eKtab
EN ع
رجل وحيد جدا
اقرأ عينة مجانية

رجل وحيد جدا

بقلم يحيى عبابنة

صفحة 1
إيحاء
 
ماريانا امرأة ليس لها وجود·
 
ويوسف الذهبي اختفى منذ زمن بعيد·
 
ولست أدري إذا كانت مدينة وادي الذهب أو مدينة
 
وادي الرمال او مدينة البحر قد وجدت على الخارطة
 
يوما ما··· ويخامرني شكُّ كبير في وجود مدينة كبيرة
 
أو متوسطة··· ولم أسمع بوجود جبل للعرافين··· أو
 
جبل للزيتون·
 
وكل ما في هذه السطور··· ما هو إلا قصة رجل
 
وحيد··· جداً
 
يحيى
صفحة 2
وادي الذهب
 
الصحراء تمتد الى الشرق من مدينة وادي الذهب ·· فإذا ما سرت شرقاً فإنك لا تجد الا الصحــراء التــي تبـــدو كأنّها لا نهــاية لها ·· تبدأ صحراء خجولة قليلة الرمال حتى إذا ما توغلت فيها بدت كثبانها الرملية القاحلة كأنها السيوف الرهيفة المفروشة على بحر من لهـب ·· وعلى حافـة هـذه الصحراء تقـف مدينة وادي الذهب ··
 
إنها مدينة صغيرة، ليس فيها من الذهب إلا اسمها ·· فقيرة في كل شيء، ولولا هذه الصحراء التي لا نهاية لها لما كانت هناك مدينة، إنها مدينة صحراوية بكل معنى هذه الكلمة، فهي سوق للبدو الصحراويين، أتخيّل أحياناً أنها لا تتاجر الا بالمواشي لكثرة ما يؤمها الصحراويون لبيع حيواناتهم ·· ومع هذا فيبدو لي أنهم لا يشترون منها الا الحيوانات· على أن هذا الاحساس لم يكن له وجود فعلي في المدينة الصغيرة، فقد كان الصحراويون يشترون كل شيء يحتاجونه منها، فهم يشترون الدقيق والمعلبات والاقمشة والملابس الجاهزة ·· لقد كانت مدينة وادي الذهب كافية لهؤلاء الأعراب ··
 
كان سكان وادي الذهب من الريفيين الذين تمكنوا بعد طول كفاح مع الأرض المتصحرة القاسية أن يشكلوا مدينة خففت عنهم عناء العناية بالارض الهزيلة التي يملكونها، فقد شقت الحكومة طريقاً تجارياً عملاقاً، شاء قدر وادي الذهب أن يشطرها إلى شطرين، وعلى حافتي الطريق أقام السكان بعض المشاريع الاقتصادية الصغيرة، كالمطاعم والمحالّ التجارية البسيطة وورش تصليح السيارات واستراحات بدائية للسواح، وغيرها من أشكال طلب الرزق التي كانت تدر عليهم دخلاً جعل من حياتهم في آخر العمران شيئا فيه قدر من الراحة لا يقارن بالشكل الفج القاسي الذي كانوا يعيشون فيه قبل تكوين المدينة·
 
وعلى رأس تلة بعيدة عن السوق الصغير أقمت منزلي الصغير، تدخل اليه من شارع فرعي صغير أيضاً، ثم تسير في الممر الضيق الذي فرشته بالرمل الخشن حتى تصل إلى مدخله الذي يفضي الى براندا واسعة، احتلت حوالي ثلث مساحة البيت، وينفتح منا بابان، يؤدي الاول الى صالة صغيرة قسمت الى غرفة للاستقبال وأخرى للطعام، نادراً ما تناولت الطعام فيها، في حين يؤدي الآخر إلى غرفتي النوم، وفي المنزل مطبخ متوسط الحجم كنت لا أستخدمه الا لعمل الشاي او القهوة، وأما الطبخ فقد كنت أفزع منه لسببين، أولهما أنني كنت عازباً، وعملية الطبخ وما يتبعها من تنظيف الأطباق والأواني من الأمور التي تعافها نفس العازب، وأما السبب الثاني، فهو عملي الذي كنت أعيش منه، فأنا لست تاجراً يفتح متجره أو مزارعاً يجاهد أرضه الهزيلة ليحصل بعد كل عناء الصيف والشتاء على رغيف، ولكنني كنت ضابطاً صغيراً في القوات المسلحة، التحقت في صفوفها منذ تخرجي برتبة (ملازم) ثم تدرجت حتى صرت نقيباً فيها· ولذا فقد كنت من رواد المطاعم، حتى لكأني واحد من هؤلاء العابرين أو فرداً من أفواج السواح الذين يمرون من وادي الذهب يومياً إلى حيث أماكن الترفيه والتاريخ·
 
وعلى الرغم من هذه الحياة القاسية التي أصفها، فإنني لم أكن يوماً أنوي مغادرة وادي الذهب، إنه الاحساس الوجداني الذي يربطك إلى ابويك الفقيرين، والذي يجعلك ترفض أن تكون ابنا لغيرهما حتى لو كانا من ذوي المال والجاه والسلطان، أو إنه الاحساس الذي يجعلك تعرف كل نواقص الآخرين، مهما بدت صغيرة، في حين أنك لا تحسّ بأنك تفقد عينيك·· ولم أحس يوماً بجمال وادي الذهب، ولكنني لم أشعر برغبة ما، تجعلني ازَّاورُ عنها، ولهذا فقد وطنت نفسي على الرضا بالعيش فيها دون غيرها من مدن بلادي·
 
كما أنني راضٍ عن عملي الرضا كله، فقد كنت سعيداً بغير تكبُّر أو انتشاء بكوني واحداً من أفراد القوات المسلحة، وقد حققت نجاحا لا بأس به لمن هم في مثل رتبتي، وبدأ كبار الضباط يزرعون في نفسي إحساساً بأنني لا بد سأكون شيئاً ما في المستقبل ·· وباختصار لقد كنت ناجحاً في عملي إلى حد بعيد، وهو شيء يمكن أن يضاف إلى تمسكي بالبقاء في وادي الذهب ··
 
وأما على المستوى العاطفي، فقد كنت أشعر بالتردد تجاه الخوض في الحديث عن العواطف، ذلك أن أي إحساس تجاه الجنس الآخر لم يراودني يوماً ما حتى بلغت الثلاثين تقريباً، ولقد كانت جدتي تلح علي في بادىء الامر لأرتبط بواحدة من بنات أعمامي، ولكنها أدركت أخيراً عزوفي عن التفكير الجاد بالموضوع ولذا فلم تلبث أن كفَّت عن الخوض في الحديث عن الزواج والاولاد، وغيرها من البلايا التي نسمع عنها· وكنت لا أحلم حقيقة في ارتباط سريع بفتاة قد أكون عبئاً عليها أو ربما كانت عبئاً ثقيلاً على قلبي في مستقبل الأيام·
صفحة 3
وأما على المستوى الاجتماعي، فلم يكن لي كثير من العلاقات، حتى مع الجوار، فقد كانت علاقتي بجيراني باردة، ولكنها قائمة على الاحترام، وفي دخيلة نفسي كنت أحبُّ جيراني الذين لم يحاولوا التدخل بحياتي بأي شكل من الاشكال، بل إنهم لم يحاولوا الاستعانة بي إلا في إحدى ليالي الشتاء، عندما كانت زوجة جاري تقاسي آلام المخاض، فجاء إليَّ طارقاً باب منزلي لأنقلها إلى مستشفى المدينة البعيد، وقد لبيت حاجة جاري هذا، حتى إذا وصلت إلى المستشفى، وتولى الممرضون أمر زوجته، سألته إذا كانت هناك ثمة حاجة، فشكرني واعتذر عن (إقلاق راحتي) في هذا الليل البارد، فغادرت المستشفى، ولم أسأله في الايام التوالي عن زوجته، فعادت علاقتي به إلى سابق عهدها ·· باردة رسمية ·
 
وكان يمكن لحياتي أن تمضي رتيبة هادئة إلى أبعد مما وصلت إليه لولا ذلك الحدث الذي قلب حياتي رأساً على عقب ·· كنت في ليلة التاسع عشر من تموز أجلس إلى نفسي أسبر أعماقها محاولاً تحليلها لأعرف مكنوناتها ·· يا للغرابة، لقد شعرت يومها أنني لم أكن أعرف نفسي معرفة كافية ·· لقد اكتشفت بأنني لم أكن أعرف ما الذي أريده من حياتي···
 
استهجنت هذا الخاطر، لأنه يعني أنني أسير بلا هدف، نعم فما هو هدفي في الحياة؟
 
كيف أخطط لنفسي؟ وما فائدة نجاحي في عملي إذا استمرت وتيرة الحياة عندي على هذا المنوال الرتيب البارد الشاحب ···
 
الزوجة والاولاد ·· هل هم الذين سيضفون على حياتي ونجاحي بها طعـم السرور؟ باخـت السبل التي يمكـن أن أحقـق فيها هذا الغرض، فأحسست بإعراضٍ عن التفكيــر فيه، هــل هــم الاصــدقــاء؟ أعرضت عن هذا الخاطر أيضا عندما فكرت في الصديق الذي يمكن أن يفرح لي وأفرح له ·· فأنا أفــرح لفــرح كثير من الناس، وإن كنت لا أستطيع إظهار مشاعري لهم، فكثيراً ما شعرت بنسيم البهجة عندما يقام عرس في الحي الذي أقيم فيه، على الرغم من أنني لم أكن أشارك فيه مشاركة فاعلة!
 
شعرت بشيء من الخدر يسري في أوصالي، فنظرت في الساعة، فوجدت عقاربها تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، فقررت ان أنام حتى أريح دماغي من هذه الافكار التي بدت في مثل هذه الساعة من الليل مزعجة جداً، وقررت أن أعود إلى التفكير في هدف الحياة التي أحياها عندما أجد وقتاً لذلك ·· وهكذا ألقيت نفسي على سريري المليء برائحة الرمل والغبار ·· ولم ألبث أن رحت في النوم··
 
دخلت إلى غرفتي في ساعة مبكرة فتاة قدرت أنَّ عمرها لا يصل إلى عشرين عاماً ·· فأصابني شيء من الذهول ·· حاولت أن أسألها عن غرضها من هذا الدخول المباغت، فوجدت إجابة سؤالي مرسومة في عينين رماديتين جميلتين، وفي احمرار وجنتيها البارزتين إلى حدٍّ ما ·· ويبدو أنها كانت مرتبكة لأنني رأيت اختلاج شفتيها ينم عن اضطراب ··
 
زاد ذهولي عندما تحركت باتجاه النافذة لتزيح عنها الستائر ·· فاعتدلت في سريري جالساً محاولاً إخفاء نفسي بالغطاء قليلاً، لأنني كنت ألبس البيجاما، ثم ابتلعت ريقي وقلت لها :
 
- من أنت يا سيدتي؟ وكيف دخلت إلى بيتي؟
 
تعمقت ابتسامتها العذبة، ورسمت فماً مائلاً بكسل وشهوانية نحو الأسفل، ليرسم مثلثاً ممتلئاً مع الذقن الممتلئة قليلاً، ثم حركت رأسها إلى الوراء، وعقصت شعرها بيديها إلى الخلف، فارتجف قلبي·· ثم سمعتها تقول :
 
- إنك بحاجة إلى شخص ما يعنى بك، أليس كذلك؟··
 
لم أتمكن من النطق وأنا أسمع صوتها الغنج الأبحّ الذي يحاكي صوت طفلة ·· ثم قالت :
 
- هل أنت معني بي ·· إنني ماريانا إن كنت تهتم حقاً، ولكنك لا تهتم يا سيدي ·· إنك لا تهتم ··
 
انحدرت عيناي إلى عنقها الجميل ·· فوجدته عنق ظبية برية شاردة، ينبثق من كتفين جميلين ممتلئين كبرجين يحميان صدراً نابضاً بالحياة ··
 
عشتار تدخل منزلي ·· يا خصرها العذب الجميل ·· يا شعرها الذي يحاكي شجر الحناء في حيويته ··
 
- سيدتي ·· من أنت؟
 
- إنك لا تهتم ·· ما حاجتك إلى مثلي ··
 
لم تقل شيئاً بعد ذلك، خاطبتها، وسألتها أين تسكــن ·· ومن أبوها···
 
استدارت إلى خزانة الثياب، كأنها تهم بتنظيفها ·· صحت فيها ·· التفتت اليَّ ·· كانت عيناها الجميلتان ممتلئتين بالدموع ·· صحت ·· فابتلعت صيحتي فجيعة الحلم ··
 
كنت أحلم ··
صفحة 4
إنه حلم ·· ولكنه لم يتجاوز عني ببساطة كغيره من الأحلام التي كانت تراودني في نومي، حتى إذا استيقظت نسيت الحلم ··
 
حاولت أن أطرد طيفها، غمرت نفسي بالماء، فأحسستها تجوس حولي ··
 
تصورتها تحمل منشفة الحمام وتمدّ بها إلي ·· وعندما جلست إلى الطعام البارد رأيتها بقلبي كأنها عاشت معي دهراً طويلاً ··· قاومتها عندما وصلت إلى عملي، وعندما فتحت الملف الأول رأيتها بين السطور، وأحسست بدموعها سخينة بين الأضابير الكثيرة ·· فشاركتها فجيعة البكاء ·· وفي صدري لهفة لليل ·· لعلي أراها··
 
انقضى ذاك النهار، وعدت إلى البيت ليس بي رغبة إلى شيء إلا إليها·· أغمضت عيني وناجيتها أن تعالي إلى قلبي، وعندما فتحتهما بكيت على نفسي ·· أتحب طيفاً رأيته في المنام؟
 
قلت في نفسي: سأطرد هذا الطيف ·· ثم أغمضت عيني ·· سأحاول جمع صور من رأيت في حياتي ·· أمي ·· أبي فقد اشتقت إليهما ·· غطت صورتيهما ملامحُ ماريانا عميقة دافئة حزينة ·· ماريانا التي تنوس بشعرها الفاحم الغزير، نفضتُ عيني حتى تزول صورتها ·· فابيضّت الذاكرة، ولم أعد أرى أحداً ممن حاولت جمع ملامحه ·· ذابت صورهم في انصلات عنقها الهندواني القاطع الجميل، فتحت عيني، فوقعتا على ساعة الحائط التي كانت تشير إلى قرب التحاقي بدوامي، كررت عملي بالأمس، فأحسست بأنني لم أكن أفعل شيئاً سوى تقليب الأوراق، استمرت صورة(ماريانا) تملأ ذاكرتي والسطور التي أحاول التركيز فيها دون جدوى، ثم بدأت أصوات كثيرة تحاول التعتيم على ذاكرتي ··
 
- يوسف ·· يوسف ··
 
- · ··
 
- يوسف ·· هل تسمعني ··
 
-··
 
- يوسف !
 
رفعت عيني اللتين لا تحملان حماسة ما ·· وقعتا على عينين كالجمر··
 
- هل تقصدني يا سيدي !
 
- ما هذا الذي الذي خبصته؟
 
- أنا ياسيدي، ماذا فعلت؟
 
- ماذا فعلت؟ انظر ··
 
نظرت في الورقة التي يحملها بين يديه ·· كانت صورة غريبة·· دققت النظر ···إنها صورة(ماريانا)
 
- هل يمكن أن تفسِّر هذا يا يوسف؟
 
- من أين حصلت على هذه الصورة؟
 
- لقد كنت تلعب وتتلهى بالرسم ·· وتتجاهل الآن أنك رسمتها؟
 
ثم دعكها قليلاً ورماها في وجهي ··
 
أعدت فتح الصورة، كانت مرسومة بقلم الرصاص رسماً متقناً·· هل رسمتُها بالفعل؟
 
لم أكن أذكر ذلك ·· إن الضابط المسؤول يعرفها، ولا بأس بشيء من التقريع إذا كان سيوصلني إلى(ماريانا) ·
صفحة 5
دخلت إلى مكتبه فنظر إليَّ مستغرباً ·· فقلت له :
 
- يا سيدي ! هل لي أن أسالك عن صاحبة هذه الصورة؟
 
أجال الضابط في وجهي عينين ذكيتين فاحصتين ·· ثم لانت ملامحه، والتفت إلي بكـامل جسمه ·· وسمعته يقول :
 
- يوسف ! هل تعاني من شيء ما؟ قل يا بني ·· هل أنت بحاجة إلى استراحة تقضيها في مدينة البحر مثلاً؟
 
- كلا يا سيدي ·· إنني جاد في سؤالي عن هذه الفتاة!
 
نفخ غيظاً ثم قال :
 
- حسناً·· لقد رآك جميع زملائك في العمل وأنت ترسمها على هذه الورقة وسألوك ما الذي تفعله؟ فقلت لهم : إن هذا يخصني ·· واسمح لي الآن أن أسالك من هي؟
 
زاد من عذابي فقلت له :
 
- ارحــمني يا سيــــدي، فلــم أر هــذه الفتــاة الا مــرة واحـــدة (في حلمي) فكيف سأرسمها وأنت تعرف بأنني لست رساماً يا سيدي؟!
 
- يا بني ·· هل أكتب لك إجازة؟ إنك بحاجة إلى راحة ··
 
خط شيئاً على ورقة أمامه، وناولني إيّاها، فوجدتها استراحة لمدة ثلاثة أيام ··
 
لقد جاءت إليَّ في منزلي، فلا بدَّ أنها من وادي الذهب ·· إنني أعرف اسمها على الأقل ·· ماريانا ·· ماريانا ·· وبعد، هل أقف في الشارع لأسأل الناس عن ماريانا من تكون ··
 
هل هناك من حلّ آخر؟ ··
 
***
 
دلفت إلى المطعم الذي اعتدت على تناول افطاري فيه معظم الأيام، جلست في ركن منه حتى جاء إليّ النادل ·· وألقى تحية الصباح ·· صباح الخير يا سيدي ! هل ترغب بالافطار المعتاد؟ فقلت له : اسمع سأسالك عن أحد سكان وادي الذهب، فإذا عرفته، فإنني سأغدق عليك مالم يغدقه أحد من قبل ··
 
- إنني تحت أمرك يا سيدي، ودون مقابل···
 
- هل عرفت(ماريانا) يا عزيزي ··
 
فرك فروة رأسه، وتظاهر بالتفكير ·· ثم قال:
 
- ماريانا؟ هل لك يا سيدي ببعض أوصافها، لعلها تعينني على التذكر؟
 
- ماريانا ·· اسمها ماريانا···
 
شعرها فاحم غزير ·· عيناها رماديتان كالفضة المطفأة ·· تبدو كأنها قطعة عاج ساخن ···
 
·· جيدها ···
 
شعــرت بدهشـة النـادل الــذي نظــر إلـيَّ باستغــراب كأنـــه يقـول سيدي لم أعهد فيك هذا الجنون ولكنه قال :
 
- آسف يا سيدي ·· لم أعرفها ·· لم أعرف فتاة في هذه المدينة اسمها ماريانا ولها مثل هذه الاوصاف أو غيرها·
صفحة 6
وقفت أمام مدير السجل المدني في وادي الذهب ·· رحب بي الرجل ترحيباً حاراً ·· أهلاً يا سيد يوسف ! هل لي أن أقدم لك خدمة ما؟
 
قلت له :أجل يا سيدي ! لقد كلفني أحد الأصدقاء بالسؤال عن شخص ما في هذه المدينة :
 
أفرحني كثيراً عندما قال :
 
- لقد جئت إلى المكان الصحيح يا يوسف بيك ··
 
ثم قدم لي ورقة لأكتب الاسم والمعلومات الاخرى ·· فوجىء الرجل عندما أعدت إليه الورقة بسرعة ·· نظر في الورقة، ثم نظر إليَّ وقال :
 
- ما هذا يا سيد يوسف؟ ·· ما اســم أبيــها أو أمها على الأقل؟ ·· أين ولدت؟ كم عمرها؟
 
- إنني لا أعرف شيئاً سوى اسمها يا سيدي ··
 
ضغط المدير زر الجرس، فهرع إليه المراسل ·· فقال :
 
- أحضر فنجان قهوة للسيد يوسف ··
 
امتثل المراسل لأمره، وقيل أن يغادر مرة أخرى ·· ناداه، وأعطاه الورقة ناظراً إليَّ بريبة ·· ثم قال :
 
- اطلب من رئيس الديوان أن يحضر أي معلومة تتعلق بأي شخص باسم(ماريانا)···
 
شربت القهوة متعجلاً ·· وطال انتظاري ·· كادت الاسئلة تطفر من عيني دموعاً حتى جاء رئيس الديوان، فقفز قلبي لهفة، وصرت كأنني أذن مصغية ··
 
تعمقت أحزاني عندما قال رئيس الديوان:
 
- سيدي ·· لم نعثر في سجلاتنا على اسم ماريانا مطلقاً··
 
نظر إلى المدير بإشفاق، ثم قال: آسف يا سيد يوسف، فليس في سجلاتنا من يسمى بهذا الاسم· لعله ليس من هذه المدينة ··
 
أخرجت الصورة التي رسمت بقلم الرصاص، وقلت له : انظر ·· هذه هي يا سيدي!
 
قلب المدير الصورة بغير اكتراث، ثم قال:
 
- يا أخ يوسف، هب أنك أريتني صورة حقيقية لها ·· إن هذا ليس جزءاً من عملنا ·· الصورة تخص الشرطة ·· لماذا لا تلجأ إليهم؟ إنهم زملاؤك يا عزيزي ··
 
لم أشعر بأي حرج من هذا الرد، ولكنني نهضت من فوري مستأذناً، وغادرت إلى مركز الشرطة فوراً ···
 
***
 
- لم نسمع بهذا الاسم من قبل، وأما الصورة، فهي رسم بقلم الرصاص ولم نعرف أحداً بهذه الملامح من قبل ·· أين رأيتها يا سيدي؟
 
- لقد كلفني صديق بالبحث عنها، إنها قريبته أو ما شابه ··
 
- أليس مــع صديقــك هــذا مـا يدعـم الصـورة ·· الاسم الكامل؟ ·· مكان الاقامة؟
 
- ليس في حوزته إلا هذه الصورة !
 
نظر الضابط في وجهي حائراً، ثم قال : كنت أتمنى مساعدتك، ولكن···
 
طويت الصورة ·· ثم عدت إلى البيت حائراً باكياً ·· ترى أين أنت الآن يا(ماريانا)؟
صفحة 7
لو أنني أراك لحظة وتنهدم فوق رأسي الجبال ! لو أنني ···
 
فزعت عندما لدغتني عقارب الساعة، كانت تشير إلى الثانية عشرة ظهراً، وبدا لي أنني لم أفعل شيئاً في إجازتي التي أتاحت لي فرصة للبحث والتقصي، شعرت أنني على وشك الجنون، وتمنيت لو أنني أستطيع إقناع أحد بعقلانية البحــث والتقصي اللذين أقــوم بهما، هل أقول للناس إنني حلمت ورأيت رؤيا؟··· لقد ضحك مني مدير الجوازات ومدير الشرطة، فأنا لا أعرف من اسمها سوى المقطع الاول لاسم غير ذي جذور من المنطقة؟ اسم اجنبي، ولا أعرف اسم أبيها، وليس لي من ملامحها إلا هذه الصورة التي رسمتها من ذاكرتي، هذا إذا كانت (ماريانا) نفسها موجودة أصلاً، صحيح أنني أمتلىء بها وأحسها تتنفس في قلبي وذاكرتي ··· ولكن هذا لا يكفي لإقناع الآخرين ···
 
ثم شعرت ببرودة حادة تسري في وجهي، كنت قد جرحت نفسي في أثناء عملية الحلاقة، ولكن هذا لم يثنني عن الاستمرار في هذه العملية الشاقة اليومية·
 
لا أدري كيف لبســت ملابســي، ولا ما إذا كنــت أغلقــت الباب أم لا، خرجت جرياً حتى وصلت إلى الشارع ·· فتصنعت الهدوء الذي كنت أعتاد عليه فيما سلف من أيام ·· تسكعت على قدمي طويلاً حتى هدني التعب والكلال، فلجأت إلى أحد زملائي الذي أعد لي الشاي المسائي الثقيل ·· ثم سألني أثناء تقديم الشاي عن إجازتي··
 
- لقد انتهت !
 
- أدري أنها انتهت، ولكن ماذا أخذت منها أنت؟ هل ذهبت إلى مدينة البحر كما قال القائد؟
 
- كلا ·· لقد مكثت هنا ·· في وادي الذهب ··
 
نظر إلي زميلي مندهشاً، ثم قال :
 
- خيبك الله ! وهل أضعت إجازتك هنا؟ لقد كان بإمكانك أن تذهب إلى أي مكان آخر ·· أقول لك؟ كان من الممكن أن تذهب إلى وادي الرمال حيث المدينة الصحراوية القاحلــة، لترى الجِمال والبدو، وهو أمر أفضل من بقائك هنا في بيتك تحلم بـ ··· ثم سكت قليلاً، وقال:
 
- ما اسم الفتاة التي رأيتها في منامك؟
 
نظرت اليه عاتباً، وقد سرني أنه ذكرها ·· فقلت له:
 
- لا تتعب نفسك بها ·· فلقد بحثت عنها في الأحوال المدنية والشوارع والحواري، بل لقد ذهبت إلى الشرطة ··
 
توقفت يداه في الهواء تحملان كأس الشاي، نظر إلي مندهشاً أكثر ··· ثم غمغم :
 
- الأحوال والشرطة ·· هل جننت؟
 
- يبدو الأمر كذلك ··
 
لم تعجبه إجابتي الاخيرة، فقال :
 
- لماذا تتعب نفسك هكذا؟ ·· هلا ذهبت إلى العرافين؟
 
جذبتني الكلمة الأخيرة ··· لم يخطــر ببالي أن أذهب إلى العرافين·
 
إن أحدهم يسكن قريباً مني، ولا بد من الذهاب اليه ··
 
كانت عرافة ··
صفحة 8
جلست بين يديها، فابتدأت قائلة ···
 
- ارم بياضك !
 
نظرت في عينيها مبهوتاً، فأحسَّت ببلاهتي، فأرادت أن ترحمني، فقالت :
 
- هل سمعت كلامي؟ ·· قلت ارم بياضك ··
 
انطلقت إجابتي بلهاء حمقاء، في غاية السذاجة ··
 
- ولكنني لا احمل بياضاً ولا سواداً ·· هلا فسّرت لي ذلك يا سيدتي؟
 
- ما يطلع من نفسك ··
 
أخرجت ديناراً، وحاولت رميه، ولكنها انتهرتني، ثم قالت:
 
-بالصلاة على رسول الله، ارم فضة، عشرة قروش تكفي ··
 
ما أكرمها! انها لا تطلب الا درهماً، رميت الدرهم على قطعة من بطانية قديمة ·· فراحت تتمتم، ثم قالت :
 
-حبيب القلب يا ولدي سافر منك، ولا تعرف له دار، سبحان الواحد القهار، خالق الليل والنهار !
 
قلت لها: إن هذا صحيح يا سيدتي العرافة، فكيف أجده؟
 
- إنك لا تعرف له اسماً، غير ما رأيت في حلمك ··
 
إنني أشفق عليك يا ولدي ···
 
- أخبريني يا سيدتي ·· أين ماريانا ·· ماريانا يا سيدتي تملأ أحلامي ويقظتي ··
 
- سيقتلك الحب يا ولدي، ماريانا حلم يا بني ·· يتجسد في كل مكان ·· رحلت من وادي الذهب يوم رأيتها في منامك، كانت ترقبك كل يوم، ولكنك لم تلق لها بالاً، فغادرت ··
 
ارحم شبابك يا ولدي، انسها يا ولدي ··
 
- لا يا سيدتي ·· إنني لا أريد أن أرحم شبابي ·· ما أريده هو أين ماريانا؟ ··
 
- طريقك أشواك يا ولدي ·· ستبدأ البحث في مدينة الرمال لعلها هناك ··· لا··· أكـــاد أرى بيــاض الرمـــل ··· ارم زرقتـــك ! لقد فهمت الآن ما الذي تريده ·· ارمِ زرقتك، يعني : ارمِ عشرة دنانير
 
رميت عشرة دنانير ·· فصمتت العرافة صمتاً طويلاً ·· حتى كاد صبري ينفذ، أوشكت على إيقاظها من صمتها الذي بدا كالنوم·
 
- ان لم تجدها في مدينة الرمال ·· ربما وجدتها في مدينة البحر ··· والمياه الزرقاء ·· إنني أكاد أراها تركض بين الموج ··· هناك ·· ماريانا··· ماريانا ··· إنها تكاد تلمحني ··· تسمعني··· تتلاشى صورتها ·· الزرقة تبهت ··
 
أرمي لها عشرين ديناراً ·· فتشتعل عيناها ··
 
- قد لا تجدها في مدينة البحر ·· قد ·· إني أراها تنوس بغدائرها في المدينة الكبيرة ·· إنها ·· تبدو ·· قد تلاقيها هناك يا ولدي ·· ولكنها تركب الطير إلى المدينة ·· إلى ··
 
لقد ضاعت يا ولدي ··
 
- يا سيدتي هل أرمِي لك الالوان جميعها؟ أريد ماريانا يا مولاتي العرافة··
 
خذي كل شيء ··
 
تأففت العجوز، ثم قالت :
 
إنني لا أبيع كلاماً ·· انتهت المقابلة · · ·
صفحة 9
يقتلني فزعي، ويفضحني سهومي وانهيار جَلَدي ·· لم يعد في قلبي قدرة على الصمود، فقد انهارت كل سدود صلابته، ظل قلبي يناجي ماريانا في ليلي الأخير، حتى عذبني التسهيد والكلال، وما ذاقت عيناي للنوم طعماً، ولكنها ذكرت كل مدن الإقليم· قد تكون في مدينة الرمل، أو في مدينة البحر، أو في المدينة الكبيرة، وربما كانت في المدينة المتوسطة ·· ولا يمكن أن تكون في غيرها، ولكنني كسبت شيئاً جديراً بالاهتمام ·· إنها موجودة، ليست حلماً، لقد كانت تهتم بي، ويح قلبي الذي لـــــم يرشدني إليها في المنام ··
 
قتلتني الدقائق قبل أن تعلن الساعة الثامنة ·· جلست على كرسي مريح، فسألني زميلي:
 
- مالك؟ تبدو معذباً ·· هل ما زلت مجنوناً؟
 
نظرت إليه محاولاً أن أكرهه، كيف أهينهُ··· قلت له :
 
- نعم !
 
ثم انثنيت عنه مفكراً، فجذبني إليه جذبة شديدة وقال :
 
- يوسف ·· لولا أنني أحبك ما فتحت معك هذا الحديث ·· يوسف أنت بحاجة إلى ما هو أحسن من الحلم ·· أنت بحاجة إلى الصحة ·· هلاّ ذهبت معي إلى زميلنا فيصل ··
 
- الطبيب؟
 
- نعم ·· الدكتور فيصل ··
 
- انه طبيب نفساني ··
 
- ولم لا ·· ستحدثه بأمر حالتك و ···
 
ثارت ثائرتي : هل أنا حالة الآن؟ ·· هل كل هذا العذاب بسبب وهم؟ ·· إن ماريانا الآن جنوني ·· وهذا الزميل يريد أن يشفيني منها قلت له :
 
- هل تعلم؟ لو أن هذا الفيصل يعرف ماريانا لذهبت اليه لعلاجي من هذا الجنون ·· ولكنه مثلك مخرف ·· قالت العرافة ··· ·
 
دخل فراش المكتب وقطع بقية حديثي، ثم اقترب مني وهمس :
 
- القائد يريدك فوراً ··
 
***
 
أعرف لماذا يريدني، سيقول لي: انس الحلم الرهيب هذا، وسيقول لي، إنني رجل لامع، وإن لي مستقبلاً مضيئاً ···
 
- يا سيد يوسف ··· لقد وردتني أخبارٌ كلها ضدك ·· أنت لست يوسف الذي أعرفه ··
 
-هل وردك يا سيدي شيء يسيء إلى عملي؟ او إلى اهتمامي بالأدوار المسندة إلي؟
 
- ليس بالضبط! ولكن ما وردني ليس في صالحك ··
 
صمت قليلاً ثم قال :
 
- لقد راجعت الشرطة باحثاً عن فتاتك ··· هذه التي رأيتها في الحلم، ثم راجعت الأحوال المدنية، وسألتهم عن صورة حمقاء(ثم احتد جداً وقال) أنت الذي رسمتها بقلم رصاص سخيف! ثم خفض صوته قليلاً، ولكنه ظل منفعلاً ··
 
- كلُّ هذا كوم، ومثولك بين أيدي الدجّالين والعرافين التافهين كوم آخر··· صمَتُّ صمتاً طويلاً، فكرت خلاله في الرد ·· هل أشتمه لأريح نفسي؟ هل أقول له : لا دخل لك بهذا يا ابن الفاعلة ·· ما الذي يحسن بي أن أفعله؟ هل أترك المكتب، وأصفق الباب ورائي بعنف؟
 
ثم جاءني صوته :
 
- يا يوسف ! أمامك واحد من ثلاثة حلول ···
 
صمت حتى يرى مدى اهتمامي، فأعطيته نظرة باردة لا حماسة فيها ··
 
- أنت مطفأ المشاعر يا يوسف، اسمع ··· ·
 
إما أن تستقيل من العمل، وسأرفع استقالتك مع تزكية بقبولها، أو أن تقبل بالعلاج في أكبر مستشفيات المدينة الكبيرة ·· وكثيرون فعلوا هذا، ولا عيب فيه ·· أو أن تثبت لي أنك لست معنياً بهذا الحلم النتن ···
صفحة 10
فكرت قليلاً، ثم قلت له: لماذا لا تضع خياراً رابعاً؟
 
- ما الخيار الرابع يا يوسف ··
 
- أن أنقل مثلاً إلى مدينة الرمال ·· إنها مدينــة مــن مدن الوطن، فلم لا أذهب للخدمة فيها؟
 
قام القائد من على كرسيه، ثم راح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وبدا عليه التفكير العميق، لم أفاجأ كثيراً بالرد الذي جاءني عميقاً واضحاً ··
 
- يوسف! أنت شاب ذكي، ومن الخسارة أن يحدث هذا معك أنت بالذات ·· هل تريدني أن أبعثك إلى مدينة الرمال وأنت بهذه الصورة؟ هل تريدني أن أحرق نفسي لتبحث عن حلمك المجنون في مدينة الرمال؟ وسيقول القائد هناك إنني أرسلتك إليه لأتخلص من مجنون···
 
صدمتني العبارة القاسية ·· سيدي ! هل تظنني أنت الآخر مجنوناً؟
 
رحت أطحن الأفكار بلا هوادة ولا رحمة ·· إنني لست مجنوناً، إنّ حبيبتي واقع ·· لقد رأيتها تجوس في غرفتي، وتشير إلي، وتنوس بشعرها الفاحم، وتنظر إلي بعينين ساحرتين ·· كدت أقول له هذه العبارات، ولكنني خرجت واجماً صامتاً ··
 
شعرت بالإهانة قوية مزمجرة ··
 
كيف أرد إهانته؟ كان تفكيري منغلقاً على فكرة واحدة ·· بدت لي فيما بعد كالصدمة ···
 
* * *
 
سيدي:
 
أرجو إعفائي من القيام بمهام الوظيفة المسندة إلي، ويشرفني أن أعلن عن رغبتي الأكيدة في العودة إلى هذه الوظيفة المشرفة عندما أكون قادراً على أداء ما يوكل إليّ على أتم وجه
 
شعرت بالراحة بعد ثلاثة أيام مليئة بالتسهيد والعتب ·· فقد جاءت الموافقة على استقالتي سريعة، بسبب تزكية هذا القائد···
 
عدت إلى بيتي مفكراً، فقد شعرت أن مرحلة الجدّ قد أتت وأن حياة العذاب ستبدأ ··· فلا يمكن أن أظل مكتوف اليدين في ظل غياب ماريانا··
 
فكرت كثيراً، واستعرضت كل الطروحات الممكنة ··· فكرت في الشرطة، ولكنني استبعدتهم سريعاً، فهؤلاء بحاجة إلى صور حية، واسم كامل، ومكان إقامة سابق ··· · والحقيقة التي أدركتها جيداً هي أنني لا أمتلك مقوماً واحداً من مقومات وجود ماريانا، وقد ذكرت جيداً كيف سخروا مني في وادي الذهب، فما عساهم سيفعلون في غير وادي الذهب؟··
 
ذهب ذهني إلى الأحوال المدنية، فوجدت أن الفائدة من مراجعتهم لن تكون كبيرة، ولا سيما ان كثيراً من النساء تسمى ماريانا، بل لقد سمعت أن كثيراً من أهل بلدي راحوا يطلقون على أولادهم الذكور اسم(ماريانا) · وهذا يزيد الامور تعقيداً ··
 
لن أذهب إلى الأحوال المدنية··· · هذا قراري ·
 
وأما العرافون، فإنني لو أطعتهم ورميت لهم بياضي وزرقتي وألواني المختلفة، فسأفقد كل ما ادخرته للبحث عن(ماريانا) وسأكتفي بالمعلومات القليلة التي هيأتها لي عرافة وادي الذهب إلا إذا وجدت أنه لا بد من مراجعتهم ·