أحسّ رجال القرية بأنها قد تهاجم الليلة، بعصابات اليهود المسلّحة، فقد تكرر استهدافها بالرشاشات الأوتوماتيكية من مستعمرة زبّود من جهة الشرق، ومن السيارات المصفحة العسكرية على طريق، يافا- القدس، وكثيراً ما حامت في سمائها طائرة، كأنما كانت تصوّر القرية أو تبحث عن أماكن المدافعين عنها.
لهذا كله رأوا أن تخرج النساء بالأطفال إلى الجهة الجنوبية من القرية، إلى سفح تل عراق الدّوّاية، حيث يقضّون الليل في المغاور هناك، وفي الصباح يعودون إن شاء الله تعالى.
كان المدافعون عن القرية هم رجالها، وليس بين أيديهم غير ثمانية بنادق يتعاورها الشباب الساهرون على القرية من جهاتها الشرقية والشمالية والغربية(2)، ومن خلفهم يسندهم من هم أكبر سناً، فيظلون في الساحات (المضافات) يتشاورون ويتحسسون أنباء الاشتباكات مع العدو.
مخاوف
والحق أن هؤلاء الرجال كانوا متخوفين من هجمات العصابات اليهودية المسلحة الفجائية، ولهذه العصابات حقد كبير عليهم، فهم الذين كانوا يكمنون للقوافل اليهودية المسلحة القادمة من جهة الغرب متجهة نحو القدس. محملة بأصناف التموين والمعلّبات والأعتدة المختلفة، وقد استطاعوا، بالتعاون مع رجال القرى المجاورة، خربة اللوز وبيت محسير وغيرها من القضاء على هذه القوافل، بما فيها ومن فيها، قضاءً مبرحاً! وكان يتعاون في ذلك بعض رجالات القرية ممن شاركوا في ثورة 1936- 1939 مثل قائد الفصيل أحمد نافع سلامة ورجاله ومن خربة اللوز القائد جابر أبو طبيخ ورجاله، يضاف إلى ذلك ما حدث، في الأسبوع الماضي، 8/4/ 1948، من مذبحة في دير ياسين، ولا يفصل بين القريتين غير نحو من خمسة عشر كيلو متراً، وكان منها مدّرس يدّرس أبناء القرية في المدرسة المجمعة- قرب دار منصور- قرب الشارع الرئيسي بين القدس ويافا - هو الأستاذ ربحي اسماعيل عطية الذي أصّر ان يلتحق بأهله، وكان من شهدائها. عليه وعليهم رحمة الله تعالى.
وثمة عنصر ثالث أو رابع وهو استشهاد القائد عبد القادر الحسيني يوم 8/4/1948 في القسطل، التي حرّرها من اليهود، وكان من شهدائها، مما أدخل الحزن على القلوب وبعث الدموع والأهات في وجوه جميع أفراد أهالي القرية.. فالناس يشعرون باختلال عنصر الأمن والصمود في القرية، فهؤلاء اليهود لا ذمة لهم ولا عهد، وقد انكشف غطاء القتلى، وذهب عبد القادر، وليس لها من دون الله كاشفة!
ليلة الخروج:
كانت تلك الليلة ليلة الإثنين والثلاثاء(3) يوم 14/4/1948، وكان ذلك الخروج من القرية، دون أن ندري، خروجاً تاريخياً مؤثراً، خرجنا بملابسنا العادية التي نلبسها في النهار وننام فيها في الليل، وليس معنا غيرها، حتى الطعام لم نحمل منه شيئاً. وقد خبزت الوالدة الحاجة وسيلة، رحمة الله عليها، (طرحة خبز) في (الطابون)، وملأت بها (الباطنية) وظل فيها إلى الآن!!
أوت النساء والأطفال تلك الليلة، إلى مغارات السفح وكهوفه كبيرة أو صغيرة، فالافراد إذا زاد عددهم فلا يضيقون ذرعاً، فهي ساعات ويعودون إلى بيوتهم.
لم ينم الكبار من النساء والولدان تلك الليلة، وربما أغفى الصغار على وسائد من الحجارة أو التراب، حتى الصباح.
وفي الصباح ومع تسلّل اصفرار الفجر، ظهرت بوادر الحقيقة، وانتهى الظلام التاريخي الحالك في تاريخنا على بداية رحلة العذاب.
الاحتلال:
هاجمت العصابات اليهودية المسلحة بالأسلحة الأوتوماتيكية والرشاشات البلدة من جهة الشمال- شارع يافا القدس، وعن طريق الغرب، وخيل للمدافعين عن القرية أن قد جاءتهم نجدة من بني عمهم من أهالي بيت محسير من الغرب، لأن إشارات من الرصاص الملون الأخضر، كانت تأتي من هناك، ثم تبين في النهاية إنها خديعة حربية ماكرة، فما هي إلا استكمال الهجوم من الغرب، وحينما اقتربوا من الغرب، وحينما اقتربوا من القرية، أحاطوا بها وحاصروها من جميع الجهات، وتركوا من أراد أن يهرب من أهلها منفذاً وحيداً إلى الجنوب، ليلتحق المقاتلون بأهاليهم في سفح عراق الدوّايَّة.
ووصل المقاتلون إلينا منكسي رؤوسهم ورؤوس بنادقهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وإنني لأسمع حتى، ولو بعد مضي أكثر من ستين عاماً، الخال عبد نجيب وهو يقول: والله يا أبو عمر سقطت من جميع الجهات، والمعركة غير متكافئة لا في العدد ولا في العتاد، وسيجعل الله تعالى من هذا الكرب مخرجاً.
من القرى المهدمة:
ثم صرنا نستمع إلى ألغام كثيرة، تثور في انحاء القرية هنا وهناك، وفي اليوم الثاني للاحتلال، يبدو أنهم سمحوا لمن أراد أن يطلع على ما حدث لبيئة، أن يراه بعينه. عاد الوالد، رحمه الله، وعادت اختي سعاد وعاد كثير من أهل القرية، ولما عادوا قالوا هدّمت جميع بنايات القرية المئة وخمسة، لم يبق منها بيت قائماً إلا بيت واحد، من جهة الغرب، ابقوا عليه لاستخدامهاتهم الخاصة.
قالت سعاد ان البييت الذي بناه الوالد العام الماضي عام 1947 نزل سقفه كله قطعة واحدة!.
أن الطابق الثاني الذي نباه- عبد الحميد الصمويلي وابن خالة الوالد عيد فريزة، ومن معه وقد أتى بهم من قرية الجيب، قرية أخواله ليبنوا البيت، وقد أكملوا بناءه، وكتب على وأجهته" نصر من الله وفتح قريب""!!! وقطّع هذه العلّية غرفاً، ولكنها لم تتمتع بأن نسكن فيها، ولو ليلة واحدة!
الانفصال عن الأم
وههنا يكتب التاريخ لحظة الفراق عن الجغرافيا!!! آه ما أقسى الظلام! ما أصعب العتمة والنظر فيها!!! أين نذهب؟ أن نمضي؟ أية كهوف ستقلنا؟ أية مغارات ستستقبلتا؟ أية سماوات ستظلنا؟ إلى أين المضي؟
وكنت اسمع، وأنا، حينئذ، ابن عشر سنين، من يقول للوالد يا ابا عمر أماكنا نستطيع أن نظل في القرية؟ فيهزّ أبو عمر رأسه، ويقول: كيف نبقي فيها ونحن ذبحنا ابناءهم مراراً في القوافل المارة في الطريق قرب قريتنا؟ لقد أرسل لي محمود رشيد، أحد وجهاء قرية أبو غوش، وقال إن اردتم أن نبقوا في قريتكم فنحنى نتكفّل لكم بذلك. ولهم اتصال بقادة اليهود، كما كان لهم اتصال بقادة الانتداب البريطاني، وقبله بقادة العهد العثماني، إننا لا تستطيع أن نبقى، وإلا واجهنا مصير أهالي دير ياسين.
بدء رحلة الشتات
بهذا المقدار من الهلع والخوف بدأ عرب فلسطين رحلة العذاب رحلة الشتات! وهذا هو عين الذي اراده دهاقنة عصابات الصهانية!، أن يشردوا الأهالي عن الأرض، لتبقى لهم الأرض بلا أهل! وقد جاؤوا إليها تعج بالأهل أكثر من خلايا النحل وأكثر من مدن النمل، فإين تذهبون؟ وأين المقر؟ وأين المستقر؟ بدا كل رجل يفكر فيما تحت قدميه من أرض، ليعرف الأرض التي ينتقل إليها فيما بعد!.
المحطة الأولى:
أشار بنا الوالد أن نمشي إلى أقرب قرية من واقع أرضنا أو بقايا أرضنا، فسارت بنا أقدامنا إلى قرية كسلا، ولا تدري أكنا نسير على الأقدام، أم على مواطئ من خوف مما حدث من اقتلاح من أرض فيها وجدنا أنفسنا، وفيها ولدنا! وفيها ولد أباؤنا واجدادنا! ولا نعرف غيرها لنا أرضاً!.
ومع هذه النهاية التراجيدية لمراحل الخروج، بل الإخراج من الأرض والأقتلاع من الجذور، نقف عند موقف كوميدي استمعت إليه بعد خمسين سنة، من هذا الخروج! وهو أن خالة لنا كانت تحمل ابن اختها، عِزَتْ، على ظهرها، وهي تسعى في طريق الخروج هذه، وله من العمر خمس سنوات، فرفعته على كتفيها، وقالت من أجل أن بحفظ عني الرصاص لو أطلق عليّ!!! قالت هذه الكلمات بصدق وبراءة! ورددتها بشكل كوميدي مبك! إنها تفتديه بدمها أذا لزم له، ولكن الروح المنهزمة لا تعرف إلا نفسها!!!
الى كَسْلا
وبعد عدة ساعات هبطنا إلى قاع عراق الدوّاية، حيث الوادي السحيق الذي بفصل أرض ساريس عن أرض كسلا، وهي قرية في حجم قريتنا، اقيمت على الجبل المقابل لأرض قريتنا من جهة الجنوب، وأحسب أننا- أنا ووالدى والدتي واختى وأخواي، بتنا تلك كليلة تحت شجرة من شجر قرية كسلا، كيف؟ لا أدري، لكن الذي أنا متأكد منه، أننا لم تحمل من الفراس والمتاع إلا ما كان يستر أجسادنا!
المحطة الثانية:
وفي عصر اليوم الثاني أو الثالث طار الينا ابن العم السيد حسن جلال بالجمل الذي كان لهم ويقل امتعتهم، وحملنا على الجمل، وذهب بنا إلى قريتنا الأخرى، من قرى الرملة وهي قرية بيت سوسين..
قريتنا الثانية:
لا أعلم عن بداية هذا الأمر شيئاً أبداً. وأعتي أن يكون لأهل القرية في منطقة غربي القدس قرية أخرى في منطقة بالسهل الساحلي من فلسطين، أي في أعمال منطقة الرملة مثلاً، كيف قسّم ذلك الأحداد ومتى وكيف؟. لا أدري ولكن الذي أعرفه أن أهالي "بيت أكسالهم" في الغرب قرية خروبة، وأهالي بيت محسير لهم دير مجلسن، وأهالي دير الشيخ لهم بيت جيز، وأهل ساريس لهم بيت سوسين، والأمثلة كثيرة.
والفارق الطبيعي بين البيئتين يقفنا على أن القرى الأقرب إلى القدس أغلبها قائمة على منطقة جبلية، فأغلب منتوجاتها الزراعية العنب والفواكه مثل الخوخ والمشمش والدرّاق، بينما تنداح القرى الغربية الخاصة بها في أراض سهلية منبسطة، لذلك فهي المكان الصالح لزراعة القمح والشعير والذرة والبقوّلبات، يضاف إلى ذلك كثرة البيارات، وقرب المياة الجوفية من السطح، لذلك كانت تكثر فيها الوفيات بأسباب أمراض الملاريا وغيرها، وربما كانوا أذا مات الميت في القرية القربية يحملونه، على الجمال، ليدفن في القرى الشرقية.