حكايات مواربة
عندما كنتُ طفلاً، طلبت مني المعلمة أن أغلق كتاب الحكايا قبل أن أنام؛ كي لا تهرب منه جنية ما وتسرقني، غير أني عندما كبرتُ غفوت في المكتبة، ونسيت كل الكتب -على الرفوف- مفتوحة...
قصص هاربة
(1)
ساندريلا
ساندريلا قضت وقتاً طويلاً تنتظرُ حدوث معجزة ما كي تذهب لحفلة الأمير بدلاً من تكسير المقشة على جسد زوجة أبيها، وعندما حدثت المعجزة أضاعت الوقت في الخوف والنظر إلى الساعة، تلاشى السحر في منتصف الليل لأن خوف ساندريلا كان أكبر من أحلامها، مازلنا نكرر خطأ ساندريلا .. غير أن الجنية الطيبة أصابها الملل ولم تعد ترغب بممارسة السحر، و عقارب الساعة تسمرّت على منتصف ليلنا منذ زمن طويل.
(2)
سنووايت
في سنووايت والأقزام السبعة كان هناك قزمٌ ثامن لم يسمع به أحد، كان يتسلل إلى أحلامنا ويذكرنا دائماً بخطورة قضم التفاحة الحمراء ثم يخدعنا جميعاً ويلتهم التفاحة لوحده.
(3)
ليلى والذئب
هناك ذئبٌ افترس ليلى، لكنهم قتلوه وأنقذوا ليلى!
هنالك ذئب افترس راوي الحكاية، افترس الحكاية، نزع عن نفسه الفراء وارتدى بدلة وربطة عنق، والتهم الجمهور، الجمهور مايزال منبهراً بالعطر وربطة العنق.. ويصب اللعنات على ذئب ليلى !
(4)
الفانوس السحري
كان علاء الدين حالماً لدرجة خلَقَت الفانوس السحري، الفانوس - الذي دعكته الأيدي ملايين المرات - ذاب عبر الزمن، والجنيّ المسكين يعيش بيننا كائناً عارياً إلاّ من أحلامنا الكسولة !
(5)
الأربعون حرامي
سكَبت زوجة علي بابا - الجميلة - الزيت الساخن في الجرار وقتلَت أربعين لصاً بجرة قلم، فصار علي بابا بطل الحكاية على جثة أربعين رجلاً بفضل دهاء زوجته ومغارة الكنز المسروق.
لم يُرجع علي بابا الذهب لأحدٍ، لأنه كان كبير اللصوص !
(6)
الغولة
كنتُ أحمل قلمي وأهيم بحثاً لتوقيعي عن مكان، وكانت الغولة تبحث عن أطفال تطعمهم لجوع أمومتها .
التقينا في متجر القرطاسية، اتفقت مع الغولة أن تشتري لي قلماً أكتب به قصة الغولة التي تتمنى أن تصبح أماً، وأن أشتري لها ممحاة تمحو بها صورتها المشوهة.
منذ ذلك الوقت وأنا والغولة رفاق، أنا منهمك بالكتابة، وهي منهمكة بالمحو، هي لم تصبح أماً، أنا لم انه القصة بعد، والأطفال يموتون كل يوم ولا أحد، لا أحد يريد أن يصدق،أنّ الغولة لا علاقة لها بذلك.
(7)
السلحفاة لم تسبق الأرنب لكنه وقع في الحب في منتصف الطريق، وحين أدرك أن حبيبته مجرد دمية محشوة بالقطن لم يكن الوقت قد تأخر كثيراً للفوز بالسباق، غير أن الأرنب الذي استهلك خياله وأحلامه وسرعته في حبه الوهمي، قتلته هزيمته العاطفية ولم يعد يعنيه الفوز على سلحفاة تعسة. تلك السلحفاة التي أصابها الغرور حتى أنها استغلت ضعف الأرنب المهزوم وعرضت عليه الزواج.
(8)
التربة خصبة، لكنها لا تصلح لزراعة الفاصولياء، وجاك لا يحاول زراعة نوع آخر من النباتات، ويستمر في بذر الفاصولياء في كل مكان بدون جدوى، لم تنبت حبة واحدة، عادية أو سحرية .
بعد سنوات إختفت التربة تحت أكوام هائلة من البذور المتعفنة، والحديقة صارت مصيدة للأحلام، ومقبرة للفراشات، أما جاك، فقد ذهب إلى السماء، بفعل الفاصوليا العادية، التي كان يتغذى عليها الموت !
تهريج
(1)
خارج السيرك / داخل السيرك.. تتلاشى الفروق.
كَبُر طموح المهرج خارج الخيمة، والقرود هجرت الأشجار وأعمدة التسلية وصارت تتسلق ظلنا !
(2)
تزاحمنا الأرانب الملونة في الشوارع والبيوت
أرانب ترتدي معاطف من جلودنا
هل بقي في قبعتك شيء؟؟
أظنك تبالغ كثيراً أيها الساحر.
(3)
في البلاد العربية
إذا نجوت من الموت برصاص الأنظمة
أو الانتحار حباً
قد تفرح وتظن أنك نجوت ثم تموتُ دهساً على ممر المشاة.
ممر المشاة في هذه البلاد كلمات بالأبيض على خلفية سوداء
يقرأ فيها السائق دعوة لقتلك
ويلبي الدعوة دون تردد !.
(4)
كم مرة تحتمل الصداقة أن تُولد ثم تموت أن تُولد ثم تموت؟ كم يبقى من الفكرة الحلوة إن كنتُ مهما طال حديثي معك سوف أموت بالنسبة إليك بمجرد إطفاء شاشة الكمبيوتر !.
فتقتليني أنا وأصدقائي وأصدقاؤك وتبتسمين ضاحكة لعالم قتلتِه للتو بكبسة زر، كم مرة سوف تقتلين الناس قبل أن تكتشفي أنه لا يوجد شيء اسمه موتٌ إفتراضيّ؟!
(5)
منذ زمن طويل، أصابني التعب، لم أعد أعلّق على عبادة الناس لعجلهم الذهبي أو التَنَكيّ، لكن صمتي - على ما يبدو - زاد من طموحاتهم فأحياناً عندما تقودني الطريق للمعابد الوثنية، اسمع أصواتهم تطلب مني أن أقدم لعجلهم المقدَّس باقة الأزهار التي أحملها لحبيبتي !
(6)
لاعبة أكروبات سابِقة تمتهن سرقة حبال الغسيل وتعشق فارساً مزيفاً يمتطي صهوة حصان معدني يتحرك بالزمبرك
كائنات تشرب رطوبة الوقت وتصدأ.
أيها المبتهلون للسماء كي تنفخ الروح في جسد الحصان
مبددين زيت القناديل
والدمع
والدم
بدون جدوى
اتركوا لنا قطرة زيت واحدة
نَصبُها على قلب الحصان كي يتحرك المشهد!
(7)
راقصة شرقية، تمارسُ الرقص على ثوب مهرج مريض
تَجري مياه كثيرة في النهر، يقطِفُ الصمتُ ثمار العازفين.
يتمدد ثوب المهرج مشتعلاً بألف طفرة، في حين ترتمي الراقصة ميتة، لا يبقى شيء سوى رقصة شرقية على وطن مبقع بالأحمر.
(8)
أنا دب الملك، وأنتِ راقصة البلاط، فلا غرابة - يا عزيزتي - إن اختلفنا كلما تحدثنا عن ترتيبات الريجيم،أنا دب الملك، وأنت راقصة البلاط، كلانا منهمك في قتل البستاني الذي يقول أن القصر أوسع بكثير من المطبخ، وكلانا منهمك في سحق الفراشة على كتاب وصفات التخسيس!
(9)
كانت - مثل كل الثائرات - تنزع الشوك عن الأسلاك الشائكة، أدمت روحها ويديها، وابتلعت عقارب الساعة مرات لا تحصى.
حين صار السلك أملساً، عبروه جميعاً، دون شكر للسيدة بالأصابع الدامية.
لا أحد يتذكر أن الشوك كان ينبت على المعدن في زمن ما حين كانت يداها ناعمتين!
على حافة الوقت
(1)
الوقت : مصيدةٌ جميلة، يغريك الحب بالوقوع فيها، فتتبدد أنتَ، وتبقى المصيدة.
الوقت : برتقالة على الساعة، تتفنن الشاعرة في تقشيرها، ولا يسعفني الوقت لأسألها عن مغزى العبارة.
الوقت : ترف لم أمتلكه لأحظى بفرصة أن أُحبَكِ مرتين ! .
(2)
أُحبكِ حين يتواطأ السكر معك، فيكون يومكِ فطائر محلاة وأحياناً محترقة، وكل عابر لَزمنك وحظه.
ليتني قنعت منك برائحة حلواك وبقيت على الحياد.
(3)
القطة الوقحة تسكن الساعة.
كلما غفوتُ - هرباً من صليل الوقت - تمدّ مخالبها وتخدش أحلامي.
القطة تزوجت العقرب الكبير، وأنجبت مخالب كثيرة، وحلمي الدامي لا يلتئم !
(4)
على حافة الوقت، يجتمع آخر الملائكة، يقدمون بقايا الخبز لبقايا طفل فلا يموت ولا يحيا.
على حافة الوقت، يبيعُ رجل نصف روحه لنصف شيطان، ويصير (جوكر) يسخر من صفقة خاسرة.
على حافة الوقت، تذوب الحقيقة في بقاياها، تنكسر الساعة، وعلى كف الكون يتناثر الزمن وضحكات المجانين.
(5)
لقاء
في محل الفطائر
ينضج الخبز والوقت بسرعة
النادل اللطيف يصير رجل مليشيا
يعتقلني
كلما نظرتُ في عينيكِ كي أتذوق الزعتر.
(6)
ساعة الحائط : قطةٌ استهلَكَت أرواحها السبعة
تلعق مخالبها في النزع الأخير، وتراني أمامها روحاً ثامنة.
أجراس
(1)
هناك جرسٌ نائمٌ على وجهه في الحديقة، كل يوم يأتي البستاني ويمسح عنه الغبار.
الجرس الصامت، قلبهُ يدقُ عندما يلمع في عيون عابر سبيل، الجرس ينتظر من يفهم لغة الأجراس، وحدهم أطفال المدرسة يعرفون أن الأجراس تموت حين يتوقف الناس عن قرعها.
في الحديقة جرس ميت، والبستاني الخبيث حانوتي متنكر!
(2)
الأجراس تدق بحياد، لكننا نسمعها بتحيز
عندما تسقط أحلامنا ضحية الأبواب المغلقة نلوم الجرس
الأجراس تدق بحياد، و قلوبنا ظمآنة أكثر مما ينبغي
الجرس يذوب في كل دقة، والحبل يخسر فتيلة
دَقة تصنع حلماً، دقّة تقتل حلماً، وقارع الأجراس عجوز أصم يتفرج من برجه العالي على كائنات صغيرة في مسرح العالم.
(3)
في حفلة القرية، نزعَت المعلمة وشاحها ورقصَت بجنون، مع كل حركة كانت تتساقط عن روحها القيود وتلمع عيناها أكثر.
أيها الحلم الصاخب ليتك تستمر حين لا يبقى من الموسيقا سوى رنين أجراس الصباح وضجيج تلميذات المدارس.
عصافير ميتة
(1)
عناقيد العنب صارت سهلة القطاف، القامات لم يزدد طولها، ولم يتسلق المزارع سلّماً أو حتى جثة عدو!
انهارت الدالية على الثقوب التي صنعها النمل الأحمر في الخشب، النمل الُمذنِب بالخراب، البريء من الفخر الكاذب، المُحطَم تحت أحذية الأقزام الثمإلى الراقصين على الكرات القرمزية.
كم دامت الرقصة؟ لا أحد يعلم، سوى أنها دامت طويلاً حتى تعتّقت الهزيمة، وصارت خطيئةُ النمل الأحمر في يد الأقزام نصراً !
(2)
قطط سوداء، شقراء، رمادية، كبيرة، صغيرة، مختلفة جداً، طموحة جداً، يا إلهي، كل تلك القطط وسمكة واحدة فقط !
القطط غبية جداً، من حق السمكة أن تظن نفسها عروس بحر !
(3)
كل هذه العصافير الميتة، تتساقط حولي، ويأكلها التراب، لا أحد يعزف للعصافير لحن الجنازة !
تتابع الفرقة الموسيقية سيرها، وتدوس اللحم والريش بأحذيتها الثقيلة ليست الفرقة الموسيقية صماء، ليست محايدة.
كلما نظرتُ للفرقة، أشاهد العصافير الميتة تخرج من فوهة البوق النحاسي بينما تحوم أشباح باهتة لرعيان صغار حول مزامير (هايلند).
شفافةٌ، شفافة زُرقة السماء، خفيفة، خفيفة، لا تحتملُ كثافة الحزن الطائر على ريش معزوفة الموت والنحاس.
(4)
الفزّاعة كائن وحيد جداً، فلم يعد هناك عصافير.
لم يعد هناك حقول !
الفزاعة لم تحتمل الوقوف في الفراغ، فتسللت إلى أدمغتنا وأحتلتها
وأنجبتنا
دمى من القش .
نَحت
(1)
جرانيت أنحته عن قلبك بأصابع عارية فتسيل على جلدك الأبيض راقصات برونزيات وقصائد حمراء، أنحت عن قلبك الجرانيت فيرقص لحبيب لا يشبه النحات، يمجُّد أكاليل النار حين تمتطي قلب الغابة وحزن المزارع، قلبك مدينة شمالية وفي مدن الشمال يعبدون التماثيل ويبنون هياكلها المقدسة من أجساد النحاتين!.
(2)
كيف أوقظكِ، والساحرة ماتت مسمومة بالسر؟!
كيف أنساكِ، وأنا أفقد تعويذة النسيان؟
أيتها التميمة النائمة وراء الزجاج، تراقصين في أحلامك أنصاف التماثيل نصف المتحفِ، وقصص الحب الناقصة، كيف أوقظكِ والساحرة ماتت مسمومة بالسر؟
(3)
كغجريةٌ تكسرُ على رأسي كريستال الوعود وتسقي للتراب نبيذ القبل
تتنبأ لي برقصة في باريس، بمغامرة عاطفية تذيب الجليد في قلب موسكو ثم ترحل بالقطار تشرب وحدها عصير النبوءة وتترك الكأس فارغة.
(4)
أوتَعلم يا صانع الجرار، ليتني لم أشفق عليك، ليتني كسرتُ كل الجرار قبل أن يكبر فيك طموح الطين وتصير جرارك ألف بئر، ألف فم لوحش خرافي يشرب كل الماء، ويلون بالرماد قوس قزح، ولا يترك لي سوى حبر الكثير من الحبر والكثير من الحكايات الخرافية.