eKtab
EN ع
ولها في الأرض جذور
اقرأ عينة مجانية

ولها في الأرض جذور

بقلم سليمان سليمان

صفحة 1
الفصل الأول

ـ 1 ـ

مع الفجر وقبل شروق الشمس كان يجلس على صرّة ثيابه وهي عبارة عن بطانية عتيقة ممزقة ومرقَّعة بعدة قطع من القماش متعددة الألوان والأشكال بحيث طغت على اللون الأساسي الذي بهت لدرجة أنه صار من الصعب التعرف عليه. والتي يلف داخلها فرشة ولحافاً ومخدة.

هذا كل "عفشه" أو أثاثه الذي حمله معه إلى بيته في عالمه الجديد والمجهول في المدينة.

فالفرشة من بقايا "الشراطيط" أي قطع الثياب العتيقة. لأن أمه باعت كل صوف الفرش واللحف والمخدات التي كانت عندها عندما كان يأتي تجار الصوف الجوَّالون يشترون كل الصوف من الضيعة كما كانوا يشترون الذهب عند نهاية عهد الأتراك وقدوم الفرنسيين. فقد أخبرته جدته بأن تجار الذهب كانوا يأتون إلى الضيعة ويشترون الليرة الذهبية بخمس ليرات عملة ورقية فلا يبيعهم أحد الليرات الذهبية بليرات من الورق ولكنهم يأتون بعد اسبوع ويدفعون أربع ليرات ونصف ليرة ورقية مقابل الليرة الذهبية بحجة أن الليرة الذهبية نزلت قيمتها وأصبحت أرخص. ومع ذلك لا يبيعهم أحد الليرات الذهبية ولكنهم يعودون بعد اسبوع أو أسبوعين ويشترون الليرة الذهبية بخمس ليرات ونصف ليرة فيبيعهم بعض الناس ما عندهم من الليرات الذهبية لأن سعر الذهب تحسن ويمكن أن يصبح أرخص بعد فترة. وفعلاً يأتي التجار بعد فترة ويعرضون سعراً أرخص لليرة الذهبية ليعودوا في المرّة القادمة ويعرضون سعرأ أعلى وهكذا حتى اختفت الليرات الذهبية من عند الناس وحل محلها الليرات الورقية.

وهكذا تعامل تجار الصوف، مرّة يعرضون سعراً مرتفعاً ومرّة سعراً منخفضاً حتى اختفى الصوف كلياً من بيوت الفلاحين. وباعت أمه ما عندها من صوف وجمعت ما عندها من قطع ثياب عتيقة وبطانيات وذهبت بها إلى القرية المجاورة وندفتها على الآلة فأصبحت ناعمة مثل القطن وعملت منها فرشاً ولحفاً.

وهكذا فعل أغلب الفلاحين، لأن الصوف أصبح غالي الثمن ويمكن الاستغناء عنه والشراء بثمنه أشياء أخرى. ومَنْ أبقى، من بعض الناس، فرشَ صوفٍ فللوجاهة والتباهي والضيافة حتى إذا جاءهم ضيف يفرشون له فرشة صوف حتى يبيِّضوا وجههم أمام الضيف.

أما المخدة أي الوسادة فهي من "الرويشة" أي قشرة القمح الذي يسلق ويُعَدُّ للبرغل. فبعد جرش البرغل لتحضير "السميد" الخشن للطبخ والناعم للكبة "والسريسيرة" الأكثر نعومة، فتخلط مع اللبن لتحضير "البليلة". أما طحين "البرغل"، وهو الأنعم، فيخلط مع طحين القمح والذرة الصفراء لتحضير المشاطيح والبقعات بجميع أشكالها وأنواعها. أما قشرة البرغل أي "الرويشة" فتحشى في أكياس قماش ويصنع منها المخدات أي الوسائد، حتى قشرة القمح يستفيد منها الفلاحون.

فالمخدة لم تؤثر عليها موجة غلاء الصوف التي أثرت على الفرشة واللحاف، فهي قبل غلاء الصوف وبعده كانت من الرويشة لأن مخدات الصوف وحتى مخدات القطن لا يستعملها إلا الأغنياء، وهؤلاء غير موجودين في الضيعة.

هذا هو أثاث أغلب البيوت في القرى، الفرشة واللحاف والمخدة إلى جانب الطراحة التي تصنعها القروية بنفسها من قطع القماش البالية. أما "المسند" فيصنع من أوراق "شوشة" عرنوس الذرة الصفراء وهذه صنعة يقوم بها متخصص في صناعة المساند في كل قرية، وهي حرفة تكاد تضاهي حرفة المنجّد الذي يصنع اللحف. ولطالما نقل الفلاحون أثاث منزلهم هذا إلى المدينة، حيث يستأجر أحدهم غرفة يفرشها على نمط بيته القروي: حصيرة وطراريح ومساند وفرش ولحف ومخدات، ونادراً ما كانوا يستعملون الكراسي في بيوتهم، أكان ذلك في الضيعة أم في المدينة. لذلك حمل محمد صرّة فرشه على كتفه، وقصد باكراً، مع الفجر وقبل شروق الشمس، إلى ساحة البركة ينتظر قدوم بوسطة العديسة التي ستقله إلى بيروت.

جلس على صرّة الفرش بعد أن وضعها أرضاً وأسند ظهره إلى الحائط وتكوّر داخل ثيابه من شدّة البرد، بانتظار بوسطة خليل التي تأتي قبل شروق الشمس إلى البلدة، لتجمع المسافرين إلى بيروت. فهي تمّر على عدّة قرى، لأنها البوسطة الوحيدة الموجودة في المنطقة، فعليه انتظارها باكراً، ولكنه أتى باكراً جداً، أتى مع الفجر لشدة شغفه بالذهاب إلى بيروت من جهة ولأنه تعود أن يستيقظ دائماً مع الفجر.
صفحة 2
ولكنَّ هذا الصباح كان بارداً ونسمة الهواء تلسعه "والغطيطة"، أي الضباب الكثيف في الوادي المواجه له، تهب صعداً كأنها التبن عندما يهب من "مكنة الذراية". كما أنَّ الندى كثيف هذا الصباح وهو ملائم جداً لجمع القش "وتربيطه" رزماً في "بنادك" تُحمل على ظهور الجمال إلى البيدر. وكذلك ملائم للحليشة، وخاصةً حليشة القطانة أي العدس والفول والكرسنة.

وهاهم الفلاحون يمرّون أمامه ذاهبين إلى حقولهم، برفقة حميرهم وأبقارهم وماشيتهم. فهذه جماعة من النسوة ذاهبات للحليشة وهن يثرثرن ويتصايحن. وهذا جارهم الفلاح ابو حسين ينهر بقراته، وقد حمّل على الحمار الزوادة ومطرات الماء وربطات شريط تربيط رزمات القمح.

لقد غمره شعور عارم بالفرح والسعادة، لأنه لن يذهب "للتربيط" اليوم، لأنه أكثر أنواع عمل الفلاح مشقة، وخاصة تربيط القمح. فكم من مرّة لدغته العقرب عندما مّد يده ليرفع غمر القمح عن الأرض، ناهيك عن الأشواك التي تنهش يديه كالأبر وتدميها، وأحياناً عندما ينحني ليرفع غمر القمح إلى صدره تلطشه شوكة في قفاه فتُدميه.

فتجميع "أغمار القمح" هو أصعب شغلة في عمل الفلاح وخاصة إذا كان الندى خفيفاً أو في حدَّة الشوب.

ها هي أمه تأتي من فوق، من ناحية الضيعة أو بالأحرى ها هو يسمع صوت أمه، وقد سبقها صوتها وهي تولول وتشكو لجمهرة الفلاحين الذاهبة إلى الحقل. لأنها غير راضية عن ذهابه للعمل في بيروت. فهي طلعت من دار الدنيا عليه، بعد أن أُصيب في المجزرة، فأولادها كلهم ماتوا وهم صغار وزوجها قتله اليهود يوم مجزرة الـ48 فلم يبقَ لها سوى محمد وأخته. وها هو محمد يتركها ويذهب إلى بيروت. لقد دهى بعقله ابن خديجة، وهي لا تريده أن يتركها ويذهب للعمل هناك حتى لو كانت كلها مفروشة ذهباً. فهو هنا يعمل درّاس عند خاله في دراسة القمح على البيدر، وأُجرته "كيل من القمح" وخاله وعدها بأنه سيدرس لها "شكارتها" كذلك. ووعدها أنه إذا كان موسم الحبّ "إقبالاً" سيزيد له الأجرة ويعطيه "نصف مدِّ قمح" زيادة. وهو يعمل عند خاله وليس عند رجل غريب، وخاله مثل والده وهي ليست إهانة له إذا خاله غضب وطلع خلقه وضربه كم قضيب على ظهره، ثمَّ ندم ولام نفسه وأتى إلى البيت عشية وأرضاه وطيَّب خاطره. بس ماذا بودِّي أن أفعل: طالع للمرحوم، الروح التي اندبت بالمرحوم والده اندبت فيه مخلق، منطق: عناده، ورفعة "مناخيره" أنفه.

عوَضُ خديجة دها له بعقله. كل يوم يروح ويتمشى على "الكروسة"، على الخط ويمرّ بقربه وهو واقف على النورج يدرس القمحات على البيدر. ويقف طول النهار بعين الشمس وراء الفدان، بيده الحبل ليشدَّ رأس الثور، وبيده الثانية القضيب لينهر الثور الثاني، وبين الفينة والفينة يحمل التنكة ليلتقط بها روث الفدان حتى لا يقع الروث على القمح.

ويمّر بقربه عوض خديجة كل ساعة، وهو داهن رأسه بزيت شعر بيلمع بعين الشمس. ولابس قميص نيلون أبيض بيرهج رهج، وبنطلون مكوي وصباط أسود بيلمع. فَلِمَ لا يغار منه؟ بس هو مش عارف أنَّ حبل العتالة أكل من ظهره شلخات. محمد بيشوف قميص النيلون بس. ما بيشوف شو في تحت القميص. طمعان بالنومة عند أم داود، عشرين ثلاثين شخص ينامون بقاووش واحد والقمل يسحبهم.إذا ضربه خاله كم قضيب يعتبرها إهانة له، بس العتالة بالسل مش إهانة.

وصلت أمه ووصل الفلاحون الذين كانت تشتكي لهم ووقفت أمامه. أما هم فتابعوا سيرهم، ومنهم من حاول إقناعه ببعض الكلمات ومنهم من حاول إقناع أمه دون أن يتوقفوا بل البوسطة هي التي وصلت وتوقفت. وصلت البوسطة ووصل معها عوض، فحاولت أمه أن تشتمه وتعتب عليه ولكن لهجتها خفَّت وأصبحت أكثر حنواً.

فالوقت أصبح حرجاًًًًًً وضيّقاً وهي تعرف أن لا مفرّ لولدها من تنفيذ قراره. فما عليها إذاً إلا أن ترجو من عوض أن ينتبه له ويدير باله عليه ويتوصى به. فهو الآخر مثل ولدها وقد أرضعته من ثديها مع ابنها محمد، فهما مثل الأخوة منذ الصغر وعاشا الطفولة مع بعض، وأخذت تدعو الله لأبنها ولعوض كذلك وتترضى عليهما وقد غصّت بالبكاء، فأخذت تمسح دموعها عن عينها بطرف منديلها. فجعلت إحدى النساء تخفف عنها وتهّون الأمر عليها، وتقول لها الغربة للرجال وإن لم يتغرَّب المرء لن يصبح رجلاً. وفي هذه الأثناء كانت صرّة الفرش تأخذ طريقها إلى ظهر البوسطة ومحمد يأخذ طريقه إلى داخلها والبوسطة تأخذ طريقها إلى بيروت مودِّعةً الضيعة بزمور مثلما دخلتها بزمور وأمُّ محمد تأخذ طريقها إلى الحقل.
صفحة 3
ـ 2 ـ

وصلت بوسطة خليل عند الظهر إلى كراج صيدا في ساحة رياض الصلح. كانت الرحلة كلها جديدة على محمد، فهو يأتي إلى بيروت لأول مرّة. حقاً إنَّها "رحلة العمر". صحيح أنه وضع في مخيلته تصور مسبق للبحر ولبيروت وبناياتها الشاهقة وشوارعها الفسيحة وكثرة أناسها وعجقة الباعة فيها. هذا التصّور كوّنه من أحاديث رفاقه الذين زاروا بيروت قبله. ولكنه وجد بيروت الحقيقية تفوق كل التصوّر.

فبدلاً من أن يسأل عن كل الجديد الذي يشاهده كان إما متلفتاً يمنةً ويسرةً وإما شارداً حتى أنه لم يُعر انتباهه لأحاديث عوض وشروحاته التي تبرع بالتعليق بها حول كل أمرٍ ملفت للنظر، شاهداه أثناء الطريق. فهو نادراً ما استطاع أن يسأل أو يستفسر عن شيء. لأن كل شيء جديد عليه وبحاجة إلى الكثير الكثير من الأسئلة والشروحات.

لقد استطاع وحده التعرّف على أمور كثيرة بالإستنتاج. فهذا محل فلافل إذ تعرّف على الفلافل من الرائحة الفواحة التي تفتح الشهية عن بعد، فهو قد ذاق طعم الفلافل عندما جاءه رغيف فلافل هدية من عوض عندما قدم إلى الضيعة من بيروت العام الماضي، أو العام الذي قبله، لا يذكر متى ولكنه تذكر رائحتها من جديد. وهذا بائع السوس يحمل دلَّته على ظهره ويفقش بأقراص نحاسية بأصابعه ليلفت انتباه الناس إلى جانب مناداته بأعلى صوته على السوس. وهذا تمثال رياض الصلح وهذا.... وهذا.

لم ينتشله من شروده إلا توقف البوسطة في كراج صيدا، وصيحات الناس المتجمعة حولها إما بانتظار القادمين من القرى وإما لوداع المسافرين العائدين إليها.

تعرَّف إلى وجوه الكثيرين من أبناء ضيعته ممن تحوموا حول البوسطة. فأغلب القرويين الذين يعملون في السوق يأتون إلى الكراج عند موعد قدوم البوسطة. وكثيراً منهم يأتي ووسيلة ارتزاقه معه فهذا بائع يانصيب يحمل أوراقه وينادي على موعد السحب. وذاك يحمل على كتفه حبل العتالة وآخر يحمل سلَّ العتالة وذاك يربط إلى كتفه بحبل أكياس الورق وآخر يحمل عدّة البويجي ويحاول اقتناص زبون خاصة من القادمين الجدد إلى بيروت بأحذية وسخة لا تليق بمقام شوارع بيروت فيعرض عليه ويساومه ليصبغها له ويلمِّعها ويعيدها جديدة.

فالكراج هو مركز التجمع لأبناء الضيع للتواصل فيما بينهم في بيروت ويتسقطون أخبار القرى وأخبار بعضهم بعضاً أو يتلقون ما يصلهم من الضيعة من مؤن وحاجيات أو يرسلون إلى الأهل هناك الهدايا من صابون وسكر وأرز وأحياناً نادرة فواكه وثياباً إلى عائلاتهم وبعض المال. وهذا ما يبعثونه سراً لا علانية.

بعد الوصول وانتهاء عملية التعرّف والتعارف بالكراج، وبعد انتهاء البوسطة من عملية تفريغ وشحن الركاب والأمتعة والحاجيات على ظهر البوسطة. كان على محمد أن يقوم بعمله الأول في بيروت، محدداً بذلك مهنته المستقبلية. كان عليه أن يحمل صرّة ثيابه على كتفه ويسير وراء عوض الذي حمل بدوره صرّته، وهي عبارة عن زوادة من الخبز المرقوق على الصاج وبعض الكشك والبيض المسلوق وثيابه الخاصة، كون عوض مقيماً في بيروت منذ مدّة وفراشه يبقى فيها عندما يتردد على الضيعة بين الحين والآخر على الأعياد وخاصة صيفاً.
صفحة 4
سار الأثنان وراء بعض، أما وجهة السير فهي معروفة لعوض، حيث يسكن في "قاووش" أم داود، إذ يوجد أكثر من قاووش في خندق الغميق، حيث ينزل الشباب من أهل الضيعة. ولكن لحسن الحظ كلها قريبة من بعض وقريبة كذلك من كراج صيدا. مركز التجمع الرئيسي. لذلك سرعان ما وصلوا إلى دارة أم داود. وهو بيت قديم له بوابة تطل على دار كبيرة، في ناحية من الدار يوجد بيت مؤلف من ثلاث غرف، إحداها صغيرة تسكنها عائلة أم داود مستأجرة الدار ومدبرته، والغرفتان الكبيرتان يسكنهما حوالى عشرين إلى ثلاثين شخصاً وهم جميعهم من نفس الضيعة وعدد النزلاء غير ثابت إذ كثيراً ما ينتقل شخص أو مجموعة بكاملها من قاووش إلى آخر بسبب مشاحنات فيما بينهم وإمَّا بسبب خلاف مع صاحبة الدار. وإمَّا لتحسُّن أوضاع بعضهم واستئجارهم غرفة مستقلة في مكان آخر تتَّسع لأربعة أو خمسة أشخاص حسب الظروف. أما في الدار فيوجد حمام مع مرحاض واحد تستعمله عائلة أم داود مع النزلاء. لذلك كان المرحاض مشغولاً أكثر من الغرف نفسها ودائماً يجب الوقوف أمامه بالدور لقضاء حاجة. والمرحاض واستعماله مصدر رئيسي للخلاف بين النزلاء وبينهم وبين أم داود. وسبب جوهري لنزوح مجموعات بكاملها عن النزل.

أما المطبخ فاستخدامه كان حكراً على عائلة أم داود وحدها، ولكن هذا لا يعني ان النزلاء لا يستفيدون من خدماته. إذ كثيراً ما كانت أم داود تطبخ بعض المأكولات وتبيعها للنزلاء مثل الفوارغ والكروش و"النيفا" أي رؤوس الغنم والماعز واحياناً قوائم البقر ورؤوسها كذلك.

لذلك قد تجد أحدهم يحاول قضم قطعة من الفوارغ وقد أمسك طرفها بأسنانه وطرفها الآخر بيده، يشّد بها محاولاً قضمها وهي تمط بيده مثل قطعة المطاط كلما شّد عليها استطالت وقد تفلت من يده وترتد وتلطم أنفه أو عينه ويعيد إمساكها من جديد مستعيناً هذه المّرة بسكين في يده الأخرى بعد أن يكون قد تأكد من عدم إمكانية قضمها إلا بعد الاستعانة بالسكين على تقطيعها.

كان النزلاء يعيشون في الغرفتين الكبيرتين. فإحدى الغرف كان فيها تتخيتة كانت هي الأخرى قيد الاستعمال للسكن. ويسكنها عادة من لا يحب العجقة والاختلاط كثيراً بالآخرين أو من يختلف مع مجموعته في إحدى الغرف، فيهجرهم ملتجأ إلى التتخيتة إذ انها لم تكن تخضع لنظام المجموعات المعمول به في الغرف الكبرى، إذ كانت تسكنها كل مجموعة من أربعة أو خمسة أشخاص متجانسة مع بعضها. إن من حيث القرابة وإنْ من حيث الجيرة في الضيعة، تعيش هذه المجموعة مع بعض بشراكة شبه تامة وتستقل بقسم من الغرفة، إذ لها حصيرتها الخاصة مع طراحهَ ومسند لكل شخص، وكذلك عدّة شاي مشتركة مع "بابور" على الكاز. كل مجموعة تعيش بشبه استقلالية في الأكل وشرب الشاي وحتى لعب الورق أو في الخروج إلى السينما، لذلك كنت تجد الدارة عند المساء مثل خلية النحل، وقد عاد الجميع من أعمالهم وبدأوا بتحضير العشاء. فهذه مجموعة تسلق البطاطا والبيض وأخرى تطبخ المجدرة وثالثة تقلي اللحمة مع البصل والبندورة ورابعة قد اشترت حمّصاً وفلافل من السوق.

كانت روائح هذه المأكولات تختلط بشكل غريب، لم يعتد عليه إلا من اعتاد على حياة الدور هذه. وعندما بدأ الشباب بالذهاب للعمل في الكويت، نقلوا معهم حياة الدور هذه إلى الكويت حيث كانت تعمد كل مجموعة من عشرين وثلاثين شخصاً لتستأجر حوشاً مشتركاً وتعيش فيه على نمط الحياة في دارة أم داود. وقد تنتقل المجموعة نفسها تدريجياً إلى الكويت للعمل هناك. وعاشوا في حوش فحيحين ـ الصليبخات ـ والعبدلي وغيرها من الدور التي بقيت أسماؤها تتردد في حولا لسنوات.
صفحة 5
ـ 3 ـ

وصل عوض مع محمد إلى دارة أم داود عند الظهر، لذلك لم يجدا في الدارة إلا بعض الأشخاص العاطلين عن العمل لهذا اليوم، أو من تسمح له طبيعة عمله بالتواجد ظهراً في الدارة.

وضعا أمتعتهما في الغرفة التي يسكنها عوض وذهبا إلى أم داود ليعرّفها عوض على المستأجر الجديد، كانت أم داود منهمكة مع بعض النسوة التي استأجرتهن ليساعدنها في تحضير الطعام الذي ستبيعه إلى النزلاء. رحبت به صاحبة الدار على عجل ودون أن تعطيه أي اهتمام، بل شرعت بتوجيه الإرشادات إلى عوض ليوجِّه محمد إلى ما هو مسموح وما هو غير مسموح به في الدارة، وتابعت إعطاء توجيهاتها إلى مساعدتها في تحضير الطبخ فهي مشغولة "ولا تستطيع أن تحك بنقرتها"، كما يقولون. فهي سيدة أعمال بارعة وناجحة وزوجها لا يمون على قلي بيضة في الدارة بوجودها أو في غيابها. فهي الكل بالكل وسيدة الموقف والحاكم الطايل في مملكتها.

بعد أن استراح قليلاً وأعطاه عوض صورة سريعة مجملة عن الحياة داخل الدارة مع أقسامها. وخرج به ليعرفه على المنطقة ويعزمه على الغداء في مطعم أبو عفيف في شارع المعرض القريب. طبعاً فهو ضيف هذا اليوم عند عوض وعليه أن يقوم بواجبه تجاه ضيفه ويستغلها هو الآخر أي عوض فرصة مناسبة يدخل بها إلى المطعم ويتغدى جالساً إلى الطاولة طالباً لكل واحد منهما صحن حمص مع " بصل وكبيس زيادة " وهذا يعني أنه سيدفع "فرنك" أي خمسة قروش زيادة على كل طلبية. ولكن لا بأس فهي مناسبة لن تتكرر كل يوم. فعوض إذا صادف وتغدى في السوق أثناء العمل، فإنه يأخذ رغيف فلافل على الماشي. وطبعاً وهم جالسون إلى الطاولة للغداء كان عوض هو صاحب الحديث فهو الناصح المرشد والموجِّه. عليه أن يوجِّهه إلى العمل أولاً وأن يشرح له طبيعة كل عمل وإنتاجيته. مثلاً العتالة بالحبل أصعب لأنها للأحمال الثقيلة أما العتالة بالسلّ فهي أهون لأنها للأمال الخفيفة. ولكن العتالة بالحبل منتجة أكثر، ولكن محمد، حسب رأي عوض، غير قادر على العتالة بالحبل لأنه غضُّ العود ولم يتعوّد على ذلك. ولأنه كان جريحاً ونجا من الموت بأعجوبة في مجزرة الـ48، لذلك عليه أن يختار العتالة بالسل هذا إذا اختار هذه المهنة.

وإذا اختار غيرها كبيع اليانصيب مثلاً عليه أن يكون حذراً بالمحافظة على غلّة اليانصيب خوفاً من أن ينشلها منه النشَّالون، وخاصة أنه لا زال جديداً في بيروت وتنقصه الخبرة للتعرف عليهم. وقد يكون الأفضل له أن يبيع أكياس ورق الكيس بخمسة قروش، يبيعها للناس الذين يتسوَّقون، خاصة في سوق الخضرة. فهذه المهنة أسهل عليه وانتاجها لا بأس به، خاصة إذ تطور في مهنته وأصبح يشتري أكياس ورق شوالات الترابة الفارغة ويصنع منها الاكياس بنفسه عشية في الحوش عند أم داود ويبيعها نهاراً. ولكن عليه في الوقت الحاضر أن يكتفي في البدء بشراء أكياس جاهزة، كلَّ كيسين بخمسة قروش ويبيعها بالمفرق الكيس بفرنك حتى يكون قد تعرّف على السوق وطرق البيع، إذ يمكنه أن يبيع كميات أكياس ورق إلى أصحاب محلات الخضرة وغيرها.

كذلك بإمكانه أن يبيع موزاً وذلك بأن يشتري "قرط موز" ويدور في السوق ويبيعه بالمفرق الموزة بفرنك. فهذه مهنة لا يحتاج فيها كذلك إلى رأسمال كبير وتعطي ربحاً على النص تقريباً.

وما إن انتهيا من الغداء حتى كان عوض منتهياً من تعداد فرص العمل المتوافرة لمحمد، مع إعطاء صورة عن طبيعة كل عمل. وما على محمد إلا أن يقرر العمل الذي يراه مناسباً.

فقرر محمد بسهولة، لأن قراره مرحلي ولم يكن مصيرياً أو تاريخياً "كقرارات الجامعة العربية التي تتخذ كل يوم عشرات القرارات". لقد قرر محمد أن يختار المهنة الأصعب: أن يختار العتالة بالحبل على الأقل، ليثبت لعوض بأنه ليس غضُّ العود. فمن يعمل بالحقل ودراسة القمح على البيدر لن تصعب عليه العتالة بالحبل. وحتى لا يأخذ التردد إلى نفسه طريقاً طلب من عوض أن يمرا إلى حيث تباع حبال العتالة الخاصة بهذا العمل، واشترى حبلاً. وتابعا التجول في الأسواق والشوارع القريبة والحبل على كتفه يختال في الشارع وكأنه ضابط وضعت على كتفه نجمة للتوّ.

وتابعا التجول في الأسواق والشوارع القريبة والحبل على كتفه وكأنه كان يعوّد نفسه تدريجياً على مهنة المستقبل، وسيلة العيش الأولى لأغلب الجنوبيين النازحين من قراهم بداية الخمسينيات إلى بيروت.

وباختيار محمد لمهنة العتالة حلّ كثيراً من الإشكالات والصعوبات. فبإمكانه أن ينزل إلى السوق مع عوض الذي هو أيضاً يعمل بالعتالة بالحبل فيدربه على أسرار المهنة وطبيعتها وهكذا كان. فبعد أن سهر تلك الليلة مع الشباب وأخذ محمد مكانه في مجموعة عوض معززاً مكرماً. نزلا في صباح اليوم التالي إلى السوق إلى معترك الحياة. هذا المعترك الذي طالما تاق إليه محمد بشوقه وأحلامه. كان هاجسه الأكبر وهو في الضيعة أن يطرق أبواب المستقبل ويدّق أبواب بيروت علَّها تفتح له أبواب السعادة والطموحات والحياة الرغيدة. ولكنه لم يكن يعلم أنه كمن يضرب بيده سور قلعة، محاولاً فتح فجوة فيه، فستتآكل يده وكل جسده معها دون أن يؤثر ذلك بالسور سوى بضع بقع من دمه قد تبقى على السور لحين.
صفحة 6
ـ 4 ـ

ومع الأيام وبعد أن اعتاد محمد على عمله واعتاد على عجقة بيروت ومناظرها التي لم تعد تبهره مثلما كانت من قبل. أخذ ينتقل تدريجياً من مرحلة المشاهد المعجب بكل شيء إلى مرحلة المراقب المتفحّص لكلِّ شيء.

وبدأت مهنة محمد تدخل به إلى مختلف الأحياء والبيوت والتعّرف إلى جميع الفئات والطبقات. لقد أصبح المراقب الصامت للجميع دون أن يراقبه أحد أو يحس بوجوده. وقد ساعده عدم شعور الناس بوجوده وتصرفهم معه وأمامه دونما إحراج، على استيعاب طبائع البشر وحقيقتهم. حتى إزدراؤهم له وصراخهم في وجهه كان يعرِّيهم في عينيه. وان كانت لا تصدر منه أية ردّة فعل خارجية. بل كانت ردات الفعل تعترم في نفسه الداخلية وتتأجج بشعور داخلي عارم لم يستطع أن يتبين فحواه. لم يستطع أن يحدد أن ما يعيشه ويراه هكذا يجب أن يكون أم أنه يجب أن يكون غير ذلك.

لقد كانت خطوته الانتقالية من الضيعة إلى المدينة كبيرة وكبيرة جداً. تتعدى كثيراً المسافة المكانية التي قطعها بالبوسطة. تتعداها إلى ما هو أبعد بكثير إلى مسافة زمنية. فكأنه وقد انتقل من عالم إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

لقد كانت خطواته واسعة جداً، لدرجة أنَّها كادت تشطره إلى نصفين: نصف في العالم القديم والآخر في العالم الجديد.

كانت حياته في الضيعة هادئة. بسيطة بدون تناقض يذكر. فالجميع هناك يعيشون بظروف متشابهة. هكذا كان يظن العالم كله. فحتى في المدينة ستكون الظروف متشابهة مع الجميع. ولكن بشكل مختلف عن الضيعة فقط من ناحية الرفاهية والغنى والسعادة.

فحتى التناقض البسيط الذي لمسه في الضيعة، ولم يستطع تحمُّله، هو الفرق بينه وبين عوض من حيث الملبس والمظهر وأكل الفلافل. فحتى هذا التناقض لم يكن يستطيع تحمله مما دفعه إلى ترك الضيعة وأخذ البوسطة إلى بيروت ليواسي نفسه بعوض.

فكيف بهذا التناقض الذي وجده في بيروت بينه هو وعوض وبين كل جماعته من جهة وبين بقية ناس بيروت الذين يعمل على نقل حاجياتهم وأمتعتهم، فأية بوسطة وأية طريق تستطيع أن تقله ليتخلص من واقعه المؤلم هذا؟

بدأ الحزن يلف حياته والندم يأكل ذاته وتمنى لو أنه يستطيع العودة نهائياً إلى الضيعة. بل تمنى لو أنه لم يغادر الضيعة في الأساس. فحتى العودة إلى الضيعة عمل يصعب عليه القيام به، لأنَّ نظرته إلى حياة الضيعة تغيرت ولم تعد لديه تلك الروحية التي يتقبل بها حياة الضيعة كما كانت من قبل. لقد أحسَّ بالورطة وإحساسه بذلك بدأ يثقل كاهله ولكن بصمت وبدون تبرُّم أو كلل، بل تابع العمل بمثابرة ونشاط.
صفحة 7
ـ 5 ـ

كان انتقال محمد من الضيعة إلى المدينة نقطة التحول الأولى في حياته، وكانت بمحض إرادته، رغم أنه لم يدرِ نتائجها وتداعياتها بالضبط. أما نقطة التحول الثانية فقد حدثت مصادفةً. إذ كان يحمل حملاً ينوء تحته لأحد الخواجات، ويمشي خلفه في ساحة البرج المزدحمة بالناس والسيارات، وأراد أن يقطع الشارع دون أن يلتفت إلى جنبيه ظناً منه أن الخواجا يسير أمامه ويؤمن طريقه. ولكنه فجأة وجد نفسه في وسط الشارع وسيارة ترتطم بالحمل الذي على ظهره وتكاد تدهسه ويقع الحمل عن ظهره. وتوقفت السيارة فسمع صفارة الشرطي وصراخه عليه من الرصيف المقابل، ويتقدم نحوه بسرعة ويشتمه حتى أنه رفع يده يريد ضربه لأنه لم يمتثل له كبقية الناس الذين وقفوا بمن فيهم الخواجا بناءً لتعليمات الشرطي الذي أمرهم بالوقوف حتى أن الخواجا تقدم لتوبيخه كذلك لأنه لم ينتبه لسيارة الزعيم الجنوبي التي تمر، فعلم عندها أنها سيارة البيك زعيمه وزعيم منطقته الذي كان يتمنى أن يراه ويكن له في نفسه كل تعظيم وإجلال فأخذته النخوة ولم يتمالك نفسه من أن يصرخ وهو تحت حمله الثقيل، وفي وسط الشارع "يعيش أحمد بك الأسعد يا" قالها بأعلى صوته فهذه هي المناسبة ليعبر له، مباشرة، بما كان يعبر عنه ولكن وسط الجماهير الغفيرة في ساحة الطيبة.

يومها كانت صرخته تضيع بين صراخ آلاف الحناجر الجنوبية التي تُحييِّ الزعيم فلم يكن يسمعها، أما الآن فها هو يسمعها مميزة، ترن مباشرة في أذنه. فاستلطف الزعيم الموقف وطلب من الشرطي أن لا يضربه بل طلبه مع حمله إلى قرب شباك السيارة وأعطاه عشر ليرات، وسأله عن اسم ضيعته فباركه، وانطلقت سيارة الزعيم ليتحوَّم حوله الناس بعدها على الرصيف، وهم يثنون ويمجدون ويمدحون تواضع البيك وكرم أخلاقه ويسألونه عن كيفية حصول الحادث، وهو يشرح لهم ما حصل ناسياً حمله الثقيل على ظهره لو لم ينبهه الخواجا صاحب الحمل ويحثه عدّة مرات على متابعة سيره.

تابع سيره وأوصل حمله وعاد لا تسعه الدنيا من فرحه. لقد قابل البك اليوم وحيّاه وتحدث إليه، وسيقّص ذلك على الشباب. فحقاً انها مدعاة للتباهي والمفاخرة بينهم. فكل واحد منهم يتمنى لو يحدث ذلك معه.؟ فأحمد بك زعيمهم الذي يحيطونه بهالةٍ من العظمة وهو محور أحاديثهم وسهراتهم، وحوله وعنه ينسجون جميع المواقف البطولية وخوارق الأفعال ومكارم الصفات.

لقد قرر العودة إلى دارة أم داود ليخبر من يجده من الشباب بالحادثة، وقرر أن لا يتابع العمل اليوم. فالحادثة من الأهمية في حياته بحيث تستدعي التوقف عن العمل بقية النهار.

وأثناء العودة كان يسترجع تفاصيل الحادثة بمخيلته تكراراً حتى لا ينسى أي شيءٍ من تفاصيلها. فتذكر الليرات العشر التي أنسته إياها الفرحة. هنا استدرك بعض الشيء فما دور الليرات العشر بالحادثة؟ هل وجودها يزيد من قيمة الحدث للتدليل على كرم البك وسخائه إلى جانب تواضعه الذي شمله به بالحديث معه؟

إذاً لماذا نسيها بعد الحادثة مباشرة ولم يعطها قيمتها؟ أيذكرها للشباب أم لا؟

صحيح لماذا أعطاه البك عشر ليرات هل هي شفقة عليه لأنه عتال؟؟؟

هل هي مكافأة له، لأنه وقف وسط الشارع والحمل على ظهره، وحيّاه ونادى باسمه زعيماً له؟

صحيح لماذا أعطاه البك عشر ليرات؟؟ هل هو بحاجة إليها؟؟

إنه يعمل بعرق جبينه وليس بحاجة للشفقة والمنّة والعطاء من أحد. إنه بحاجة لكل قرش يكسبه على أن يكسبه بعرق جبينه وليس منّة من أحد. هنا انتفضّت كبرياؤه وأفاق إلى نفسه وعاد إليه رشده. هل كان يشفق عليه البيك حتى أعطاه العشر ليرات؟ لقد حيّاه لأنه يشعر بقرارة نفسه بأنه، أي البيك، يعادل عنده كل أملاك الدنيا، إنه رمز العزة والكرامة لكل جنوبي، إنه المثل الأعلى. أليس هذا هو الشعور المغروس في قرارة نفس كل جنوبي فالبيك هو الزعيم. هو الزعيم الأوحد هو المثل الأعلى عندهم لا توازيه أية قيمة مادية على الأرض.
صفحة 8
هم صنعوه بأنفسهم ليكون رمزاً لهم. وعندما استقل لبنان، وكان لكل طائفة زعيم وكان احمد بيك طفراناً مغموراً، فارتفع شعار في المنطقة كلها." بما أنه يوجد لكل طائفة زعيمها علينا أن نصنع زعيماً لطائفتنا". وأقيمت حفلة في دار الطيبة وبدأت كل قرية تجمع ما تيسر من مال ومؤن وذبائح للحفلة لأن البيك غير قادر مادياً، حتى الحطب جُمع وأُرسل مع الذبائح إلى الدارة قبل الحفلة بيوم أو يومين. كانت القرى تتبارى فيما بينها أيها يجمع أكثر من المال والذبائح. وهو يذكر أن أمه تبرعت في إحدى المرَّات بالخروف الذي كان يرعاه ويسمنه محمد ليبيعه، ولكن عندما جاء وجهاء الضيعة مع المختار إلى بيتهم لجمع التبرعات تبرعت يومها أمه بالخروف الذي كان يسمنه هو. وقد رضي بالأمر حتى تبيِّض والدته وجهها عند المختار والوجهاء والبيك. ترى هل علم يومها البيك بقصة الخروف فدفع له اليوم عشر ليرات تعويضاً له عن الخروف. أبداً هذا غير معقول من أين للبيك أن يعلم بذلك؟ ترى هل القدر هو الذي أمر بذلك؟ ربما.......احتمال.... ما دخل هذا بذاك؟؟؟

لا زالت الناس تتحدث عن تلك الحفلة عندما دعا أحمد بيك رياض الصلح رئيس حكومة الاستقلال وبقية زعماء الطوائف. كان الجنوب كله في انتظارهم، وكانت حفلة موصوفة كرسته زعيماً للطائفة وبذلك أصبح لنا زعيم كبقية الزعماء بل زعيم الزعماء على الإطلاق.

يحدثونه في الضيعة عن تلك الحفلة العرمرمية المشهورة بأنه رغم كثرة الجموع التي حضرت لم يذبح إلا ربع المواشي التي قدّمت للبيك، وكان ذلك كافياً لإطعام الجماهير وبسخاء حتى كل أهل الضيعة لا زالوا يمدحون البيك وكرمه وسخاءه في تلك الحفلة، رغم أنه بقي ثلاثة أرباع المواشي والمؤن ليبيعها البيك وتكون هي مصروف الزعامة وخميرتها.

لقد اهتزت صورة الحادثة وبهاؤها في فكره حتى أنها أخذت تنقلب تداعياتها رأساً على عقب وأخذ يتذكرها بشكل مغاير تماماً لصورتها الأولى:

ـ عتّال جنوبي يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً، يقطع الطريق تكاد أن تدهسه سيارة هي سيارة الزعيم، فبدلاً من أن تتوقف السيارة ليمرّ العتّال مع حمله يهجم الشرطي على العتّال ويسبه ويحاول ضربه. ينفعل العتّال عندما يعلم أن الزعيم موجود في السيارة. يبدأ بالصراخ ويحييه رغم الحمل الذي على ظهره. يضحك البيك لبساطة هذا العتّال ويناديه اليه ويعطيه عشر ليرات كمكافأة لأنه أخذ يحييه بصوت مرتفع.

لقد وجد الصورة بعد قلبها رأساً على عقب إهانة ليس لبساطته وسذاجته فقط بل هي إهانة وإذلال له من ألفها إلى يائها.

فتحولت سعادته وسروره إلى يأس وانقباض فشعر بالتعب والخوار وتمنى لو يستطيع أن يجلس إلى جانب الطريق ويرتاح أو حتى ينام، ولكنه مع ذلك قرر متابعة طريقه إلى البيت والتوقف عن العمل. شعر وكأنه منهك لا يقوى على حمل قشة فليعد ليستريح ولكن هل يحدّث الشباب بالحادثة؟ سيخبرهم بها ولكن بغير انفعال وتفاخر. أيذكر العشر ليرات؟ نعم سيذكرها ولكن لا للتدليل على كرم البيك وسخائه بل على احتقاره وازدرائه.

وعاد إلى البيت، وعندما عاد رفاقه قصّ عليهم الحادثة فأصبحت محور حديثهم وتعليقاتهم طيلة السهرة، حتى أن البعض اغتنمها فرصة ليجد بها مجالاً للتندر عليه والهزء منه ومنهم من وجد بها تواضعاً وكرماً من البيك لا يوصف، فغيره من الزعماء لا يعرف الشعب ولا يعيره أي اهتمام ولكن زعيمنا شعبي وهو أبو الفقير. فيما فريق آخر رأى فيها إهانةً واحتقاراً لمحمد ولكل الجنوبيين، وهكذا كان رأي الرجل الغريب الذي اعتاد أن يأتي ويسهر في الدار بين الحين والآخر، وصادف وجوده ليلتها بينهم. لقد اغتنمها هذا الغريب فرصة لتكون محور حديثه وشرحه تلك الليلة. مما شدّ انتباه محمد إليه وهو لم يكن يعيره من قبل أي اهتمام لا له ولا لحديثه المعقَّد الذي يسمّونه سياسة.

ولكن تلك الليلة كان محمد يصغي إلى حديثه بشغف، فموضوع الحديث يخصه شخصياً لذلك أعاره اهتماماً زائداً. ورويداً بدأ محمد ينسى الحادثة وهو يستمع إلى حديث الغريب الذي تشعب ليعالج أوضاع كل العمال الجنوبيين الذين قدموا إلى العاصمة ولينتقل إلى المقارنة بين وضعهم البائس وبين وضع الأغنياء في المدينة.

شعر محمد وكأن الغريب في داخله ويعبر عما يجيش بنفسه دون أن يستطيع هو الإفصاح عنه بالكلام. فشدَّه ذلك ليبقى طيلة السهرة يستمع إلى كامل فقيه وكان هذا اسمه. وجعل محمد يتأسف في قرارة نفسه لماذا لم يكن يستمع إليه من قبل. وانتهت السهرة ليشعر ليلتها محمد بشعور عارم من الارتياح لأنه وجد من يفكر مثله ولكنه يعبر عما يفكر بشكل أفضل. كان وكأنه وجد ضالته أو كمن كان تائهاً في الصحراء ووجد ناقته.
صفحة 9
ـ 6 ـ

حادثة سيارة الزعيم كانت نقطة تحوّل رئيسية في حياة محمد. فالحادثة كانت المدخل للأجابة عن التساؤلات الكثيرة التي طرحتها عليه حياته الجديدة في بيروت، مع ما فيها من ذلٍّ وحرمان. والتناقضات التي بدأ يتلمسها ومعرفته لكامل الأداة التي استطاع بواسطتها محورة تساؤلاته، وبالتالي تحديد مجرى فهمه واستيعابه لها.

أثبتت له هذه الحادثة أن المشكلة ليست بالزعماء بل بالناس الذين يصنعون الزعامة. فهم كمثل العرب قبل الإسلام كانوا يصنعون التماثيل والأصنام بأيديهم ليعبدوها ويقدسوها وبالتالي يخافون منها.

جعله هذا يدرك أن الإسلام لم يكن ثورة ضد الأصنام بحّد ذاتها. بل ضد جهل الناس وعاداتهم وقناعاتهم. فلما استطاع الإسلام إدخال الوعي إلى عقول البشر دفعهم وعيهم إلى تحطيم أصنامهم بأيديهم كما بنوها بأيديهم.

وهكذا حال الناس الفقراء مع زعمائهم. إذ لا يمكن محاربة الزعماء مباشرة بل بوعي الناس لضرورة كبح تسلط الزعماء عليهم واستغلالهم وضربهم لمصالحهم. وما دام الناس الفقراء يجهلون مصالحهم فهم أعداء أنفسهم لأن الناس أعداء ما جهلوا.

وأظهرت له هذه الحادثة، وكذلك معرفته لكامل بأنه بحاجة إلى المعرفة وطريقه إليها لن تتم إلا بالقراءة والكتابة. لذلك باشر بتعلُّم القراءة، يساعده كامل ورفاقه.

صحيح أن المدرسة التي حرم من الدخول إليها لأنها لم تكن موجودة في ضيعته، هي السبيل الأسهل لتعلُّم القراءة والكتابة. ولكن المدرسة ليست بالضرورة الطريق الوحيد إلى المعرفة. ولكنَّ تعلُّم القراءة والكتابة هما المدخل إلى المعرفة. وبالتالي هما الطريق إلى الوعي بالنسبة له والتوعية بالنسبة للناس الآخرين. ففي الضيعة لم يكن ليشعر بالفرق بين المتعلم والأمي سوى أن الأول يجيد القراءة والكتابة والآخر يجهلهما. أما من حيث الوعي والمعرفة فلا فارق لدى الفريقين إذ هما شبه معدومين لكليهما معاً.

لقد أدرك محمد بأن هذا الفرق البسيط بين المتعلم والأمِّي في الضيعة، يصبح فرقاً بل بوناً شاسعاً في المدينة بل يزداد هذا الفرق مع التطور وخاصة لدى الفرد الفاعل في المجتمع.

صحيح أن أغلب صحابة النبي محمد (ص) كانوا أمِّيين ولكن العلوم والمعارف في ذلك العصر لم تكن لتحصّل بواسطة الكتب والمطالعة المباشرة لها، بل كانت أي العلوم والمعارف تتأتى نتيجة تفاعل حضاري بين المجتمعات فيما بينها، وضمن المجتمع بحد ذاته، وحياتهم لم تكن متشعبة ومعقدة مثلها اليوم. لذلك فهو كثيراً ما سمع عن أبي أيوب في الضيعة هذا الرجل الأمِّي الذي يحفظ عن ظهر قلب أغلب آيات القرآن الكريم وكثيراً من معلقات الشعراء العرب.

كان أبو أيوب يتباهى بأن أغلب الشعراء العرب وأقدرهم كانوا أمِّيين، مثل عنترة وشاعر آخر اسمه طرفة بن العبد، الذي حمل كتاباً من أحد الولاة إلى آخر ظناً منه بأنه يطلب له مكافأة وإذا بالكتاب يطلب قطع رأسه.

صحيح أنه كان يتعجب لذلك، عندما كانوا في سهراتهم في الضيعة يستمعون إلى سيرة عنترة، ويأتون على ذكر أبي أيوب ويأخذون بمديحه والإشادة بعبقريته. كان يعجب لذلك رغم أنه لم يكن يثير اهتمامه سوى أثناء السهرة وبشكل عابر. ولكنه الآن بدأ يعي ويستوعب كل هذه الأمور. فلو أن أبا أيوب بذاته وبعبقريته جاء إلى بيروت لضاعت عبقريته في ازدحام شوارعها وتناقضات مجتمعها ولضاع هو الآخر كما ضاع محمد وأغلب الجنوبيين في بيروت.

ولكن بقيت عنده قناعة راسخة أخذت تتأكد له كل يوم: أن عليه أن يتعلم القراءة والكتابة. على الأقل القراءة ليستطيع قراءة عناوين هذه الجرائد التي يراها كل يوم معروضة أمام باعة الصحف في ساحة البرج وبيد الباعة، ولا يرى فيها سوى صفحات بيضاء فيها صور مع خطوط مبهمة "أشبه بدعس الدجاج في الوحل" لا يعرف من هذه الجرائد سوى ما يقوله الباعة من عناوينها، وهم ينادون عن الأمور المهمة التي تتحدث عنها لترويج بضاعتهم. ولم يكن يهمه موضوع الجرائد لولا أن كامل كان يحمل معه بعضها إلى سهراتهم ويستشهد به أثناء حديثه. فاستنتج ان سرّ وعي كامل للأمور وتفسيرها بسهولة يكمن في معرفته قراءة هذه الصحف، لذلك تمنى أن يستطيع هو أيضاً أن يقرأها ليتسنى له فهمها، مثل فهم كامل لها.
صفحة 10
لقد أصبح قريباً من كامل وينتظر قدومه للسهرة ويتقرَّب منه لدرجة أنه أصبح يصارحه بأغلب ما يفكّر به. وكان كامل يستمع إليه ويشجعه على بعض أفكاره ويشرح له خطأ بعضها. كأن طلب منه مرّة لماذا لا نقف في الشارع أمام اللعازرية ونشرح للناس الظلم والذُّلَّ المحيق بهم وندفعهم إلى تحطيم كل الأغنياء والزعماء في هذا البلد.

لقد ضحك كامل كثيراً من الفكرة، ولكن وبكل روّية شرح له عدم جدوى القيام بذلك حتى لو كانت هناك امكانية الوقوف أمام اللعازرية. فهذا لن يحل المشكل. إذ إنَّ المشكلة أعقد من ذلك بكثير وحلّها يمّر عبر طريق طويل وشاق. وحتى لا يهرب من بداية الطريق كأغلب الناس، عليه أن يستوعب في البداية المشكلة، ومتى استوعبها يسهل عليه الاهتداء إلى طرق حلّها، وهذا لن يتم إلا بالوعي والصبر والجد والعمل الدؤوب.

ـ 7 ـ

وبالفعل أخذ كامل بيد محمد ليسير به في طريق صعب وشاق، ولكنه شيّق رغم أنه محفوف بالمخاطر والشعاب المهلكة. وكانت بذلك بداية المشوار الطويل الذي سار عليه محمد. فلكي يتخلص محمد من بؤس حياته في الضيعة وشقائها تصور أنه ليس عليه إلا أن يركب البوسطة ويتجه إلى بيروت، فيحقق أحلامه وأمانيه ليكتشف بعدها أن انتقاله بالبوسطة من الضيعة إلى بيروت كان انتقالاً من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

أما طريقه الجديد الذي سلك لتغيير هذا المجتمع وحل تناقضاته وتحطيم آفاته، فكان كلما طال به السير اكتشف أن عليه أن يسير أكثر. وكلما تشعبت الطريق أكثر قلّت خياراته، ووجد أنه أمام طريق واحد لا خيار غيره، واضحة معالمه رغم كثرة الشعاب ولكنه كان كلما مرّ الوقت تأكد له بأن الطريق الوحيد والأسلم والموصل إلى برّ الأمان موجود في داخله، كامنٌ في قناعاته هو. وإذا لم يستطيع أن يقنع نفسه بذلك فلن يستطيع متابعة الطريق. فالاعتقاد والقناعة بهذا الإعتقاد نقطة مفصلية عنده ليستطيع الاستمرار والمتابعة، وإلا فإنه سيتعب لا محالة كما تعب غيره.