوماتكم الرشيدة فيها.
وإذا غضب الرئيس، سأذكّره بما صنعه حينما فزنا بالكأس الدولية في كرم القدم، كيف تم تكريم اللاعبين، وأهم حدث، تمثل في رفع سيادته بيديه الكأس الكريمة إلى أعلى.. حينها هللنا، رقصنا وغنينا.. فليس لدينا إنجازات أخرى.. لا، لن أشير إلى عدم وجود الإنجازات، فقد أنجزت أسرة رأفت مصلح جارنا الذي ارتحل بأسرته إلى ناحية راقية ليسكنوا فيها، بعدما عملت ابنته في الإعلانات، ومنها إلى السينما.
سأقول أشياء كثيرة، وسأذكر الرئيس بعيد الشجر.. عيد الفلاح، العمال.. ويوم المعاق/الإنسان.. وكيف أن الشجر حزن جداً، بعدما لم نعد نحتفل به، بيد أنه صار يسبّ كل من أراد أن يستظل بظله، ويلعن أي يد تمتد لقطف ثمرة منه، وصارت مهمته الوحيدة في البلاد.. أن صار خلفية خضراء، لوطن عاش آلاف السنين أخضر بعطاء.. أصبحت الخضرة فيه عقيماً..
الفلاح هجر أرضه، وتحولت إلى بنايات شوهاء، يسكنها هو وأولاده هؤلاء الذين ذهبوا شرقاً وغرباً بحثاً عن رزقهم.. هرباً من بلاد ندر فيها رزق الغلابة.. بعد أن صار في يد حفنة.. يقال إنها فسدت وأفسدت ولاتزال!
إضرابات العمال أصبحت أكثر من إنتاجهم.. خروج إلى معاش مبكر.. بيع وشراء، صاروا معوّقين مثلنا تماماً، يعتمدون استهلاك البضائع الصينية.. مثلنا تماماً.. وكيف أن زوجاتهم يشكين جفاف لياليهن، جراء الحالة النفسية لأزواجهن.
سأقول للرئيس أشياء كثيرة.
***
صفحة 3
سافر الوزيري إلى بلدة نفطية، كانت على الخريطة ذات يوم، ترك امرأة بضة جميلة اسمها نعيمة، غاب الرجل وكبرت ابنته، وخرجت نعيمة تبحث عن الرزق، كان يجيئها.. والله ستّار حليم.
ذات ليلة جاءتنا نعيمة باكية، استقبلناها، جلست، تكلمت وأصابعي في أصابع الخرساء، قالت:
ـ في عداد المفقودين.. هكذا أفادوني بداية، غداً يعود في تابوت.
ـ يا ساتر.
ـ سأترك البنت لأهله.. سأتزوج.
بعدها عرفنا أنها تزوجت قواداً، لكنها تحرص على زيارة ابنتها والإنفاق عليها.
لما عرف البحيري، بصق قائلاً:
ـ حرام.
***
جاءتنا الأخبار سريعة، عرفنا أن القناة المزعجة ـ دولياً ـ بثت فيلماً عنا، شاهدته الدنيا كلها، وآخر عن تضامن المعوّقين الإنجليز معنا. وكيف أنهم أصبحوا بالآلاف، حتى إن ساحة «الهايد بارك» امتلأت تماماً بالخطباء والمستمعين، ليس هذا بل بثّت فيلماً عن المعوّقين الهنود.. الذين خرجوا في تظاهرات سلمية، للتضامن معنا.
هلّلنا جميعاً، ازداد بطش رجال الشرطة.. تزايدت المقاومة، ربما شعرت أنني أبصر لأول مرة في حياتي، وأن الصم البكم.. يتكلمون ويسمعون، وأنه لا مجال للتراجع، كي لا نهزم معوّقي العالم في الأماكن التي تضامنت معنا.
إثر هراوة نزلت على رأسي، سقطت أرضاً، بدا لي أن حائطاً بشرياً منع عني كثيراً من الضرب، غبت مع نفسي، تذكرت زملائي في كانون الثاني/يناير 1977، عندما خرجوا، عاد منهم الذي عاد.. لكنها كانت عودة مختلفة، دون روح.. وبلا حماس كانوا عليه، ولست أدري لماذا حضرني مملوك، حكم لمدة عام، صدّ فيها التتار وبينما هو عائد مظفراً، قتله صديقه واستولى على الحكم.
خرج الشعب.. وهتف للحاكم الجديد، لا أدري بما هتف الناس حينها، أعتقد بأنهم ما عرفوا ترنيمة:
بالروح والدم.. تلك التي تعهدناها منذ زمن!
بدت أحلام زوجتي، كما لو كانت معي، وأن الزمن عاد بنا إلى ليلة الدخلة.. حيث أدركت أن للخرساء صوتاً جميلاً على الفراش، وأن الأعمى رآها بالإحساس، مارسنا الحب/الالتحام كثيراً، كانت أنفاسي فيها.. عطرها أنعش صدري، والتالي لا يعرفه الإنسان، لكنه يعيشه.
قدّر لنا أن يخفي كل منا عن الآخر أحداثاً عاشها.. في حياته الخاصة.. قبل أن نلتقي، وكان من السخف أن يستمر ذلك، فعندما توحّدنا في مشاهدة فيلم عاطفي، قالت لي:
ـ لست الحب الأول في حياتي.
ـ كيف؟
ـ كان هناك شاب تعلق بي، بينما أدرس في المدرسة الثانوية، اسمه مدحت.. وكان يعرف أني صماء، صددته كثيراً، لكنه أصر.. لكن أنت!
ـ دعك مني.. حدّثيني عن مدحت.
ضحكت قائلة:
ـ ألا تغار؟
ـ أغار.
ـ تقابلنا أربع.. خمس مرات، عجز عن الحوار معي، لما حاول أن يلمس جسدي، أدركت أن المراهقة كانت دافعه.. لا قلبه.
ـ إلى هذا الحد فقط، انتهى الأمر.
ـ نعم.. وأنت.
شعرت حينها أنه ينبغي احترام لحظات البوح.. ليس لأنها لا تأتي كثيراً مع الآخر، إنما لأن كل إنسان يحتاجها، وعليه ألّا يضيّعها لمجرّد ارتداء قناع، فقلت لها، كان صديقي شكري محباً للنساء، لا يمانع في اجتراع الخمر، وبما أنني أعمى.. فقد سألته كثيراً عن النساء، عالمهن ـ جمالهن، كثرت أسئلتي، فوعدني أن أعيش ليلة عمر.
ـ وعشتها.
ـ عشتها.
ـ احكِ لي.
في مغرب شتوي، جاءني وأخذني إلى شقة تخص صديقاً له، سمعت أغنية لأم كلثوم، وضحكات شبابية ونسائية، ناولني أول كأس خمر شربتها في حياتي، الثانية، وقبل أن تنتهي أغنية الست ـ سحبني إلى غرفة بالشقة، أغلق الباب وهمس لي.. ألا أخبر المرأة أني أعمى، فهو سيخبرها أني شربت كثيراً، وعليها أن تعيدني إلى الصحو.
ـ لماذا؟
ذات ليلة جاءتنا نعيمة باكية، استقبلناها، جلست، تكلمت وأصابعي في أصابع الخرساء، قالت:
ـ في عداد المفقودين.. هكذا أفادوني بداية، غداً يعود في تابوت.
ـ يا ساتر.
ـ سأترك البنت لأهله.. سأتزوج.
بعدها عرفنا أنها تزوجت قواداً، لكنها تحرص على زيارة ابنتها والإنفاق عليها.
لما عرف البحيري، بصق قائلاً:
ـ حرام.
***
جاءتنا الأخبار سريعة، عرفنا أن القناة المزعجة ـ دولياً ـ بثت فيلماً عنا، شاهدته الدنيا كلها، وآخر عن تضامن المعوّقين الإنجليز معنا. وكيف أنهم أصبحوا بالآلاف، حتى إن ساحة «الهايد بارك» امتلأت تماماً بالخطباء والمستمعين، ليس هذا بل بثّت فيلماً عن المعوّقين الهنود.. الذين خرجوا في تظاهرات سلمية، للتضامن معنا.
هلّلنا جميعاً، ازداد بطش رجال الشرطة.. تزايدت المقاومة، ربما شعرت أنني أبصر لأول مرة في حياتي، وأن الصم البكم.. يتكلمون ويسمعون، وأنه لا مجال للتراجع، كي لا نهزم معوّقي العالم في الأماكن التي تضامنت معنا.
إثر هراوة نزلت على رأسي، سقطت أرضاً، بدا لي أن حائطاً بشرياً منع عني كثيراً من الضرب، غبت مع نفسي، تذكرت زملائي في كانون الثاني/يناير 1977، عندما خرجوا، عاد منهم الذي عاد.. لكنها كانت عودة مختلفة، دون روح.. وبلا حماس كانوا عليه، ولست أدري لماذا حضرني مملوك، حكم لمدة عام، صدّ فيها التتار وبينما هو عائد مظفراً، قتله صديقه واستولى على الحكم.
خرج الشعب.. وهتف للحاكم الجديد، لا أدري بما هتف الناس حينها، أعتقد بأنهم ما عرفوا ترنيمة:
بالروح والدم.. تلك التي تعهدناها منذ زمن!
بدت أحلام زوجتي، كما لو كانت معي، وأن الزمن عاد بنا إلى ليلة الدخلة.. حيث أدركت أن للخرساء صوتاً جميلاً على الفراش، وأن الأعمى رآها بالإحساس، مارسنا الحب/الالتحام كثيراً، كانت أنفاسي فيها.. عطرها أنعش صدري، والتالي لا يعرفه الإنسان، لكنه يعيشه.
قدّر لنا أن يخفي كل منا عن الآخر أحداثاً عاشها.. في حياته الخاصة.. قبل أن نلتقي، وكان من السخف أن يستمر ذلك، فعندما توحّدنا في مشاهدة فيلم عاطفي، قالت لي:
ـ لست الحب الأول في حياتي.
ـ كيف؟
ـ كان هناك شاب تعلق بي، بينما أدرس في المدرسة الثانوية، اسمه مدحت.. وكان يعرف أني صماء، صددته كثيراً، لكنه أصر.. لكن أنت!
ـ دعك مني.. حدّثيني عن مدحت.
ضحكت قائلة:
ـ ألا تغار؟
ـ أغار.
ـ تقابلنا أربع.. خمس مرات، عجز عن الحوار معي، لما حاول أن يلمس جسدي، أدركت أن المراهقة كانت دافعه.. لا قلبه.
ـ إلى هذا الحد فقط، انتهى الأمر.
ـ نعم.. وأنت.
شعرت حينها أنه ينبغي احترام لحظات البوح.. ليس لأنها لا تأتي كثيراً مع الآخر، إنما لأن كل إنسان يحتاجها، وعليه ألّا يضيّعها لمجرّد ارتداء قناع، فقلت لها، كان صديقي شكري محباً للنساء، لا يمانع في اجتراع الخمر، وبما أنني أعمى.. فقد سألته كثيراً عن النساء، عالمهن ـ جمالهن، كثرت أسئلتي، فوعدني أن أعيش ليلة عمر.
ـ وعشتها.
ـ عشتها.
ـ احكِ لي.
في مغرب شتوي، جاءني وأخذني إلى شقة تخص صديقاً له، سمعت أغنية لأم كلثوم، وضحكات شبابية ونسائية، ناولني أول كأس خمر شربتها في حياتي، الثانية، وقبل أن تنتهي أغنية الست ـ سحبني إلى غرفة بالشقة، أغلق الباب وهمس لي.. ألا أخبر المرأة أني أعمى، فهو سيخبرها أني شربت كثيراً، وعليها أن تعيدني إلى الصحو.
ـ لماذا؟
صفحة 4
ـ كي تتحرك المرأة نحوي.. تصبح إلى جواري على الفراش.. والباقي سهل.
ـ وهل حدث؟
ـ نعم.
ـ أتغارين؟
ـ أغار.
ـ كانت تلك المرأة الأولى.. الأخيرة في الحرام.. قلت لها، من ثم التحمنا في الفراش، وكانت ليلة جميلة.
***
إثر إفاقتي قال البحيري:
ـ تمنيت لك الراحة.
ـ بالموت.
ـ به يا أخي.
ضحكنا، ولما شعرت أن الأمر أكثر هدوءاً من رجال الشرطة، سألت البحيري عن السبب، قال فرِحاً:
ـ العالم مقلوب.. والضغط على الرئيس والحكومة بلغ مداه.
ـ كيف؟
ـ خرجوا في باكستان وأستراليا.. فرنسا وألمانيا، تظاهرات المعوّقين في كل مكان في العالم.. تضامناً معنا.. حتى في أميركا اللاتينية والجنوبية.. وآخر الأخبار، وزير الداخلية سوف يتوجه إلى اعتصام الصم البكم للتفاهم معهم وإنهاء الأمر.
ـ وهل ينهونه؟
ـ لنر.
تمنيت في لحظة أن ينتهي الأمر، أن تعود زوجتي إلى البيت.. لنكمل المشوار مع أولادنا.. الآن، لست أدري لماذا أتمنى الاستمرار.. العالم المعوّق كله إلى جوارنا.. الدنيا مقلوبة، هززت بحيري، سألته:
ـ هل حكم أعمى شعباً ما؟
ضحك البحيري.. قهقه:
ـ يمكن تكون أولهم.
ـ أنا؟
ـ أعرف أن حكم أمة ما.. أعور.
ـ عين واحدة.. مكّنته أن يسحل ويعذب، فكيف بصاحب الاثنتين؟
العميان لا يحكمون.. ولا الصم البكم، أو الجالسون على كراسٍ بشلل ما.. إنما يحكم الأصحاء، شكراً للتاريخ الذي جاء بأعور ـ هنا وهناك، بيد أن مثيله في حرب ما، انتزع لإسرائيل من العرب مرتفعات وشبه جزيرة وغيرهما، لكنه امتلك عيناً على الأقل! هذا الذي راودني من خواطر اجتاحتني في الحال، فقلت للبحيري:
ـ حتى إذا تجاوب الصم البكم، علينا الاستمرار، فليس لدينا عيون نخسرها، أو قصور نفقدها، إن الله لن يتخلى عنا.. عن الأولاد.. واللحظة قد تمنحنا تاريخاً، ليس لمعوّقين على وجه الأرض.. مثله.
ـ أصبحت ثورياً يا ثرثار.
قالها بسخرية، بدت لي ممزوجة بشيء من الأمل/ الرجاء.
***
نمنا على الرغم من ارتفاع مكبّرات الصوت، عندها زارني المهاتما غاندي، قال بصوت خفيض:
ـ نعم امتلكت عينين ولساناً وشفتين، لكني كنت معوقاً مثلكم.. لا سلاح ولا مال.. ولا دعم كما الذي تحظون به.. وكان سلاحي الصمت والسلم، ومقاطعة كل ما هو بريطاني.. تشبثوا يا رفاق!
نهضت من فوري.. استفاق البحيري على صوت مكبرات الصوت:
ـ فضوا الاعتصام.. فقد عاد الصم والبكم إلى بيوتهم، بعد أن وعدتهم الحكومة بإنشاء المزيد من المدارس لهم والأندية الرياضية، وتسهيل حصولهم على مساكن ـ وتقديم قروض للزواج من دون فوائد.. وا.. وا.
تجاوزنا الذي سمعناه، كانت أخبار العالم كله لدينا، وعرفنا أن البصاق الذي حصل عليه الوزير.. يكفي لإقامة النهر القذر.. ليكون الأول من نوعه في التاريخ!
ـ وهل حدث؟
ـ نعم.
ـ أتغارين؟
ـ أغار.
ـ كانت تلك المرأة الأولى.. الأخيرة في الحرام.. قلت لها، من ثم التحمنا في الفراش، وكانت ليلة جميلة.
***
إثر إفاقتي قال البحيري:
ـ تمنيت لك الراحة.
ـ بالموت.
ـ به يا أخي.
ضحكنا، ولما شعرت أن الأمر أكثر هدوءاً من رجال الشرطة، سألت البحيري عن السبب، قال فرِحاً:
ـ العالم مقلوب.. والضغط على الرئيس والحكومة بلغ مداه.
ـ كيف؟
ـ خرجوا في باكستان وأستراليا.. فرنسا وألمانيا، تظاهرات المعوّقين في كل مكان في العالم.. تضامناً معنا.. حتى في أميركا اللاتينية والجنوبية.. وآخر الأخبار، وزير الداخلية سوف يتوجه إلى اعتصام الصم البكم للتفاهم معهم وإنهاء الأمر.
ـ وهل ينهونه؟
ـ لنر.
تمنيت في لحظة أن ينتهي الأمر، أن تعود زوجتي إلى البيت.. لنكمل المشوار مع أولادنا.. الآن، لست أدري لماذا أتمنى الاستمرار.. العالم المعوّق كله إلى جوارنا.. الدنيا مقلوبة، هززت بحيري، سألته:
ـ هل حكم أعمى شعباً ما؟
ضحك البحيري.. قهقه:
ـ يمكن تكون أولهم.
ـ أنا؟
ـ أعرف أن حكم أمة ما.. أعور.
ـ عين واحدة.. مكّنته أن يسحل ويعذب، فكيف بصاحب الاثنتين؟
العميان لا يحكمون.. ولا الصم البكم، أو الجالسون على كراسٍ بشلل ما.. إنما يحكم الأصحاء، شكراً للتاريخ الذي جاء بأعور ـ هنا وهناك، بيد أن مثيله في حرب ما، انتزع لإسرائيل من العرب مرتفعات وشبه جزيرة وغيرهما، لكنه امتلك عيناً على الأقل! هذا الذي راودني من خواطر اجتاحتني في الحال، فقلت للبحيري:
ـ حتى إذا تجاوب الصم البكم، علينا الاستمرار، فليس لدينا عيون نخسرها، أو قصور نفقدها، إن الله لن يتخلى عنا.. عن الأولاد.. واللحظة قد تمنحنا تاريخاً، ليس لمعوّقين على وجه الأرض.. مثله.
ـ أصبحت ثورياً يا ثرثار.
قالها بسخرية، بدت لي ممزوجة بشيء من الأمل/ الرجاء.
***
نمنا على الرغم من ارتفاع مكبّرات الصوت، عندها زارني المهاتما غاندي، قال بصوت خفيض:
ـ نعم امتلكت عينين ولساناً وشفتين، لكني كنت معوقاً مثلكم.. لا سلاح ولا مال.. ولا دعم كما الذي تحظون به.. وكان سلاحي الصمت والسلم، ومقاطعة كل ما هو بريطاني.. تشبثوا يا رفاق!
نهضت من فوري.. استفاق البحيري على صوت مكبرات الصوت:
ـ فضوا الاعتصام.. فقد عاد الصم والبكم إلى بيوتهم، بعد أن وعدتهم الحكومة بإنشاء المزيد من المدارس لهم والأندية الرياضية، وتسهيل حصولهم على مساكن ـ وتقديم قروض للزواج من دون فوائد.. وا.. وا.
تجاوزنا الذي سمعناه، كانت أخبار العالم كله لدينا، وعرفنا أن البصاق الذي حصل عليه الوزير.. يكفي لإقامة النهر القذر.. ليكون الأول من نوعه في التاريخ!