eKtab
EN ع
رب إني وضعتها أنثى
اقرأ عينة مجانية

رب إني وضعتها أنثى

بقلم نردين أبو نبعة

صفحة 1
إلى غزّة
 
هو1
 
وجاءتني مريم كحُمُرٍ فرّتْ من قسورة·· تركضُ·· صوتُ أنفاسها أخافني لكنّ بريق عينيها أعادني إلى رشدي·· قالت لي:
 
- سيكون لي ذكريات في وطني، مثلك بالضّبط ومثل عمّي أبو رجا·· سأشاركك هذه الرواية·· لن أكتفي بدور الرّاوية!!
 
كلام مريم كان مفاجأة لم أتوقّعها أبدًا·· لم تكن قد ألمحَتْ أو صرّحَت بشيء من هذا القبيل·· ماذا حصل وهي التي تثابر على الحضور عندي بشكل شبه يومي·· تلاحقني·· من هنا لهناك تضغط علي بالأسئلة وتحاصرني لتستخرج منّي الحَكايا والذّكريات·· قد أتكلّم بكلمة لا ألقي لها بالاً لكنّها تودي بها إلى جوف الورقة بسرعة!!
 
- أقول لها بلاش تكتبي ما بيستاهل الموضوع ينكتب عنه·· تردّ علي:
 
- يا بابا·· هذه الجملة خطيرة·· وتلقائيّة وتنبض بروح الزّمن الآتية منه··
 
أستغرب·· وأقول في نفسي·· شُغْلُها وهي أدرى مني!!
 
- ما الذي غيّرها·· وكيف ستشاركني الكتابة·· وهي بلا ذاكرة·· تربطها بالوطن!!
 
أفتح عينيَّ مندهشًا·· وأسألها:
 
- ماذا حدث من أين ستغرفين حكايتك·· أيّ بئر ستعطيك ما أعطي!!
 
- قالت وفي عينيها التماع لم أره من قبل:
 
- سأذهب إلى غزّة!!
 
هي
 
عندما كنتُ آتي إليكَ·· أستنهضُ ذاكرتك على الكتابة·· أبحثُ في مخبئك عند أطراف الذّاكرة·· أوغِلُ في أحيان كثيرة وأكتفي بالوقوف عند الحدود أحيانًا أخرى· أنشر المبلول وأفرد المَطويّ وأخرج المنسي المتواري·· كنت أكتب وأكتب وفي كلّ كلمة أكتبها أنزع الشّوك من بين أغصان الورد·· أشعر بسعادة ولو للحظات، لكنّ في لحظات كثيرة كانت تتجمّد أصابعي لأنّ لك ذاكرة وامتدادًا في الوطن أمّا أنا فكأنّني شجرة (اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار)·
صفحة 2
عندما اتصلتْ بي صديقتي إلهام من السّعوديّة وأخبرتني بأنّ هناك وفدًا سعوديّا سيذهب إلى غزّة وكنت قد أسررتُ لها مرارًا وتكرارًا عندما كنت ألتقيها في المؤتمرات الأدبيّة بأنّي أرغب في الذَّهاب إلى هناك·· لم أصدّق نفسي وقلت بشقاوة طفلة:
 
- سأصبح مثل أبي·· لي ذاكرة·· وألبوم صور زيتوني القسمات، وخابية مملوءة بالقصص وليل يحكي قصّة الفرسان ونهار يُشيّع الشّهداء·· سأسمع مواويل الفلاحين وأطرز مع الفلاحات ثوباً فلسطينيّ الألوان!!
 
لكنّني كنتُ قلقة؛ لأنّي أحببتُ أن أنهي الرّواية (رواية أبي وعمي أبو رجا) قبل ذهابي إلى غزّة فجاءت الزيارة لتغير مجرى قلمـي!!
 
هو 1
 
وتركتني مريم وسافرتْ إلى غزّة·· تركتني بين ذكرياتي وأوراقي، تركتني أشبه ذلك الطفل الذي نام وعلى خدّه دمعة·· أتسكّع بين ذكرياتي وحدي، أخيط في المساء ثوب الحكايات، أبحث عن مرفأ في ذاكرتي يحملني فوق الغيم علّني أرتاح· ستتركني مريم لمدّة عشرة أيّام لتذهب مع قافلة أميال من الابتسامات·· عشرة أيّام كاملة أتفرَّس حياتي السابقة في الغربة وحياة أخي >أبو رجا< في الأسر فيبدو لي كلّ شيء باردًا باهتًا!! فقد كانت مريم هي من تسكب رذاذ بردها وسلامها على حكايتي·· تشعلها وتشعلني·
 
مريم ليست بجانبي الآن لتلتقط على صوت أزيز القلم ما يخيط ثوب روايتها·· روايتي·· سأكتب وأكتب ريثما تعود·· سأترك لأصابعها العاشقة الولهى أن تكتب حكايتها الجديدة مع وطن مخبّأ تحت مسامات الجلد وفوق أجنحة الطير·· ستقفز مريم قفزة زمنية هائلة·· ستذهب إلى غزّة المحاصرة بينما لا زلتُ في ليبيا وما زال أخي ( أبو رجا ) في الأسر!!
 
هي
 
حجزتُ تذكرة الطّائرة إلى القاهرة واتفقت مع صديقتي إلهام وجهاد على اللقاء في المطار·
 
قالت إلهام:
 
- ما عليكِ شَيْ·· لا تقلقي كلّ الترتيبات جاهزة مثل ما يقولون من الباب للباب!!
 
صوت ارتطام عجلات الطّائرة في مطار القاهرة·· يذكّرني بهبوط أبي على أرض ليبيا لكنّ شتان ما بين هبوطي وهبوطه!!
 
هبوطه قيد وسُهْد ومسامير وجع تتحرّش بذاكرة الوطن، هبوطه تيه فراشة لا تجد نارها·· احتراق الصّوت ورماده··· أنين ملهوف··· وتر ممزّق ومفتاح ضائع!!
 
وهبوطي يحملني من تابوت الغربة إلى حِضْن الوطن·· فأغدو كما الياسمين أرش نثاري لكلّ العابرين!!
صفحة 3
كنتُ أركض وراء حروف أبي، أتعلق بذيل كلّ كلمة كما يتعلق الصغير بذيل أمه وكأنّني كنت أطارد وطنًا في ثنايا الحروف!! أركض بين الحروف والكلمات لعلي أبصر ما لم أبصر وأسمع ما لم أسمع·· لكني لم أكن لأتخيّل أن يقع الوطن بين يدي هكذا فجأة··!!
 
وصلنا فندق ( كونراد ) القاهرة عصرًا وغادرنا بعد صلاة الفجر مباشرة في اليوم التّالي·· الصّور تتزاحم في مخيلتي·· يا تُرى كيف ستكون غزّة وكيف سأكون في حضنها؟
 
في الحادية عشر ظهرًا وصلنا معبر رفح المصريّ·· عندها أدركتُ أنّي على شفا جرف عالٍ·· أستمطر رذاذًا من بحر غزّة!!
 
العين خيط من نور يسحق العتمات المنغرسة في أقصى الحدقة، والقلب الجمرة يلملم الدّم المنطفئ فيغدو الدّم الساكن في الشرايين نبضًا لأوّل مرة، والشّفة المرتعشة بتعويذة صامتة ينفذ منها الصّوت الدافئ ليستبدل الشّهقة الحَرّى بريشة طائرة في باحة الفرح·
 
في المعبر المصريّ يتهافت الباعة على الحافلة التي تقلنا وصديقاتي السّعوديّات الأربع·· أنصت لمناداتهم وتحايلهم· ينزل الأخ كرم المرافق للوفد والمكلّف بإيصالنا إلى غزّة، يأخذ الجوازات·· نبقى في الحافلة·· نمضغ الوقت نتأمّل الوجوه·· والشّجر والحجر وحركة الباعة والمعبر الفقير الجائع الغاضب المطليّ بأنفاس العابرين وصبرهم وولعهم بوطن يسحر الألباب غير أنّه ليس بسحر!!
 
المئات ينتظرون على المعبر·· بعضهم يفترش الصخر وبعضهم يلعن في السر وآخرون يقطعون الإسفلت ذهابًا وإيابًا وقد أنهكهم الدّوران·
 
تشعر حبيبة بالتعب·· تحاول أن تخرج من الحافلة لتختبر قدرة قدميها على المشي بعد طول الجلوس لكنهم أشاروا لها بعدم النّزول من الحافلة·
 
كان كلّ شيء يدعو للقرف تحت وطأة الإهمال والانتظار المبرمج·· إلاّ أحاديث رفيقات الدرب السّعوديّات·· جمعتنا غزّة وإلهام التي كانت صديقة مشتركة ونقطة وصل بيننا نحن الفلسطينيَتين والسّعوديّات الأربع·
 
في ممرّ الحافلة وقفت حبيبة تحكي:
 
- أنا أعدُّ نفسي فلسطينيّة من شرق الجزيرة العربيّة!!
 
- سألتها : كيف انثال حبّ فلسطين في قلبك؟
صفحة 4
- من صغري وأنا أحلم بزيارة فلسطين· ما أذكره أنّني كنت يوميّاً أحلم بتحريرها، أقول في نفسي أخاف أن تتحرّر وأنا في المدرسة ولا أعرف!! ثمّ أعود لأجيب عن سؤالي بنفسي·· بالتأكيد سأرى الرّايات والأنوار تزيّن الشوارع عندها سأعرف بالتحرير·· الآن أضحك من نفسي وأفكاري!!
 
- تقاطع إلهام حديث أختها حبيبة تقول أَبيْ أَقولْ شَيْ عن حبيبة يهَبِّل:
 
_ في إحدى المرات وصلت هدية لحبيبة >زجاجة زيت زيتون< من زيت الشّجر المزروع في ساحات المسجد الأقصى، وعندما طلبنا منها أن تفتح الزجاجة لنأكل منها رفضت رفضًا باتًا·
 
قلتُ لها طَيِّبْ ما تبيّن ناكُلْ منها نِبيْ نِدْهَنْ بْها!
 
رفضت وحذرتنا من الاقتراب، وبعد أيّام قليلة أتت بعلب زجاجيّة صغيرة جدّاً لا يتجاوز حجمها إصبع اليد الصغيرة·· ملأت القوارير بزيت الأقصى وحجزتْ قاعة كبيرة في الحسا وقامت بعمل محاضرة عن الأقصى· وفي نهاية المحاضرة أخذت تنادي وهي تحمل قوارير الزّيت:
 
_ من يشتري زيت الأقصى؟ من يشتري زيت الأقصى؟ فباعت القارورة الصغيرة بألف ريال فهي ماركة مسجّلة!! جمعت مبلغًا كبيرًا جدّاً وطيَّرته فورًا إلى العائلات المقدسيّة!!
 
أفكّر في كلامها وأنا التي كنت أشعر بأنّني شجرة بونانزا قزمة لا تستطيل·· فلسطينيّة قد نحل قلبها وضمر ولا تجد من تستند إليه·· الآن أهدأ··· أفرح بصمت تغالبه الدموع·· أعود رشيقة وخفيفة لأنّ هناك من يسندني!! أظلّ أعيد كلماتها وكأنّها موّال أطرب لسماعه ولا أملّ!!
 
بنظرات ساخرة اقترب من الحافلة جنديّ مصريّ·· أدخل رأسه من النافذة، ثمّ قال كلمتين لا ثالث لهما:
 
- السّعوديّات يْخُشُّوا والأردنيّات يِرْجَعوا!!
 
كنّا أربع سعوديّات وفلسطينيّتان نحمل جوازات سفر أردنيّة·· مسّ القرح والشّوق أضلعنا· أعتقد أنّ ساعات الانتظار الطويلة على معبر رفح تشبه ساعات الانتظار على جسر اليهود كما كنت أسمع من أقاربي وصديقاتي!! حاولت أن أقفز عن الفكرة مع أنّني أتلوى ألمًا!! لكنّ ما آلمني حقًا أن ينفثوا السمّ في دمي وينفوني من جديد لا لشيء إلاّ لأنّني فلسطينيّة!!
 
أفِرُّ من اليهود·· إلى الوَحشة والظّلمة· أراود إخوة يوسف·· حلمي الجائع·· أصحو على وخز دبّوس صدئ·
صفحة 5
يتلاطم الشّوق والدّمع في مآقي أعيننا·· نهفو للدمع كي يريحنا لكنّه ظلّ يتماوج أسيرًا للحدقة ثمّ ما لبث أن سال على حين غرّة!! حينها صرخت بثينة:
 
- لا والله ما ندخل فلسطين إلاّ والفلسطينيّات معانا!!
 
مضت ربع ساعة أخرى من الصّمت والمعبر أمامنا غَباش لا نرى شيئًا ولا نسمع أحدًا!!
 
غبش يضلّل كلّ المشاهد الحاضرة حولي فلا أستطيع أن أميّز بين الأشكال والألوان والأشياء!! الحجر والبشر عندي سواء!! بريق عمري المنقضي·· يلتمع أمامي في لحظة فيغدو رمادًا·
 
أسمع الحوار الذي يدور بين كرم والضابط المصريّ· أتمتم بدعاء أوصتني به أمّي يومًا عندما تشتدّ الظّلمة حولي فيغدو القلب ماء أرشُّه بريدًا إلى غزّة التي لا تبعد عنّي سوى مرمى حجر!!
 
أتأمّل المعبر المصريّ وأتساءل:
 
- هل سأجتازه يا ترى؟ أم سيخترعون لي مشكلة يلفّقونها لي في اللحظة قبل الأخيرة؟
 
- هل سيعيدونني إلى القاهرة ومن ثمّ إلى عمّان؟ هل سأتحمّل أن أعود بعدما شممت ريح غزّة دون أن تطأ قدمايَ أرضها؟
 
- من أين لي بالصّبر يا ربي؟ ماذا سأقول لأطفالي الذين ينتظرون جعبة الأخبار التي أحملها بنطاقي؟
 
- لا بأس إن قلتُ لهم إنّ الظّلمة والجمر يسكن في بلاد العُرْب أوطاني!! يروعنا الجمر يسكبونه على أيدينا وفوق رؤوسنا حتّى نيأس ونستسلم ولا نعود إلى هنا!! يحاولون أن يُغلقوا المُقل حتّى لا يروا في مرآة أَعْيُننا فلسطين·
 
سأبقى على المعبر، لن أرحل قبل أن أدخل غزّة، كنتُ أسمع عن المئات ينامون على المعبر ويُمنعون من دخول غزّة ولكن هذا قبل رحيل الاحتلال·· والآن!!
 
من بعيد يلتمع بحر غزّة كسَيْف· في كلّ موجة يزغرد عطشًا للحرية وظمأ للحياة· في كلّ موجة أخاله يفتح ذراعيه لأتزوّد بشَرْبة منه· فأنا أعرف طريق الآبار والينابيع ولكنّه يعرف إن أنا شربت منه فلن أظمأ بعدها أبدًا·
صفحة 6
سأبقى أنتظر حتّى يأتيني الإذن بالدخول·· سأنتظر وأنتظر قبل أن أتبيّن أنّهم يمارسون استفزازًا ومطاردة وطن في أضلاعي· سأنتظر قبل أن أتبيّن أنّهم يدحرجونني من علٍ ليمسكوا بي فُتاتًا· ولكن أنّى لهم·

أجلس على الكرسيّ الأماميّ للحافلة·· أُخرج أوراقي وقلمي·· أكتب كلماتي التي لو بقيت لنفثت السمّ في عروقي·· أعيد كتابتها لتخرج أكثر أناقة وأحَدَّ لسْعًا!! أقرأها على رفيقات دربي لأصحو فجأة على أصوات جلبة في الخارج تأمرنا أن نتوجّه فورًا إلى مكتب المخابرات المصريّة!!

دخلنا إلى غرفة ضيّقة فيها مكتبان وصفّان من الكراسي على شكل حرف ( لـ )· على كلّ مكتب يجلس ضابط أحدهما يدخّن ويثرثر على الهاتف همسًا بصوت بالكاد يُسمع· أما الآخر فهو يقلّب جوازات سفر ليست لنا·· عرفتها من لونها، أمّا جوازات سفرنا فقد بقيت ملقاة بلا مبالاة لمدّة ساعة كاملة·

ساعة كاملة ونحن ننتظر إشارة، أخيرًا أمسكَ بالجوازات نظر إليها بسرعة ثمّ قال:

- بالسّلامة!!

أيها الضابط المصريّ·· لماذا تصرّ أن تمارس دور جنديّ الاحتلال حتّى بعد زواله؟ لماذا تصرّ أن تذكّرني بمنفاي وأشلائي المتناثرة هنا وهناك؟

- لماذا تصرّ على القتامة مع اشتداد النّور وإصراره على البزوغ؟

ظننتك ستحقّق معي، تستجوبني، تسألني، لكنك حتّى لم تنظر لوجهي إمعانًا في إذلالي· كلّ ما أردتَه هو أن تسحق فلسطينيّتي وأن تمرِّغ أوراقي المزهرة في التّراب وتنثر إنسانيّتي على صفيح ساخن·

نخرج من الغرفة الضيّقة كضيق عقولهم وعواطفهم·· الغرفة ذات الرائحة العفنة المختلطة بدخان السجائر إلى صالة واسعة تخلو من النظافة والترتيب·· تصطفّ فيها كراسي حمراء بشكل ٍمتواز· في أقصى الصالة كشك يبيع المشروبات والسكاكر والشيبس·

الشّبابيك بإطارات حمراء من كثرة اتّساخها لا ترى من خلفها· الأرض سوداء· على أوقات متباعدة تتمّ مناداة الأسماء بشكل رتيب مملّ حتّى يفقد المريض وكبير السنّ والزائر صبره، وحتّى يذكّروك بأنّ الاحتلال ما زال جاثمًا على صدرك وإنْ ولّت أيّام حسني مبارك فما زال فلوله يمارسون دوره!!
صفحة 7
الهبوط الأول
 
هو 1
 
يا ترى ما هو شعور آدم عندما هبط على الأرض لأوّل مرة؟ أيشبه شعوري الآن؟ تِيْه فراشة لا تجد نارها·· احتراق الصّوت ورماده؟·· أنين ملهوف؟·· وَتَر ممزّق؟ مفتاح ضائع؟· كلّ ذلك هو شعوري لحظة هبوطي على هذه الأرض!!
 
أغادر عمّان ولم يكن قد مرّ على زواجي سوى ثلاثة أشهر، حيث تعاقدت مع وزارة المعارف الليبيّة في 7/5/1969 براتب يفوق أربعة أضعاف ما كنت أتقاضاه في الأردن· كانت ليبيا آنذاك مملكة يرأسها الملك إدريس السّنوسيّ وكان من المقرّر أن أسافر إلى ليبيا في 7/9/69 وضعت التّأشيرة على جواز سفري باسم المملكة الليبيّة وبينما كنت أُعدّ نفسي للسفر حدث انقلاب في ليبيا بقيادة الملازم أوّل معمّر القذافي·
 
عندما قدّمت استقالتي من وزارة التربية والتعليم الأردنيّة·· أصرّ مديري على بقائي في المدرسة - وكان هو الذي طلبني شخصيًا من إدارة التعليم- لا سيّما وأنّه كان مدرّسًا لي من قبل· ويعرف أنّني من الأوائل على معهد العَرّوب في الخليل، لكنّني قلت له يومها:
 
- ثمّة وطن قد فقدته هناك·· فكلّ البلاد بعده سواء!!!
 
شُطبت التّأشيرة الأولى ووضعوا لي تأشيرة جديدة باسم الجمهوريّة الليبيّة وتقرّر سفرنا أنا وبشرى في، 62/9/96·
 
كان آخر راتب حصلت عليه هو ثلاثين دينارًا· ثلثه يذهب أجرة لما يسمّونه مجازًا سكنًا، غرفة وحمام ومطبخ مهترئ في حيّ المحطّة بعمّان· أما الباقي فكان بالكاد يكفينا لا سيّما وأنّ أمّي كانت تعيش معنا وكنت أبعث بمساهمة مالية في تعليم أخي عبد الله حيث كان يدرس في جامعة بغداد·
 
خمس سنوات هي مدّة إقامتي في عمّان· مدرّسًا للغة الإنجليزيّة· راتب أوّل ثلاث سنوات بنيت بها بيتًا لأخي (أبو رجا) في الزّاوية ردًا لجميله· لقد كان بيتًا من الحجر المسمسم، أشجار الزّيتون من خلفه، وأمامه خمسة دونمات من أشجار التّين والعنب والليمون والصّبّار والكوسا والبطاطا والسّبانخ والبصل والملوخية والبامية والفاصوليا وكلّ الخَضراوات في وقتها، عندما تقف على شرفة المنزل ترى الطّائرات وهي تهبط في مطار اللدّ· من الشّمال ترى قرى مسحة وعزون وعتمة، وحين تقف على الشّرفة الجنوبية ترى قرى رافات ودير بلوط، وإذا وقفت على شرفة غربية ترى الأرض المحتلّة أمامك· أما السّنتان التّاليتان فقد جمعتُ فيهما المهر لأتزوّج·
 
خمس سنوات في عمّان لتبدأ بعدها رحلة الاغتراب من جديد وكأنّ قدر الفلسطينيّ البحث عن حتف جديد·· عن لقمة بطعم صبّاري·· عن نسيان يرشف الذكرى!!
 
لم أكن أعلم أن رحلة الاغتراب ستطول وتطول وأنّ حلم العودة يزداد بعدًا يومًا بعد يوم·· أربعون عامًا قضيتها بين مغرب العالم العربيّ ومشرقه·· بينما وطني الذي اقتلعت منه تتخمّر فيه نبرة العتاب وتعبق فيه رائحة الدم·
صفحة 8
الآن أركب الطّائرة بصحبة زوجتي بشرى من عمّان إلى بيروت إلى طرابلس الغرب حيث وصلناها وقد أرخى الليل سدوله·· ثمّ نُقلنا إلى نُزُل في تلك المدينة وكان بصحبتي العديد من المعلّمين·
 
نمتُ أوّل ليلة غربة·· هل نمتُ حقًا؟ ها أنا أستبدل مدينة بمدينة·· مدينة جديدة أحاول أن أستكشف تقاسيمها وأخلع معطفها الليلي لأراها بوشاح الصّباح البهيّ·· لم تغمض لي عين حتّى قطفتُ باكورة الشّمس ثمّ رحت في سبات عميق!!
 
في الصّباح المتأخّر ذهبت إلى وزارة المعارف الليبيّة فعُيِّنت في مدينة الزّاوية الغربية!! وليس أصدق من دقّة القلب ورفّة الرمش حين يلوح اسم الوطن مرّة أخرى·
 
ها أنا أكتشف أنّ للوطن امتدادًا سحريّاً وأنّ الوطن قد ينبعث من صقيع الغربة!!
 
الزّاوية مرّة أخرى!!
 
عُيِّنت في مدرسة الزّاوية الثانويّة ومن هذه المدرسة الوحيدة في المدينة تخرّج عضوا مجلس قيادة الثّورة الليبيّ وهما الخويلدي الحميدي ومصطفى الخروبي وهما العضوان اللذان بقيا مع العقيد حتّى آخر لحظة في حياته وسلّما نفسيهما إلى الثّورة الليبيّة التي اندلعت في 71/2/2102·
 
في نفس اليوم استأجرت شقّة بمبلغ خمسين دينارًا من صاحب الصيدليّة المقابلة للبريد، بتنا في تلك الليلة في منزلنا الفارغ إلاّ من فرشة ومخدّتين وغطاء اشتريتها كلّها على عجل· نمنا في ذلك المنزل الذي لا يبعد عن المدرسة سوى مئة متر في طريق فرعيّ وترابي متفرّع من الشّارع العامّ الوحيد المسفلت في مدينة الزّاوية، تحيط بالبيت أشجار البرتقال·· أقطف برتقالة·· أندهش من رائحتها، من لمعانها وتمايلها بين أصابعي العاشقة الولهى!! أخالها برتقالة فلسطينيّة تدحرجت لتنقر على زجاج غربتي معزوفة سكينة وأمان!! أمسح عليها بكلتا يدي·· أشعر بوخزات في صدري فلن أحتمل المزيد·· ما أصعب أن يكون وطنك في يديك ولا يكون!! في الساحة الخلفيّة للبيت أرى أشجار الصّبّار!! الصّبّار الذي ينبت حول دارنا في الزّاوية الفلسطينيّة!!
 
أكانت مفارقة؟ أم مصادفة؟ أن يطارد الصّبّار صدرًا يمور بالنّار!! لماذا يصرّ هذا النبات الشّوكي الذي أعشقه وأتقن تقشيره كنساء الزّاوية·· لماذا يلاحقني وينغرس في أحلك ساعات حرماني وخذلاني؟ أتراه جاء خصيصًا لمواساتي؟ كم يدهشني هذا الصّبّار بأصابعه الشّوكية التي لا تعدّ ولا تحصى وهي تخطّ على جرحي دِثارًا يهدهدني!!
 
لأوّل مرة· أشعر بأنّه حانٍ كحضن أُمّ· باسمٌ كوجه السّماء· ترى هل سيصبح الصّبّار حِرزي القادم عندما أوشك أن أغفو؟ خِفت لوهلة· خفت أن أتيه في تيارات ريح الغربة فجاء ليعلّمني كيف تتّزن أجنحتي· وكيف أتحكّم في بُوصُلَتي رغم سفري الطويل، جاء ليعلّمني الحذر من عبث الغربة بذاكرتي!!
 
أنت هنا في الزّاوية·· ها هي الزّاوية تفرش خضرتها من جديد تشمّ رائحة بحرها تحسّه لزجًا، دبقًا ولا تراه!!
 
ذهبتُ إلى المدرسة·· ملأت نموذجًا للتّعبئة يُملأ من قبل كلّ مدرّس جديد·· من ضمن النّموذج مكان الولادة فكتبت الزّاوية فلما قرأه المدير قال لي:
 
- هل أنت من الزّاوية؟ من هنا؟
 
- قلت له أنا من الزّاوية بفلسطين!! حضنني وهو يضحك مرحبًا مردّدا:
 
- سبحان من دحاها!!
صفحة 9
بعد أيّام قليلة استلمت مبلغ خمسمائة دينار، راتب ثلاثة شهور وكان هذا المبلغ نصف المبلغ الذي كنت أحلم أن أملكه وهو ألف دينار·
 
الزّاوية مرّة أخرى·· ويرفض طعم زيتونك أن يفارق لساني وترفض ريحك الزّاهية إلاّ أن تداعب قسماتي، كنت أتوقّع أن أشدّ على جرحي من ملح الغربة وغربة الفلسطينيّ ليست كغربة غيره!! فكانت الزّاوية الغربية بلسمًا لي من نزف آمالي· ها هو نشيد بيّارات البرتقال يعلو وتراتيل الزّيتون تزهو، ها هو الصّبّار ينبض فيها فلا أغفو· كلّ ما فيها يذكّرني بزاويتي الفلسطينيّة فتخضرّ فيَّ حقول الفرح وتنثر على صفحة قلبي الرَّواء·
 
أحببت ليبيا وأحببت الزّاوية بالذّات وأدركت أنّ الله يغدق عليّ وأنا أتمطّى في مرقدها من جديد وكأنّ الله يهدهد وجعي المتوالد· عشقتها وعشقت أهلها البسطاء الطيّبين مع أنّني استغرقت وقتًا ليس بالقصير في فهم لغتهم· فاللهجة الليبيّة مزيج من العربيّة وبعض التّعابير الإيطالية ولكن باستعمال العربيّة الفصحى تغلّبت على هذه المشكلة·
 
ها هي الزّاوية الغربية تحتال على حزني وشتاتي، تعيد ترتيل أيّامي القادمة، ترسم بظلال الزّيتون قناديلي التي تأبى الانطفاء، أزهو بها وتزهو بي، هي منّي وأنا منها·
 
هو 1
 
أتذكَّرنُي يدَ طفل وليد تعاتب إصبع الأبوّة الهاربة! دمع خجول يعانق الصّبر ولا حقَّ له أن يترافع عن حقّه الضّائع· أطبقتُ الجفن على الجفن وعجلات الطّائرة توشك على الهبوط في مطار طرابلس الغرب· وما بين أجنحة الطّائرة وحوافّ اليد الوليدة الرّقيقة التي كانت تشدّ بقوّة على إصبع الأب، تتسابق المشاهد والصّور لتثير غبار أيّام صارخة هزّتني بقوّة، نخرت عظميّ، لكنّها على أيّة حال صنعت منّي رجلاً· أضاءت لي خطواتي نحو الشّمس·
 
تُرى بأيّ كلمات سأستقبل أبي وزوجته وأبناءه الجدد؟ أيّ دمع سأخبئه؟ كيف سألوِّن الكلمات الباهتة التي أشعر بألوان زاهية تناسب مقام الأبوّة؟
 
لم أحفظ ملامح أبي· فقد تركَنا وأنا في صفّي السّادس· صورته في خيالي مرتعشة· كنتُ أحاول التحدّيق أكثر وأكثر في تلك الصّورة القابعة في أبعد نقطة من شطْر دماغي· أجمع ملامحه المتناثرة، عينين بلون أزرق، أنف مُسَمسَم دقيق، شعر مسترسِل وكأنّ الماء يقطُر منه وبشَرة صهباء مليئة بالنّمش· كلّ تلك الملاح حاضرة لكنّها متفرقة· لم أستطع أن ألملمها فقد كانت أشتاتًا يستحيل أن تُجمع في صورة واحدة مع أنّي أمضيت وقتًا طويلاً في جمع شتاتها المتَّقد إلاّ أنّها كانت تتحوّل إلى غبار فجأة· تُرى هل سأتعرّف عليه بسرعة ولم تصلنا منه لا صورة ولا قرش واحد طوال السّبعة عشر عامًا التي قضاها في البرازيل؟ أم سأكون مثله أضعْتُ البوصلة؟!! لكنّني ما زلت أذكر أنّه كان سيّد رجال القرية ومختارها ورِث المخترة عن أبيه وأمضى وقتًا طويلاً في حفظ القرآن الكريم وقصص الزّير سالم، كان حنونًا وعلى البنات بالذّات فعندما جاء بعض الأقارب يريدون أن يزوّجوا أختي عائشة لأحدهم ولم تكن راضية وقامت أمّي ووضعت الشّاشة البيضاء خاصّتها برقبة والدي وقالت له:
 
- الخطيّة برقبتك لا تكسّر خاطر هالبنت وتْجوزها لواحد ما بطِّيقه· استجاب والدي لطلب أمّي فورًا·
صفحة 10
كان أبي مناضلاً شرسًا ضد الإنجليز قبل أن يُسلِّموا بلادنا إلى اليهود· وعندما سجن في سجن جنيد في نابلس ذهب ابن عمّي لزيارته وقد تعاظم لديه شعور الفخر بعمّه المناضل لدرجة أنّه عاد إلى أبيه لائمًا···
 
- لماذا لا تكون مناضلاً كعمّي مطر؟
 
ردّ عليه:
 
- إنيّ أُمدّ الثّوار بالمال لشراء الأسلحة فالمقاومة لها أشكال وصور، وعمّك مطر يقاوم بجسده وأنا أقاوم بمالي فسكت ابن عمّي على مضض·
 
كان ذلك في مطلع الأربعينيّات من القرن الماضي· بعد ذلك بزمن أيّ في الخمسينيّات سافر العديد من أقارب أبي وأبناء عمومته إلى البرازيل وسافر أبي وراءهم·
 
وهكذا كان مختار القرية الوجيه الوسيم المثقّف المناضل المشهور بصدقه وإصلاحه بين النّاس وصداقاته الممتدّة من شمال فلسطين إلى جنوبها، فقد كان له شهر سياحة واستجمام في كلّ سنة يتجول فيها من قرية إلى قرية ليزور أصدقاءه الكُثر وكانت عبارته المشهورة: اجعل لك في كلّ قرية جامعًا·· يقصد اجعل في كلّ قرية صديقاً·
 
أقول كان أبي الرقراق الوسيم سببًا في سقي أمّي السمّ!! سمّ ليس له رقية ولا دواء· كان سببًا في عذابها، وجرحها وهي السّمراء النّحيلة المتوسطة الجمال الأكبر منه بعامين· كان سببًا في إشعال ضلوعها بحريق سيطول ويطول· ذلك الرّجل الذي سافر في ليلة ما فيها ضو قمر إلى البرازيل مخلّفاً وراءه زوجة وخمسة أطفال وليس في البيت سوى عشرة كيلو طحين·
 
لاحقًا سأعرف من (دونا آنا أوليفرا) أنّ أبي عندما تزوّجها قال لها أنّه أرمل وهو صادق في ذلك لأنّه أرمل في البرازيل (زوجته سيسليا كانت قد توفّيت بعدما أنجبت له طفلين: جميل وجمال)، وعندما اكتشفتْ حقيقة أمره وأنّه متزوّج من البلاد وطلبت أن يرسل نقوداً إلى أولاده، قال لها: هؤلاء أغنياء ويدوسون على السّجّاد ولا يحتاجون سوى الملح والسُّكّر فكلّ شيء متوفّر وموجود· ولما رجعت >دونا آنا< إلى الزّاوية ووقعت على الأحجار وانكسرت يدها قالت ساخرة وهي (تَرطِن) برازيليّ (هذا هو السّجّاد الذي حدّثني عنه الحاج مطر) وإذا به يقصد بالسّجّاد التبن على البيدر·
 
سبعة عشر عامًا متواصلة خالية من الرّسائل إلاّ ما ندر· كانت هذه الأعوام كافية كي تتعلّم أمّي كيف تُطعمنا وتهدهدنا وتفتح ذراعيها كلّ مساء للصبية الصّغار؛ تغنّي لهم وتطرز بدمعها السخي قصّة عودة الغائب·
 
مع كلّ هذا الغياب فقد أتقنت كيف تجعل غيابه بردًا وسلامًا علينا· كانت كلماتها عنه تشُفّ عن صدر مليء بالورد وبالود!!!
 
عندما سألتها ذات مرة:
 
- هل تحقدين على أبي وقد تركك مع خمسة أطفال بلا مال ولا معيل؟
 
- قالت: إنّ أباك سيّد الرجال، لا يوجد رجل مثله أبدًا، لم أسمع منه يومًا كلمة تكسّر خاطري، لم يسبّني·· لم يشتمني· لا أتذكّر أنّه قال لي يا مايْلِة تْعَدَّلي·
 
كانت بكلماتها تخطّ في قلوبنا شوقًا وشعاع أمل بلقياه· لكنّنا ونحن الصّغار وببصيرتنا ودقّة أجهزة الاستقبال لدينا، كنّا ندرك ما خفي عن أسماعنا، فما حسبناه نهرًا فراتًا في قلبها يتحوّل في لحظات سُهادها إلى مِلح أُجاج؛ عندما أصحو في منتصف الليل فجأة لأرى عيونًا قد أعياها الأرق· دموعًا تحاول أن تصبغها بصبغة رضا· لكنّ أنّى··!!
 
من تخسر زوجًا تفقد شراعها· فإذا ما هبّت ريح الفقر تمايلت بها الأمواج· هل هذا صحيح؟