eKtab
EN ع
ربيع بزاوية مكسورة
اقرأ عينة مجانية

ربيع بزاوية مكسورة

بقلم ماريو بينيديتي

صفحة 1
بين الجدران (هذه الليلة أنا وحيد)
 
أنا وحيد هذه الليلة، زميلي (ستعرف اسمه ذات يوم) موجود في المستوصف. إنه شخص طيب, ولكن من المستحسن أن تبقى وحيداً من حين لآخر. بإمكاني التفكير بشكل أفضل. لست بحاجة لوضع سرير هزاز كي أفكر بك. ستقولين أن أربع سنين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً وقت طويل بما فيه الكفاية للتفكير، وهذا صحيح، لكنه ليس وقتاً كافياً للتفكير بك. أستغل الفرصة للكتابة لك على ضوء القمر. فالقمر دائماً ما يهدئ من روعي, إنه كترياق. إضافة إلى أنه يضئ الورقة, ومن هنا تأتي أهميته ففي هذا الوقت ليس لدينا ضوء كهربائي. ولم يطل علينا القمر في السنتين الأولتين, لهذا أنا لا أشكي، هنالك دائماً من هو في حال أسوأ, كما استنتج ايسوبو. وحتى ما هو أسوأ بكثير, كما أستنتج أنا.
 
يا للفضول.. عندما يكون المرء في الخارج ويُخْيَّل له لسبب أو لآخر أنه ليس بإمكانه قضاء عدة سنوات بين أربعة جدران, سيفكر أنه لن يحتمل, وأنه سيكون بكل بساطة شيئاً لا يطاق. مع ذلك, فبالإمكان احتماله, كما ترون.. أنا احتملته على الأقل. لا أنكر أني مررت بلحظات من اليأس, بالإضافة إلى مصاحبة الألم الجسدي لهذا اليأس. لكن ما أقصده الآن هو اليأس الصرف, عندما يبدأ المرء بالحساب, وتكون النتيجة هي هذا اليوم مضروبة بآلاف الأيام. مع ذلك, فالجسد أكثر تأقلماً من المعنويات، وهو أول من يعتاد على المواعيد الجديدة, على وضعياته الجديدة, والإيقاع الجديد لاحتياجاته, على تعبه, ومواعيد راحته الجديدة, على ما يجب فعله وما لا يجب. إذا كان لديك زميل, فبإمكانك أن تسميه دخيلاً في البداية، ولكن مع الوقت سيصبح محاوراً. زميلي الحالي هو الثامن، أظن أنني كنت على علاقة طيبة معهم جميعاً. الشجاعة هي عندما لا تتصادف حالة اليأس عند كلينا, فيعديك الآخر بيأسه, أو تعديه. أو أن يقاوم وبحزم إحداهما العدوى. وهذه المقاومة تسبب في اصطدام لغوي, كالمواجهة, وفي هذه الحالات بالضبط فظروف الخاتمة تساعد قليلاً, بل ربما توتر الأعصاب, فتدفع المرء (وللآخر) إلى التلفظ بإهانات. وفي بعض الأحيان, التلفظ بأشياء لا يمكن إصلاحها، ليتفاقم على الفور معناها نتيجة التواجد معاً بشكل إجباري وبالتالي لا يمكن تلافيها. وإذا ما وصل الأمر لهذه الصعوبة لدرجة أن لا يتبادلان الكلام, عندها تصبح الصحبة مربكة ومتوترة, ويصبح وطأها على المرء أقسى من الوحدة الكاملة. من حسن الحظ, وفي هذا التاريخ الطويل, لم يحصل معي إلا حدثاً واحداً فقط من هذا النوع, ودام قليلاً. كنا متعفنين من هذا الصمت, وفي ذات مساءٍ نظر كل منا للآخر وبدأنا بالحديث بشكل تلقائي، ثم كان كل شئ سهلاً بعد ذلك.
 
منذ شهرين تقريباً لم تصلني أخبارك. لا أسالك ماذا يحصل لأني أعرف ما يحصل، وما لا يحصل. يقولون أنه خلال أسبوع سينتظم كل شئ من جديد، أرجو ذلك. لا يمكنك تصور مدى أهمية وصول رسالة لأي منا، فعندما تكون هناك فسحة ونخرج, على الفور يُلاحظ من الذي استلم رسائل ومن لم يستلم. هناك إضاءة غريبة في وجوه الأوَّلين, برغم أنهم يحاولون في الكثير من الأحيان إخفاء سعادتهم حتى لا يحزن الآخرون الذين لم ينالوا هذا الحظ. في الأسابيع الأخيرة, ولأسباب واضحة, كنا جميعا بوجوه معكرّة, وهذا أيضاً ليس حسناً. أي أنه ليست هناك إجابة لأي من أسئلتك, ببساطة, لأني لا أملكها. ولكن أنا لدي أسئلة أيضاً، ليست الأسئلة التي تعرفينها دون الحاجة لأن أقولها, وفي طريقي أضيف, بأني لا أحب أن أسألها حتى لا أضعك في اختبار كأن تقولي لي ذات مرة (على سبيل المزاح, أو ما يمكنه أن يكون أشد من ذلك, على سبيل الجد): "لم أعد كالسابق". كنت أريد أن أسالك عن العجوز بكل بساطة، فمنذ وقت طويل لم يكتب لي، وفي هذه الحالة لدي انطباع أنه ليس هنالك أي سبب لعدم استقبال رسائل، فقط لأنه مضى وقتٌ طويل دون أن يكتب لي، ولا أدري لماذا. أراجع أحياناً (فقط في ذهني, طبعاً) ما أذكره مما سبق وكتبت له في رسائلي الموجزة, لكن لا أعتقد بأن فيها ما يمكن أن يجرحه. هل ترينه بشكل متواصل؟ سؤال آخر: كيف تجري الأمور مع بياتريس في المدرسة؟ في رسالتها الأخيرة بدا لي شئ من الالتباس في بياناتها. هل تلاحظين أني مشتاق لك؟ برغم قدرتي على التأقلم, وهي ليست بقليلة. هذه أحد الأخطاء التي لم تعتد عليها لا معنوياتي ولا جسدي، على الأقل حتى اليوم. هل سأصل لاعتاد؟ لا أعتقد. هل اعتدتِ أنت؟
صفحة 2
جرحى ومصابون (أحداث سياسية)
 
ـ غراثييلا ـ قالت الطفلة و في يدها كأس ـ. هل تريدين ليمونادا؟
 
كانت ترتدي بلوزة بيضاء, بنطال من الجينز وصندل. الشعر أسود, طويل ولكن ليس بما فيه الكفاية, مربوط عند العنق بشريطة صفراء. بشرة شديدة البياض. تسع سنوات, أو عشرة, ربما.
 
ـ ألم أقل لك أن لا تناديني بغراثييلا.
 
ـ لماذا؟ أليس هو اسمك؟
 
ـ طبعاً هو اسمي، ولكني أفضّل أن تناديني بأمي.
 
ـ حسناً, لكني لا أفهم، فأنت لا تقولينِ لي ابنتي, إنما بياتريس..!
 
ـ إنه شيئٌ أخر.
 
ـ حسناً, هل تريدين ليمونادا؟
 
ـ نعم, شكراً.
 
تبدو غراثييلا في الثانية والثلاثين أو الخامسة والثلاثين, وربما هي كذلك. تلبس فستاناً رمادياً وقميصاً أحمر. شعر كستنائي, عينان كبيرتان ومعبّرتان. شفاه حارة, تقريبا بدون حمرة. نزعت نظاراتها بينما كانت تتحدث مع ابنتها، لكن الآن عادت ووضعتها من جديد لتعاود القراءة.
 
تضع بياتريس كأس الليمونادا فوق طاولة حيث هناك منفضتا سجائر, وتخرج من الغرفة، لكن تعود وتدخلها بعد خمس دقائق.
 
ـ البارحة في الصف تعاركت مع لوثيلا.
 
ـ آه.
 
ـ ألا يهمك؟
 
ـ دائما تتعاركي مع لوثيلا. يبدو أن هذه طريقة لديكما في الحب. فأنتما صديقتان, أليس كذلك؟
 
ـ نحن كذلك.
 
ـ وإذن؟
 
ـ أحيانا نتعارك كما ولو أننا نلعب, لكن البارحة كان جديا.
 
ـ حقاً..؟!
 
ـ لقد تكَلَمت عن أبي.
صفحة 3
تنزع غراثيللا النظارات مرة أخرى، وتولي الآن اهتماماً، وتشرب الليمونادا دفعة واحدة.
 
ـ قالت بأنه إذا ما كان أبي سجيناً فلا بد أن يكون مجرم.
 
ـ وماذا أجبت أنت؟
 
ـ أنا قلت لها بأنه ليس كذلك، هو معتقل سياسي. لكني فكرت فيما بعد بأني لا أعرف ما يعني هذا، دائماً أسمعه, لكني لا أعرف ما هو بالضبط.
 
ـ ومن أجل هذا تعاركت؟
 
ـ من أجل هذا، بالإضافة إلى أنها قالت لي بأن أباها في البيت يقول أن اللاجئين السياسيين يأتون ليأخذوا فرص العمل من أهل البلد.
 
ـ وبماذا أجبت أنت؟
 
ـ عندها لم أعرف ما أقول لها, فسددت لها ضربة.
 
ـ هكذا الآن بإمكان الأب أن يقول أن أبناء اللاجئين يعاقبون طفلته.
 
ـ في الحقيقة لم تكن ضربة, وإنما لطمة خفيفة، لكن هي ردت كما ولو أني آذيتها. انحنت غراثيللا لتصلح من جوربها, وربما لتأخذ هدنة أو لتتأمل.
 
ـ من السيئ أن تضربيها.
 
ـ أعتقد أنه كذلك. لكن, ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟
 
ـ أيضاً صحيح بأن ما كان لأبيها أن يقول هذه الأشياء، هو بالذات كان عليه أن يفهمنا أفضل.
 
ـ لماذا هو بالذات؟
 
ـ لأنه رجل ذو ثقافة سياسية.
 
ـ هل أنت امرأة ذات ثقافة سياسية؟
 
تضحك غراثيللا, تراخت قليلا, وداعبت شعرها.
 
ـ نوعاً ما.. نعم، لكن ينقصني الكثير.
 
ـ ينقصك لأي شيئ؟
 
ـ لأصبح كأبيك, مثلاً.
 
ـ هل هو معتقل بسبب ثقافته السياسية؟
 
ـ ليس بالضبط من أجل هذا، بل لأعمال سياسية.
 
ـ هل تريدين القول أنه قتل أحداً؟
 
ـ لا يا بياتريس, لم يقتل أحداً، هناك أفعال سياسية من نوع آخر.
 
تصمت بياتريس، تبدو وكأنها على وشك البكاء, ومع ذلك تبتسم.
 
ـ هيا, أحضري لي المزيد من الليمونادا.
 
ـ نعم يا غراثيللا.
صفحة 4
سيد رافائيل (هزيمة و مهزوم)
 
الشيئ الأساسي هو أن تتأقلم. أعلم بأنه من الصعوبة في عمري، بل هو مستحيل تقريباً. مع ذلك فبعد كل شيئ, منفاي هو لي. ليس لكل شخص منفىً خاص به، فقد كانوا يريدون إلصاقي بمنفىً غريب عني، لكنهم باءوا بالفشل، وجعلت منه منفى لي. كيف حصل؟ هذا ما لا يهم، فلا هو بسر ولا إفشاء. سأقول بأنه حتى تبدأ , عليك بالسيطرة على الشوارع، الزوايا، السماء، على المقاهي والشمس, وما هو أهم, على الظل. عندما يتوصل المرء للإحساس أن شارعاً ما لم يعد غريباً, عندها فقط يتوقف الشارع عن النظر إليه كغريب، وهكذا مع كل الأشياء. في البداية كنت أمشي بعكاز, ربما كما تتطلب سنواتي السبع والستون، لكن لم تكن مسألة عمر، إنما نتيجة خمود الهمة. هناك, كنت دائماً أخطو نفس الطريق لأعود للمنزل، وهذا ما أشتاق له هنا، الناس لا تفهم هذا النوع من الحنين، فهم يعتقدون بأن للحنين فقط علاقة بالسماء والأشجار والنساء، كحد أقصى بالنضال السياسي والوطن. لكن بالنسبة لي فدائماً كان لدي أشواقاً رمادية, بل قاتمة. مثل طريق العودة للمنزل، هدوء, سكون، أن تعلم أنه يأتي بعد كل زاوية, كل مصباح, كل كشك. هنا بالمقابل بدأت بالمشي ومفاجأة نفسي، والمفاجأة كانت تتعبني، وللإضافة لم أكن أصل لمنزل, وإنما إلى الغرفة، متعب من مفاجئة نفسي, ربما من أجل ذلك لجأت للعكاز، لأقلل من وطأة كثرة المفاجآت. أو ربما كلما لاقاني أحد أبناء بلدي, ليقول لي: "لكن, يا سيد رافائيل, هناك لم تكن تستخدم عكاز", وأنا بإمكاني أن أجيبهم: "حسناً, أنت أيضاً لم تكن تلبس قبعة. " مفاجأة بمفاجأة. أحد تلك الدهشات كانت في دكان أقنعة, بألوان فاقعة, لها أثر تنويمي، لم أستطع الإعتياد على الأقنعة, برغم أنها كانت هي نفسها دائماً، لكن بالإضافة لموضوع الأقنعة, كانت أمنيتي تتكرر, أو ربما توقعي, بأن تتغير الأقنعة, وكنت أندهش يومياً من إيجاد نفس الأقنعة، ولذلك ساعدتني العكاز، لماذا؟ لأي شيئ؟ حسنا, لأستند إليها كلما واجهتني هذه الخيبة المتواضعة في كل المساءات, أقصد كلما كنت أتأكد أن الأقنعة لم تتغير، وعلي أن أعترف بأن توقعي لم يكن سخيفاً لهذه الدرجة، فالقناع ليس وجهاً، إنه مصطنع, أليس كذلك؟ فالوجه يتغير فقط لظرف طارئ، أقصد في هيكليته, ليس في تعابيره, فهذه نعم هي متغيرة. بالمقابل, بإمكان القناع أن يتغير لآلاف الأسباب، لنقل: للتجريب, للاختبار, للتعديل, للتحسين, للأسوأ, للاستبدال. فقط بعد مضي ثلاثة أشهر فهمت أني لا يمكنني انتظار شيئ من الأقنعة، لن يغيروا من هذه القمامة, هذا العناد، وأخذت بالتأمل في الوجوه. في النهاية, كان تغييراً جيداً، فالوجوه لا تتكرر، تأتي الوجوه باتجاهي, وتركت عندها العكاز، لم يكن هناك داع للاستناد لمقاومة الذهول، ربما لن يتغير كل وجه مع الأيام, وإنما مع السنين, ولكن الوجوه التي كانت تأتي باتجاهي (ما عدا متسولة نافرة العظام وخجولة) كانت دائماً جديدة، ومعها كانت تأتي كل الشرائح الاجتماعية, بسياراتٍ فاخرة ومتواضعة, في حافلات أو في كراسي متحركة, أو ببساطة على أرجلهم. لم أشتاق للطريق في مونتيفيديو و كونسابيدو, في طريق العودة للمنزل كان في المدينة الجديدة "ديروتيرو" جدد، ديروتيرو تأتي من هزيمة, أعرف ذلك، هزيمتنا لن تكون كاملة, ولكنها هزيمة. لقد فهمته, ولكني تأكدت من ذلك تماماً عندما أعطيت الحصة الأولى، وقف الطالب وطلب الإذن ليسأل، وسأل: "أستاذ, لأي سبب تحوّل بلدك بسرعة من ديمقراطية ليبيرالة مستقرة ليصبح دكتاتورية عسكرية؟ طلبت منه أن لا يناديني أستاذ، ليست من عاداتنا، لكني طلبت منه ذلك لكي أرتب الإجابة، قلت له ما هو معتاد: بأن التحوّل بدأ قبل ذلك بكثير, ليس في الهدوء, وإنما في باطن الهدوء، وأخذت أسجل على السبورة عناوين مختلفة, التواريخ, الميزات والفروع. جلس الشاب، وأنا قرأت في عينيه المتفهمة كل أبعاد هزيمتي, هزيمتي. ومنذ ذلك الوقت وأنا أعود كل مساء عبر طريق مختلف من ناحية أخرى, أنا الآن لا أعود إلى غرفتي، ولآ إلى المنزل أيضاً، إنها ببساطة شقة صغيرة, أي بمعنى منزل بتصّنع (غرفة وملحقاتها) لكن المدينة الجديدة تعجبني, لم لا؟ أناسها ـ حمدا لله ـ لهم عيوبهم. وهو لشيئ مسلي أن أختص بهم، والحسنات ـ بالطبع لديهم منها ـ بشكل عام مملة أما العيوب, لا. التصنّع, على سبيل المثال, إنها منطقة عجيبة, حيث لم أستطع أن اختص أبداً، فعكازي دون أن أذهب بعيداً كانت تهديداً بالتصنّع, ومع ذلك كان علي أن أتخلى عنها عندما أحس بالتصنع, أزدري نفسي قليلاً, وهذا شيئ في غاية السوء، لأنه ليس على المرء أن يحتقر نفسه أبداً, إلا إذا ما كان هناك أسباباً موجبة له, وليست هذه حالتي.
صفحة 5
منافي (حصان أخضر)
 
تزحلق في فندق قبل ستة أشهر, في مدينة أخرى, ليرتطم رأسه بقوة على الأرض. أعطبت شبكة العين نتيجة لهذا الإنزلاق وأجروا له الآن عملية. وبحسب تعليمات الأطباء كان عليه أن يرقد خمسة عشر يوماً, بعينين مضمدتين, أي بمعنى أنه خلال هذه الفترة سيكون معتمداً على زوجته بالكامل. كان الجرّاح يأتي كل اثنتان وسبعون ساعة, ليكشف عن العين, وليتأكد أن كل شئ على ما يرام, ويعود ليضمدها. كان ينصح بعدم استقبال زيارات على الأقل في الأسبوع الأول, بداعي المحافظة على الهدوء الكامل. لكن نعم كان بإمكانه الاستماع للراديو وآلة التسجيل، وبالطبع استقبال المكالمات الهاتفية.
 
أخبار المذياع لم تكن فقط غير مملة, كما في الأيام الجيدة, وإنما كانت أحياناً تثير القشعريرة, ففي كانون ثاني من عام 1975 كان من المعتاد أن تظهر عشر أو اثنتي عشر جثة يومياً في مزابل المدينة، وبين نشرة أخبار وأخرى, كان يتسلّى بالاستماع إلى كاسيتات شيكو بواركي, لفيغليتي, لناتشو غيفارا, لسيلفيو رودريغيز, التروتة لشوبيرت وأحد قطع بيتهوفن.
 
تسلية أخرى كانت اقتراح صور على نفسه, وتحولت هذه لتصبح من أكثر الأعمال التي تشد انتباهه, لأنها كانت تتضمن عنصراً إبداعياً, ففي نهاية المطاف كانت أكثر أصالة من بساطة ما تسجله رؤية الأشكال التي تطرحها في الحقيقة، الآن لا، فالآن كان هو من يخترع ويجمع هذه الحقيقة, وتلك كانت تظهر في كل التقاطيع والألوان في الجدار الداخلي لعيونه المغلقة، كانت اللعبة محرّضة للتفكير، مثلاً: الآن سأصنع حصاناً أخضر تحت المطر, ولتظهر في قفا أجفانه الثابتة، لم يكن يجرؤ أن يثب أو يعدو, لأن تعليمات الطبيب كانت بأن لا تتحرك الحدقات, ولم يكن متأكدا في اكتشافه الحديث إذا ما كانت الحدقة المغلقة بإمكانها أن تشعر أو لا باغواءات متابعة عدو الحصان الأخضر، لكن بالمقابل كان يمنح نفسه كل الحرية لتصوّر صوراً ثابتة، لنقل: ثلاثة أطفال (إثنان شقر وواحد أسود, كما في الإعلانات الأمريكية الاحتكارية الضخمة), الأول بمزلجة, الثاني مع قطة والثالث مع مقبض للكرة، أو أيضاً, لم لا, فتاة عارية, حيث سيختار بكل عناية تفاصيلها قبل أن يحدد صورتها، أو صورة بانورامية لشاطئ في مونتيفيديو, بأماكن تملأها ظلال بألوان حية, وأخرى بالمقابل شبه صحراوية, أو رجل عجوز, ملتحي وبنطال قصير, مصطحباً كلباً حيث يراقب هذا سيده في حالة وفاء صارم.
 
عندها رن الهاتف وكان من السهل عليه أن يمد يده، كانت صديقة جيدة, وكانت بالطبع تعرف أمر العملية لكنها لم تسأل كيف أحواله ولا إن كانت الأمور على ما يرام، وأيضاً كانت تعرف أن شقة آل هيراس وبويرريدون لا تطل على الشارع, نعم فالبكاد من خلال شباك صغير في الحمام كان يمكن رؤية ثلاثة أو أربعة أمتار من الساحة. مع ذلك, قالت: "أكلمك ليس لأكثر من أن تطل من الشرفة لترى ما أجمل الموكب العسكري أمام منزلك." وأغلقت. عندها قال هو لزوجته أن تنظر من شباك الحمام. إلى ما لا يمكن توقعه: إنها عملية تمشيط.
صفحة 6
"يجب حرق بعض الأشياء". قال هو, وتخيّل النظرة القلقة لزوجته، وبالرغم من الحالة الطارئة إلا أنه حاول أن يهدئ من روعها ما أمكنه: "ليس هناك شيء خفي, فإذا ما دخلوا هنا سيجدوا أشياء يمكن شراءها من أي كشك, كقصص التشي غيفارا أو الإعلان الثاني لهافانا (لا أقول فانون أو غرامشي أو لوكاش, لأنهم لا يعرفون من هم), أو بعض الأعداد من المجلة الحزبية أو للجريدة اليومية (أخبار), يكفي هذا لنواجه مشاكل."
 
أخذت هي تحرق كتب وصحف, بينما كانت تلقي نظرات متفرقة للساحة الخارجية. كان يجب فتح شبابيك أخرى (التي تطل على الحديقة في العمق، وكانت تفصل البنائين) حتى يتخلصوا من الدخان ورائحة الحريق، هكذا خلال عشرين دقيقة، كان هو يحاول أن يوجهها: "انظري, في الرف الثاني, الكتاب الرابع والخامس على الشمال, هناك المنطق والماركسية, في جزئين، هل ترينه؟ حسناً, في الرف السفلي, هناك قصص الحرب الثورية والدولة والثورة."
 
أيضا سألته هي إذا ما كان يجب حرق السينما الاشتراكية و ماركس وبيكاسو. هو قال بأنه يجب حرق الكتب الأخرى أولاً، فهذه بإمكان المرء الدفاع عن نفسه بشأنها: "لا تلقي بالرماد في القمامة، استعملي التواليت". الدخان جعله يسعل قليلاً. "ألن يؤذي هذا عينيك؟" "ربما، لكن يجب اختيار الأقل سوءاً. لكن لا أعتقد ذلك، فهما مضمدتان جيداً."
 
عاد الهاتف ليرن مجدداً. الصديقة مرة أخرى: "كيف الحال؟ هل أعجبك الموكب؟ من المؤسف أنه انتهى مبكراً، أليس كذلك؟" "نعم", قال هو, متنفسا بعمق: "كان رائعاً، يا للنظام, يا لها من ألوان وأناقة، مذ كنت صغيراً وأنا أفتن باستعراضات الجنود، شكراً لإخباري".
 
"حسناً, لا تحرقي المزيد، على الأقل اليوم. لقد ذهبوا، تنفست هي أيضاً, لمّت بالرفش آخر الرماد, رمته في التواليت, سحبت السيفون, وراقبت إذا ما كان الماء قد جرفها. غسلت يديها, وعادت لتجلس مسترخية أخيراً بجانب السرير. استطاع هو أن يصل ليدها: "غدا نحرق البقية", قالت هي, لكن بهدوء: "إنه لأمر محزن. فهي نصوص أحتاج إليها أحياناً."
 
عندها حاول أن يفكر في الحصان الأخضر تحت المطر، لكن لم يدرِ لماذا بالضبط, فقد أصبح الآن الحصان أسوداً داكناً يمتطيه فارس قوي بقبعة عسكرية بدون وجه، على الأقل هو لم يستطع تمييزه في الجدار الداخلي لأجفانه.
صفحة 7
بياتريس (الفصول)
 
الفصول هي على الأقل الشتاء, الربيع والصيف. الشتاء مشهور بربطات العنق والثلج. عندما يرتجف المسنون والمسنات في الشتاء يقال أنهم يرتعشون. أنا لا أرتعش لأني طفلة ولست عجوز، إضافة إلى أني أجلس بجانب المدفأة. في شتاء الكتب والأفلام هناك المزالق الجليدية, ولكن ليس هنا، أيضاً لا يوجد هنا ثلج. كم هو ممل الشتاء هنا، ومع ذلك, فتوجد رياح عظيمة وتشعر بها أشد ما تشعر في الأذنين. جدي رافائيل يقول أحياناً بأنه سينسحب إلى مخدعه الشتوي، ولا أدري لماذا لا ينسحب إلى مخدعه الصيفي؟! لدي انطباع بأنه في الأخريات سيرتعش لأنه مسن بما فيه الكفاية. لا يجب قول مسن أبدا وإنما عجوز. يقول طفل في صفي أن جدته هي مسنة شمطاء، أنا علمته بأنه في كل الأحوال يجب القول عجوز شمطاء.
 
فصل آخر مهم هو الربيع. أمي لا تحب الربيع لأنه حدث أن قبضوا على والدي في هذا الفصل . أن كلمة ابريندييرون بدون h هي للذهاب إلى المدرسة. لكن مع h هي كما الذهاب إلى الشرطة.
 
فلقد امسكوا بوالدي ب h وبما أنه كان الربيع فقد كان يلبس كنزة خضراء. تحصل أشياء لطيفة في الربيع كما عندما يسلفني صديقي أرنولد المزلجة، أيضاً هو يسلفها لي في الشتاء لكن غراثيللا لا تسمح لي لأنها تقول بأن لدي قابلية للإصابة بالزكام. لا يوجد في الصف أحد آخر لديه هذه القابلية. إن غراثيللا هي أمي. شئ رائع آخر في الربيع هو الزهور.
 
أما الصيف فهو بطل الفصول لأنه هناك شمس وليس هناك مدرسة، في الصيف النجوم هي حصراً من يرتعد. كل الناس يتعرقون في الصيف، وعندما يتعرق المرء في الشتاء فهذا يعني أن لديه التهاباً رئوياً، جبيني يتعرق في الصيف، ويذهب الفارّون (من الجندية) في الصيف إلى الشاطئ بملابس البحر حيث لا يستطيع أحد التعرف عليهم، أنا لا أخاف من الفارين في الشاطئ ولكن أخاف من الكلاب والأمواج. صديقتي تيريسيتا لم تكن تخاف من الأمواج, لقد كانت شجاعة وذات مرة كانت على وشك أن تغرق. واضطر أحدهم لإنقاذها، أما الآن هي أيضا تخاف من الأمواج ولكن ما زالت لا تخاف من الكلاب.
 
غراثيللا, أي أمي, كانت تصر وما زالت تصر بأن هناك فصل رابع يدعى الخريف. أنا أقول لها أنه بإمكانه أن يكون ولكني لم أره. تقول غراثيللا بأنه تكثر في الخريف الأوراق اليابسة، إنه شيئ جيد أن يكون دائماً هنالك وفرة غزيرة لشيئ حتى ولو كان في الخريف. إن الخريف هو الفصل الأكثر غموضاً من بين الفصول لأن الجو لا يكون بارداً ولا حاراً وعندها لا تعرف ماذا يجب أن تلبس، ربما من أجل هذا لا أعرف أبداً متى يكون الخريف. إن لم يكن هناك برد أفكر بأنه الصيف وإن لم يكن هناك حر أفكر بأنه الشتاء، لأكتشف أنه كان الخريف. لدي ملابس للشتاء, للصيف والربيع, لكني أظن أنها لن تنفع للخريف. حيث يقبع والدي الآن أزّف الخريف للتو ولقد كتب لي بأنه سعيد لأن الأوراق اليابسة تمر من بين القضبان وهو يتخيل بأنها رسائلي.
صفحة 8
بين الجدران (ماذا عن أشباحك؟)
 
كنت اليوم أنظر بتأنٍ للبقع في الجدار. إنها عادة تأتي منذ أيام طفولتي. كنت في البداية أتخيل وجوه, حيوانات, أشياء انطلاقاً من هذه البقع، ثم بعد ذلك, كنت أخلق خوفاً مرعباً في علاقتها ببعضها. وجيد أن تحولها لأشياء أو وجوه دون الشعور بالخوف، لكنه أيضاً يستدعي بداخلي شعوراً بالحنين لذلك العمر البعيد، حيث كان الخوف الأشد، تحرضه بقع شبحية صنعها المرء بنفسه. الدوافع البالغة, أو ربما الإعتذارات البالغة للخوف الذي سيأتي فيما بعد, ليست شبحية, وإنما هي حقيقية بشكل لا يحتمل. مع ذلك, فأحياناً نضيف إليها أشباحاً من صنعنا, ألا تظني؟ بالمناسبة, كيف هي أشباحك؟ امنحها بروتين, لئلا تضعف. فحياة بدون أشباح ليست جيدة, أن تقتصر الحياة فقط على وجود أشخاص من لحم ودم؛ لكني أعود إلى البقع، كان زميلي يقرأ مستغرقاً في كتابه بيدرو بارامو, فقاطعته لأسأله إذا ما كان دقق ذات مرة في أحد البقع, على الأغلب من الرطوبة, قريبة من الباب. "ليس بالضرورة, لكنك الآن وأنت تذكرها, أرى بأنه صحيح, فهناك بقعة. لماذا؟"، وضع وجهاً مندهشاً ولكن أيضاًَ فضولي. عليكي أن تفهمي بأنك عندما تكوني هنا, كل شئ بإمكانه أن يصبح مثيراً للإهتمام، ولا أقول لك ما يعنيه أن نفرّق مع الوقت بين عصفور بين القضبان, أو (كما حصل معي في زنزانة سابقة) أن يصبح فأراً صغيراً، محادثاً في ساعة صلاة الاعتراف, أو في ساعة الكابوس، كما فسرّت سونيا, هل تذكري؟ حسناً, قلت لزميلي أني سألته لأنه يهمني أن أعرف إذا ما كان بإمكانه أن يتعرف على شكل ما (بشري, حيوان أو بكل بساطة لجماد) في هذه البقعة، فنظر إليها لبرهة بتمعن, ثم قال: "وجه ديغول. فظيع... فأنا بالمقابل استدعيت ذكرى مظلة، قلت له ذلك وأخذ بالضحك لحوالي عشر دقائق. هذا شيئ جيد آخر، عندما يكون المرء هنا: أن ضحك، لا أدري إذا ما كان يضحك حقيقة برغبة, تبدو كما ولو أن الأحشاء تعتدل على الفور, وكما لو أنه فجأة تتواجد أسباب للتفاؤل, أو كما ولو كان هنالك معنى لكل هذا، فيجب على المرء أن يعالج نفسه عن طريق الضحك كعلاج وقائي من الأمراض النفسية, لكن المشكلة تكمن هنا, كما بإمكانك أن تتخيلي, فلا توجد أسباب كافية للضحك، فمثلاً: عندما يزداد ثقل الوقت الذي لم أركم فيه: أنتِ, بياتريس, العجوز. وبالذات عندما أفكر في الوقت الذي يجب أن يمر حتى أعاود وأراكم، عندما أقيس قيمة هذا الوقت, ليس هناك داع للضحك، أعتقد أيضاً ولا للبكاء، أنا على الأقل لا أبكي، لكني لا أفاخر بهذا الإمساك العاطفي. أعلم من الكثيرين بأنه هنا فجأة يجهش أحدهم بالبكاء دون عزاء خلال نصف ساعة, ثم يظهر من هذا البئر بحالة أفضل ومعنويات أحسن، كما ولو كانت هذه التفريجة تفيد كضابط..! بشكل آني أحياناً أتأسف لأني لم أمتلك هذه العادة، لكن ربما كنت أخاف من أن أضعف, وأن لا تكون حالتي الشخصية هي ضبط وإنما العكس، فلدي على الدوام ما يكفي من البراغي وهي في منتصف شدها حتى لا أخاطر بضرر أشد، ثم, حتى أكون معك غاية في الصراحة, لا أبكي ليس لأني خائف من أن أضعف, وإنما ببساطة لا رغبة لدي بالبكاء, بمعنى, أنه لا تأتيني الرغبة، وهذا لا يعني أني لا أعاني من غموم ولوعات وتسليات أخرى. سيكون غير طبيعي نعم, في هذه الظروف, أن لا توجد لدي. لكن لكل أسلوبه، وأسلوبي هو أن أعالج هذه الأزمات الصغيرة بكبحها عن طريق المنطق، وأستطيع أغلب الأحيان الوصول لذلك. بالمقابل هناك مرات أخرى حيث ليس هناك تعليل أو تعقّل يفيد، فأمزّق بعض الشيئ ما هو تقليدي (من كان؟) سأقول لك انه أحيانا هناك هواجس للعقل حتى القلب لا يفهمها. كلميني عن نفسك, عما تفعلين؟ عما تفكرين؟ عما تشعرين؟ كم أتمنى لو أسير في الطرقات التي تمشيها أنت الآن, حتى يكون هناك شيئ مشترك بيننا أيضاً. تلك أحد مساوئ أن تسافري قليلاً. وأنت نفسك, لو لم تحصل كل تلك الظروف الغير متوقعة, من المتوقع بأن لا تكوني قد سافرتي أبدا إلى المدينة, لهذا البلد. ربما, لو ظلت الأمور تسير سيرها الطبيعي (طبيعي؟) لحياتنا, لزواجنا, لمشاريعنا قبل فقط سبع سنوات, لكنا اجتمعنا ذات يوم لنقوم برحلة أطول (لا أتكلم عن الرحلات القصيرة إلى بوينس ايرس, أسونثيون أو سانتياغو, هل تذكرين؟), لكانت وجهتنا ستكون بالتأكيد أوروبا، باريس, مدريد, روما, وربما لندن. كم يبدو كل هذا بعيداً..! هذا الزلزال هبط بنا إلى الأرض, إلى هذه الأرض، والآن كما ترين إذا ما كان عليك أن تخرجي فستفعلينه إلى بلد آخر في أميركا، وهذا منطقي، حتى أنه اليوم, والذين لأسباب مختلفة موجودون في استوكهولم أو باريس أو بريسثيا أو أمستردام أو برشلونة, بالتأكيد يرغبون أن يكونوا موجودين في أحد مدننا. فبعد كل شيئ, أنا أيضا بقيت خارج البلد. أنا أيضاً أشتاق إلى ما تشتاقون إليه، المنفى (خارجي, داخلي) سيكون مفتاح لهذا النموذج. هل تعرفون, من المحتمل أن يشطب أحد ما هذه العبارة، لكن من سيفعلها يجب أن يفكر بأنه أيضاً هو بإمكانه أن يصبح بشكل غريب ما, لاجئاً من الوطن الأصلي، وإذا ما نجت الجملة, ستكونين قد انتبهت كم أنا متفهم. أنا نفسي أدهش نفسي..! إنها الحياة, يا عزيزتي, إنها الحياة..! وإن لم تنجو, فلا تقلقي، لم تكن مهمة. قبلي نفسك كثيرا نيابة عني.
صفحة 9
الآخر (شاهد أوحد)
 
"يا له من سواد تحت العين", قال وقال لنفسه رولاندو أسويرو أمام المرآة وصدئها. "أستحق ذلك لأني شربت كثيراً", أضاف محاولاً أن تصبح عيناه كبيرتان، ولكنه فقط استطاع أن يعطيهما تعبيراً بشكل نهائي حيث بدا كمعتوه. "غوريللات", لفظ ذلك ببطء واضطر أن يبتسم بالرغم من اللصقة، هكذا دعا سيلفيو العسكريون دائماً, عندما كانوا يجتمعون في مزرعة المنتجع سوليس, قبل أن يقرر المستقبل أن يكون سيئاً ولا حتى هم غوريللات, شخّص, بالكاد هم غوريللات. إضافة إلى شمبانزيات. باختصار غوريلشمبانزيات.
 
كانوا الأربعة قد اجتمعوا: سيلفيو, مانولو, سانتياغو وهو, في الإجازة الأخيرة التي استمتعوا بها. أيضاً كانت هناك النساء, أي الزوجات. في الحقيقة ثلاثة: ماريا دل كارمن, العمة وغراثيللا, لأن رونالدو اسويرو, كان دائماً عازباً محترفاً، ولم يكن يريد أبدا خلط برامجه العرضية مع علاقات أصدقائه العاطفية المستقرة زيادة عن اللزوم. وكانت للنساء دائما القال والقيل والموضة والأبراج ووصفات الطعام, على الأقل في تلك الفترة، وربما لذلك كانوا تقريباً ينشئون دائماً معسكراً جانبياً لينظمّوا شؤون العالم، وكانوا على وشك. سيلفيو مثلاً, كان رائعاً, لكن ساذج..! لم يكن أبداً قادراً على تحقيق شيئ ايجابي, متأكد, ومع ذلك طُعِن في الظهر, وأيضاً طعنوه في ظهره لذلك هو الآن في "البوثيو", لمعلومات أكثر في مقبرة حمويه, اللذان ما زالا يملكان نقود رغم أنهما حزينان.
 
والسمينة ماريا دل كارمن, في برشلونة, بطفلين, تبيع الأواني في ساحة الرمبلة أو حيث وضعوها. مانولو كان لاذعاً, حاداً و قارصاً, ثلاث كلمات متصلة ولكن ليس تحديداً مترادفة. وإنما كانت ستاراً لخجله، والدليل أنه لم يكن يتجاوز حدوده معهم, فقد كان ينهي نقاشاته معهم بلطف وتفهم.
 
سانتياغو كان الأكول, بالتأكيد, لكنه كان بالذات شخصاً طيباً. كان يعرف في علم النبات والماركسية وجمع الطوابع والشعر، وأيضاً كان أرشيفاً حياً لتاريخ كرة القدم. وليس فقط في هدف بينديني في العظيم زامورا, أو هدفك يا هكتور! في الملحمة الاوليمبية. فقد كان هذا أصبح ذكرى فلكلورية. كان لسانتياغو بالإضافة لذلك في الذاكرة الحافلة بكل الأرقام القياسية, مباراة تلو أخرى, للمزدوج نازاسي ـ دومينغوس (كان بخيلاً حتى العظم) أو لبيروشو بيتروني, حيث في فترة, كانت كل عشر رميات, ثمانية منها خارج الهدف, بالتأكيد, لكن الاثنتان الأخريات كانتا تنفعان بمعجزة لزيادة النقاط, وأيضاً, بهدف أن يروه بأنه ليس مصيب, معتمداً على النحيف تشيافينو الذي كان عبقرياً حتى بشخصيته, وهذا هو الأصعب في العمل المركّز, والاحترام الذي ألهمه دائماً شخص يدعى اوبدوليو, الذي كان مطيعاً, علماً أنه لم يكن ضعيفاً, حتى بالنسبة للقرد غامبيتا. .
صفحة 10
"والآن يا له من سواد تحت العين." قال وقال لنفسه رولاندو أسويرو أمام المرآة الصدئة بأماكن ثلاثة: "اعتدت على الأحزان, شربت سنواتي". لقد اعتاد في الحقيقة على الأحزان, لكنه شرب شيئا آخر. وهنا السر, فكر في الصعب: لماذا من حين لآخر- لنقل مرة واحدة في الشهر-يتشبث بالشراب؟ وبالمقابل, بين عمل وآخر يبقى سكراناً تماماً وتقريباً دون أن يشرب؟ لأنه من حين لآخر يتعاطى مشروب الكلاريتي (أو روزي, كما من المعتاد أن يلقبه من يعانون من إشكاليات في الضمير), وكلاريتي هو تقريباً كوكتيل بالكثير من المنشطّات الجنسية. ربما لأن السوداوية معتمدة على الأقمار, شيئ كقانون النساء.. حسناً, ليس فقط بالنساء, أيضاً إحدى عشر ألف عذراء أما الأم فهناك واحدة, يا لها من نسبة غير متكافئة! أليس كذلك؟ فبعد كل شيئ, من الأفضل أن تكون سكيّراً معروفاً على أن تكون كحولياً مجهولاً..! من يكون هو الذي اخترع هذه الحكمة؟ فالحقيقة الجميع يتعرض للكحوليين المجهولين. أن يشرب المرء أو لا يشرب, هذا يتفق مع متطلباته الشخصية أو سخرياته أو حاجاته أو اشتياقاته أو عدم السيطرة على نفسه، وليس متفقاً مع الصرامة أو تمازج الأصالة. "يا لها من موزة (عضو) لطيفة الأصالة", يفكر رولاندو أسويرو وهو يمارس العادة السرية، ويركز انتباهه في زر البنطال الذي يعطي على نهر برافو الغني والمتدفق. "يا لها من موزة لطيفة. هناك حملة أخلاقية ضد المارتيني أو البوربون في كل فجر, لكن هناك حملة لصالح النابالم في كل فجر".
 
آه لو كان بإمكاني إلقاء اللوم على الامبريالية فيما يخص سواد العيون هذا، لكن لا. شاهد أوحد هو ضوء القنديل. ليس بحاجة لعلاج جماعي ولا فردي. اللعنة على المنفى, أليس كذلك؟ حتى أن المحلل النفسي المسكين عانى منه، هناك حيث رفض أن يعطيهم أرشيفات مرضاه المعارضين واحتد أكثر عندما طلبوا منه أرشيفات المعارضين المرضى القدامى. وبالطبع, عانى كثيراً. إن للسجن علاجه الخاص, لا يحتمل منافسين، شاهد أوحد. سيلفيو قد مات, مانولو في غوتينبرغ, سانتياغو في السجن. وماريا دل كارمن أرملة للقمع, تبيع الأواني، والعمة منفصلة عن مانولو, وهي الآن مع روحاني جاد (سأذهب مصطحباً معي السردينة استيفيز, لقد كتبت له قبل حوالي عام), فهو في لشبونة. وغراثيللا هنا, مشوّشة ولذيذة, مع بياتريس إبنة سانتياغو وتعمل كسكرتيرة، وهو؟ يا له من سواد".
 
الناس في هذا البلد المبارك والملعون هم حقا نحيفون، بالنسبة له, لا يمكن إنكار ذلك, فهو يحب هؤلاء المبتسمين, لا سيما هنّ. لكن هناك أيام وليالي حيث لا تعجبه النساء هنا كثيراً، إنها الأيام والليالي حيث يشتاق لسوء التفاهم، أيام وليالٍ حيث عليه أن يشرح كل شيئ ويستمع لكل شيئ. أحد الإمتيازات القليلة من ممارسة الحب مع بنت البلد هي أنه إذا ما في لحظة معينة (ساعة الصفر تلك التي تصدح إثر الطوارئ, النشوة والانتعاش) حيث لا يستحب المرء الكثير من الكلام، بالإمكان لفظ أو الاستماع لأمور مقتضبة، لكن كل شيئ بإمكانه أن يكون مليئاً بسوء التفاهم, لمعاني ضمنية, ضامرة, لصيغ الماضي المشتركة, من يعلم؟! ليس هنالك ما يمكن شرحه ولا أن يُشرح. ليس من الضروري البكاء على أغنية شعبية، بإمكان الأيدي أن تتحرك لوحدها دون كلمات, بإمكان الأيدي أن تصبح معبّرة، والكلمات أيضاً ولكن فقط عندما تقودها حافلة التفاهم. "أنظر اللغة التي بإمكانها أن تتسع في لغة واحدة", يقول ويقول رولاندو أسويرو, مواجهاً لصورته, ويضيف, مكرراً ومندهشاً: "يا له من سواد تحت العين".