eKtab
EN ع
رعاية الطفولة المبكرة في ضوء المنهج الإسلامي
اقرأ عينة مجانية

رعاية الطفولة المبكرة في ضوء المنهج الإسلامي

بقلم د. محمد حافظ الشريدة

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن الحضارة الإنسانية قائمة على ثلاثة أبعاد: وهي الأخلاق، والروحانيات والمادة. وهذه الأبعاد الثلاثة تتوفر في الحضارة الإسلامية المستندة إلى كتاب الله عزّ وجلّ " وهو القرآن الكريم". ولكي نعمل على إحياء الحضارة الإسلامية وتطويرها، يجب أن نعمل من أجلها، إنها تحتاج إلى زرافات من الأشخاص المتمسكين بكتاب الله الكريم، يقرؤونه وينفذون ما جاء فيه. إنها مسؤوليتنا نحن المربين والآباء في تنشئة هؤلاء الأشخاص على دين الله، ألا وإن دين الله هو الإسلام.

إذن الحضارة تبدأ من الأسرة، وما دامت الأسرة تسير حياتها وفق الشريعة الإسلامية المنطلقة من إيمانها العميق بها؛ فإنها تعمل على تنشئة الأجيال وتربيتهم التربية الصالحة والفاعلة.

فالأسرة هي الخلية الأساسية الأولى للمجتمع، والمجتمع مجموعة أسر تعيش معا، وتربط بينها مجموعة قوانين وأنظمة لتحكمها؛ وبذا تتكون الدولة والوطن. فإذا كانت الأسرة سليمة وقوية كان المجتمع قويا، وإذا كانت الأسرة مفككة في علاقاتها، ومتباينة في الفكر والسلوك انعكس ذلك على المجتمع فأصبح مفككا ومهزوما.

لذلك اهتم ديننا الحنيف بمراحل بناء الأسرة لتستقيم مهامها وتؤتي ثمارها كخلية صالحة في المجتمع فيصلح المجتمع كله.

ولكي نرسي الدعائم الأولى للأسرة الصالحة والتي ستنشئ أجيالا صالحة، يجب أن نبدأ بأهم دعامتين وهما الزوجان. فيجب أن يرسخ الإيمان في قلوب الأفراد ليجعل سلوكهم متوافقا مع إيمانهم. إذ ينعكس الدين والإيمان على أخلاق الأفراد وسلوكهم وتعاملهم مع بعضهم، والذي يظهر في اللطف، وفي اللين، وفي الكياسة، والذوق، والرحمة، والمساعدة، والتعاون لوجه الله سبحانه، والحساسية الاجتماعية، ومشاركة الآخرين في أفراحهم وأتراحهم. وأن يعرف الفرد هدفه في الحياة، ولماذا خلق قال تعالى" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات،56)، وما خلق الإنسان إلاّ ليعمر الأرض لأن في العمل وتعمير الأرض عبادة.

ومن أجل عمارة الأرض؛ يجب أن يحدد الإنسان هدفه في الحياة؛ ولكي يحقق أهدافه لا بد من مشاركة الآخرين في تحقيقها. إذن يحتاج إلى شخص آخر يدعمه ويزوده بالطاقة ويسانده في الوصول إلى تلك الأهداف. وهذا يشير إلى علاقة متوافقة بين شخصين كل منهم يؤازر الآخر، وكل منهم يقوم بدوره الفاعل، ويعملان معا على تنشئة جيل قوي واعد وتربيته تربية قويمة.

فرعاية الطفل تبدأ من العلاقة المتوافقة بين الزوجين، واللذين يتمتعان بشخصية سوية، الشخصية المؤمنة، المسلمة ومن كل زوجين تنشأ الأسر الصالحة. هما صالحان ليكونا آباء ومربين، يهيئان الجو الديني والظروف المناسبة والملائمة في تنمية الأطفال وتطويرهم.

وفي بحثنا عن تأثير الإيمان بالله وبملائكته وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبقضائه وقدره في تربية النفس البشرية؛ فإننا نهدف إلى إعادة التوافق للأزواج وأهمية التمسك بالدين والإيمان ليصبح جزءا لا يتجزأ من شخصيتهم والذي ينعكس على سلوكهم؛ مما يساعد على التأثير في الآخرين وخاصة الأبناء. فمن الضروري التمسك بالطريقة الصحيحة في اختيار كل منهما للآخر ليشيع الوفاق والوئام والتفاهم بينهما. وبالتالي يعملون على إشاعة جو الود، والمحبة، والرحمة، والألفة التي يشعر بها الطفل في أول أيامه، والسنوات الخمس الأولى من عمره. فهو يحس بالأمان، والطمأنينة، والثقة، والانتماء. فتتاح له الفرص في التعبير عن حاجاته ويعمل الآباء على إشباعها بالطريقة والحدود المتناسبة مع مراحل نموه المبكرة، والتي تعبر عن طريقة التعامل مع الأبناء في مرحلة السنوات الخمس الأولى.

إننا بهذا الأسلوب نرسي الدعائم الأولى والأسس القوية المتينة للأطفال، ليترعرعوا في بيئة نقية صافية، وليتشربوا القيم والمبادئ الأساسية التي تساعدهم في مواجهة الصعوبات والضغوطات في مرحلة الطفولة المبكرة.

أننا ضعنا الأسس القوية في تنشئة الأطفال، وفي جعل الإيمان المحرك الأول لسلوك الأفراد، بالاعتماد على الطريقة الصحيحة في عملية اختيار شريك/ شريكة الحياة؛ مما يهيئ جوا ملائما ويوفره من أجل تكوين شخصية الطفل وتنمية قدراته وتمكينه من المهارات اللازمة له في حياته ليصبح شخصا قياديا فاعلا وعاملا برسالة الاستخلاف على الأرض ونشر السلام والأمن فيها.

وبناء عل ما تقدم سيتناول هذا الكتاب في الفصل الأول آثار أركان الإيمان في سلوك الإنسان. والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقضائه وقدره، بخيره وشره من الله تعالى.

ويتناول الفصل الثاني الأسرة في ضوء الهدي الإسلامي من حيث أسس اختيار الزوج والزوجة والعلاقة بين الزوجين ودور الأب ومشاركته في تربية الطفل.

كما يتناول الفصل الثالث علاقة الوالدين مع الأبناء والتعامل معهم والتي تبدأ في معرفتهما بخصائص الطفل في مراحله المبكرة ما قبل الولادة وما بعد الولادة حتى سن الخامسة أو السادسة.

هذا الكتاب يركز على الأساسيات الأولى التي تؤثر تأثيرا عميقا في تنشئة الطفل لتبدأ في التبلور في الخمس سنوات الأولى

أما الفصل الرابع فيعرض المنهج التربوي الإسلامي

ويعرض الفصل الخامس الأساليب التربوية في ضوء الهدي الإسلامي

بينما يعرض الفصل السادس محاولة وضع طرق التعامل مع الطفل مشيرين إلى مصادر الأخطاء في التربية ومؤكدين على تكوين العائلة المتوافقة التي تسير على خط واضح ومحدد في التعامل مع الطفل منذ المرحلة الجنينية حتى سن الخامسة

نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لما فيه الخير، ونرجو ثوابه في الدنيا والآخرة. والله المستعان،،

المؤلفان

صفحة 2
تمهيد
 
أركان الإيمان ستة هي: الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبقضائه وقدره خيره وشره من الله تعالى. وهي تتكامل مع أركان الإسلام: الشهادتين، والصلاة، والصوم، والزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ومن الصعب الفصل بينهما. فعملية الإيمان لا يمكن أن تحدث إن لم يكن الإنسان مسلما. والإنسان مسلم بالفطرة مسلّم أمره لله سبحانه وتعالى، والأبوان ينشئان الطفل ويوجهانه الوجهة التي يؤمنان بها. لكن الإنسان حين يصبح في سن النضج، وخاصة النضج العقلي، يتفتح ذهنه على معالم ليس بمقدوره أن يتحكم بها أو يسيطر عليها في مسيرة حياته. كما أنه في تأمله بمجريات حياته وتغيراتها يشعر ـ بحس خفي ـ أن هناك من يتصرف بهذا العالم، وأمامه مجال واسع ليطلع على الثقافات المختلفة ليتوصل إلى المبادئ التي تقوم عليها. وهو في رحلته هذه، يتوصل إلى طريق الإسلام والإيمان بالله سبحانه وتعالى. ونعتقد أن هذا من أحد الأسباب التي جعلت الكثيرين في العالم يعتنقون الإسلام، فرادى وجماعات، ليجدوا الأمان والاطمئنان والحرية والاستقلالية والتحرر من العبودية، فحصلوا على عزة النفس، ووجدوا في تنفيذ ما جاء في كتاب الله الكريم وتطبيقه، ما يعطي الإنسان حقه ويكرمه حق التكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء 70).
 
نحن هنا في صفحات هذا الكتاب، لسنا بصدد تحليل أسباب انتشار الإسلام في العالم، ولكن هدفنا هو توضيح أهمية التمسك بديننا القويم في سلوكنا وتصرفاتنا، ونؤكد على آثاره الإيجابية في جوانب شخصيتنا، وفي تكوين أسرة متماسكة صالحة، وفي ترابط الأسر وتلاحمها وتعاطفها؛ مما يؤدي إلى مجتمع متماسك ومتكامل يقف في وجه الأعاصير صامدا لا يريد شيئا سوى رضا الله سبحانه ولقائه مع خاتم المرسلين والأنبياء والصالحين.
صفحة 3

أولا: أثر الإيمان بالله في تربية النفس

للإيمان بالله تعالى أثر كبير في تربية النفس الإنسانية يتجلى فيما يأتي:

1) حب الله ويتمثل في حب المرء خالقه ـ

يحب المرء خالقه الذي أعطاه من النعم ـ حبا يملك عليه كل مشاعره وأحاسيسه وخواطره، فيجعل أعماله ـ السرية والعلنية ـ وحياته كلها لله رب العالمين.

ومن أحب الله تعالى فإنه لا يبالي بنفس أو بأهل أو بمال أو بجاه أو بأي منفعة دنيوية، إذا شعر بأن نعمة الإيمان ستسلب منه. ( ما كان لله فهو المتصل وما كان لغير الله فهو المنفصل) وإنما الأعمال بالنيات.

وهذا الحب يربي النفس على الجهر بكلمة الحق ـ أمام أي بشر ـ ولو أصبحت حياته أو رزقه في خطر! لأنه مشتاق للعيش في جناب من أحب.

وهو الحب الخالص لله عز وجل لا شريك له، لئلا يحبط عمله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام: ١٦٢-وهو الحب الذي يؤدي إلى العمل الصالح، فحب الله لم يكن يوما مشاعر طيبة في القلب فقط إذ لا بد أن ينبثق منها سلوك صحيح في الحياة.

وحبّ الله هو الذي يجعل المسلم يختار رضا الله على أي متاع دنيوي، لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.

والمحب لله تعالى لابد وأن يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى فيما فعل (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) --آل عمران: ٣١--.

2) التقوى " مخافة الله" في السر والعلن

تقوى الله تعالى هي أن يضع الإنسان المسلم بينه وبين غضب الله وعقابه حاجزا وذلك باتباع أوامره واجتناب ما نهى عنه. قال تعالى " (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) البقرة: ١٩٧

والتقوى هي وصية الله عز وجل لجميع عباده ـ في كل زمان ومكان ـ قال تعالى:(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ) النساء: ١٣١ "

والتقوى سفينة النجاة إلى شاطئ الأمان والسلامة؛ لذا فهي مطلوبة من الفرد والمجتمع والدولة؛ لتكون الأمة مسلمة بحق.

والله عز وجل يأمر عباده بالتقوى في (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران: ١٠٢

ودخول الجنة وسلام الملائكة على أصحابها مرهون بالتقوى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) الزمر: ٧٣ فإن ذلك يجعل من ضمير المسلم حارسا أمينا، فإذا هم بالمعصية تذكر أن من يعلم السر وأخفى مطلع عليه، فيحجم عن ارتكابها.

فالتقوى أثر من آثار الإيمان بالله تعالى، وتكون قوية أو ضعيفة حسب قوة إيمان صاحبها أو ضعفه، والتقوى بايجاز {مخافة الله}. فمن أراد التعلم فليتق الله لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ) ( البقرة،282).

3) الصبر

وهو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.

وهو قوة خلقية من قوى الإرادة تمكن الإنسان من ضبط نفسه لتحمل المتاعب وضبطها عن الاندفاع بعوامل الضجر والسأم والرعونة والغضب والشهوات... .

والصبر ثلاثة أقسام: صبر عن المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها، والصبر عن محارم الله أفضل من الصبر على عذاب الله.

وقد أجملها سبحانه وتعالى في قوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر- 10(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت، 35). وفي قول: (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ق: ٣٩ و(فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) هود: ٤٩.

والإسلام يحث على الصبر ويرغب فيه.ومن ثمرات الصبر: الشجاعة، والثبات على الحق، والرضا بالقضاء والقدر، وطلب الحلال، والطمأنينة، والتوكل على الله .

صفحة 4

ثانيا:أثر الإيمان بالملائكة في تربية النفس

الإيمان بالملائكة هو التصديق الجازم بأن لله تبارك وتعالى ملائكة مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بها خير قيام.

والملائكة أصناف كثيرة بحسب ما نيط بهم من أعمال.

آثار الإيمان بالملائكة

1) الطاعة فالإيمان بالملائكة يعمق معنى الطاعة في نفس المؤمن، فهو ليس الوحيد في ميدان عبادة الله عز وجل، فالكون من حوله مسبح بحمده منفذ لأمره. مما يجعل المسلم ينشط للطاعة والعبادة ويجعله متشبها بهم في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه حين يعلم أن الملائكة أولو أجنحة عظيمة وقوة كبيرة يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وقد جاء في الأثر أن بعضا من الملائكة ساجد لله منذ أن خلقهم الله إلى قيام الساعة، وعندما يرفعون رؤوسهم يقولون سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك.

2) العمل الصالح من استقامة ووفاء، ومحافظة على الميثاق، ووصل ما أمر به الله أن يوصل، وخشية الله ـ في السر والعلانية ـ وصبر وصلاة، وصدقة، وعفو، وذكر، وتلاوة القرآن الكريم .الخ... قال الله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ) فاطر: ١٠،(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) المائدة: ٩ "

فإذا قام المؤمن بالأعمال الحسنة واستقام على منهج الله في الحياة فإن الملائكة تتنزل عليه، وتبعد عنه الخوف والحزن وتبشره بالجنة الموعودة، وستسلم عليه في جنات النعيم، جزاء إيمانه وعمله، فطوبى له وحسن مآب، فعند نزاع العبد الصالح تأتيه الملائكة بالبشرى الخيرة بالجنة وأن يدع الخوف والقلق على ذريته من بعده. ومصداق ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)(نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت: ٣٠ - ٣٢.

3) الابتعاد عن المعاصي حياء من الله تعالى وخوفا منه ثم حياء من الملائكة، الذين كلفهم المولى ـ جل وعلا ـ بحفظ الإنسان ومراقبته وتسجيل حسناته وسيئاته (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق: ١٨

وقال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)الانفطار: ١٠ - ١٢

وهذا ما يدعو المؤمن لمراقبة مولاه والابتعاد عن السيئات؛ لئلا تسجل عليه الملائكة ما يسوؤه يوم العرض الأكبر، ولئلا توبخه إذا انحرف عن سواء الصراط، وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)غافر: ٤٩ - ٥٠

4) الشجاعة والثبات في المعارك في سبيل الله. فالمؤمن في المعركة يحرص على أن ينال إحدى الحسنيين ـ النصر أو الشهادة ـ ويشعر وهو يقاتل أعداء الله أن رب العالمين يقف في صفه وينصره في الميدان، كما يشعر أن إخوانه المجاهدين وجنودَ الله الكثيرينومنهم الملائكة الكرام يقفون معه. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥

صفحة 5

ثالثا. أثر الإيمان بالكتب السماوية في تربية النفس

الإيمان بالكتب السماوية هو التصديق الجازم بأن المولى جل وعلا أنزل على بعض أنبيائه ورسله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كتبا لهداية الخلق. وأن هذه الكتب حق ونور وشفاء لما في الصدور، ولا يعلم عدد هذه الكتب إلا الله تبارك وتعالى: (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) النساء: ١٣٦

وقال عز وجل":(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة: ٢٨٥

وقد ذكرت هذه الكتب بأسمائها في القرآن الكريم، وهي

1- صحف إبراهيم وموسى (إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ)(صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ) الأعلى: ١٨ - ١٩

2- التوراة في قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) المائدة: ٤٤

3- الزبور (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) النساء: ١٦٣

4- الإنجيل (وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) المائدة: ٤٦

5- القرآن الكريم:(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) الإسراء: ١٠٦

صفحة 6

من أهم خصائص القرآن الكريم

· أنه خاتم الكتب الربانية المنزلة على الأنبياء والمرسلين، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

· وأنه الكتاب المعجز في مبناه البياني، والمعجز في مضمونه ومعناه.

· وإعجاز القرآن الدائم هو الدليل الخالد على أنه كلام الله تعالى حقا.

· وأنه الكتاب المحفوظ والمصون من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان.

· وأنه المصدر الأول للمفاهيم الإسلامية كلها وللتشريع الإسلامي الذي يشمل كل أنواع السلوك البشري.

ومن آثار الإيمان بالكتب السماوية

1. تجعل المرء يشعر بقيمته عند الله تبارك وتعالى: فقد خص الله تعالى هذا الإنسان ـ من بين مخلوقاته ـ بالخلافة في الأرض، ولم يتركه سدى، يتيه في الأرض بغير هدى ولا كتاب يبين له معالم الطريق، بل بعث إليه رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان في قوله تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد: ٢٥

2. تجعل المسلم يشعر بالعزة وباستعلاء الإيمان: حيث تبين له هذه الكتب أنه واحد من قافلة المؤمنين ـ على مدار التاريخ ـ وهذه الرابطة الإيمانية القوية هي التي يفتخر بها دون غيرها من الروابط الأرضية المادية في قوله تعالى". (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء: ٩٢

3. اعتقاد المؤمن بأن ما نزل على الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ من كتب هي حق ونور وشفاء لما في الصدور (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ) المائدة: ٤٤ "وقال أيضا (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) المائدة: ٤٦ وقال عز من قائل (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: ٨٩ وعند ذلك يستشعر رحمة الله تعالى بخلقه أجمعين، حيث خلقهم ورزقهم وأرسل إليهم الرسل ومعهم الكتب لهداية العالمين؛ وهذا يدفع المرء للحرص على طاعة مالك يوم الدين، وتقديم طاعته على كل شيء في الوجود للفوز بسعادة الدارين.

4. يجعلنا مَعشر المؤمنين ـ أتباع النبي الأمي (عليه الصلاة والسلام) ـ في غاية السعادة والحبور؛ لأن الله تبارك وتعالى مدح أمتنا الإسلامية قبل خلقها! وعدّد مناقبها في التوراة والإنجيل، وبين أن أهم صفاتها:

(ا) اتباع محمد (عليه الصلاة والسلام) قولا وعملا في جميع شؤون الحياة، وأن هذه الأمة معه قلبا وقالبا.

(ب) الجهاد في سبيل الله ـ بجميع أنواعه ـ وخاصة جهاد الكفار والغلظة عليهم، والذل على المؤمنين ورحمتهم مقابل ذلك، والقيام بالشعائر التعبدية على أحسن وجه، فهم رهبان الليل وفرسان النهار.

(ج) السعي في طلب الحلال والابتغاء من فضل الله، فلا تنافر في حسهم بين الدنيا والآخرة.

5. تعلم المؤمنين ـ في كل زمان ومكان ـ العدالة الربانية، وأن سنة الله لا تحابى أحدا، فالكل عبيده ومن مخلوقاته، وكل بشر سيحاسب على أعماله وسيجازى عليها، إن خيرا فخير وان شرا فشر، ولا يحمل شخص حمل غيره ولو كان ذا قربى.

6. تجعلنا نشعر ـ معشر المسلمين ـ بالغبطة والسرور حينما نعلم أن الله عز وجل قد أخذ العهد المؤكد على جميع النبيين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لئن بُعث محمدُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وأن يأخذوا العهد على أتباعهم بذلك، ومن نكث عهده فقد حبط عمله وهو في الآخرة لمن الخاسرين. وفيها جاء أن الله ـ عز وجل ـ وعد عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يمكنهم في الأرض ويورثها لهم ويبدل خوفهم أمنا وكان وعد الله مفعولا.

صفحة 7

رابعا. أثر الإيمان بالرسل في تربية النفس

الإيمان بالرسل يعني التصديق بأن الله تبارك وتعالى بعث إلى عباده أنبياء ومرسلين مبشرين ومنذرين، بلغوا ما أرسلوا به على أكمل وجه. وأنهم مؤيدون بالمعجزات الدالة على صدقهم. ويجب الإيمان بهم إجمالا، إلا من سمى الله لنا منهم فيجب الإيمان بهم على التفصيل، وأنه لا يحصي عددهم إلا الله تعالى.

ويتصف الرسل (عليهم الصلاة والسلام) بالصدق والأمانة والتبليغ والفطانة والعصمة والسلامة من العيوب المنفرة.

وقد جاء الأنبياء والمرسلون (عليهم الصلاة والسلام) بكلمة التوحيد ( لا اله الا الله) ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإسلام. وهذه الكلمة عليها مدار الحياة الإسلامية، لأنها تقتضي أن الله هو رب العالمين وخالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم ومدبر شؤونهم، وأنه وحده (جل وعلا) المستحق لجميع أنواع الحمد والعبادة، وأنه المتصف بصفات الجلال والكمال والمنزه عن النقائص. وهذه الكلمة أيضا هي قضية الحياة الكبرى التي بعث الله من أجلها الرسل لعبادته، وجاء كل رسول لتعريف قومه بها أولا والعمل بها ثانيا. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: ٥٦

ولا اله إلا الله: معناها لا حاكمية ولا طاعة ولا عبادة الا لله عز وجل. ولا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا نافع ولا ضار الا من بيده الخلق والأمر. و" لا إله إلا الله" تعادل كل ما خلق الله أي لو وضع الناس والملائكة والعالم الذي نراه والذي لا نراه في كفة و" لا إاله إلا الله" في كفة أخرى لرجحت لا إله إلا الله.(وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله) رواه احمد والترمذي، صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد بلغ الأنبياء الرسالة وأدّوا الأمانة ونصحوا الأمة، وصبروا على ما كذّبوا، وجاهدوا في الله حق جهاده، وماتوا على التوحيد ونفوسهم مستريحة، وصعدت أرواحهم الطاهرة الى ربها لتدخل في عباد الله وجنته ـ التي أعدت للمتقين ـ راضية مرضية.

وهذا الموقف يعلمنا أن نبلغ دين الله كما أنزل، دون زيادة أو نقصان أو تمويه أو استحياء ! وأن نبين أن شريعة الله - دنيا وآخره- أصلها في الأرض وامتدادها في السماء دون مواربة أو شك مريب.

فواجبنا الاقتداء بالرسل في مجابهة الجاهلية ومواجهتها في عقر دارها مهما عظم الابتلاء وكثرت التضحيات. وأن نستخلص العبر من موقف الأنبياء والمرسلين ـ عليهم صلوات الله أجمعين ـ تجاه أقوامهم، وأن نصبر كما صبروا ونجاهد كما جاهدوا ونقدم كل ما نملك في سبيل الله لنفوز برضوان الله ومغفرته وجنته كما فازوا لقوله تعالى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) الأحقاف: ٣٥

صفحة 8

خامسا. أثر الإيمان باليوم الآخر في تربية النفس

الإيمان باليوم الآخر هو الاعتقاد الجازم بما يكون بعد الموت ـ مما ورد في الكتاب والسنة ـ من الحياة البرزخية، والحشر، والنشر، والصحف، والميزان، والحساب، والجزاء، والصراط، والحوض، والشفاعة، والجنة ـ جعلنا الله من أهلها ـ والنار ـ أعاذنا الله منها.
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر: ٦٧ -٧٥

ومن آثار هذا الإيمان بالله واليوم الآخر

*تحرير النفس من سيطرة الآخرين ومن العبودية لغير الواحد القهار.

*يعيش المسلم حياته لغاية سامية نبيلة ولأهداف عالية كريمة هي عبادة الله تعالى والقيام بالخلافة في الأرض على ضوء منهج الله وشريعته. ويوقن المسلم أنه لم يخلق سدى، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) المؤمنون: ١١٥

*ولا يطمئن المسلم الى عدل الله عز وجل الا بالإيمان بيوم الحساب والمجازاة.

*وهذا الإيمان يهذب سلوك الفرد ويجعل هذا السلوك نظيفا في السر والعلن.

*كما يجعل المرء مستقيما مطيعا لله تعالى في كل أموره، ويرجو رحمته ويخشى عذابه. ويجعله مستقيما في علاقته مع الناس فيعاملهم بالحسنى.

*كما يجعل المسلم مراقبا لله تعالى في أقواله وأفعاله وتفكيره، لأنه يعلم أن الحاكم العادل تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى.

*كما أنه يفرض على المؤمن التخلق بأخلاقيات الإسلام بينه وبين نفسه، وبينه وبين أهله وأقاربه، وبين أفراد مجتمعه، وبينه وبين دولته.

*ويجعل المسلم ربانيا متجردا لله تعالى في ظاهره وباطنه لا يهم إلا بالخير وان فكر بالشر كف عنه خوفا من حساب يوم القيامة.

*ويجعل المسلم كذلك قائما بما وكل إليه من مهام دنيوية أحسن قيام فلا يغش في عمله في الرخاء والشدة.

*ويحث المؤمن على ازدراء الكفر ومقت الكافرين، ولو كانوا أكثر أموالا وسلاحا ونفيرا لأن العاقبة هي جهنم.

*ويحث المسلم على الإنفاق.

*ويجعل المؤمن يسعى بجد للوصول الى الروحانية والمادية دون انفصال بينهما ولا تنافر فكلاهما يؤديان الى رضوان الله تعالى.

*ويدعو المؤمن الى الصبر والإنابة، ويكبح جماح نفسه.

صفحة 9

سادسا. أثر الإيمان بالقضاء والقدر في تربية النفس

القضاء والقدر هما النظام المحكم الذي وضعه الله تعالى لهذا الكون، والقوانين العامة والسنن التي ربط الله بها الأسباب بمسبباتها. أو هما حكم الله تعالى في شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كذا والى وقت كذا. والقضاء هو حكم الله تعالى أزلا بوجود الشيء أو عدمه، (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الزمر: ٦٩ والقدر هو إيجاد الله تعالى لأشياء على كيفية خاصة في زمن معين، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)القمر: ٤٩

والإيمان بالقضاء والقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر بقضاء الله وقدره وأنه عزّ وجلّ الفعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته ولا محيد لأحد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. وأنه تعالى علم مقادير الأشياء وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه. وأنه تعالى يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته. وأنه تعالى خلق العباد وخلق أفعالهم وجعلهم مختارين، " ولله في خلقه شؤون".

ومن آثار الإيمان بالقضاء والقدر في تربية النفس

· الأمان والاطمئنان ودفع القدر بالقدر، (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)الرعد: ٢٧ - ٢٨

· يدعو المسلم إلى العمل الجاد الى كسب الرزق له ولمن يعول،(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) الجاثية: ١٣

· كما يدفع المسلم الى الشجاعة في مقارعة الأعداء بالحجة والبيان وبالسيف والسنان وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

· ويعمق الإيمان في قلب المسلم ويجعله يوقن أن الله وحده هو النافع الضار المانع المعطي المعز المذل؛ وهذا يدعوه الى التوكل عليه والاعتماد عليه والخوف منه، وعبادته حق العبادة، وتقديم طاعته وأوامره على كل شيء.

· ويجعل نفس المؤمن راضية مرضية، مطمئنة لما كان وما هو كائن وما سيكون. ويدعوه لعدم اليأس والجزع والقنوط، وعدم البطر والتكبر وغمط حقوق الآخرين.

· كما يحرر النفس من خوف غير الله عز وجل في قوله تعالى:(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) يونس: ١٠٦

· كما يدعو الى الجرأة في قول الحق وفي مقارعة الأهوال والخطوب، والصمود في وجه الباطل والطغيان. لأن الخلق كلهم لن يدفعوا عنه الموت أو يحولوه عنه إذا حان الأجل في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) الأعراف: ٣٤

· ويدعو المؤمن للصبر إن ضاق عليه رزقه ـ فقد يكون ذلك ابتلاء ـ والسعي لطلب الحلال وعدم تعديه الى الحرام، وألا يركع ـ في سبيل الحصول على الرزق ـ أمام أصحاب الجاه والأموال.

· ويدعو المؤمن لحب الله تعالى وتعظيمه والتسبيح بحمده وإجلاله؛ لأنه عز وجل هداه الى صراط مستقيم، ويسره لعبادة العليم الحكيم، فكل ميسر لما خلق له.

· يدعو المؤمن للخوف من الله والدوام على طاعته، وعدم مخالفة أمره، ومراقبته تعالى، ودعائه بحسن الخاتمة؛ لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، ولا يدخل إنسان الجنة بعمله، وهذا يدعو المؤمن لعدم الاغترار بعمله ويحثه على أن يكون دائما بين الخوف والرجاء. لأن المؤمن بين مخافتين ، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.

صفحة 10


سابعا: أثر المبادئ الإسلامية في تربية النفس
أولا. مبدأ عدم الإسراف والتقتير
يدعو الإسلام إلى عدم التقتير وكذلك عدم الإسراف في بذل المال، في قوله تعالى، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان:٦٧ فالإسراف يقود الى الشعور بالحرمان والحقد والحسد والكراهية.
.ثانيا: مبدأ التعلم والتعليم1
ويحث الإسلام على التعلم والتعليم، فلا يخفي ما تعلمه ولا يتباهى بعلمه. ويظهر ذلك في قوله تعالى:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق: ١ - ٥ يدعو الإسلام الى القراءة والإطلاع والبحث والتفقه في الدين. واكتساب العلم ونشره؛ فالإسلام دعوة مستنيرة تقوم على أساس تشجيع العلم والعلماء وتكريمهم واحترامهم وتقديرهم في قوله تعالى:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) المجادلة: ١١
ثالثا: الصبر وتأليف القلوب
كما ويدعو الإسلام إلى الصبر والتأليف بين القلوب في قوله تعالى، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) آل عمران: ١٨٦ ، يدعو الإسلام الى التوكل على الله سبحانه وتعالى لما له من أثر بالغ في شعور الإنسان بالأمن النفسي والاستقرار والثبات والهدوء.(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق: ٣.
ومن أخلاق الإسلام التي تؤدي بدورها الى التمتع بالتكيف النفسي، الدعوة للصبر وقوة الاحتمال وعدم التهور أو السخط والضجر وانما التحلي بالصبر، ففي الصبر قوة للشخصية وسلامة الصحة النفسية وقوة الاحتمال من المظاهر الدالة على سلامة الشخصية وسوائها. (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) آل عمران: ١٠٣ والإسلام يدعو لنشر مشاعر الاخاء والاخوة بين المسلمين، وما يتبع ذلك من التضامن والتماسك والوحدة (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ) الشورى: ١٥،فالثبات على المبدأ من دواعي الاستقرار الفكري والنفسي والعقلي، فالثبات يضمن الاستقرار النفسي حتى لا يكون هناك مجال لانعدام الرؤية والمرض النفسي.
رابعا. مبدأ الزهد في الدنيا
يدعو الاسلام الى الزهد في متاع الدنيا، وهذا حرب على الفلسفات المادية:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) آل عمران،14)
خامسا. مبدأ الحد من اتباع الهوى
الخوف من الله سبحانه وخشيته ونهي النفس عن الهوى أو الجنوح الى الشر أو الملذات لأن النفس تصاب بالمرض: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ)(فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) (النازعات،40-41). وللصبر والصابرين أجر عظيم عند الله تعالى. ومنالحري بنا، نحن المسلمين، أن نتحلى بالصبر في هذا العصر الذي ازدادت فيه الضغوط النفسية والفوضى والتسيب وانتشار البطالة وازدياد معدلات القلق ... ولا يوجد للقلق خير من التحلي بالصبر والتدرب عليه اهتداء بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة،153). ويجد المسلم في الصبر والصلاة ما يريحه من عناء الدنيا ومتاعبها.
إن الصبر لا يعني التواكل والكسل والتراخي والضعف في مطالبة المسلم بحقوقه والدفاع عن إسلامه وأرضه وعرضه وماله ووطنه وعروبته، فالصبر مع القوة والارادة والعزيمة والشجاعة والاقدام في الدفاع عن الحقوق المشروعة ومع النضال والسعي الجاد للوصول الى طلب الرزق، هو الصبر الذي يؤجر عليه الانسان عند الله سبحانه وتعالى بالأجر العظيم بقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل،96) .
ومن أجل أن تتأصل هذه الآثار الإيجابية في الشخصية؛ علينا أن نبدأ بتنفيذ بعض الأنشطة لتقوية إيماننا بالله ودعمه وتثبيته.