صفحة 1
(1)
كان الجو ملبداً بالغيوم والشمس تختفي خلفها وأشعتها تحاول جاهدةً اختراقها وزخّات المطر تغسل الطرقات وتطهّر الأرض وتجبرني على ارتداء معطفي الطويل.
استقللت مركبتي لأتناول قهوة الصباح في مناخ ندر أن يكون في مدينتي. نزلت من المركبة متفادياً تلك القطرات، خشية أن تصيب رأسي، بيدي لأدخل إلى مقهى لا يعيرني أي اهتمام كيفما وجهت نظري لخلوه من النساء في تلك الساعة الباكرة.
طلبت من النادل قهوتي، وبدأت أستمتع بالنظر من النافذة المبللة التي كانت تعبّر بابتسامة صغيرة عما يقوم به الناس تفادياً للمطر. ثم التفت نحو المبنى المقابل للمقهى حيث كانت الأمهات يجمعن ملابسهن عن الشرفات قبل أن تتبلل من جديد، بينما أطفالهن يمدون أيديهم متمنين أن يلتقطوا قطرات المطر ثم يتذوقوها - كما كنت أفعل في طفولتي -.
وصلت قهوتي والبخار يتصاعد منها. رحت أستمدّ الدفء منها قبل أن ألمسها، وبجواري رجلان كانت قهقهات مزاحهما تصل إلى أذنيّ. دفعتني عادتي السيئة في استراق السمع إلى الإنصات إلى حديثهما الشخصي حيث كانا يستعيدان حلاوة طفولتهما البائسة، وماذا كانا يفعلان في مثل هذا الطقس. إذ كانا يوقدان نيراناً في أزقة الفقر بحثاً عن الدفء وعن إشباع غريزة في تقليد عمال البناء، وكيف كانا يسرقان أعواد الثقاب من منزليهما ثم يجمعان ما استطاعا من قمامة الأوراق مبتهجين بإشعال النار بها وهما حولها. وتزداد حماستهما وثقتهما بأنهما أصبحا رجلين عندما تتصاعد ألسنة اللهب، ثم تتعالى ضحكاتهما بعد أن يرتجف قلباهما نتيجة فشلهما في إطفاء النار. كما راحا يتذكران كيف كانا يدخلان محلّ الحلوى أحدهما يلهي صاحب المحل والآخر يفرّ بما سرقه، أما صاحب المحل الذي يتراقص بطنه أمامه وهو يعدو خلفهما، فيثير الضحك ممن يمسك به منهما، ويستقبلانه بوابل من السخرية بعد أن يرجع خائباً.
وددت أن أشاركهما في مغامراتي مسترجعاً بطولات وأياماً بريئة رحلت من أعمارنا لنعيش سنوات طغى عليها الضجر والكدّ والتعب بلا متعة. كما رحلت أم كلثوم وأغانيها الرائعة وغمرت فضاءنا ألحان تتراقص بلا لون ولا طعم.
خرج صديقاي سريعاً بعد أن تركا حسابهما على الطاولة. أتى النادل لتنظيف المكان وأخذ ثمن الفاتورة وراح يكيل لهما السباب لأنهما لم يتركا له "بقشيشاً". تابعت حركات النادل وهو ينظف طاولة أخرى وقد ملأت محياه ابتسامة مما ترك له زبون آخر.
رجعت إلى نافذتي، أنظر منها وابتسامتي تداعب مبسمي وأنا أردد في قرارة نفسي: "أأشتم كل يوم لأني لا أترك بقشيشاً؟".
ثم قطعت على نفسي عهداً ستنكثه محفظة نقودي يوماً ألاّ أترك بقشيشاً ما دمت حياً.
خرجت من المقهى وقد تركت قيثارة طفولتي على المنضدة.
وجدت الرجلين وقد تعطلت مركبتهما. أحدهما ينفث الدخان من فمه وهو يركل بقدمه إطار المركبة. أشفقت عليهما لوقوفهما تحت المطر، وأبديت استعداداً لتقديم خدمة لهما من نافذة مركبتي - وكأن لعنة النادل أصابتهما -. كان تدفق الأمطار سريعاً لم يدع لهما خياراً غير الركوب معي، فأوصلتهما إلى حيث يشاءان. عرفت بنفسي وبعملي - هكذا جرت العادة - ثم تكلم يوسف، بطل قصتنا، وفعل مثلما فعلت. تفرست في ملامحه إنه يشارف غروب العشرينات من عمره، خفيف العارضين وربما، هكذا خُيِّل إليّ، كان ذلك مجلبة لإعجاب النساء. لقد كنت أطول منه وأضعف جسماً. أما صاحبه فكان يجلس في الخلف وهو يجفّف وجهه وشعره ونظارتيه من قطرات المطر، وقد نسيت اسمه بمرور الزمن حتى ملامحه لم أعد أستطيع رسمها على لوحة ذاكرتي.
تمتمت شفاههما بالدعاء والشكر لي، فبادلتهما ذلك بابتسامة على وجهي.
تردّدت مراراً إلى المقهى عسى أن أجدهما ثانية، لكنني لم أصادف أحداً.
كان الجو ملبداً بالغيوم والشمس تختفي خلفها وأشعتها تحاول جاهدةً اختراقها وزخّات المطر تغسل الطرقات وتطهّر الأرض وتجبرني على ارتداء معطفي الطويل.
استقللت مركبتي لأتناول قهوة الصباح في مناخ ندر أن يكون في مدينتي. نزلت من المركبة متفادياً تلك القطرات، خشية أن تصيب رأسي، بيدي لأدخل إلى مقهى لا يعيرني أي اهتمام كيفما وجهت نظري لخلوه من النساء في تلك الساعة الباكرة.
طلبت من النادل قهوتي، وبدأت أستمتع بالنظر من النافذة المبللة التي كانت تعبّر بابتسامة صغيرة عما يقوم به الناس تفادياً للمطر. ثم التفت نحو المبنى المقابل للمقهى حيث كانت الأمهات يجمعن ملابسهن عن الشرفات قبل أن تتبلل من جديد، بينما أطفالهن يمدون أيديهم متمنين أن يلتقطوا قطرات المطر ثم يتذوقوها - كما كنت أفعل في طفولتي -.
وصلت قهوتي والبخار يتصاعد منها. رحت أستمدّ الدفء منها قبل أن ألمسها، وبجواري رجلان كانت قهقهات مزاحهما تصل إلى أذنيّ. دفعتني عادتي السيئة في استراق السمع إلى الإنصات إلى حديثهما الشخصي حيث كانا يستعيدان حلاوة طفولتهما البائسة، وماذا كانا يفعلان في مثل هذا الطقس. إذ كانا يوقدان نيراناً في أزقة الفقر بحثاً عن الدفء وعن إشباع غريزة في تقليد عمال البناء، وكيف كانا يسرقان أعواد الثقاب من منزليهما ثم يجمعان ما استطاعا من قمامة الأوراق مبتهجين بإشعال النار بها وهما حولها. وتزداد حماستهما وثقتهما بأنهما أصبحا رجلين عندما تتصاعد ألسنة اللهب، ثم تتعالى ضحكاتهما بعد أن يرتجف قلباهما نتيجة فشلهما في إطفاء النار. كما راحا يتذكران كيف كانا يدخلان محلّ الحلوى أحدهما يلهي صاحب المحل والآخر يفرّ بما سرقه، أما صاحب المحل الذي يتراقص بطنه أمامه وهو يعدو خلفهما، فيثير الضحك ممن يمسك به منهما، ويستقبلانه بوابل من السخرية بعد أن يرجع خائباً.
وددت أن أشاركهما في مغامراتي مسترجعاً بطولات وأياماً بريئة رحلت من أعمارنا لنعيش سنوات طغى عليها الضجر والكدّ والتعب بلا متعة. كما رحلت أم كلثوم وأغانيها الرائعة وغمرت فضاءنا ألحان تتراقص بلا لون ولا طعم.
خرج صديقاي سريعاً بعد أن تركا حسابهما على الطاولة. أتى النادل لتنظيف المكان وأخذ ثمن الفاتورة وراح يكيل لهما السباب لأنهما لم يتركا له "بقشيشاً". تابعت حركات النادل وهو ينظف طاولة أخرى وقد ملأت محياه ابتسامة مما ترك له زبون آخر.
رجعت إلى نافذتي، أنظر منها وابتسامتي تداعب مبسمي وأنا أردد في قرارة نفسي: "أأشتم كل يوم لأني لا أترك بقشيشاً؟".
ثم قطعت على نفسي عهداً ستنكثه محفظة نقودي يوماً ألاّ أترك بقشيشاً ما دمت حياً.
خرجت من المقهى وقد تركت قيثارة طفولتي على المنضدة.
وجدت الرجلين وقد تعطلت مركبتهما. أحدهما ينفث الدخان من فمه وهو يركل بقدمه إطار المركبة. أشفقت عليهما لوقوفهما تحت المطر، وأبديت استعداداً لتقديم خدمة لهما من نافذة مركبتي - وكأن لعنة النادل أصابتهما -. كان تدفق الأمطار سريعاً لم يدع لهما خياراً غير الركوب معي، فأوصلتهما إلى حيث يشاءان. عرفت بنفسي وبعملي - هكذا جرت العادة - ثم تكلم يوسف، بطل قصتنا، وفعل مثلما فعلت. تفرست في ملامحه إنه يشارف غروب العشرينات من عمره، خفيف العارضين وربما، هكذا خُيِّل إليّ، كان ذلك مجلبة لإعجاب النساء. لقد كنت أطول منه وأضعف جسماً. أما صاحبه فكان يجلس في الخلف وهو يجفّف وجهه وشعره ونظارتيه من قطرات المطر، وقد نسيت اسمه بمرور الزمن حتى ملامحه لم أعد أستطيع رسمها على لوحة ذاكرتي.
تمتمت شفاههما بالدعاء والشكر لي، فبادلتهما ذلك بابتسامة على وجهي.
تردّدت مراراً إلى المقهى عسى أن أجدهما ثانية، لكنني لم أصادف أحداً.
صفحة 2
(2)
بعد أسبوعين من لقائي الأول يوسف، كنت على متن طائرة مسافرة إلى مدينة الأعمال. كانت تلك سفرتي الأولى إلى هناك أتوق إلى رؤية ما سمعت عنها، وكعادتي كنت أجلس في مقعد الطوارئ لأضم ساقيّ الطويلتين.
وضعت حقيبتي في مكانها المخصّص واستقرّت حركتي وأخذت أنظر من النافذة قبل الإقلاع أفكر في شيء لم أعد أذكره.
تنبهت إلى شخص يمد يده ويصافحني وإذا به يوسف. تعانقنا وكأنني أعرفه منذ أمد طويل؛ قطع حديثنا سماع أرجوزة السلامة وترتيبات الإقلاع، ثم بدأ يسألني عن أحوال الزمان معي، وكأننا صديقان منذ زمن بعيد.
بدا لي أنه مسافر لقضاء عمل ما هناك وسألته إن كان كذلك، فكان رده أنه مسافر للاستجمام وتغيير أجواء العمل ولن يُطيل البقاء هناك. قطعت حديثنا ابتسامة مضيفة الطيران وهي تضع أمامنا وجبة الطعام.
اتفقنا أن ننزل في مكان يعرفه وأننا سنستجمّ معاً خارج ميقات عملي. كنت سعيداً لذلك لحاجتي إلى صديق في مكان لا أعرفه. كانت شخصيته مقبولة لديّ، يتمتع بالبساطة التي تمكّنه من التعامل بلطف مع الناس، فشعرت كأنني أعرفه وبدا مألوفاً جداً بالنسبة إليّ.
حطت طائرتنا في المطار، وكدت أضيع يوسف من شدة الزحام، ركبنا سيارة الأجرة، كانت عيناي تجولان في كل مكان وأنا أراقب المدينة الجميلة وشوارعها المكتظة بالأشجار والباعة الجوالين الذين زاد عددهم عندما أصبحنا وسط المدينة والعمائر المرتفعة التي لا تُعدّ ولا تحصى. سألت يوسف وقد حبسنا الزحام:
- هل الفندق قريب من هنا؟
ردّ وكأنه يُسكتني:
- سنصل قريباً.
وصلنا إلى الفندق ودخلنا جناحاً ذا غرفتين اقتسمناهما لنمتلك حريتنا، أعجبتني غرفتي، دخلت الحمّام لإزالة عناء السفر وكذلك فعل يوسف.
اقترح يوسف أن نذهب في نزهة إلى مكان يعجبه، نأكل هناك ونستمتع بالسينما مع الفشار الأبيض.
تقابلنا حول طاولة الغداء نتناول طبقاً تشتهر به تلك المدينة. حدثته عن أول لقاء بيننا إذ كنت أسترق السمع بينما كان هو وصديقه يتحدثان عن طفولتهما وعن لحظات لن تستعاد أبداً. وكدت حينئذ أقتحم طفولتكما وأسمعكما لحن طفولتي.
ضحك يوسف حتى كاد يغصّ بالطعام ثم قال:
- الحمد لله أنها لن تعاد أبداً.
امتلأت فضولاً وكدت أن أسأله عن السبب، لكنني لم أجرؤ على ذلك لأن موعد بداية الفيلم قد حان. أسررتها بنفسي. انتهى يومنا واستلقيت باستمتاع على سرير لا أملكه لأصحو على صباح يعدني بالأمل والسعادة.
بعد أسبوعين من لقائي الأول يوسف، كنت على متن طائرة مسافرة إلى مدينة الأعمال. كانت تلك سفرتي الأولى إلى هناك أتوق إلى رؤية ما سمعت عنها، وكعادتي كنت أجلس في مقعد الطوارئ لأضم ساقيّ الطويلتين.
وضعت حقيبتي في مكانها المخصّص واستقرّت حركتي وأخذت أنظر من النافذة قبل الإقلاع أفكر في شيء لم أعد أذكره.
تنبهت إلى شخص يمد يده ويصافحني وإذا به يوسف. تعانقنا وكأنني أعرفه منذ أمد طويل؛ قطع حديثنا سماع أرجوزة السلامة وترتيبات الإقلاع، ثم بدأ يسألني عن أحوال الزمان معي، وكأننا صديقان منذ زمن بعيد.
بدا لي أنه مسافر لقضاء عمل ما هناك وسألته إن كان كذلك، فكان رده أنه مسافر للاستجمام وتغيير أجواء العمل ولن يُطيل البقاء هناك. قطعت حديثنا ابتسامة مضيفة الطيران وهي تضع أمامنا وجبة الطعام.
اتفقنا أن ننزل في مكان يعرفه وأننا سنستجمّ معاً خارج ميقات عملي. كنت سعيداً لذلك لحاجتي إلى صديق في مكان لا أعرفه. كانت شخصيته مقبولة لديّ، يتمتع بالبساطة التي تمكّنه من التعامل بلطف مع الناس، فشعرت كأنني أعرفه وبدا مألوفاً جداً بالنسبة إليّ.
حطت طائرتنا في المطار، وكدت أضيع يوسف من شدة الزحام، ركبنا سيارة الأجرة، كانت عيناي تجولان في كل مكان وأنا أراقب المدينة الجميلة وشوارعها المكتظة بالأشجار والباعة الجوالين الذين زاد عددهم عندما أصبحنا وسط المدينة والعمائر المرتفعة التي لا تُعدّ ولا تحصى. سألت يوسف وقد حبسنا الزحام:
- هل الفندق قريب من هنا؟
ردّ وكأنه يُسكتني:
- سنصل قريباً.
وصلنا إلى الفندق ودخلنا جناحاً ذا غرفتين اقتسمناهما لنمتلك حريتنا، أعجبتني غرفتي، دخلت الحمّام لإزالة عناء السفر وكذلك فعل يوسف.
اقترح يوسف أن نذهب في نزهة إلى مكان يعجبه، نأكل هناك ونستمتع بالسينما مع الفشار الأبيض.
تقابلنا حول طاولة الغداء نتناول طبقاً تشتهر به تلك المدينة. حدثته عن أول لقاء بيننا إذ كنت أسترق السمع بينما كان هو وصديقه يتحدثان عن طفولتهما وعن لحظات لن تستعاد أبداً. وكدت حينئذ أقتحم طفولتكما وأسمعكما لحن طفولتي.
ضحك يوسف حتى كاد يغصّ بالطعام ثم قال:
- الحمد لله أنها لن تعاد أبداً.
امتلأت فضولاً وكدت أن أسأله عن السبب، لكنني لم أجرؤ على ذلك لأن موعد بداية الفيلم قد حان. أسررتها بنفسي. انتهى يومنا واستلقيت باستمتاع على سرير لا أملكه لأصحو على صباح يعدني بالأمل والسعادة.
صفحة 3
(3)
انتهيتُ من عملي قرابة المساء، ثم عدت إلى الفندق فوجدت يوسف يتحدث إلى إحدى الفتيات في لوبي الفندق وهما يتبادلان الابتسامات وربما المواعيد. قطعت حديثهما ورحّب يوسف بي، لم تُطل تلك الفتاة الجلوس استأذنت وانصرفت.
اقترح يوسف أن نقصد مقهى شعبياً يمتدحه الناس، راقتني الفكرة فبدلت ملابسي ونزلتُ على عجل.
كان مكاناً جميلاً بسيطاً يعجّ بالناس من أرفع المقامات إلى ماسح الأحذية، والأصوات مرتفعة ومتداخلة - لا أعرف كيف يميزها النُّدُل - ألفت المكان واخترنا من القائمة صنفاً ذا لون وطعم في مكان أبيض وأسود كالأفلام القديمة، لكن المشكلة كانت تكمن في ساقيّ أين أواريهما تحت الطاولة حيث لا يتسع المكان وهما واحدة تخرج من هنا وأخرى من هناك، فيرتطم بهما الرائح والقادم مع تقديم الاعتذار ويوسف يتمايل ضحكاً على مأساتي.
سألني يوسف بامتهان:
- هل كنت طويلاً منذ الصغر؟
كان جوابي ما رددته مراراً:
- منذ طفولتي وأنا ألقب بـ "الطويل" بدءاً من بيتنا ومروراً بشارعنا وانتهاءً بالمدرسة، حتى أنّ صديقات أمي لم يكنّ يقبلنني خوفاً أن أكون قد تجاوزت سنّ التقبيل.
مازحته إبان قهقهاته وضجيج المكان:
- أكنت أنت طويلاً أم قصيراً أم أنك لم تعد تذكر ذلك؟ تلك الطفولة لا يذكرها إلا من عانى مرارتها.
اختفت ابتسامته وشحبت ملامحه ونظر إليّ نظرة لم ألمسها في عين قط، ثم أراح قدمه التي كانت تعلو الأخرى:
- أنا، يا صديقي الجديد، نشأت في قرية صغيرة لأبوين لا يحملان شيئاً إلا الجهل لا يستطيعان قراءةً أو كتابة، جلّ همهما أن يأكلا ويشربا ويناما ليلاً ليصحوَا في اليوم التالي، ثم ليعاودا ما فعلاه بالأمس.
ثم تابع قائلاً بنبرة شجن:
- حُرمت من كل رعاية صحية غير ما سمعته أمي من أمها وما توارثته الأجيال، وحين كانت تعجز أمي عن الحلول كانت تذهب بي إلى عجوز شمطاء مثلما فعلت وأنا طفل عندما حلّ ألم في بطني، فاستعانت تلك الشمطاء بالخرافة على ألمي وعالجتني بلسعة من نار كي أشفى، فزال ألم بطني لأصبح مشلولاً - هذا ما قالته لي أمي.
ابتسم وتابع:
- بقيت مشلولاً حتى بلغتُ السنة السادسة وأنا لا أتحرك إلا حبواً. كان جارنا ميسوراً مشفقاً عليّ، فاقترح على أبي أن يُدخلني المستشفى لإجراء عملية لي تكون نفقتها ديناً على أبي يستردّه كأقساط شهرية، لكن أبي رفض بشدة وبدأ يضرب أمي لأنها السبب في إنجابي وكأنه لم يكن هو هناك تلك الليلة!
تدخّل أهل القرية ليخرجوا حكماً يستطيعون من خلاله مساعدتي، واتفقوا أن أعمل خادماً لدى جارنا في مزرعته إذا استطعت المشي على أن يكون كفيلاً لي، فوافق مكرهاً بضغط من أهل القرية.
يا لحقارة أبي!
سافرت بعد ذلك إلى المدينة وقد تكللت العملية بالنجاح واستطعت أن أقف على قدميّ ثم أمشي. هذا ما رواه لي أمي وأهل القرية، لكنني لم أعد أتذكر قط كل تلك اللحظات بعد أن صقل الألم ذاكرتي.
كل ما أذكره أنني كنت أذهب إلى المزرعة فجراً لجمع الخضار، وأنني كنت أخاف الكلب الكبير الذي يحرسها، فأمسك الحجر بيدي والعرق يتصبب منها خشية أن يهاجمني الكلب ثم أنفجر باكياً عند سماع نباحه الذي لم أعرف أنه لحن الشفقة إلا بعدما كبرت. كما أتذكر كيف كنت أكفكف أدمعي وأرمي الحجر من يدي إذا اقترب صاحب المزرعة كي أبدو أمامه أنني لا أخاف أبداً.
تعلّمت قطف الخضار منذ صغري بدلاً من قطف الزهور، وتعلّمت كيف أوضّبها في صناديق مخصّصة وأحمل ما أستطيع منها إلى المركبة، وأجلس معها في الهواء الطلق الذي استمد نضارة وجه طفولتي وبراءته إلى السوق. وأسرع بعد ذلك إلى المدرسة متأخراً كل يوم، وهناك يبدأ مسلسل التعنيف من المدير أولاً، ثم المرشد وأخيراً مدرس الفصل ريثما ينتهي يوم شاق من الدراسة للعودة إلى السوق ثانية. وفي المساء أعود إلى بيت تغمره الكآبة فأدخل على أمي التي تحتضنني وتقبلني باكية من تصرفات أبي معها وأسدّ رمق جوعي بدموعها ودمائها التي سقطت منها من جراء الضرب.
قطع حديثنا وصول الطلب إلى طاولتنا بعد أن نسيت أنني ما زلت في المقهى.
كان متميزاً في إعداد الشاي والقهوة إذ يضيف إليهما نكهته الخاصة التي يزعم أنها من اكتشافاته، مثلما يضيف إليهما يوسف نكهة المرارة من ماضٍ ولّى وخلَّف وراءه ذكريات لا تنسى.
تابع يوسف:
- طُردت من المدرسة لتأخري كثيراً في الصباح وأُبلغت بأن لا رغبة بعدُ في استمراري.
هنا أحسست أنني سأخسر أصدقائي جميعهم وكل ما تعلمته وأهمّ شيء أنني سأخسر مكاناً ألعب فيه كرة القدم.
أخبرت أبي وصاحب المزرعة، لم يعيراني اهتماماً، فحاولت جاهداً إقناعهما والدموع تنهمر مني ولكنني لم أستطع.
قصدت المدير وأستاذي وحكيت لهما قصتي كما استجديتُ كل المدرسة. كنت أنظر إلى ملعب المدرسة فتزداد دموعي انهماراً وكأنني أودّع أجمل شيء في حياتي، حتى رقّت أخيراً قلوبهم لي واستجيبت دعواتي بعد استحداث جدول في فصل الشتاء يسمح لي بالتأخر قليلاً دون أن يضيع كثير من الدروس عليّ في الموادّ الأساسية.
انتهت مرحلتي الابتدائية بأعجوبة، وتُوفّي بعدها أبي تاركاً إياي وحيداً أتجرّع ألم الحياة وأتقيأه.
رحت أنظر إلى يوسف وهو يذوب كالشمع في النار، ثم أمسك كوب الشاي بكلتا يديه محدّقاً إليّ من خلالهما، وبعد أن رشف رشفة منه ترك الطاولة ورحل عن المكان وعيناي تراقبانه. ساقته قدماه إلى حيث لا أعلم وكأنه لم يأبه لوجودي، بينما ما زال المكان يضجّ بالأصوات التي لا أميزها، لكن قرع الأكواب في أيدي النُّدُل كان يخبرني بموعد الرحيل.
رجعت إلى الفندق وتمدّدت على أريكتي وعيناي متسمرتان في السقف. وكل ما أذكره من عيني يوسف ذانك الحقد والكره اللذان أشعراني بأني أحمل كرهاً في داخلي لا آبه له وكأنه أصبح طبعاً لا أتذمر منه.
نسيت متعة الشاي وشدّة الضجيج وبساطة المقهى.
انتهيتُ من عملي قرابة المساء، ثم عدت إلى الفندق فوجدت يوسف يتحدث إلى إحدى الفتيات في لوبي الفندق وهما يتبادلان الابتسامات وربما المواعيد. قطعت حديثهما ورحّب يوسف بي، لم تُطل تلك الفتاة الجلوس استأذنت وانصرفت.
اقترح يوسف أن نقصد مقهى شعبياً يمتدحه الناس، راقتني الفكرة فبدلت ملابسي ونزلتُ على عجل.
كان مكاناً جميلاً بسيطاً يعجّ بالناس من أرفع المقامات إلى ماسح الأحذية، والأصوات مرتفعة ومتداخلة - لا أعرف كيف يميزها النُّدُل - ألفت المكان واخترنا من القائمة صنفاً ذا لون وطعم في مكان أبيض وأسود كالأفلام القديمة، لكن المشكلة كانت تكمن في ساقيّ أين أواريهما تحت الطاولة حيث لا يتسع المكان وهما واحدة تخرج من هنا وأخرى من هناك، فيرتطم بهما الرائح والقادم مع تقديم الاعتذار ويوسف يتمايل ضحكاً على مأساتي.
سألني يوسف بامتهان:
- هل كنت طويلاً منذ الصغر؟
كان جوابي ما رددته مراراً:
- منذ طفولتي وأنا ألقب بـ "الطويل" بدءاً من بيتنا ومروراً بشارعنا وانتهاءً بالمدرسة، حتى أنّ صديقات أمي لم يكنّ يقبلنني خوفاً أن أكون قد تجاوزت سنّ التقبيل.
مازحته إبان قهقهاته وضجيج المكان:
- أكنت أنت طويلاً أم قصيراً أم أنك لم تعد تذكر ذلك؟ تلك الطفولة لا يذكرها إلا من عانى مرارتها.
اختفت ابتسامته وشحبت ملامحه ونظر إليّ نظرة لم ألمسها في عين قط، ثم أراح قدمه التي كانت تعلو الأخرى:
- أنا، يا صديقي الجديد، نشأت في قرية صغيرة لأبوين لا يحملان شيئاً إلا الجهل لا يستطيعان قراءةً أو كتابة، جلّ همهما أن يأكلا ويشربا ويناما ليلاً ليصحوَا في اليوم التالي، ثم ليعاودا ما فعلاه بالأمس.
ثم تابع قائلاً بنبرة شجن:
- حُرمت من كل رعاية صحية غير ما سمعته أمي من أمها وما توارثته الأجيال، وحين كانت تعجز أمي عن الحلول كانت تذهب بي إلى عجوز شمطاء مثلما فعلت وأنا طفل عندما حلّ ألم في بطني، فاستعانت تلك الشمطاء بالخرافة على ألمي وعالجتني بلسعة من نار كي أشفى، فزال ألم بطني لأصبح مشلولاً - هذا ما قالته لي أمي.
ابتسم وتابع:
- بقيت مشلولاً حتى بلغتُ السنة السادسة وأنا لا أتحرك إلا حبواً. كان جارنا ميسوراً مشفقاً عليّ، فاقترح على أبي أن يُدخلني المستشفى لإجراء عملية لي تكون نفقتها ديناً على أبي يستردّه كأقساط شهرية، لكن أبي رفض بشدة وبدأ يضرب أمي لأنها السبب في إنجابي وكأنه لم يكن هو هناك تلك الليلة!
تدخّل أهل القرية ليخرجوا حكماً يستطيعون من خلاله مساعدتي، واتفقوا أن أعمل خادماً لدى جارنا في مزرعته إذا استطعت المشي على أن يكون كفيلاً لي، فوافق مكرهاً بضغط من أهل القرية.
يا لحقارة أبي!
سافرت بعد ذلك إلى المدينة وقد تكللت العملية بالنجاح واستطعت أن أقف على قدميّ ثم أمشي. هذا ما رواه لي أمي وأهل القرية، لكنني لم أعد أتذكر قط كل تلك اللحظات بعد أن صقل الألم ذاكرتي.
كل ما أذكره أنني كنت أذهب إلى المزرعة فجراً لجمع الخضار، وأنني كنت أخاف الكلب الكبير الذي يحرسها، فأمسك الحجر بيدي والعرق يتصبب منها خشية أن يهاجمني الكلب ثم أنفجر باكياً عند سماع نباحه الذي لم أعرف أنه لحن الشفقة إلا بعدما كبرت. كما أتذكر كيف كنت أكفكف أدمعي وأرمي الحجر من يدي إذا اقترب صاحب المزرعة كي أبدو أمامه أنني لا أخاف أبداً.
تعلّمت قطف الخضار منذ صغري بدلاً من قطف الزهور، وتعلّمت كيف أوضّبها في صناديق مخصّصة وأحمل ما أستطيع منها إلى المركبة، وأجلس معها في الهواء الطلق الذي استمد نضارة وجه طفولتي وبراءته إلى السوق. وأسرع بعد ذلك إلى المدرسة متأخراً كل يوم، وهناك يبدأ مسلسل التعنيف من المدير أولاً، ثم المرشد وأخيراً مدرس الفصل ريثما ينتهي يوم شاق من الدراسة للعودة إلى السوق ثانية. وفي المساء أعود إلى بيت تغمره الكآبة فأدخل على أمي التي تحتضنني وتقبلني باكية من تصرفات أبي معها وأسدّ رمق جوعي بدموعها ودمائها التي سقطت منها من جراء الضرب.
قطع حديثنا وصول الطلب إلى طاولتنا بعد أن نسيت أنني ما زلت في المقهى.
كان متميزاً في إعداد الشاي والقهوة إذ يضيف إليهما نكهته الخاصة التي يزعم أنها من اكتشافاته، مثلما يضيف إليهما يوسف نكهة المرارة من ماضٍ ولّى وخلَّف وراءه ذكريات لا تنسى.
تابع يوسف:
- طُردت من المدرسة لتأخري كثيراً في الصباح وأُبلغت بأن لا رغبة بعدُ في استمراري.
هنا أحسست أنني سأخسر أصدقائي جميعهم وكل ما تعلمته وأهمّ شيء أنني سأخسر مكاناً ألعب فيه كرة القدم.
أخبرت أبي وصاحب المزرعة، لم يعيراني اهتماماً، فحاولت جاهداً إقناعهما والدموع تنهمر مني ولكنني لم أستطع.
قصدت المدير وأستاذي وحكيت لهما قصتي كما استجديتُ كل المدرسة. كنت أنظر إلى ملعب المدرسة فتزداد دموعي انهماراً وكأنني أودّع أجمل شيء في حياتي، حتى رقّت أخيراً قلوبهم لي واستجيبت دعواتي بعد استحداث جدول في فصل الشتاء يسمح لي بالتأخر قليلاً دون أن يضيع كثير من الدروس عليّ في الموادّ الأساسية.
انتهت مرحلتي الابتدائية بأعجوبة، وتُوفّي بعدها أبي تاركاً إياي وحيداً أتجرّع ألم الحياة وأتقيأه.
رحت أنظر إلى يوسف وهو يذوب كالشمع في النار، ثم أمسك كوب الشاي بكلتا يديه محدّقاً إليّ من خلالهما، وبعد أن رشف رشفة منه ترك الطاولة ورحل عن المكان وعيناي تراقبانه. ساقته قدماه إلى حيث لا أعلم وكأنه لم يأبه لوجودي، بينما ما زال المكان يضجّ بالأصوات التي لا أميزها، لكن قرع الأكواب في أيدي النُّدُل كان يخبرني بموعد الرحيل.
رجعت إلى الفندق وتمدّدت على أريكتي وعيناي متسمرتان في السقف. وكل ما أذكره من عيني يوسف ذانك الحقد والكره اللذان أشعراني بأني أحمل كرهاً في داخلي لا آبه له وكأنه أصبح طبعاً لا أتذمر منه.
نسيت متعة الشاي وشدّة الضجيج وبساطة المقهى.
صفحة 4
(4)
سارت الأيام سريعةً بيني وبين يوسف وغطت سماءنا الإلفة واللهو إلى منتصف الليالي.
تمنّيت أن يعتذر عن تركه لي ذلك اليوم، لكنه لم يفعل. وخاب ظني به كما خاب ظني بزمان أعيش فيه.
انتهت إجازة يوسف وبدأ يرتب شقته للرجوع إلى مدينة الزحام، واقترح أن نذهب لاحتساء كأس صباحية قبل سفره. وافقت على مرافقته ساعة واحدة كي ألحق بعدها بموعد يرتبط بعملي، وترافقنا إلى مكان قريب من فندقنا والتففنا حول الطاولة نتحدث عن سحر هذه المدينة الرائعة. لم يكن في المكان أحد غيرنا. خطرت لي فكرة أن أوهمه بأن هاتفي يرن وأنني أكلّم والدي الذي اتصل مطمئناً إلى سلامتي.
وصلت كأس يوسف ملأى ثلجاً، ويغطي قاعها بعض من لون زاهٍ كدت أشعر بمرارته من خلال تعابير قسمات وجهه حينما كان يرتشف منه غاصاً بقهقهة تنمّ عن اللامبالاة:
- أما زال والدك يطمئن إليك، ألست كبيراً بما يكفي؟
ابتسمت مصطنعاً جواباً:
- يسأل عندما يحتاج إليّ؟
أتبعته بسؤال كان لُبّ مسرحيتي:
- أحزنتني قصتك وكنت أفكر ماذا عليك أن تفعل أنت وأخوك وأمك من بعده؟
انتهى من كأسه التي بين يديه وطلب أخرى. تنهد تنهيدةً ممزوجة بمرارة السنين وكأنها ما زالت جرحاً لم يلتئم يؤرّق حياته بين الفينة والأخرى.
التفت إليّ:
- عشنا أنا وإخوتي كحيوانات ضالة تلتفت حولها دوماً من الخوف، ويرعاها الطريق ويلملمها جناح الظلام ثم ينشرها نور الشمس بحثاً عن قوت تصمد به أمام الجوع والموت. يسودنا التلاحم خوفاً من برق الفرقة، ويفرقنا اقتسام الخبز على يد أمي ليحصل كل منا على أكبر قدر. كانت تقودنا النجوم في عالم التيه، وتغري مسامعنا آهات الصدى علّه النجاة؛ تتشقّق أقدامنا سيراً خلف السراب باحثين عن أمل مفقود لا نعرفه، تتلقفنا جنبات الطريق من التعب لترسم لنا وعوداً بسعادة ستكون صديقة لأحلامنا التي راحت تختفي، والأشباح تطاردنا وتهزأ من خطواتنا وتصرخ في آذاننا أن طريقنا مسدود، ونحن ما زلنا نسير...
وصلت كأس يوسف هذه المرة مختلفة عن الأولى. كانت صغيرة طافحة من دون ثلج تعلوها شريحة من ليمون؛ خشيتُ أن تفسد الحموضة مزاج يوسف ويتوقف عن الحديث ويقتل فضولي.
جرع يوسف كل ما في الكأس مرة واحدة وعالج مرارتها - كما بدا لي - بقطعة الليمون، ثم طلب أخرى وهو ينظر إليّ وتابع:
- تناسقت أحزاني وحفظت أدوارها، لم تسبق إحداهن الأخرى بل تواطأت كلها لتعذيبي.
- مع مولد كل يوم جديد تشتاق إليّ المزرعة وتتلهف الأشواك لتقتات بدمي، تحتضنني الصناديق وأنا أملأها خضاراً وعرقاً وعمراً يذبل كالزهور، ثم أرافقها إلى السوق؛ تستعجلني قدماي لألحق بالمدرسة حيث لا أعرف سوى اللوح الأخضر وذرّاتِ الطبشور المتطايرة وأشخاص يدخلون ويخرجون يلقون على مسامعنا تعاليم الحياة الكريمة وزملائي جالسون على أريكة الضحكات بلا هموم تلاحقهم - مثلي - صباح مساء.
تتقطع تأملاتي مع دقّ جرس الخروج ليسرع التلاميذ بابتسامة بريئة يتسابقون إلى بيوتهم، وأتسابق أنا مع لملمة دفاتري لألحق بالسوق لئلا يوبّخني ذلك الحقير.
أنتظر المساء حتى أعود إلى بيتنا الذي كانت جدرانه المتشققة تزيد تعاستي. أتأمل الطرقات وأشتمّ رائحة اللحم الذي لا أعرف طعمه؛ أتوقّف أمام المطعم كي أشبع رائحة ثم أواصل السير؛ تكتمل أحزاني برؤية وجه أمي الشاحب ونظرة إخوتي البؤساء، الذين كانوا ينظرون إليّ وكأنهم ينتظرون طعاماً جمعته من بقايا السوق، كنت أحرم نفسي منه خشية أن تبيت أمي وإخوتي بلا طعام.
كنت أرى سحابة الكآبة تتبدد وقطرات الفرح تهطل في دنيا أحزانهم على قُمامة السوق. وكم كانت أمي سعيدة وهي تكشط الفاسد وتوزعها علينا!
ألقي جسدي المتهالك بعدئذ على فراش لم أعد أهتم بسوئه، تسرق بعد ذلك أجفاني لحظة عناق بعضها مع بعض، تفترق شفتاي وهما ترددان سيمفونية الشخير من جراء التعب، وتتساقط يداي ورجلاي كأوراق الشجر ولا حراك لي حتى الفجر.
تكاثرت كؤوس يوسف حوله وكدت أوقفه لكنّ فضولي منعني.
تابع يوسف:
- كنت لا أعرف لماذا لم أترك الدراسة لأهلها وأتفرغ للشقاء. كل ما أعرفه أن صديق أبي نصحني بذلك رغم أنني لم أفهم تلك النصيحة وقتئذ، إلا أنني قررت أن أستمر ولو كلفني ذلك أن أقف على أبواب الجوامع.
أخذ رشفة من إحدى كؤوسه التي لم يعد يميزها واستلهم ضحكة لا أعرف لها شبيهاً وراح يلعن كل شيء وقد امتلأت عيناه أسى وازدادتا حدة، وتابع يقول:
- سقط هيلمان عزيمتي من أول طارق لبابنا يمد لنا بقايا طعامه صدقة لنا ويمسح على رأس أخي يستعطف بها رب السماء.
لم أستطع بعد ذلك النظر إلى وجه من أطعمنا إلا نظرة مكسورة ألحقها بنظرة إلى الأرض خجلاً.
وحدث ما لم يكن في الحسبان.
لم أكن كبيراً لأحمل كل تلك الهموم ولا ناضجاً لأقاوم الألم وأستوعب القدر. اكتشفت أن صاحب المزرعة يراود أمي عن نفسها ويعرض عليها المال ويذكّرها بأفضاله عليها وعلى ابنها. لا أعرف كيف كانت تفكر أمي وماذا ستفعل؟ كل ما يشغلني ماذا سأفعل أنا؟
لم أستطع النوم تلك الليلة ولم أتحمّل مرارة البكاء. لم أستطع إيقاف تفكيري في الانتقام. رسمت طريقة للانتقام، توقفت دموعي عن السقوط وبدأ عرقي بالتساقط من جبيني، قرّت عيني بعد ذلك، بدأت أخطط للموعد المرتقب.
عرفت الآن أن في تلك اللحظة كان الخير والشر يصفقان لي ويستحثانني على الانتقام ويستعجلان ذلك اليوم. لم أذهب إلى المدرسة. سرقت سكيناً وحيداً كان في بيتنا وجلست أنتظر ذلك الحقير. انتهى اليوم ولم يأتِ. انخفضت حرارة الانتقام ليلاً بعدما قررت المواصلة غداً، وفعلت ما فعلته بالأمس. وجاء الحقير يقرع الباب وبدأ يتكلم مع أمي يستعطفها تارةً ويهدّدها تارةً أخرى. جهزت السكين الذي لا يقتل أحداً ولصغر سني توقعت أن يقتله ويُخرج أمعاءه. اجتمع الغضب في داخلي وساندته كل مشاعري وبراءتي، وانطلقت باندفاع وبكل ما أملك من قوة طفل غاضب وغرست السكين في ظهره. لكن بالكاد وصل السكين إلى ما فوق حوضه، أدخلته قدر ما استطعت، سمعت ضجّة تتراقص في داخلي فرحاً وأنا أرتجف من الخوف. كانت يدي تتصبب عرقاً يلوثها دم تطاير من ذاك الحقير، فتراجعت بعدما ازداد انتشار الدم في كل مكان.
أسقطت السكين من يدي وفرائصي ترتعد. أسرعت أمي تضمّني وهي تنتحب بشدة، اختلطت دماؤه بملابسي الممزقة وبملابس أمي. كل ما أذكره أن الضجّة التي في داخلي هدأت.
لم تسقط دمعة من عيني، لم أعرف أهي رهبة السقوط أم راحة الرضا؟
سكت يوسف طويلاً وعيناه تقلبان كأساً تحركه يداه وتابع يقول:
- وقفت طويلاً أنظر إلى كل شيء. كنت أحسب أنني في حلم سأستفيق منه في الصباح.
كل ما أصابني ذلك اليوم أنني أحببت الدم. لقد شبعت عيناي منه. أعشق لونه وأتعطش إليه وأشتاق إلى رؤية غزارته وتطايره حتى حين يتخثر ويزداد لونه دكنة.
ثم جرح نفسه بطريقة هستيرية عنيفة فسال الدم من إصبعه وهو ينظر إليه ويردد:
- أعشق هذا اللون. انظر إليه، إنه متعة الألوان. ثم أخذ يلعق الدم عن إصبعه.
لقد امتلأ قلبي خوفاً من يوسف ولم أعد أعرف ماذا أفعل.
ارتفع صوت يوسف وهو يلعن صاحب المزرعة مرة ومرتين. ثم راح يلعن المدرسة وشركته التي يعمل فيها وأباه وأمه والدنيا بأسرها. حاولت كبح جماحه دون جدوى، والنادل ينظر إلينا وابتسامته تعلو محياه مبتهجاً بعدد الكؤوس التي استهلكها يوسف.
أنهيت يومي وعملي كيفما اتفق. ثم سافر يوسف وبقيت وحيداً أسترجع ما سمعته منه صباحاً، أتأمل في القصة وكأنني أقف بعيداً لكن أسمع كل الأصوات. أنظر إلى كل شي. أنظر إلى أمه وهي تركض نحو ابنها قبل غرس سكينه في صاحب المزرعة، وكأنني أسير بينها وبينه وهي تضمّه قرب الرجل المطعون الذي سقط أرضاً، وكأنني أتلمس أيضاً بقع الدم التي تخثرت على الجدار بيدي، وأسترق نظرة رحمة إلى طفل يتأمل ما فعله.
لم أرَ الخير والشرّ هناك وهل من كان يستحثه على فعل ذلك؟؟
لا أعرف هل اتفق الخير والشرّ أخيراً؟
لم أسمع ضجة بكاء أم يوسف.
لا أخفي عليكم، لقد أحببت الدم ولونه الذي أصبح لوني المفضّل منذ ذلك اليوم.(4)
سارت الأيام سريعةً بيني وبين يوسف وغطت سماءنا الإلفة واللهو إلى منتصف الليالي.
تمنّيت أن يعتذر عن تركه لي ذلك اليوم، لكنه لم يفعل. وخاب ظني به كما خاب ظني بزمان أعيش فيه.
انتهت إجازة يوسف وبدأ يرتب شقته للرجوع إلى مدينة الزحام، واقترح أن نذهب لاحتساء كأس صباحية قبل سفره. وافقت على مرافقته ساعة واحدة كي ألحق بعدها بموعد يرتبط بعملي، وترافقنا إلى مكان قريب من فندقنا والتففنا حول الطاولة نتحدث عن سحر هذه المدينة الرائعة. لم يكن في المكان أحد غيرنا. خطرت لي فكرة أن أوهمه بأن هاتفي يرن وأنني أكلّم والدي الذي اتصل مطمئناً إلى سلامتي.
وصلت كأس يوسف ملأى ثلجاً، ويغطي قاعها بعض من لون زاهٍ كدت أشعر بمرارته من خلال تعابير قسمات وجهه حينما كان يرتشف منه غاصاً بقهقهة تنمّ عن اللامبالاة:
- أما زال والدك يطمئن إليك، ألست كبيراً بما يكفي؟
ابتسمت مصطنعاً جواباً:
- يسأل عندما يحتاج إليّ؟
أتبعته بسؤال كان لُبّ مسرحيتي:
- أحزنتني قصتك وكنت أفكر ماذا عليك أن تفعل أنت وأخوك وأمك من بعده؟
انتهى من كأسه التي بين يديه وطلب أخرى. تنهد تنهيدةً ممزوجة بمرارة السنين وكأنها ما زالت جرحاً لم يلتئم يؤرّق حياته بين الفينة والأخرى.
التفت إليّ:
- عشنا أنا وإخوتي كحيوانات ضالة تلتفت حولها دوماً من الخوف، ويرعاها الطريق ويلملمها جناح الظلام ثم ينشرها نور الشمس بحثاً عن قوت تصمد به أمام الجوع والموت. يسودنا التلاحم خوفاً من برق الفرقة، ويفرقنا اقتسام الخبز على يد أمي ليحصل كل منا على أكبر قدر. كانت تقودنا النجوم في عالم التيه، وتغري مسامعنا آهات الصدى علّه النجاة؛ تتشقّق أقدامنا سيراً خلف السراب باحثين عن أمل مفقود لا نعرفه، تتلقفنا جنبات الطريق من التعب لترسم لنا وعوداً بسعادة ستكون صديقة لأحلامنا التي راحت تختفي، والأشباح تطاردنا وتهزأ من خطواتنا وتصرخ في آذاننا أن طريقنا مسدود، ونحن ما زلنا نسير...
وصلت كأس يوسف هذه المرة مختلفة عن الأولى. كانت صغيرة طافحة من دون ثلج تعلوها شريحة من ليمون؛ خشيتُ أن تفسد الحموضة مزاج يوسف ويتوقف عن الحديث ويقتل فضولي.
جرع يوسف كل ما في الكأس مرة واحدة وعالج مرارتها - كما بدا لي - بقطعة الليمون، ثم طلب أخرى وهو ينظر إليّ وتابع:
- تناسقت أحزاني وحفظت أدوارها، لم تسبق إحداهن الأخرى بل تواطأت كلها لتعذيبي.
- مع مولد كل يوم جديد تشتاق إليّ المزرعة وتتلهف الأشواك لتقتات بدمي، تحتضنني الصناديق وأنا أملأها خضاراً وعرقاً وعمراً يذبل كالزهور، ثم أرافقها إلى السوق؛ تستعجلني قدماي لألحق بالمدرسة حيث لا أعرف سوى اللوح الأخضر وذرّاتِ الطبشور المتطايرة وأشخاص يدخلون ويخرجون يلقون على مسامعنا تعاليم الحياة الكريمة وزملائي جالسون على أريكة الضحكات بلا هموم تلاحقهم - مثلي - صباح مساء.
تتقطع تأملاتي مع دقّ جرس الخروج ليسرع التلاميذ بابتسامة بريئة يتسابقون إلى بيوتهم، وأتسابق أنا مع لملمة دفاتري لألحق بالسوق لئلا يوبّخني ذلك الحقير.
أنتظر المساء حتى أعود إلى بيتنا الذي كانت جدرانه المتشققة تزيد تعاستي. أتأمل الطرقات وأشتمّ رائحة اللحم الذي لا أعرف طعمه؛ أتوقّف أمام المطعم كي أشبع رائحة ثم أواصل السير؛ تكتمل أحزاني برؤية وجه أمي الشاحب ونظرة إخوتي البؤساء، الذين كانوا ينظرون إليّ وكأنهم ينتظرون طعاماً جمعته من بقايا السوق، كنت أحرم نفسي منه خشية أن تبيت أمي وإخوتي بلا طعام.
كنت أرى سحابة الكآبة تتبدد وقطرات الفرح تهطل في دنيا أحزانهم على قُمامة السوق. وكم كانت أمي سعيدة وهي تكشط الفاسد وتوزعها علينا!
ألقي جسدي المتهالك بعدئذ على فراش لم أعد أهتم بسوئه، تسرق بعد ذلك أجفاني لحظة عناق بعضها مع بعض، تفترق شفتاي وهما ترددان سيمفونية الشخير من جراء التعب، وتتساقط يداي ورجلاي كأوراق الشجر ولا حراك لي حتى الفجر.
تكاثرت كؤوس يوسف حوله وكدت أوقفه لكنّ فضولي منعني.
سارت الأيام سريعةً بيني وبين يوسف وغطت سماءنا الإلفة واللهو إلى منتصف الليالي.
تمنّيت أن يعتذر عن تركه لي ذلك اليوم، لكنه لم يفعل. وخاب ظني به كما خاب ظني بزمان أعيش فيه.
انتهت إجازة يوسف وبدأ يرتب شقته للرجوع إلى مدينة الزحام، واقترح أن نذهب لاحتساء كأس صباحية قبل سفره. وافقت على مرافقته ساعة واحدة كي ألحق بعدها بموعد يرتبط بعملي، وترافقنا إلى مكان قريب من فندقنا والتففنا حول الطاولة نتحدث عن سحر هذه المدينة الرائعة. لم يكن في المكان أحد غيرنا. خطرت لي فكرة أن أوهمه بأن هاتفي يرن وأنني أكلّم والدي الذي اتصل مطمئناً إلى سلامتي.
وصلت كأس يوسف ملأى ثلجاً، ويغطي قاعها بعض من لون زاهٍ كدت أشعر بمرارته من خلال تعابير قسمات وجهه حينما كان يرتشف منه غاصاً بقهقهة تنمّ عن اللامبالاة:
- أما زال والدك يطمئن إليك، ألست كبيراً بما يكفي؟
ابتسمت مصطنعاً جواباً:
- يسأل عندما يحتاج إليّ؟
أتبعته بسؤال كان لُبّ مسرحيتي:
- أحزنتني قصتك وكنت أفكر ماذا عليك أن تفعل أنت وأخوك وأمك من بعده؟
انتهى من كأسه التي بين يديه وطلب أخرى. تنهد تنهيدةً ممزوجة بمرارة السنين وكأنها ما زالت جرحاً لم يلتئم يؤرّق حياته بين الفينة والأخرى.
التفت إليّ:
- عشنا أنا وإخوتي كحيوانات ضالة تلتفت حولها دوماً من الخوف، ويرعاها الطريق ويلملمها جناح الظلام ثم ينشرها نور الشمس بحثاً عن قوت تصمد به أمام الجوع والموت. يسودنا التلاحم خوفاً من برق الفرقة، ويفرقنا اقتسام الخبز على يد أمي ليحصل كل منا على أكبر قدر. كانت تقودنا النجوم في عالم التيه، وتغري مسامعنا آهات الصدى علّه النجاة؛ تتشقّق أقدامنا سيراً خلف السراب باحثين عن أمل مفقود لا نعرفه، تتلقفنا جنبات الطريق من التعب لترسم لنا وعوداً بسعادة ستكون صديقة لأحلامنا التي راحت تختفي، والأشباح تطاردنا وتهزأ من خطواتنا وتصرخ في آذاننا أن طريقنا مسدود، ونحن ما زلنا نسير...
وصلت كأس يوسف هذه المرة مختلفة عن الأولى. كانت صغيرة طافحة من دون ثلج تعلوها شريحة من ليمون؛ خشيتُ أن تفسد الحموضة مزاج يوسف ويتوقف عن الحديث ويقتل فضولي.
جرع يوسف كل ما في الكأس مرة واحدة وعالج مرارتها - كما بدا لي - بقطعة الليمون، ثم طلب أخرى وهو ينظر إليّ وتابع:
- تناسقت أحزاني وحفظت أدوارها، لم تسبق إحداهن الأخرى بل تواطأت كلها لتعذيبي.
- مع مولد كل يوم جديد تشتاق إليّ المزرعة وتتلهف الأشواك لتقتات بدمي، تحتضنني الصناديق وأنا أملأها خضاراً وعرقاً وعمراً يذبل كالزهور، ثم أرافقها إلى السوق؛ تستعجلني قدماي لألحق بالمدرسة حيث لا أعرف سوى اللوح الأخضر وذرّاتِ الطبشور المتطايرة وأشخاص يدخلون ويخرجون يلقون على مسامعنا تعاليم الحياة الكريمة وزملائي جالسون على أريكة الضحكات بلا هموم تلاحقهم - مثلي - صباح مساء.
تتقطع تأملاتي مع دقّ جرس الخروج ليسرع التلاميذ بابتسامة بريئة يتسابقون إلى بيوتهم، وأتسابق أنا مع لملمة دفاتري لألحق بالسوق لئلا يوبّخني ذلك الحقير.
أنتظر المساء حتى أعود إلى بيتنا الذي كانت جدرانه المتشققة تزيد تعاستي. أتأمل الطرقات وأشتمّ رائحة اللحم الذي لا أعرف طعمه؛ أتوقّف أمام المطعم كي أشبع رائحة ثم أواصل السير؛ تكتمل أحزاني برؤية وجه أمي الشاحب ونظرة إخوتي البؤساء، الذين كانوا ينظرون إليّ وكأنهم ينتظرون طعاماً جمعته من بقايا السوق، كنت أحرم نفسي منه خشية أن تبيت أمي وإخوتي بلا طعام.
كنت أرى سحابة الكآبة تتبدد وقطرات الفرح تهطل في دنيا أحزانهم على قُمامة السوق. وكم كانت أمي سعيدة وهي تكشط الفاسد وتوزعها علينا!
ألقي جسدي المتهالك بعدئذ على فراش لم أعد أهتم بسوئه، تسرق بعد ذلك أجفاني لحظة عناق بعضها مع بعض، تفترق شفتاي وهما ترددان سيمفونية الشخير من جراء التعب، وتتساقط يداي ورجلاي كأوراق الشجر ولا حراك لي حتى الفجر.
تكاثرت كؤوس يوسف حوله وكدت أوقفه لكنّ فضولي منعني.
تابع يوسف:
- كنت لا أعرف لماذا لم أترك الدراسة لأهلها وأتفرغ للشقاء. كل ما أعرفه أن صديق أبي نصحني بذلك رغم أنني لم أفهم تلك النصيحة وقتئذ، إلا أنني قررت أن أستمر ولو كلفني ذلك أن أقف على أبواب الجوامع.
أخذ رشفة من إحدى كؤوسه التي لم يعد يميزها واستلهم ضحكة لا أعرف لها شبيهاً وراح يلعن كل شيء وقد امتلأت عيناه أسى وازدادتا حدة، وتابع يقول:
- سقط هيلمان عزيمتي من أول طارق لبابنا يمد لنا بقايا طعامه صدقة لنا ويمسح على رأس أخي يستعطف بها رب السماء.
لم أستطع بعد ذلك النظر إلى وجه من أطعمنا إلا نظرة مكسورة ألحقها بنظرة إلى الأرض خجلاً.
وحدث ما لم يكن في الحسبان.
لم أكن كبيراً لأحمل كل تلك الهموم ولا ناضجاً لأقاوم الألم وأستوعب القدر. اكتشفت أن صاحب المزرعة يراود أمي عن نفسها ويعرض عليها المال ويذكّرها بأفضاله عليها وعلى ابنها. لا أعرف كيف كانت تفكر أمي وماذا ستفعل؟ كل ما يشغلني ماذا سأفعل أنا؟
لم أستطع النوم تلك الليلة ولم أتحمّل مرارة البكاء. لم أستطع إيقاف تفكيري في الانتقام. رسمت طريقة للانتقام، توقفت دموعي عن السقوط وبدأ عرقي بالتساقط من جبيني، قرّت عيني بعد ذلك، بدأت أخطط للموعد المرتقب.
عرفت الآن أن في تلك اللحظة كان الخير والشر يصفقان لي ويستحثانني على الانتقام ويستعجلان ذلك اليوم. لم أذهب إلى المدرسة. سرقت سكيناً وحيداً كان في بيتنا وجلست أنتظر ذلك الحقير. انتهى اليوم ولم يأتِ. انخفضت حرارة الانتقام ليلاً بعدما قررت المواصلة غداً، وفعلت ما فعلته بالأمس. وجاء الحقير يقرع الباب وبدأ يتكلم مع أمي يستعطفها تارةً ويهدّدها تارةً أخرى. جهزت السكين الذي لا يقتل أحداً ولصغر سني توقعت أن يقتله ويُخرج أمعاءه. اجتمع الغضب في داخلي وساندته كل مشاعري وبراءتي، وانطلقت باندفاع وبكل ما أملك من قوة طفل غاضب وغرست السكين في ظهره. لكن بالكاد وصل السكين إلى ما فوق حوضه، أدخلته قدر ما استطعت، سمعت ضجّة تتراقص في داخلي فرحاً وأنا أرتجف من الخوف. كانت يدي تتصبب عرقاً يلوثها دم تطاير من ذاك الحقير، فتراجعت بعدما ازداد انتشار الدم في كل مكان.
أسقطت السكين من يدي وفرائصي ترتعد. أسرعت أمي تضمّني وهي تنتحب بشدة، اختلطت دماؤه بملابسي الممزقة وبملابس أمي. كل ما أذكره أن الضجّة التي في داخلي هدأت.
لم تسقط دمعة من عيني، لم أعرف أهي رهبة السقوط أم راحة الرضا؟
سكت يوسف طويلاً وعيناه تقلبان كأساً تحركه يداه وتابع يقول:
- وقفت طويلاً أنظر إلى كل شيء. كنت أحسب أنني في حلم سأستفيق منه في الصباح.
كل ما أصابني ذلك اليوم أنني أحببت الدم. لقد شبعت عيناي منه. أعشق لونه وأتعطش إليه وأشتاق إلى رؤية غزارته وتطايره حتى حين يتخثر ويزداد لونه دكنة.
ثم جرح نفسه بطريقة هستيرية عنيفة فسال الدم من إصبعه وهو ينظر إليه ويردد:
- أعشق هذا اللون. انظر إليه، إنه متعة الألوان. ثم أخذ يلعق الدم عن إصبعه.
لقد امتلأ قلبي خوفاً من يوسف ولم أعد أعرف ماذا أفعل.
ارتفع صوت يوسف وهو يلعن صاحب المزرعة مرة ومرتين. ثم راح يلعن المدرسة وشركته التي يعمل فيها وأباه وأمه والدنيا بأسرها. حاولت كبح جماحه دون جدوى، والنادل ينظر إلينا وابتسامته تعلو محياه مبتهجاً بعدد الكؤوس التي استهلكها يوسف.
أنهيت يومي وعملي كيفما اتفق. ثم سافر يوسف وبقيت وحيداً أسترجع ما سمعته منه صباحاً، أتأمل في القصة وكأنني أقف بعيداً لكن أسمع كل الأصوات. أنظر إلى كل شي. أنظر إلى أمه وهي تركض نحو ابنها قبل غرس سكينه في صاحب المزرعة، وكأنني أسير بينها وبينه وهي تضمّه قرب الرجل المطعون الذي سقط أرضاً، وكأنني أتلمس أيضاً بقع الدم التي تخثرت على الجدار بيدي، وأسترق نظرة رحمة إلى طفل يتأمل ما فعله.
لم أرَ الخير والشرّ هناك وهل من كان يستحثه على فعل ذلك؟؟
لا أعرف هل اتفق الخير والشرّ أخيراً؟
لم أسمع ضجة بكاء أم يوسف.
لا أخفي عليكم، لقد أحببت الدم ولونه الذي أصبح لوني المفضّل منذ ذلك اليوم.(4)
سارت الأيام سريعةً بيني وبين يوسف وغطت سماءنا الإلفة واللهو إلى منتصف الليالي.
تمنّيت أن يعتذر عن تركه لي ذلك اليوم، لكنه لم يفعل. وخاب ظني به كما خاب ظني بزمان أعيش فيه.
انتهت إجازة يوسف وبدأ يرتب شقته للرجوع إلى مدينة الزحام، واقترح أن نذهب لاحتساء كأس صباحية قبل سفره. وافقت على مرافقته ساعة واحدة كي ألحق بعدها بموعد يرتبط بعملي، وترافقنا إلى مكان قريب من فندقنا والتففنا حول الطاولة نتحدث عن سحر هذه المدينة الرائعة. لم يكن في المكان أحد غيرنا. خطرت لي فكرة أن أوهمه بأن هاتفي يرن وأنني أكلّم والدي الذي اتصل مطمئناً إلى سلامتي.
وصلت كأس يوسف ملأى ثلجاً، ويغطي قاعها بعض من لون زاهٍ كدت أشعر بمرارته من خلال تعابير قسمات وجهه حينما كان يرتشف منه غاصاً بقهقهة تنمّ عن اللامبالاة:
- أما زال والدك يطمئن إليك، ألست كبيراً بما يكفي؟
ابتسمت مصطنعاً جواباً:
- يسأل عندما يحتاج إليّ؟
أتبعته بسؤال كان لُبّ مسرحيتي:
- أحزنتني قصتك وكنت أفكر ماذا عليك أن تفعل أنت وأخوك وأمك من بعده؟
انتهى من كأسه التي بين يديه وطلب أخرى. تنهد تنهيدةً ممزوجة بمرارة السنين وكأنها ما زالت جرحاً لم يلتئم يؤرّق حياته بين الفينة والأخرى.
التفت إليّ:
- عشنا أنا وإخوتي كحيوانات ضالة تلتفت حولها دوماً من الخوف، ويرعاها الطريق ويلملمها جناح الظلام ثم ينشرها نور الشمس بحثاً عن قوت تصمد به أمام الجوع والموت. يسودنا التلاحم خوفاً من برق الفرقة، ويفرقنا اقتسام الخبز على يد أمي ليحصل كل منا على أكبر قدر. كانت تقودنا النجوم في عالم التيه، وتغري مسامعنا آهات الصدى علّه النجاة؛ تتشقّق أقدامنا سيراً خلف السراب باحثين عن أمل مفقود لا نعرفه، تتلقفنا جنبات الطريق من التعب لترسم لنا وعوداً بسعادة ستكون صديقة لأحلامنا التي راحت تختفي، والأشباح تطاردنا وتهزأ من خطواتنا وتصرخ في آذاننا أن طريقنا مسدود، ونحن ما زلنا نسير...
وصلت كأس يوسف هذه المرة مختلفة عن الأولى. كانت صغيرة طافحة من دون ثلج تعلوها شريحة من ليمون؛ خشيتُ أن تفسد الحموضة مزاج يوسف ويتوقف عن الحديث ويقتل فضولي.
جرع يوسف كل ما في الكأس مرة واحدة وعالج مرارتها - كما بدا لي - بقطعة الليمون، ثم طلب أخرى وهو ينظر إليّ وتابع:
- تناسقت أحزاني وحفظت أدوارها، لم تسبق إحداهن الأخرى بل تواطأت كلها لتعذيبي.
- مع مولد كل يوم جديد تشتاق إليّ المزرعة وتتلهف الأشواك لتقتات بدمي، تحتضنني الصناديق وأنا أملأها خضاراً وعرقاً وعمراً يذبل كالزهور، ثم أرافقها إلى السوق؛ تستعجلني قدماي لألحق بالمدرسة حيث لا أعرف سوى اللوح الأخضر وذرّاتِ الطبشور المتطايرة وأشخاص يدخلون ويخرجون يلقون على مسامعنا تعاليم الحياة الكريمة وزملائي جالسون على أريكة الضحكات بلا هموم تلاحقهم - مثلي - صباح مساء.
تتقطع تأملاتي مع دقّ جرس الخروج ليسرع التلاميذ بابتسامة بريئة يتسابقون إلى بيوتهم، وأتسابق أنا مع لملمة دفاتري لألحق بالسوق لئلا يوبّخني ذلك الحقير.
أنتظر المساء حتى أعود إلى بيتنا الذي كانت جدرانه المتشققة تزيد تعاستي. أتأمل الطرقات وأشتمّ رائحة اللحم الذي لا أعرف طعمه؛ أتوقّف أمام المطعم كي أشبع رائحة ثم أواصل السير؛ تكتمل أحزاني برؤية وجه أمي الشاحب ونظرة إخوتي البؤساء، الذين كانوا ينظرون إليّ وكأنهم ينتظرون طعاماً جمعته من بقايا السوق، كنت أحرم نفسي منه خشية أن تبيت أمي وإخوتي بلا طعام.
كنت أرى سحابة الكآبة تتبدد وقطرات الفرح تهطل في دنيا أحزانهم على قُمامة السوق. وكم كانت أمي سعيدة وهي تكشط الفاسد وتوزعها علينا!
ألقي جسدي المتهالك بعدئذ على فراش لم أعد أهتم بسوئه، تسرق بعد ذلك أجفاني لحظة عناق بعضها مع بعض، تفترق شفتاي وهما ترددان سيمفونية الشخير من جراء التعب، وتتساقط يداي ورجلاي كأوراق الشجر ولا حراك لي حتى الفجر.
تكاثرت كؤوس يوسف حوله وكدت أوقفه لكنّ فضولي منعني.