eKtab
EN ع
وتظل تحلم إيزيس
اقرأ عينة مجانية

وتظل تحلم إيزيس

بقلم نعيم صبري

صفحة 1

امتنان وعرفان

يسعدنى ويشرفنى أن أتقدم بالشكـر للمساعدة القيمة التى أعانتنى على إنجاز هذا العمل.

إيناس بكر لتفضلها بمراجعة سيناريو الفيلم المتضمن بالرواية. خالد عبد الحميد لمناقشاتنا المثمرة أثناء العمل. مروة سعودى وسارة صبرى للمعاونة فى إجراء البحوث الاجتماعية التى احتاجها العمل.

نعيم صبرى

صفحة 2

وَلَكَم تغرينى كلَّ صباحٍ، كلَّ صباحْ

وَلَكَم تغرينى كلَّ مساءْ

فى ضوءِ شُعاع السَّحَرِ الناهضِ،

راحت تسرى موجةُ سِحْرٍ، رعشة حُلمٍ،

دفقةُ أنثى، أنَّةُ آهٍ، فارت

ثم توارت

فى سردابِ الجسدِ الوسنانْ.

قَهَرَ النومُ الصحوَ المتثائبَ والكسلانْ

لفحتنى أنفاسٌ حَرَّى

ورأيتُ ذراعين لأعلى،

فإذا بهما

دلتا نهرٍ فى وجدانى الظمآنْ

َفعَببتُ الماء عَجولاً حتى أُروى

ورأيت اللؤلؤَ فوق جبينٍ نعسانْ

أنفاسٌ حَرَّى

َظمَأٌ يُروى

وأنا ... وأنا مفتونٌ بالإغراءِ وبالأشجانْ

أشجانٌ ترحلُ، تأتى،

ترحلُ، تأتى ...

أشجانْ.

مأخوذًا أخرجُ حيثُ الفجرُ،

وحيثُ اللونُ الفضةُ والآفاقُ الورديةُ

فوقَ جبين الكونْ

أتجولُ فى شريانٍ يدخلُ فى شريانْ

أَتَسَمَّعُ نبض القلبِ النائمِِ،

نبضَ القلبِ المُرْهَقِ

من إجهادِ الخَفَقانْ

أَتَسَمَّعُ بعضَ نحيبٍ يأتى

من أزمانٍ ضاعت فى النسيانْ

َمن أسمعُ؟! ... لا

إيزيسْ!

اختلط الأمرُ عَلَىّْ.

***

ُتغرينى تلك الأنثى كلَّ مساءْ

تتزين بالألوانِ وبالأضواءْ

وتصفف شَعْرًا كالليلِ الْمُنْسَابِ على الأحياءْ

تتعطر ُفلاً ونبيذًا

وُدخانَ شواءْ

فيسيلُ لعابى

وصوابى

أفتحُ أبوابى

وأهيمُ على طرقاتِ الشَّعْرِ الحالكِ

قبلَ ظهورِ القمرِ الوَضَّاءْ

أتصبب عرقًا

أنداءْ

أَتَسَمَّعُ بعضَ نحيبٍ يأتى من أحشاءِ الليلْ

من أسمعُ؟! ... لا

إيزيسُ هناكْ!

ولكم تُغرينى تلك الأنثى كلَّ خريفْ

تتساقطُ أوراقُ الأشجارْ

تَتَعَرَّى

أَتَعَرَّى

أَتَسَمَّعُ ذاكَ الصوتْ

من أسمعُ؟! ... لا

إيزيسْ.

فى كلِّ شتاءْ

ينهمرُ عليها الماءْ

يغسلها

تَشعرُ بالرعشةِ من عنفِ البردِ القارسْ

تأتى نحوى

تقفز فى حضنى

تلثمنى

أتصببُ عَرَقًا

أنداءً

أَتَسَمَّعُ أيضًا ذاكَ الصوتْ

يختنقُ الدمعُ بأحداقى

فأضمُّ الصوت الآتى من أزمانِ البُعدِ هناك

وتنوحُ بصدرى إيزيس.

***

وَلَكَم تغرينى حقًّا كل ربيعْ

تورقُ أشجارُ التوتِ وكلُّ نخيلِ الوادى والصحراءْ

تورق فيها الأنثى

ألوانًا من إغراءْ

فأذوبُ حنانًا ...

وهُيامًا

وأفكرُ ماذا أفعلُ كى أمتزجَ ببهجتها

كى أمسحَ دمعتها

أتحرقُ شوقًا للآتى

أخطبها من أوزيريس

يمنحنى إيّاها

يوصينى

أن أرعاها ...

حين يموتْ.

***

قصيدة إيزيس، من ديوان حديث الكائنات ـ للكاتب.

صفحة 3

تململ فى مقعده بالطائرة وهو مستغرق فى نعاس لذيذ. من النادر أن يستمتع آندرو بالنعاس أو الاسترخاء. مشدود هو دائمًا إلى الآتى، لا يلتفت إلى اللحظة التى يمر بها، بل يتجاوزها إلى المابعد، إلى ما سوف يحدث وما يجب أن يتم، كيف يرتب الأمور للحصول على الحد الأقصى، لكنه الآن جليس مقعده لعدة ساعات، وقد حل عليه التعب المتراكم، فاستسلم لبعض الوقت.

زادت شدة الاهتزازات فتنبه متأففًا. اعتدل فى مقعده الوثير والنعاس يداعب جفونه. سأل المضيفة التى تَصَادف عبورها إلى جوار مقعده وهى تجاهد لحفظ توازنها بالكاد :

ـ What's wrong?

ـ Nothing. Some turbulence only.

لقد دخلت الطائرة فى منطقة مطبات هوائية.

لفت انتباهه نطقُها بانجليزية مصرية النبر. أول رحلة له مستخدمًا طائرات شركة مصر للطيران. أكّدوا له أن الخدمة على خط نيويورك القاهرة ممتازة فتجاوز تردده وقَبِلَ الحجز على طائرات الشركة بسبب ضيق الوقت، لازدحام جدول ارتباطاته بالمواعيد.

شعر بالرغبة فى التبول فاعتدل فى جلسته وتَمَطَّى ثم نظر إلى اللافتة البيانية لدورة المياه فوجدها خالية. نهض محاذرًا ليحفظ توازنه وتوجه إلى دورة المياه. جاهد للتبول مقاوما اهتزازات الطائرة ثم استدار ليغتسل وهو يترنح.

شعر بالانتعاش واستدار مغادرًا دورة المياه. فى طريقه إلى مقعده، غَيَّر وجهته وواصل سيره إلى الدرجة السياحية بالطائرة، تقدم فى اتجاه والديه حيث يجلسان قرب نهاية مقاعد الدرجة السياحية.

كانت مدام ليلى مستغرقة فى نوم عميق وإلى جوارها يجلس أبوه مسترخيا. كانت اهتزازات الطائرة قد بدأت فى الخفوت.

قال لأبيه :

ـ هل تحب أن نتبادل الأماكن لتستريح قليلا؟

هز الأب رأسه مُعْرِضًا فوَاصَلَ :

ـ الكراسى أكثر راحة بالدرجة الأولى. الكرسى هنا ضيِّق والرحلة طويلة.

همس له الأب حتى لا يوقظ زوجته :

ـ سأبقى إلى جوار ماما. لقد تعودت على الكرسى.

هز آندرو كتفيه وأجابه :

ـ As you like!

لقد أردتُ أن أريحك لبعض الوقت.

استدار آندرو بهدوء واتخذ طريقه إلى مقعده بالدرجة الأولى وهو يحرك كتفيه فى حركة دائرية لاسترخاء عضلات ظهره.

صفحة 4

طلب قهوة من المضيفة فأحضرتها له على الفور. جلس يرتشف القهوة بهدوء وهو مستغرق فى تفكير عميق.

تمتم بثقة وتصميم :

ـ It has to work

إن مصر هى المكان الأمثل لنجاح هذا المشروع. مستوى المعيشة المنخفض سيدفع الناس لقبول المشروع والإقبال عليه على الفور. الناس تبحث عن أى فرصة للكسب لكى تعيش. فقر وزيادة نسل، أية ظروف يمكن أن تكون أفضل من ذلك. يجب أن تكون الحركة سريعة، أرجو أن يكون كريم كفئًا للتعامل مع المشروع. ليس لدىَّ الكثير من الوقت لأقضيه بالقاهرة. لقد ألح علىَّ كثيرا للحضـور إلى مصر وبداية الاستثمار فيها. وها هى الفرصة التى يجب أن يتلقفها .. سأرتب معه الأمر ثم أتركه ليكمل .. أتابعه من نيويورك، وقد أعود للقاهرة عند الحاجة.

Let's see what he can do!

استمر آندرو يقلب الأمر فى رأسه وهو يرتب أفكاره ويضع الخطوات اللازمة والأسئلة التى سيحتاج إلى إجابات عنها من كريم، قبل أن يعود إلى نيويورك فى نهاية الأسبوع. سوف يترك أبويه بمصر لزيارة العائلة ولقضاء الإجازة الصيفية. لم تكن رحلتهم إلى القاهرة مخططة من قبل. قرَّرَا مصاحبة آندرو عندما علما منه فجأة أنه سيسافر إلى مصر فى رحلة عمل.

قال لأبيه بنفاد صبر عندما أبلغه تليفونيا :

ـ هل تنتهزان أيَّ فرصة للسفر إلى مصر؟! ... إننى مسافر فى رحلة عمل لبضعة أيام فقط، وسأعود فورا. أعتقد أنه لا داعى للعجلة والإرباك.

أجابه أبوه متلعثما :

ـ الرحلة طويلة ومرهقة ... فرصة نستأنس بك فى السفر ... ونسليك أيضا.

وافق متأففًا، على أن ينتهيا بسرعة من ترتيبات سفرهما.

صفحة 5

هاجر المهندس نصيف فانوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع موجة هجرة الشباب فى الستينات. كانت هجرته بعد نكسة 1967 بشهور قليلة. كان قد تخرج فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة قبلها بأربع سنوات من قسم الهندسة المدنية، وجاء تعيينه بشركة حسن علام للمقاولات.

قدم أوراقه للهجرة بعد عمله لفترة، تبين فيها أن العمل بمصر لن يشبع طموحه. كان على علاقة حب بليلى، بدأت فى فترة نهاية دراسته بالجامعة، واستمرت بعد تخرجه. عائلة ليلى كانت تسكن فى الشقة المقابلة لعائلة مصطفى، زميله فى الدراسة. ألح عليه مصطفى أن يذاكرا معًا، نظرًا لعدم تعوده على المذاكرة بمفرده. كان يدعوه إلى شقته بمصر الجديدة فى معظم الأيام، خاصة فى أيام الامتحانات، التى يقيم فيها معه. الشقة واسعة ومصطفى ابن وحيد. تعرَّف على ليلى فى تلك الفترة، وتواصلت علاقتهما بعد تخرجه.

تقدم لخطبتها بعد أن توطدت علاقتهما. المستوى الاجتماعى لعائلة ليلى على قدر من التميز بالمقارنة بعائلة نصيف، لكنه فى النهاية مهندس وأمامه المستقبل، خاصة بعد أن أوضح لأهلها أنه قد قدم أوراقه للهجرة إلى أمريكا. أسرة نصيف تسكن بشقة متواضعة نسبيا بشارع فؤاد، بحى شبرا، إذا قارناها بمستوى شقة أسرة ليلى الأكثر تميزا بحى مصر الجديدة. والد ليلى رجل موزون وذو فطرة حكيمة، رأى أن أيّ اعتبارات تكون ثانوية فى مقابل أخلاق الولد وأسرته الطيبة. لم يَفُته بنظرته السديدة تعلق البنت به، وتمت الخطوبة قبل قبول هجرة نصيف بقليل.

بعد قبول طلب هجرته، استقر الرأى على إتمام الزواج سريعًا، حتى يمكن تجهيز أوراق العروس لتلحق بزوجها بعد أن يستقر ويرتب أموره بأمريكا. تم الزواج قبل سفره بشهر، وفى أوائل عام 1968، سافر نصيف إلى أمريكا ليبدأ حياته الجديدة فى لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، حيث علم من معارفه بتجمع الكثير من المصريين هناك. كان لنصيف بعض زملاء الدراسة الذين سبقوه إلى الهجرة واستقروا بولاية كاليفورنيا. أشاروا عليه بالانضمام إليهم ليعاونوه على بداية طريقه.

تم السفر، وبعد استقراره المبدئى، لحقت به زوجته بعد عام من سفره. هكذا بدأت رحلة الهجرة لأسرة المهندس نصيف فانوس وزوجته ليلى، اللذيْنِ رزقا بابنهما الوحيد بعد عام تقريبًا من وصول ليلى إلى أمريكا. استقرا على أن يختارا له اسم آندرو، ليناسب بيئة المهجر. قالوا إنه الاسم القبطى المعتاد بمصر، أندراوس، لكن مع قليل من التحوير المودرن، ليتم تقبله كمواطن أمريكى بسلاسة، وليسهل اندماجه فى المجتمع الجديد. تصرف بسيط يواكب الواقع المستجد.

صفحة 6

ـ سألتُ فى الاستعلامات فقالوا إن الطائرة ستصل فى موعدها.

وقفت مدام نادية مع ابنها كريم وابنتها رانيا فى المطار ينتظرون وصول طائرة نيويورك. ذهبت رانيا للاستفسار وعادت لتبلغهم. طلبت مدام نادية من رانيا أن تصحبهما بسيارتها، فسيارة كريم لن تكفى لاستقبال الأسرة القادمة من نيويورك، خاصة وأن آندرو يرافق والديه للمرة الأولى، منذ أن كان صبيًّا فى العاشرة.

همست مدام نادية بشوق :

ـ لكم أتمنى أن أرى آندرو بعد أن كبر وأصبح رجلا.

علق كريم مصححا :

ـ رجل أعمال قدّ الدنيا.

تساءلت رانيا بنبرة مشوبة بقدر من التهكم الاعتراضى :

ـ ترى ما الذى فَكّرَه بنا؟!

أوضح كريم :

ـ إنه قادم فى زيارة عمل.

علقت رانيا بسخرية :

_ هذا يوضح الحكاية.

انتبهوا لنداء وصول الطائرة فاقتربوا من باب خروج المسافرين وسط زحام المستقبلين وجلبتهم. كان الترقب يبدو واضحا على ملامح مدام نادية وكريم، فى حين تشاغلت رانيا باكتشاف نوعية الركاب الواصلين من أجانب ومصريين، والانطباعات المرسومة على وجوه من يبدو من ملامحهم أنهم مصريون.

تهللت أسارير مدام نادية فجأة عندما لمحت أختها ليلى وخلفها زوجها وهما يقتربان من باب الخروج ويفتشان بأعينهما بين المستقبلين. صاحت بفرح وهى تلوح بيدها عاليا :

ـ ليلى ... ليلى ...

لمحتها ليلى عندما التقطت النداء فأشارت لنصيف وهى تلوح بدورها بفرح لأختها. اختفيا مرة أخرى داخل صالة الوصول.

قال كريم :

ـ يبدو أن الحقائب لم تصل بعد.

علقت نادية بفخر :

ـ لقد جاءا ليبحثا عنا قبل استلام الحقائب ... ليلى حبيبتى لم تصبر على الانتظار .. لكن أين آندرو؟! ...

أجابتها رانيا بتعجب :

ـ وهل يتذكركِ آندرو حتى يهتـم بتـرك الحقائب والمجىء للتفتيش عنكِ فى الزحام؟! ...

صفحة 7

صمتت نادية وقد بدا على ملامحها الإحباط.

عادت الأسرة للظهور بعد قليل، يتقدمها نصيف وهو يدفع أمامه عربة الحقائب وفوقها عدد من الأكياس البلاستيكية الملونة، تتبعه ليلى، وإلى جوارها من افترضت مدام نادية ورانيا أنه آندرو. لَوَّحَ له كريم، الذى قابله من قبل عدة مرات خلال زياراته لنيويورك فبادله التحية بتحفظ.

تفرست مدام نادية فى ابن أختها وهو يقترب. شاب أنيق نحيف، متوسط الطول. لا يمكن للمرء أن يخمن جنسيته من ملامحه ومظهره، قد يكون مصريًا متفرنجًا، وقد يكون أمريكيا، أو من أىٍّ من دول حوض البحر الأبيض المتوسط. تَبَدَّى عندمـا اقترب أكثر فأكثر، أنه قمحى البشرة، ذو شعر أسود طويل يتهدل على كتفيه، تتخلله الشعيرات البيضاء بشكل ملحوظ.

تعانقت الأختان بحرارة، بينما يتصافح كريم ورانيا مع آندرو ونصيف. قدم نصيف آندرو لنادية ورانيا وهو يقول بمرح :

ـ هل كنتما تتصوران أنه قد كبر إلى هذا الحد؟

حاول آندرو أن يرسـم ابتسامة مجاملة على وجهه ثم قال لأبيه بلغة مختلطة ذات لكنة :

ـ لنتحرك للخارج حتى نفسح الطريق للناس.

تحرك الركب إلى خارج المطار وكريم يسأل آندرو :

ـ How was your trip?

أومأ آندرو برأسه وهو يتمتم :

ـ It was OK.

صفحة 8

وقفوا أمام باب المطار يلتقطون أنفاسهم ويتبادلون أحاديث الوصول والاشتياق. قالت رانيا معترضة الحديث :

ـ لنتحرك إلى البيت، ولتكملوا كلامكم هناك .. الجو حار.

قال آندرو :

ـ يجب أن أذهب إلى الفندق، عندى بعض الارتباطات.

قالت مدام نادية باستغراب :

ـ ما هذا الكلام؟! ... فندق إيه! ... وأية ارتباطات! ...

تدخل كريم ليوضح لأمه ما يعلمه مسبقا :

ـ آندرو حجز بفندق شيراتون لأنه مرتبط ببعض المواعيد والاجتماعات المرتبة مسبقا. إنه فى رحلة عمل.

نزل سهم اللـه على مدام نادية المسكينة ونظرت إليه رانيا متفحصة. تدخل نصيف ليرطب الجو وينهى الموقف المتأزم :

ـ آندرو مشاغله كثيرة ... ونحن نادرًا ما نراه فى أمريكا.

تساءلت رانيا مازحة :

ـ هل يعنى هذا أننا لن نراه إلا فى المطار؟! ...

أسقط فى يد مدام نادية فقالت بعد تفكير سريع :

ـ إذا كنت مشغولاً الآن فسوف ننتظرك على العشاء، بعد انتهاء مشاغلك.

نظر كريم إلى آندرو نظرة حائرة.

فكر آندرو قليلا ثم قال :

ـ No problem. It's all right

لكننى قد أتأخر فى الحضور، كما أنى لا أعرف العنوان.

تدخل كريم على الفور :

ـ سأمر عليك بالفندق عندما تنتهى من مواعيدك.

قسموا أنفسهم بين السيارتين، توجهت رانيا بالأسرة إلى البيت، واصطحب كريم آندرو إلى فندق شيراتون القاهرة.

سأل الباشمهندس نصيف رانيا قبل ركوب السيارة :

ـ ألا يوجد بائعو جرائد فى المطار؟ ... لقد اشتقت للجرائد المصرية.

ـ سنمر على فرشة جرائد كبيرة فى الطريق.

أجابته رانيا وهى تهم بركوب السيارة.

صفحة 9

جلست الأختان تتبادلان الحديث بحماسة الاشتياق الممتزجة بفرحة اللقاء، بينما أخذ نصيف يتابع الطريق بشغف وهو جالس إلى جوار رانيا.

باغتها بالسؤال :

ـ ألا توجد أخبار جديدة فى الأفق؟

تساءلت رانيا بتخابث دون أن تلتفت إليه :

ـ مثل ماذا؟!

أجابها وابتسامة طفولية ترتسم على وجهه :

ـ مشروع زواج مثلا.

ضحكت وهى تراوغه قائلة :

ـ يا مُسَهّل!

جاء صوت مدام نادية من المقعد الخلفى متألقا :

ـ واللِه لكم وَحْشة يا جماعة .. اشتقنا لكم.

علق نصيف :

ـ لم يمْضِ عام منذ زيارتنا السابقة! ...

قالت نادية بحماسة :

ـ ليتكم تبقون معنا ... ماذا تفعلان بأمريكا؟!.

أجابتها ليلى مستنكرة :

ـ بيتنا وحياتنا هناك يا نادية ... وكذلك آندرو! ...

اندمجت الأختان فى حديثهما مرة أخرى ، والتفت نصيف إلى رانيا متسائلا :

ـ هل عندك شرائط لأم كلثوم؟

ـ افتح التابلوه وستجد شريط أنت عمرى بين الشرائط.

ـ الله! ... أنت عمرى! ... هل تعرفين أن هذه الأغنية هى أول لقاء بين أم كلثوم وعبد الوهاب؟

صفحة 10

ـ لم أكن أعرف.

ـ أطلقوا على لقائهما يومها، لقاء السحاب.

ـ يا سلام! ... هل وجدته؟

فتش فى الشرائط المكدسة بالتابلوه ثم قال بظفر :

ـ ها هو! ...

أخذت رانيا الشريط من يده ووضعته فى المسجل. كان الشريط فى منتصفه فانبعث صوت أم كلثوم متألقا :

يا أغلى من أيامى ... يا أحلى من أحلامى ... خُدنى لحنانك خُدنى ...

قال نصيف بأسى :

ـ يا سلام! ... أين أيامك يا ست؟! ...

سألته رانيا :

ـ هل كنت تحضر حفلاتها؟

ـ للأسف لا ... لم يكن معنا فلوس أيامها ... لكننا كنا نذهب إلى قهوة أم كلثوم لسماعها كثيرا ... ما كل هذه العساكر الواقفة على الرصيف؟! ...

ـ هؤلاء عساكر التشريفة ... لابد أن أحد الرؤساء قادم لزيارة أو مسافر.

صمت لبرهة ثم سألها بحماسة :

ـ حقيقى! ... ما أخبار النادى الأهلى؟

ـ فى المقدمة كالمعتاد ... وخلفه بقية الأندية تلهث.

قهقه فرحا وهو يهتف :

ـ أهلى حديد ...

توقفت رانيا أمام فرشة الجرائد عند نهاية مترو عبد العزيز فهمى. نزل الباشمهندس نصيف واشترى ما وجده من جرائد اليوم ومجلات الأسبوع.