eKtab
EN ع
رفرفة
اقرأ عينة مجانية

رفرفة

بقلم بشرى خلفان

صفحة 1
أزرق للحزن
 
زرقاء وحاقدة، هكذا كنت أفكر وأنا أقود سيارتي مخترقة قوانين السرعة والإشارات الضوئية والحزن الذي يسبقني، زرقاء وحاقدة تماما كزرقة نوافذ سيارتي العاكسة للضوء المانعة للحرارة الباردة كمكعبات السكر المذابة في قهوة راكدة ،حاقدة وباردة كنصل خنجر نازف·
 
لن أذهب إلى الطبيبة بعد اليوم، لن أنتظر في طابور لا ينتهي، لن أكشف عن بطني لتدهنه بمرهمها اللزج، ولن أرى فراغ رحمي ثانية على الشاشة·
 
قالت الطبيبة:
 
- مع الوقت والمحاولة ستكون الفرصة أكبر·
 
أجبتها
 
-هراء·
 
في المحاولة فقدنا القدرة على الحب، الحب الذي بدأ يتعلم لغته قطعنا لسانه وعلقناه من عقبيه وأفرغنا حقدنا في تفاصيله·
 
- سأبحث عن رحم يحمل ولدي·
 
- وإن ضاقت بك الأرحام·
 
- لن تضيق بي الحيلة، سأجد أرضا تستقبل مطري وتربو لي·
 
- وإن ضاقت ، وأصبح الولد أكبر من رحم يحمله·
 
- سأغرس جبهتي في صدرك، وأبكي·
 
- وإن ضاق صدري؟
 
باردة وحاقدة كغمام لا يمطر· سيتزوج من تحفظ له الاسم ، سيترك البيت ليبني لها غرفة·
 
تقول أمي:
 
- يا مجنونة، لن يرجع·
 
- فليكن·
 
- وقلبك الذي ما رق لغيره يوما·
 
- سأقسو عليه وأعلمه حيلة الصمت ·
 
- وإن ضاق بك صمتك؟
صفحة 2
- سأغرس رأسي في وسادتي·
 
- وتطلقين صرختك المعتادة، محصورة بين وجهك·
 
والوسادة ··الوسادة فقط ·
 
سيتزوج، سيبني غرفة وسيصنع للطفل سريراً، ستطرح الأرض الخضراء تفاحاً أحمرَ ورماناً·
 
يقولون،
 
زف إلى صبية بلون الحنطة، شعرها ليل من الأسرار، وعيناها سبحان الخالق بحر ظلمات لا ينتهي·
 
يقولون،
 
ثامن اخوتها،عودها قوي وحوضها باتساع المحيط·
 
يقولون،،
 
اهتزت الأرض وربت·
 
يقولون،
 
أصبح لعلي ظل ممدود، وكف ناعمة ترقد في خشونة كفه،أصبح لعلي قدم صغيرة تدب،وامتداد بعمق الزمن·
 
وأنا أتحايل على وجعي، أصغي ولا أصغي،والريح تذروني وأنا أنتظر·
 
وجاء، شرب معي فنجان القهوة،
 
- لقد اشتقت لقهوتك·
 
- والقهوة اشتاقت إليك·
 
- كعادتك··· تغلبيني بالكلام·
 
- وتغلبني أنت بالحركة·
 
- صار لي ولد·· ولد صغير يشبهني·
 
ناولني صورة الطفل، الطفل وجه أمه وأبيه، تأملت انعكاسي في المرآة، الطفل وجه أمه وأبيه، قلت في داخلي· أردت أن أقول له أنه لا وجه لي، لكني كتمت اختلاط الحزن وأكملت قهوتي·
 
-أريد أن أقضي ليلتي هنا·
صفحة 3
- وهناك؟
 
- هناك متسع للجميع·
 
- لا يوجد اتساعٌ لكل هذه الوجوه·
 
- قلبي يتسع للجميع·
 
- لكن فراشي ضيق لا يتسع لأكثر من جسد واحد·
 
- توقفي عن أذيتي·
 
- كيف أؤذيك؟ وأنا مصلوبة هنا كجذع النخلة الميتة·
 
- يؤذيني صمتك····يقولون كيد النساء، وأنت صامتة منذ رحلت، صامتة لا تتحركين خارج حيزك المعتاد، لا تسألين ولا تنتظرين إجابة·
 
- انتظرتك طويلا·
 
- بسلبية ·· سلبية مطلقة، ألا تغارين؟ ألا تحبينني؟
 
كيف يصبح الحب عذرا لإباحة الوجع، وإراقة ماء الروح التي لا تشاء الانكسار؟ كيف يصبح الحب ارتدادا للخلف، ارتدادا عقيما للخلف؟
 
- يؤلمك أن لا أحبك·
 
- يؤلمني أني لم أزل أريدك·
 
- ويؤلمني ألا أستطيع أن أتعاطف مع رغباتك·
 
- لكنك زوجتي، وفراشك جزء من حقوقي·
 
- لم أحرمك منه، لكنك اخترت فراشا آخر·
 
- خشية حزنك، هذا الأزرق البارد كالصقيع·
 
كثقب أسود كان حزني يبتلع الكلام، وكان الكلام حزناً يبتلع المعنى، وكنت أريده أن يقول، يقول كل الكلام الذي لم أقل·
صفحة 4
البريسم
 
تجلس وقد أسندت ظهرها على الجدار الأبيض، وبين أصابعها خيوط البريسم (1) تحاول فتله، تبلل أطراف أصابعها باللعاب وتحل عقد الخيوط الواهنة بتأني، يداها التي أرعشتها السنون تثبتان عند لمس خيوط الذهب، تعملان بدقة وتأني، وعندما تنتهي تعقص الخيوط في ضفائر غليظة، وتلفها في خرقة بيضاء وتودعها المندوس (2) ثم تعود الرعشة تمس أصابعها·
 
أخبرتها التي كانت تقرأ الرمل ووجوه النساء الوحيدات في الدار أنها ستدفن أهلها وكل من تحب، كانت صغيرة وكانت ضفائرها المخضبة بالياس (3) وماء الورد الجبلي تلمعان حول رأسها، ولكن الخوف الذي أورثته الكلمة سكن جفنيها وأسقط من عينيها الدموع، وعندما سألتها أمها عن بكائها أخبرتها بما قالت الزطية، فطمأنتها وقالت:
 
- الأعمار بيد الله وليس بيد زطية النحس·
 
لكن الخوف التجأ إلى عيني الأم حتى ماتت· ارتعشت يداها و هي تغمض جفني أمها، أسدلت حزنها و قالت :
 
- علّّ الزطية على حق·
 
وعندما مات أبوها في فراشه دقت صدرها وقالت،
 
- علّّ الزطية على حق·
 
ويوم دخل بها ابن عمها سال دمعها والدم ، ثم شقت وجه النهار بضحكة وصرخة ، فخرج سعيد وسيف وسليمة ،ألهوها بضحكهم حتى اطمأنت ، واطمأنت حتى نسيت ويوم أن نسيت غيب الجب سليمة، فشقت جيبها وقالت:
 
- علّّ الزطية على حق ·
صفحة 5
لكن أبا أولادها طمأنها وقال الأعمار بيد الله، وعندما لدغت الأفعى سيف ، انكبت على جرحه تمص السم ، لكن سيف هلك، فلطمت خدها وقالت :
 
- علّّ الزطية على حق·
 
سعيد الذي ختم القرآن ولازم الإمام ، مسح على جبينها وقرأ في أذنيها بضع آيات ، وقال قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فعضت على شفتيها ، ويوم سقط أبو أولادها تلهبه الحمى في فراشها سقته الدواء، وعندما نفض عنه الكرب ، ضحكت وأحلت الفرح، فأمرت سعيد بذبح الشياه وتفريق الصدقه، فجرحته السكين ومات،قالت لزوجها:
 
-الزطية على حق ، فاتركني وارحل·
 
فضمها إليه وقال:
 
- الغيب لا يعلمه إلا الله·
 
وحينما رجع من السوق ناولها قرطاسا فيه خيوط البريسم وقال،
 
- خيطي لي كمة البسها في العيد·
 
فشغلت صباحها بفتل خيوط البريسم ، وتعقيصها ، وقبل أن تبدأ بغرس نجيماتهاحمل الرجال على أعناقهم جسده وأسكنوه حيث أمها و أبيها و أطفالها·
 
أهل هلال العيد، ونجيماتها ما زالت مختبأة في صلب البريسم الذي ما فتأت تفتله·
صفحة 6
المظة
 
دخلت البنت على أبيها في ذلك المساء لتطلب منه ريالا تبرعا للمدرسة، وجدته جالسا وفي يديه فنجان قهوة مهمل فجلست عند الباب، اختلست النظر إليه لتتعرف على أحواله دون أن ترفع رأسها ،بعد مدة أحس أبوها بوجودها فدلق القهوة دفعة واحدة في جوفه، وأشار إليها بالاقتراب·
 
- خير؟
 
- أريد ريالاً، ريالاً واحدا فقط ( وأكدت على فقط بضم السبابة و الإبهام)·
 
- لماذا ، هل سيبيعونكم الكتب هذه السنة؟
 
- لا ، الكتب توفرها الحكومة ، لكن المدرسة تحتاج لمظلة·
 
- مظلة؟ وهل ستبتل المدرسة ؟ ثم أنها لا تمطر!
 
- مظلة للطابور، الشمس حارة ،وكل يوم تسقط منا واحدة أو اثنتان·
 
- لماذا لا تقوم الوزارة ببناء المظلة·
 
- تقول المديرة إن الحكومة بنت المدرسة وأعطتنا الكتب و وفرت المدرسين·
 
- ولا تستطيع إنشاء مظلة؟
 
- قالت المديرة أننا نؤدي خدمة للوطن·
 
- خدمة للوطن بريال!
صفحة 7
- خدمة سهلة ، صح يا أبي ؟ ورخيصة!
 
تمتم صح وهو يخرج محفظته من جيبه ، ويستخرج الريال الوحيد الذي كان يعول عليه لبقية الأسبوع ، أعطاها الريال دون أن ينظر في وجهها خوفا من أن تطلب ريالا آخر تبرعا للحكومة لإنشاء فصولا لمحو الأمية·
 
ابتسم وهو يراها تخرج مسرعة ، تكاد ترتطم بالباب من شدة الفرح ، لكنه تذكر محفظته الفارغة المنسية بين أصابعه ، فألقى عليها نظرة حاقدة ، ودسها في جيبه ، وهو يردد صح يا أبي
 
في المساء سمعت البنت وهي شبه نائمة صوت أبيها يأتيها من الغرفة الأخرى ، وهو يخبر والدتها عن الريال والمظلة والوطن واللصوص ، و الراتب الذي لا يكاد يكفي لحاجات البيت والأولاد الذين يكبرون بسرعة ·
 
في صباح اليوم التالي كانت تقف في آخر الطابور ، وكان العلم الذي تحييه كل صباح بعيد جدا ، لكن صوتها كان يخرج قويا وهي تردد مع المدرسة تعيش ، تعيش ، تعيش ، ثم مع المدرسة أيضا يعيش ، يعيش ، يعيش وتفكر أنَ عليها أنْ تكبر بسرعة وترفع العلم بيديها ثم تردد المدرسة خلفها تعيش سلطنة عمان حرة ·
 
تحسست الجيب الذي دست فيه الريال ، واطمأنت إلى وجوده ،حتى إذ ما بدأ الطابور في الانزلاق إلى الصفوف تحسسته ثانية ، ثم وحتى تثبته في مكانه ، دست يدها في الجيب وقبضت عليه·
 
دار درس الدين في الحصة الأولى حول الزكاة ، وحق الفقراء على الأغنياء، ثم وفي الحصة الثانية دارت حصة التربية الوطنية حول معنى الوطنية وحب الوطن والتضحية لأجله ، وفي حصة الرياضة دخلت وكيلة المدرسة لتجميع الريالات ، لكنها قبل أن تفعل ذلك ، قالت :
 
-التبرع لإنشاء مظلة ، فعل وطني ، وعليه فقد قررت المدرسة أن تمنح لكل متبرعة درجة كاملة في الرسم والتعبير، مكافأة لكُنَِ على حب الوطن·
 
و بدأت في تجميع الريالات التي امتدت بها أيدي البنات ، و عندما جاء دورها تحسست ريالها المندس بين أصابعها في جيب المريول ، ثم أخرجت يديها فارغتين وأجابت بهزة نفي من رأسها وهي تنظر مباشرة في عيني الوكيله·
صفحة 8
الآخذون
 
تغرب الأشياء، تنسحب بعيدا إلى منطقة ما بعد الظل وقبل الضوء، هنالك حيث تبدو الأشياء أكبر·· أصغر·· أو تمحّي·
 
- كم الساعة؟
 
- نسيت ساعتي في البيت·
 
- هذا دليل تمرد جديد·
 
-لأن نسيان الساعة، يعني عدم الاهتمام بالوقت، وعدم الاهتمام بالوقت يعني أنك غير منضبطة في مواعيد الحضور والانصراف، يعني غير مكترثة بقوانين الخدمة، أو بالقانون بشكل عام، مما يشي بوجود بذرة تمرد، تمرد على الوقت ، على النظام، على·
 
هاأنت ذا تقبض على ضفائري، وأنا أصعد الدرج ورأسي مائل إلى الوراء، ضفائري الهابطة حتى الأرض تكنس عتبات الشفقة بالوهم، وأنت تستثمر صبري إذ تقبض عليها بغلظة، تتسلق عقدها التي تنحل بين يديك،بغلظة أكبر تقبض على العقدة التالية حيث ضممتُ الحرير والعود وأوردة الريحان، ورأسي المنشق عن التفاته غريبة يشي بما يزيد عن الألم؛ الحب مثلا وربما الكراهية، لا أحاول الهرب فها أنت قد وصلت إلى جذر الشعر ورأسي المائل إلى الخلف مجتث من مكانه ومتدل كابتسامة هازئة·
 
الآن أنا تحت سيطرتك، تدوس علي ، بنعلك المغبرة تهرس عيني وأذني، لكن لساني يباغتك بالشتيمة، فترفس فكي لأبقى معطلة عن الكلام·
 
تستوي على الأرض، يفرحك الضوء، فتضحك وترقص، تشد ضفائري الملوية حول رسغك فتسحلني وراءك، أحس بالجلد يلتصق بالتراب لينبت في فجواته دود كثير وأنت تركض في الاتجاهات الأربع ، تحاول القبض على خيط الشمس المتداعي·
 
الجثة أنا ،وأنت تجلس معي عند شجرة، تسندني على جذعها وتمسح الدماء عن شفتي، تعيد عيني إلى مكانها وتسوي أذني، وتفتش عن الدود تحت جلدي، تهمس أنك تحبني وأنك تريدني زوجة، مدللة ومطيعة، وأنك سترجع ذاكرتي الخائنة و تحفظ لي اسمي·
 
- قولي ما تريدين ما دمت بين جدران غرفتك، لكن في الخارج احذري من الصديق قبل العدو ومن نفسك قبل···
صفحة 9
تسكب الماء على جسدي، تغسلني بالحناء، تفرك وجهي جيدا وشعري السابح تحتي يتهمك بالأذية فلا تأبه، تحشو القطن في أذني، ومكان عيني المتدلية، وفمي تحشوه جيدا بالقطن الناعم·
 
- كلنا كنا هناك يا ابنتي، وكلنا رأينا ما حدث، لكننا لم ننطق بكلمة·كانت نظراتهم تتربص بنا، تعاهدنا على الكتمان إلا أنت، هربت من الغرفة وتسلقت شجرة البيذام (4)، وقبعت بين تلافيفها حتى الفجر·
 
وعند الفجر حملت حقيبتي وأقلامي ودفتر الإنشاء وكتبت قصة لمدرسة اللغة العربية·
 
- هذا كلام به الكثير من العنف ولا يناسب رقة عودك، ربما لو تكتبين عن الطبيعة، عن أمنا النخلة مثلا ، عن إجازة الصيف، عن الكورنيش، ربما لو كتبت قصة حب بريئة·
 
أترك الأخصائية الحائرة في تفسير لون المداد الأحمر المسكوب على كراستي، وبقعه المنثورة على الأرض، وأخرج أبحث عن النخلة في أقصى الحوش، وأدفن في ترابها وجهي·
 
تقول أمي وهي تمشط لي شعري:
 
- عندما تكبرين وتزهر حقول الثمار في جسدك ستحملقين لساعات في انعكاس ماء البحر و ستبحثين عن رفيق يساعدك في جني الثمار ويحفظ روحك من الضياع·
 
- وهل سيمشط لي شعري كما تفعلين؟
 
- نعم·
 
- وهل سيسكب العود والمسك في مفارقي؟
 
- نعم، وسيحني قدميك الصغيرتين كأوراق اللوز·
 
- وهل ستنبت لي الأجنحة؟
 
- الأجنحة لا تنبت للبنات!
 
و أنا أحس بالزغب ينبت أعلى كتفي، فأسقيه زيت اللوز، وأرعاه حتى يكبر، ويفرد نفسه على ذراعي، ويصير ريشا أبيضا لامعا وقوي، امسده حتى يكتمل ، وأقذف نفسي من الكوة الضيقة أعلى الدار وأطير·
 
- احذري ألف مرة وأنت تدسين الكلمات في الثغور، اضبطي الوقت وفجريها عن بعد، لا تعطيهم دليلا ضدك، احرقي ريشك إن لزم الأمر·
 
- إن لم تتوقفي عن الكلام سيحرقون وجهك بماء النار، ويقطعونك إلى مكعبات صغيرة قد تصلح لأسياخ الشواء، وذلك لن يتم إلا بعد أن تنجبي لهم الكثير من اللقطاء·
 
تشعل النار بحفنة من أوراق الشجر اليابس وقطعتين من الحجر البركاني الأبيض، تبخرني بالخشب المتكسر، تحكم الغطاء حول رأسي، تمحو خيط الدم حول شفتي، ولا تكف عن دغدغتي وأنت تمر بيديك تحت جناحي، فتزهر ضحكة مفرطة في الفرح تسابق رئتي، لكنها لا تخرج، وعيني الناضحة بالهدوء تسألك عن الوقت فلا تجيب، هنا يبدو التراب تحتي أكثر دفئاً وأتذكر أني ميتة·