eKtab
EN ع
وتلك قضية أخرى
اقرأ عينة مجانية

وتلك قضية أخرى

بقلم هدية حسين

صفحة 1
إضاءة
 
من دون تخطيط مسبق، دخلت عالم القصة القصيرة، فلقد أخذت مني الصحافة اليومية ومن قبلها الإذاعة والشعر سنوات طويلة أزاحت ضوءاً شحيحاً كان يمكن أن يضيء مبكراً، وينير مساحة واسعة من حياتي الأدبية، غير أنني لم أنتبه إلى نفسي إلا بشكل ربما كان مفاجئاً·· عندما أعود بذاكرتي واستجمع بعض اللقطات الوامضة من حياتي، أجدني كنت مشروع قاصة أكثر مني مذيعة أو صحفية أو شاعرة، لكن سفينتي جرت وقتها وسط اتجاهات مختلفة ومسارات متشعبة قبل أن ترسو في ميناء القصة القصيرة، عندما نبهني أكثر من صديق بأن الكثير من كتاباتي الصحفية تأخذ منحى قصصيّاً، وهكذا بدأت محاولاتي ووجدت من التشجيع أكثر مما كنت أجده في نفسي·
 
وحين ظهرت مجموعتي القصصية الأولى أعتذر نيابة عنك كانت تأشيرة دخول إلى هذا العالم·· لكن تلك التأشيرة كانت بحاجة إلى جهد مضاعف كي ترسو في بر أمان يتيح لها رؤية هذا العالم الساحر، المفتوح على عوالم أكثر دهشة وجمالاً·· وهكذا وجدت نفسي أغترف جرعة إثر جرعة من بحر ممتع بصخبه الضاج بالرؤى·· وموسيقاه الغامضة الساحرة·· ومن تلك الجرعات ولدت مجموعتي الثانية قاب قوسين مني·
 
وإذ أقدم للقارىء العربي مجموعتي الثالثة وتلك قضية أخرى فإني أشعر كما لو أنني أخطو خطوتي الأولى، خطوتي الوجلة، وسأعترف بأنني أقدمها وأنا أمتلىء بالقلق، ذلك أننا - جيل الحروب - لم نستطع إيصال صوتنا خارج حدود الوطن بسبب الظروف الصعبة التي أحاطت بنا وسوّرت أحلامنا داخل أسلاك شائكة لم نستطع إلا بمشقة من اختراق تلك الأسلاك في وقت ظهرت فيه أسماء كثيرة في الوطن العربي كانت أكثر وصولاً للقارىء واستطاعت أن تجد لها مكاناً تحت شمس الذاكرة العربية·
 
وإنني إذ أضع بين يدي القارىء العربي هذه القصص فإنني حريصة الحرص كله على أن تجد لها صدى طيباً في نفسه وحيزاً مناسباً في مكتبته·· إنها دعوة محبة إذن لقراءة متأنية عسى أن يجد قارئي ما اختبأ بين السطور أو خلفها، وهو أكثر بكثير من السطور التي بين يديه·· وإذا ما تحقق له ذلك أكون قد أوقدت شمعة تضاف إلى شموع الإبداع العربي·
 
هدية حسين
صفحة 2
في زاوية ما ··
 
ببطء أسير، غارقةً في تأمل المشهد، وقبل أن أعبّ من جماله سمعتُ من ينادي باسمي·· أنا متأكدة أنه اسمي، بحروفه الهادئة التي لا يمكن سماعها إلا عن قرب·· لم أر شيئاً حين التفتُّ·· ثانية تكرر النداء، وثالثة، ورابعة، وفي كل مرة كنت ألتفت، يميناً وشمالاً، في الزوايا وخلف الأشجار الباسقة التي تصطفق أوراقها عند هبوب الريح فتحدث صوتاً كأنه تصفيق·· من علّم الأشجار تصفق؟ ثم لمن؟ ·· ونحن صغار، كنا نصفق للتلميذ الشاطر ولكل من ينهي عملاً يستحسنه الكبار·· وعندما كبرنا اتسعت رقعة من يصفقون·· في أثناء الخطب الرنانة التي تناسب المرحلة، وفي الأعياد الوطنية حيث المسيرات تسد الشوارع حتى ظننت أن الكرة الأرضية قائمة على أيد تصفق·· ومع أن أصوات الطبيعة تتداخل، الريح، حفيف الشجر، نباح الكلاب، زقزقة العصافير، إلا أن ذلك لا يمنع الصوت المبهم الذي ينادي عليَّ من الوصول الى مسامعي·· صوت لا أستطيع فرز نبراته، من شخص لا يمكنني تبين ملامحه·· ترى كيف عرف اسمي، وأنا المرأة الغريبة في بلد لا يعرف لغتي؟
 
كنت قد غيرت مساري اليومي من الشقة التي أعمل بها جليسة اطفال إلى شقتي، في محاولة مني لاكتشاف المزيد من خبايا مدريد موطنةً نفسي على المزيد من الغربة التي هبطت عليّ بعد سفر صديقتي المغربية·· ما زلت أسير ببطء في شارع كل ما فيه يتنفس الجمال، ببيوته ذات الشرفات العابقة بالأزهار والسقوف القرميدية والنوافذ المؤطرة بالنباتات المتسلقة·· بأشجاره العالية الكثيفة ومشاتل الورد الدائرية على الأرصفة··
 
مرّ بي شبان على دراجات بخارية، اخترقوا الأصوات التي تنثرها الطبيعة بأغان ضاجة بالحياة·· رفع أحدهم يده لتحيتي ومضى قبل أن يرى ابتسامتي التي تراجعت بعد ثوان، ثم سمعت صوت طيور الحب يأتي من مدخل أحد البيوت عندما مررت بالقرب منه·· وبعد بيتين فاجأني نباح كلب من وراء سياج مشبك فارتبكت خطواتي أول الأمر ثم ما لبثت ان استقامت·· لا أحد غيري في هذا الشارع مما زاد من شعوري بالوحدة، وربما بالتوحد مع الطبيعة، إلاّ أن النداء كان يخترق كل شيء ويصيح بي·· ها هو يأتي من الزاوية اليمنى حيث يستلقي جسدان يلتصقان في عناق محموم·· ما عادت هذه المشاهد تثير أحاسيسي كما هو الحال في الأيام الأولى لوصولي هذا البلد الغريب المستنير بأنوار ثقافات متعددة، ما عاد بدني يقشعر، ذلك أن تكرار المشاهد بالصورة ذاتها يفقدنا دهشة النظرة الأولى··
صفحة 3
وانطلق الصوت هذه المرة من فوق·· رفعت رأسي إلى الغيوم البيض وكان سرب من طيور يعبر الفضاء، ثم جاء الصوت من خلفي فخيّل لي أن شبحاً توارى خلف شجرة من تلك ا لأشجار المرصوفة على جانبي الشارع، ذكرني ذلك بقصة الشبح التي سمعتها يوماً من صديقتي المغربية· ولكي أبعد حكاية الأشباح فقد أسرعت في السير لأصل إلى الشارع العام··
 
ما حكاية الشبح الذي تحدثت عنه المغربية؟
 
لا أظن أن الأمر يتطلب مني سردها في وقت بدأ فيه الخوف يتسلل صوب خلايا جسدي·· ومع ذلك فقد هيمنت تلك التفاصيل على حواسي وانبثقت من أعماقي··
 
كانت صديقتي تدخن بشراهة حين قصت الحكاية التي ظلت عالقة لأيام وأنا أتابع مشاهدها على مرآة ذاكرتي وأضيف إليها أجزاء مما اختزنته ذاكرة الطفولة عن الجن والأشباح·· وإذا كان لا بد لي من سردها، فها أنا أحاول لعلي أطرد الشبح الذي يحوم حولي وينادي عليّ··
 
كنا نجلس في زاوية شبه معتمة داخل إحدى المقاهي، ولا أدري كيف تشعّب الحديث إلى ذلك، حين قالت: إن بناية يمتد عمرها لعشرات السنين، دفنت فيها طفلة تبلغ من العمر سنة واحدة، وبعد بضعة شهور، بدأ العابرون بالقرب من تلك البناية يسمعون بكاء طفل يتواصل لثوان ثم ينقطع ليعود ثانية في وقت آخر·· فاعتقدوا أن الأمر لا يعدو كونه مجرد إشاعة، ربما لإلهاء الناس عن بعض الأمور السياسية، هذه وجهة نظري التي قاطعت بها كلام المغربية، لكنها انتفضت وأخذت تشرح لي ما تعرفه عن سياسة هذا البلد وطريقة تفكير أهله· ثم سحبت نفساً عميقاً من سيجارتها لتذكّرني بأنني قادمة من عمق الصحراء، وأننا - نحن العرب - نتقبل الخرافة كأنها واقع حال·· أما في بلد مثل إسبانيا فقد تعيش الخرافة لكنها لا توظف في السياسة، وأضافت بعد أن نفضت رماد سيجارتها (إن لهم طرقاً أفضل من ذلك)·· وأرادت أن تشرح لي تلك الطرق لكنني أشرت إليها بأنها ابتعدت عن حكاية الطفلة التي ماتت، فعادت لتقول :
 
بمرور الوقت بدأ الاعتقاد يترسخ بأن روح الطفلة تتعذب لسبب يجهلونه، وحين اتسعت رقعة الحكاية واندفع الناس صوب ذلك الموقع المهجور أصبح هناك تقليد يستند إلى بطاقات بأسعار ترتفع كلما ازداد عدد الداخلين··
صفحة 4
رفعت صديقتي يدها وأشارت إلى النادل، الذي جاء مسرعاً، فتحدثت إليه بعصبية:
 
قلت لك أنا (مسلمة) يا رجل ·· خذ علبة البيرة هذه وأتني بواحدة من دون كحول·
 
كنت أرتشف القهوة على مهل وأنا أتابع الحكاية بمشاعر حيادية·· أطفأت عقب السيجارة ثم واصلت الحديث:
 
ولما تداول الناس حكاية شبح يظهر في الزوايا اضطر المسؤولون إلى تشكيل لجنة لتقصي الحالة·· وجاء تقريرها ليقول : نعم هناك صوت بكاء ينبعث من عمق البناية، صوت مخنوق كأن عشرة أصابع تجمّعت لإسكاته، لكنهم لم يؤكدوا ظهور الشبح··
 
وضع النادل علبة البيرة، فراحت تشرب على مهل قبل أن تقول :
 
ثم خرجت الأخبار الى الشارع ودخلت البيوت وتناولتها الصحف، فانهالت المكالمات عبر برامج التلفاز التي تترصد الظواهر الغريبة ليقول الناس كلمتهم، وبناءً على هذا التطور قررت اللجنة تسجيل الصوت ليوضع تحت تصرف الخبراء وعلماء الباراسايكولوجي ··
 
إلى هذا الحد توقفت المغربية عن الكلام، فقد جاء خطيبها يحمل أوراق السفر ليغادرا في اليوم التالي إلى الرباط··
 
·····
 
لم تلق حكاية البكاء الذي ينبعث من زوايا تلك البناية أي صدى في نفسي، فما بالي اليوم أمعن في تذكر التفاصيل وأقطع الشك بالقول إن الأرواح السابحة في الفضاء يمكنها أن تفعل أكثر من ذلك· أرواح الذين غادروا الحياة منذ زمن بعيد··
 
وأحالني هذا التذكر إلى كتاب قرأته عن معتقدات العراقيين القدماء، بأن أرواح الموتى تتربص بالأحياء وتلحق بهم الأذى، لأنهم لم يقيموا لهم القرابين أو الطقوس الجنائزية··
 
لكنني لا أرى شبحاً - إنما يخيّل لي - بل أسمع صوتاً ينادي باسمي ··· لا بكاء ولا ضحك، لا همس ولا صراخ··
 
وانفتح أمامي الشارع العام·· تطلّ على جانبيه الأبنية ذات الواجهات الزجاجية الصقيلة، وظهرت لعيني حركة الناس والسيارات، أكشاك المجلات والصحف، مقاهي الأرصفة ودور السينما وكانت السماء ترسل رذاذاً منعشاً، فانتشرت رائحة الأزهار في الفضاء·· انزويت في ركن من مطعم يرتفع قليلاً عن الرصيف، وتوهمت أن النادل ينطق اسمي، فحدقت في وجهه مستفهمة، ويبدو أنه كان يرحّب بي، بدليل انحناء جسمه قليلاً إلى الأمام، فتح قائمة الأطعمة، لكنني لم أعر اهتماماً لقائمته فطلبت قهوة تركية، وحاولت ملء الفراغ الساكن حتى وصول القهوة، بالنظر عبر الواجهة الزجاجية، حيث ما زال رذاذ المطر يتساقط مشكلاً خطوطاً مائلة كأنها خيوط رقيقة تتوالى على العشب ومشاتل الورد··
صفحة 5
رفع عجوز مظلة سوداء، فيما كان البعض يسير بلا مبالاة، ولاحقت عيناي امرأة مسنة تقود كلباً ذا شعر بني كثيف يقوم باهتزازات متتابعة نافضاً الماء عن فروة جسمه·· وفجأة انقطع تواصلي إذ نادى الصوت باسمي في وقت كنت أمد فيه يدي إلى فنجان القهوة الذي لا أدري متى وضعه النادل أمامي·· لم ألتفت هذه المرة، فقد كنت على يقين أن أحداً لا يعرفني ليلعب معي لعبة كهذه·· وأن الأمر يتعلق بشيء غامض ليس لي القدرة على فك رموزه··
 
داهمتني رائحة غريبة تشبه رائحة أعشاب برية، فأرجعت السبب الى نوع من أنواع الأطعمة التي يعجّ بها المطعم·· وأكملت ارتشاف قهوتي·
 
لم أجد رسالة في صندوق بريدي عند مدخل العمارة التي أسكنها·· أعرف أن لا رسالة تصلني، فما الذي يدعوني إلى فتحه كل يوم؟ حتى صديقتي المغربية لم تبعث سوى كارت واحد بعد أسبوع على زواجها، وقد اكتفت بالقول، إن نظرتها للحياة قد تغيرت، وإنها عثرت على نفسها وتصالحت معها·· أتراها ستقول ذلك بعد عشر سنوات؟
 
داخل شقتي، وأنا أفتح الباب، خيل لي سماع خطوات، ارتبت في الأمر، خاصة وأن العصابات التي تداهم الشقق هذه الأيام قد نشطت·· أرهفت السمع، لكن، بعد لحظات تأكد لي أن الخطوات كانت تأتي من شخص ينزل السلالم من الطابق الأعلى·· خلعت حذائي عند المدخل وألقيت سترتي على أقرب كرسي، ثم فتحت النافذة المطلة على الشارع فصدمتني الرائحة ذاتها، تلك التي فاجأتني في المطعم، وشعرت بأن حواسي كلها تتيقظ··
 
استنشقت أكبر كمية منها حتى أحسست بأنها تتغلغل في جسدي ممتصة منه بقايا التعب، كنت أبحث عن شيء ما في تلك الرائحة، فاستقر رأيي على أنها رائحة حناء·· عندها غمرني حنين جارف إلى مراقد الأولياء الصالحين في بلدي·· وتراءت لي وجوه النسوة المتلفعات بأحزانهن وأمانيهن المستحيلة·· لكن الصوت صاح باسمي وقطع عليّ ذلك الاسترجاع فأغلقت النافذة··· محاولة لملمة الوقت، متشاغلة بترتيب الشقة، غير أنني بعد دقائق وجدتني أمضي إلى الفراش وأغط في نوم عميق لم أصح منه إلا على بكاء هامس مخنوق، تبين لي فيما بعد أنه يأتي من الشقة المجاورة·· واغمضت عيني لأتيح لهما مرور صور شاحبة من حكاية الطفلة التي ماتت ودفنت في موقع مهجور، مستنفدة طاقتي على التذكر حدّ أن تملكتني الرغبة لاستكمال ما كان قد انقطع، ربما لملء فراغات الغربة وترميم الذاكرة من النسيانات المتكررة··
صفحة 6
إنها الرغبة في مغامرة لا ضرورة لها·· ومع هذا فقد اجتاحتني، وها أنا أستقل سيارة أجرة وأطلب من السائق أن يوصلني إلى ذلك المكان·· كانت نظراته المريبة كافية لتثنيني عن عزمي، فقد رمقني باستغراب، ثم تحدث إلى نفسه بصوت مهموس ولم يعلّق بعد ذلك بشيء طيلة الطريق الذي يمر عبر أراض متموجة تمتد على جانبيها غابات الزيتون، ترتفع ثم تنبسط منفتحة على خضرة لا تنتهي إلاّ عند سلاسل جبلية أو تتوارى خلف التلال والغابات الغارقة في الضباب·
 
لم يراودني أدنى شعور بالخوف وأنا أرى خلو الطريق من أيما سيارة بعد مرور أكثر من نصف ساعة على خروجنا من حدود مدريد كان السائق منسجماً مع صوت خوليو الهادىء العميق، وأظنني كنت منسجمة - ربما للمرة الأولى - مع نفسي مانحة إياها فرصة التمتع بجمال الطبيعة وألوانها الغارقة في النشوة·· وحين انعطف الطريق ظهرت قمة تلك البناية عن بعد وبدأت الأشجار تتباعد كلما توغلنا·· ثم تلاشت إلاّ من شجيرات ونباتات برية·· وعندما توقفنا فوجئت بخلو المكان من أيما مرفق سياحي أو دلالة تشير إلى وجود حركة لأناس يتابعون سير الأحداث ·· هممت بالنزول وطلبت من السائق الانتظار حتى أعود··
 
للبناية مدخلان، أحدهما مرتفع يفضي إلى باحة مربعة يتوسطها شكل لا ملامح له من أحجار كأنما صفّت للتو لتبدو على هيئة آدمية، والثاني يؤدي إلى ممر معتم يقود إلى سلم حجري نحو الأسفل·· أما الجدران من الداخل فتبدو شبه ملساء تنتهي من الأعلى بوجوه رجال يشبهون فرسان القرون الوسطى وأجسام أطفال مجنحين ربما يرمزون للملائكة ·· بينما الضوء الخافت يمر عبر فتحات من أعلى البناء·· لاحظت انهيار بعض الجدران وتآكل البعض الآخر·· كنت ببطء أسير، أرهف السمع إلى صوت هامس مخنوق·· أبحث عن حارس أو قاطع تذاكر أو أيما شيء يذكر بالحكاية التي سمعتها·· لا شيء·· إنها مجرد بناية مهجورة وامرأة تبحث عن مغامرة في الأحجار الميتة بعد أن يئست من التعايش مع الأشياء التي تنبض بالحياة·· امرأة لم تمتع نفسها بالجمال الباذخ الذي تعج به مدريد فتوحدت مع الذات حد أن انقطعت بها سبل التواصل·· ربما لهذا السبب كانت تسمع من ينادي باسمها وتشم رائحة من ذلك الماضي الذي قررت في لحظة ما أن تقطع حباله وتمضي صوب المدن الغريبة··
صفحة 7
لم أجد السائق بانتظاري حين خرجت·· رباه، أين يكون؟ درت حول البناية من الخارج وداخلني شعور بالخوف وسط هذا الخلاء الواسع·· أيمكن أن يكون كل الذي سمعته مجرد كابوس لاحقني بعد ذلك على شكل نداءات متكررة ورائحة أعشاب برية؟
 
كنت أتساءل مع نفسي حين سمعت صوت السيارة، أشار لي السائق واعتذر مني بلباقة، مبرراً غيابه بأنه كان يستطلع المنطقة، وقدم لي باقة من شقائق النعمان·· ثم فاجأني حين أخذت مكاني في المقعد الخلفي بسؤال تفوح منه رائحة السخرية:
 
هل سمعت البكاء؟
 
قلت :
 
لا، ولكن لم المكان مهجور هكذا·· أين الناس؟
 
ألم تقرئي الصحف ؟
 
كانت لي صديقة توافيني بالأخبار، ثم سافرت·
 
قال السائق :
 
إنها مزحة اخترعها ثلاثة لصوص محترفين، كان أحدهم قد وضع جهازاً سجل فيه صوت طفلة تبكي وخبأه في مكان سري أسفل البناية ·· والثاني أصبح قاطع تذاكر، أما الثالث فهو الحارس ·· روّجوا لحكايتهم، وقبل أن تهبط عليهم الثروة اكتشف الأمر ··
 
لماذا أخذتني إذن؟
 
الطريق طويل، وهذا يعني أن العداد سيسجل مبلغاً لا بأس به لرجل يحسب للمستقبل حساباً ··
 
بهذا المعنى أنت لص أيضاً؟
 
قلتها بالعربية التي لا يفهمها طبعاً ··
 
لكنني منذ أن عدت بعد انتهاء خيوط الحكاية، بدأت أسمع بكاءً مخنوقاً، كأن عشرة أصابع تجمعت لإسكاته، متداخلاً مع حروف اسمي الهادئة التي لا يمكن سماعها إلا عن قرب··
 
10 آذار 9 9 9 1
صفحة 8
غبار الوحشة ··
 
قال لي: سأتصل بك في أي وقت من نهار قادم·
 
ومضى ··
 
تطلعت إليه عبر النافذة·· استدار ناحيتي·· لوح بيده ·· ثم أخفاه الدرب الطويل، وحجبته المركبات والخطى المتسارعة، اسدلت الستارة كأنني أضع حداً فاصلاً بين الوهم والحقيقة·
 
الساعات تتكاثف مثل غيوم داكنة تغطي سماء الروح، وتنحشر في دهليز يقود إلى الزمن المتراجع، لكنها قبل ذلك تترك جبلاً من الحزن لا يعصم من الطوفان·· طوفان يجرف كل شيء·· سيول إثر سيول تخرج من الأحشاء والأوردة، تحفر لها مجرى في البلعوم، تلجم اللسان عن الكلام فيحتبس·
 
احتبس في لجة الانتظار، ثم اكتشف أنها اللعبة ذاتها التي أدمن تكرارها معي·· هل يعني هذا أنني امرأة بلهاء؟ لا بد أن أكون كذلك فعلاً ما دمت عرضة من حين إلى آخر للعبة مكررة، ما إن تمضي بضعة أيام حتى أنساها ثم أعيشها كأنني لم أعشها من قبل، أو كأنني استمرىء تكرارها لكسر جدار الضجر الرمادي الذي يحيط بي·· هل كنت أستمرىء اللعبة حقاً؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تستقر في رأسي المزحوم بالخوف والتساؤلات؟
 
رأسي؟
 
ما الذي يحدث داخل رأسي؟ أرى حزماً من ضوء تمرق وامضة فتكشف عن صور لا أتذكر زمان حدوثها ولا أدري لماذا تقفز من بين طبقات الزمن المتلاشي لتلقي ظلالها علي·· صورة رجل ذي معطف أبيض، بنظارة طبية سميكة تبرز عينين ثاقبتين، دوّن بعض الملاحظات وحدق بي أكثر من مرة قبل أن يسقط الكلام من بين أسنانه الناصعة :
 
لا بأس، هذا يكفي·
 
وعندما أسترجع اليوم هذه العبارة أجدني خلف بوابة حديدية موصدة لا أدري ماذا تخبئ من أسرار·· أتذكر قلت له برغم أنني لا أعرف عن ماذا كان يتحدث:
 
هذا كل شيء ؟
صفحة 9
فأعاد علي العبارة:
 
هذا كل شيء·
 
ثم أضاف بعد أن رفع قليلاً بسبابة يده نظارته السميكة:
 
انتهت الأسئلة·
 
وإذ غادر الغرفة وجدت نفسي أتطلع إلى جدرانها ذات الطلاء الأصفر الباهت ونوافذها الزجاجية المضببة بفعل تراكم الغبار·· إنه الغبار ذاته الذي يتراكم على جسدي هذه اللحظة وعليّ أن انتزع نفسي من بين طبقاته الكثيفة·· ها أنا أحاول، وأتخفف كأنني أنزع ملابسي وأعوم في بحر لا قرارة له·· شجرة التوت المنتصبة في الأرض المهجورة خلف النافذة هي الأخرى تتعرى، لا بد أن الأرض تتشرب الآن رحيق توتها الأسود المحمر النازل من بين أغصانها ·· ثم فجأة أجدني أعوم في فراغ كمن ينفصل عن جاذبية الأرض ويطوف في فضاء كوني شاسع·· فراغ يرفعني إلى سماوات ذات أبخرة شفافة تحيط بي وتتسلل إلى (نقطة التشابك) في رأسي فتعوم حزم الضوء ثانية وتتكشف صور أخرى·· صور ترتعش، تستطيل، تتكور، تتشابك حتى ليصعب الإمساك بها أو فك تشابكها، وبرغم ذلك فإن خيوطاً منها تتسرب إلى ذاكرتي، تشدني إلى شيء ما، شيء افتقدته منذ زمن بعيد·· إنه الآن عصي على الوضوح، حاولت لملمة جذاذاته غير أنني ما إن أمسك به حتى يتلاشى مثل قطرات ماء تنزلق من بين الأصابع ولم يبق من ذلك الشيء سوى ثوب أزرق تتوزع على حاشية ذيله وأكمامه وياقته العريضة حمامات بيض تفرد أجنحتها كأنها تحاول الفرار·· أظنني ارتديت ذلك الثوب في أحد مواسم طفولتي الهاربة، ولهوت به على شاطئ مزحوم بحكايات جدتي عن الجن والعفاريت والسعالي ··
 
تنبثق أيضاً صورة رجل أحببته أيام صباي، لكنني عاجزة الآن تماماً على أن ألم بتفاصيل ذلك الوجه··· والغريب أنني نسيت اسمه·· بل الأمر يدعوني للتساؤل: أتراني حقاً أحببت؟ من تراه اذن؟ من يكون؟·· حسن إذا كان الأمر كذلك فلا بد لي من ذرف كمية من الدموع الساخنة، ولا بد أنني اكتويت بجمرة العشق كما يحدث حين يتفتح القلب مثل فلقتي ثمرة أيام البراءة الأولى ثم لا يلبث أن يخمد الجمر·· وعندها من الصعب إيقاده ثانية··· ومع كل ما قلت فأنا اشتعل الآن بحب رجل يكرر علي باستمرار لعبة انتظار صوته عبر جهاز أصم يأبى النطق·· وهذا يعني واحداً من احتمالين·· إما أنني ما زلت في مرحلة براءتي الأولى، وإما أن يكون هذا الرجل قد مد حبلاً من مسد فأذكى الجمرات الكابيات منذ أمد بعيد ثم رحل إلى مكان مجهول·· قد يكون جبهة القتال الممتدة من شمال الوطن إلى جنوبه منذ أن انحسرت الحرب عن المدن وولت هاربة إلى شريط حدودي لتلفظ أنفاسها هناك··· هل لفظت الحرب أنفاسها حقاً؟