صفحة 1
مقدمة المترجم
تعدُّ رحلة بيدرو تيخيرا (المعروف خطأً باسم تكسيرا أو تاكسيرا) إحدى أهم الرحلات التي شهدها الشرق عموماً، والعراق خصوصاً، في مطلع القرن السابع عشر، وهي أول رحلة معروفة لرحّالة برتغالي في العصر الحديث بحد علمنا· ومع أن عدداً كبيراً من الرحلات الأجنبية وجدت طريقها إلى الترجمة والنشر منذ مدة طويلة وبأكثر من طبعة وأكثر من ترجمة في بعض الأحيان، إلا أن هذه الرحلة الرائعة النادرة بقيت بعيدةً عن متناول أيدي المترجمين والناشرين للأسف الشديد، ولم تُترجم منها سوى صفحات معدودةً أصبحت مرجعاً لكل من يريد الاستشهاد بهذه الرحلة المهمة، وبقي النصُّ الكامل لها بعيداً عن الاهتمام، مع أن حصة العراق فيه أكثر من نصف الرحلة· وربما يعود السبب في ذلك إلى صعوبة النصّ القديم الذي كُتبت به الرحلة، أو لعدم توفرها، أو للسببين معاً·
على هذا الأساس، وإسهاماً منا في تقديم إضافة مهمة إلى أدب الرحلات، أقدمنا على ترجمة الجزء الخاص من العراق وبادية الشام من هذه الرحلة، تمهيداً لنشر الجزء الكامل منها، الذي يتضمن الرحلة من الهند إلى ايطاليا عبر الطريق البرّي· ولاشك أن ترجمة هذه الرحلة ستسهم في الكشف عن جوانب غامضة كثيرة عن تاريخ وأحوال تلك المنطقة خلال حقبة لا تزال غامضةً ومبهمةً لدى الباحثين والمؤرخين· وقبل أن نبدأ بنصّ الترجمة، نقدّم فكرة عن صاحب الرحلة وكتاب رحلته ومؤلفاته الأخرى·
صفحة 2
نبذة عن الرحّالة بيدرو تيخيرا
ولد الرحّالة في مدينة لشبونة البرتغالية، ولكن تاريخ ولادته ووفاته لا يزال غير مؤكد، مع أن بعض المؤرخين يحددون ولادته بسنة (1570)(1)· ومعرفتنا بالحياة المبكرة لهذا الرحّالة لا تزال مشوبةً بالغموض، ولكن معلوماتنا بدأت تنتظم عنه منذ سنة (1586) فصاعداً· ففي تلك السنة، حينما كان في السادسة عشرة من عمره، أو نحو ذلك، وصل إلى مدينة غوا الهندية التي كانت خاضعةً للبرتغاليين آنذاك، وبقي فيها ست سنوات· وبين السنوات (1598-1600) كان في ملقا· وبعدها، بين (1601-1605) بدأ رحلته الطويلة لاستعادة أمواله من أحد رفاقه في الهند، وهي الرحلة التي تشكّل الجزء الأعظم من كتابه، وسافر خلالها من البرتغال إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح، ومن الهند إلى ايطاليا عبر بلاد فارس والعراق وبلاد الشام· وبينما دوَّن لنا تفاصيل رحلته البرية من الهند إلى ايطاليا، فإن تفاصيل رحلته البحرية من البرتغال إلى الهند لا تزال مجهولةً ولم تدوَّن· وليس لدينا أية تفاصيل عن حياته الشخصية وعن سيرته اللاحقة سوى ما ذكره بنفسه في كتاب رحلاته هذا·
أما عن عقيدته، فيذكر الدكتور ماير كايسرلنغ (1829-1905) في مقدمته لكتاب إسرائيل جوزيف بنيامين(2)، المعنون ثمان سنوات في آسيا وأفريقيا، أن بيدرو تيخيرا ينتسب إلى إحدى العائلات اليهودية البرتغالية التي لم تجرؤ على الإفصاح عن دينها علناً، أو تلقن أبناءها دين آبائهم· وعلى الرغم من أنه ولد لأبوين يهوديين، ربما كانا يعيشان في لشبونة، فيمكن ملاحظة نزعته الدينية القوية في كل صفحة من صفحات كتابه تقريباً· ويقول الدكتور كايسرلنغ: إلا أننا لا نزال نعتقد أن بمقدورنا الاستدلال، من خلال سرده للأحداث أنه كان مسيحياً، بل وحتى كاثوليكياًَ متزمتاً خلال الشطر الأكبر من حياته الذي قضاه في رحلاته قبل وصوله إلى أنتويرب(3)· ولكن يبدو أن هذا الاعتقاد ليس في محله· فمن خلال بعض المصادر والإشارات التاريخية المتعددة التي وردت في كتاب رحلته يتضح لنا أنه كان يهودياً، وإن لم يكن متعصباً، أو أنه لم يُظهر تعصبه لدينه· فقد ذكر المؤرخ الإسباني دون أدولفو دي كاسترو، في كتابه المعنون يهود إسبانيا، أن بيدرو تيخيرا كان يهودياً(4)، في حين ذكر البروفيسور سدني مندلسون، في كتابه المعنون يهود آسيا أنه من مارانوس البرتغال(5)· ويؤيد هذا القول ما ورد من إشارات متعددة في كتاب رحلته· فمع أن تيخيرا لم يُشِر، أو حتى لم يلمح، عن دينه أثناء حديثه طوال رحلته، إلا أن ثمّة إشارات متعددةً عن اليهود في كتابه· فأثناء رحلته يذكر أن أهل مشهد علي يمقتون اليهود والمسيحيين أشد المقت، فلا يستطيعون السكن بينهم· وينطبق الأمر ذاته على أهل مشهد الحسين الذين قال عنهم أنهم يكنّون حقداً شديداً تجاه كل الأديان الأخرى، سواءً كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً، ولا يعيش أيّ منهم في هذه الأرض· وإذا ما مرّ أحد بالصدفة خلالها، فإنهم ينظرون إليه شزراً· وباتجاه بغداد، يتحدث عن مشاهدته بناءً ضخماً ذا برجٍ عالٍ، حيث ضريح وجثمان النبي حزقيال، الذي يتمتع بقدسية كبيرة بين المسلمين واليهود بسبب الكرامات التي حباه الله بها· فضلاً عن ذلك، فإنه استخدم وسيطاً اسمه مصطفى، وهو يهودي اعتنق الإسلام، وكان موضع ثقة البرتغاليين والبنادقة على حدٍّ سواء، إذ كانوا يعتمدون عليه في شؤونهم التجارية والمالية، ورتّب معه مسألة رحلته إلى بغداد· كما شاهد في الكوفة (التي يسميها مشهد علي) شارعاً طويلاً مليئاً بصاغة الذهب والفضة، كلهم من المسلمين الذين يقول عنهم أنهم يصنعون أشياء لافتةً للنظر وثمينةً جداً، ولا يوجد بينهم مَن يمارس هذه الصنعة من أية طائفة أخرى أو دين آخر· ويبدي اندهاشه مما ذكره جيوفاني بطرس، الذي يتحدث عن عادات الشعوب في أفريقيا قائلاً بأن مزاولة هذه الحرفة مسموحٌ بها لليهود هناك، لكنها محرمةٌ على المسلمين· ويقول تيخيرا: لا أعلم مصدر حصوله على تلك المعلومات، لأننا نرى نقيض ذلك في أماكن متعددة· ومع ذلك، فإن معظم الرحّالة يتفقون على أن مزاولة الحِرف المرتبطة بالذهب والفضة وغيرهما من المجوهرات محرّمةٌ على المسلمين، فيزاولها غيرهم، مثل الصابئة واليهود·
وفي الطريق نحو بغداد يذكر أن بعض اليهود في القافلة سبقوهم، وأنهم سيتمكنون من الاستراحة يوم السبت، فيتوقفون دون أن يتخلفوا عن القافلة· وعند وصوله بغداد يؤكد وجود ما بين مئتين أو ثلاثمئة بيت لليهود، وإن اثني عشر أو خمسة عشر منها كانت موجودةً منذ السبي البابلي الأول· وبعض هؤلاء اليهود أثرياء، ولكن معظمهم مدقعو الفقر، ويعيشون في أحياء منعزلة، ويتمتعون بحرية كاملة، ولهم كُنُسهم الخاصة·
وحينما وصل مدينة عانة ذكر أنه شاهد فيها نحو أربعة آلاف منزل، منها مئة وعشرون بيتاً لليهود العرب، وهم (أي اليهود) ليسوا أغنياء، وإنما ميسوري الحال، وينظر إليهم سيد تلك الأرض وموظفوه باحترام، مع أن هذا يكلفهم بعض المال· ولهم بيوت وأراض خاصة بهم مثل المسلمين الذين يشكلون بقية سكان المدينة· وحينما يغادر المدينة في طريقه عبر البادية السورية، يذكر منطقة يسميها العرب تل اليهود، يكثر فيها اليهود الذين يسكنون في بيوت على مقربة من الجبال الواقعة على الجانب الآخر من نهر الفرات، ولهم حي باسمهم· ويستمر تيخيرا في ذكر مشاهداته وملاحظاته عن اليهود في حلب حتى يصل إلى إيطاليا·
صفحة 3
وهذه الإشارات تدل على أنه كان يركز وينتبه جيداً على كل ما يخصّ اليهود وأحوالهم ومناطق سكناهم في الأراضي التي مرّ بها، ولاسيما العراق· ومع ذلك كله، فإنه ظل يلتزم الصمت إزاء أصله وولادته وحياته المبكرة، باستثناء إشارة تمهيدية في كتابه ذكر فيها أنه كان مولعاً بدراسة التاريخ(6)·
من جهة أخرى، لا نعلم المهنة أو التجارة التي كان يزاولها تيخيرا، وليس من السهل أن نؤكد - من خلال رواياته - طبيعة مهمته حينما كان في الشرق، ولم يخبرنا هو أيضاً عن سبب ذهابه إلى الهند، أو حتى السنة التي سافر بها أول مرة من أوروبا إلى آسيا· وأول تاريخ يذكره بخصوص هذه الرحلات هو سنة (1587)(7)، وأنه وصل إلى الهند قادماً من البرتغال في إحدى سفن الأسطول البرتغالي الذي توجه إلى الهند سنة (1586)· ويبدو أنه وصل إلى غوا في أيلول من تلك السنة· وخلال زيارته الأولى للشرق، التي استمرت بين سنتي (1586 - 1598)، انتهز فرصة وجوده لمشاهدة الكثير من الأماكن التي قد لا تسنح الفرصة له برؤيتها مرةً ثانية، فزار الكثير من مدن الهند وسواحلها، وسواحل أفريقيا الشرقية والبحر العربي والخليج العربي وبلاد فارس وهرمز، التي قضى فيها نحو خمس سنوات (1593-1598) لدراسة اللغة الفارسية وتاريخ بلاد فارس؛ إذ يذكر أنه بذل جهداً كبيراً لتعلّم اللغة الفارسية ودراسة تاريخ بلاد فارس، فقدّم ترجمةً مختصرةً لروايات مير خواند وتوران شاه، كما قدم لنا صورةً مفصلةً عن هرمز وأحداثها حينما كان فيها·
على أية حال، ما يهمنا هنا رحلة تيخيرا الثانية إلى الهند· فبعد عودته من بلاد فارس إلى الهند في رحلته الأولى(8)، غادر ملقا متوجهاً إلى أرخبيل الملايو، ومنها إلى جزر الفيليبين، ثمّ إلى المكسيك، ومنها إلى لشبونة التي وصلها في الثامن من تشرين الأول سنة (1601)·
وقبل أن يغادر ملقا، كان قد أودع مبلغاً من المال لدى أحد رفاقه، وطلب منه إرساله إلى لشبونة بواسطة السفن البرتغالية· ولكن المبلغ لم يصل، فقرر السفر إلى الشرق مرة أخرى في الثامن والعشرين من مايس (1603) على ظهر إحدى السفن المتوجهة إلى الهند بقيادة بيرو فرتادو دي مندوكا، فوصل غوا في الرابع عشر من تشرين الأول من السنة ذاتها· وفي هذه الرحلة استعاد ماله وقرر العودة بعد خمسة أشهر إلى موطنه عبر الطريق البري، مروراً ببلاد وادي الرافدين·
في التاسع من شباط سنة (1604) استقل تيخيرا سفينةً برتغاليةً كانت متجهةً إلى الخليج العربي، توقفت في الثاني من آذار في ميناء مصيرة، ومن ثم واصلت رحلتها نحو رأس الحد وخليج عُمان، وبعد أن توقفت قليلاً للتزود بالماء والحطب من مسقط توجهت نحو هرمز· وفي الرابع عشر من نيسان سافر من هرمز متوجهاً إلى البصرة في سفينة صغيرة، فمرّ بالمضيق بين جزيرة قشم واليابسة، ومن ثم إلى الساحل الشرقي للخليج باتجاه شمالي - غربي، وكان يتوقف بين الحين والآخر بسبب شدة الرياح· وكانت أول منطقة رست فيها السفينة جزيرة لار (= الشيخ شعيب)، وفيها التقى بسفينة أخرى كان أهالي بندر نخيلو قد هاجموها، فاضطر للعودة إلى هرمز· وفي الحادي والعشرين من مايس قرر متابعة رحلته، فغادر على ظهر السفينة ذاتها، وكان قبطانها قد سلك طريقاً بحرياً جنوبي جزيرة قشم· وكانت المحاولة هذه المرة ناجحة، إذ وصلت السفينة إلى جزيرة خرج في الخامس والعشرين من مايس· ومن هذه الجزيرة تولى قيادة السفينة قبطان محلي أبحر بها إلى شط العرب، الذي وصله في الأول من آب·
بقيت السفينة في شط العرب مدة خمسة أيام، ومنها توجهت إلى منطقة السرّاجي(9) في البصرة، ونقلت حمولتها إلى مركز مدينة البصرة، التي توجه إليها تيخيرا برفقة تاجر بندقي وبرتغاليّين· وكان لهذا التاجر البندقي منزل في مدينة البصرة قضى فيه تيخيرا بضعة أيام قبل التحاقه بالقافلة المتوجهة عبر الطريق البريّ، وكان برفقته دييغو دي ميلّو، الذي سبّب له المتاعب أثناء رحلته كما سنرى· ومرت القافلة بمشهدي الإمامين علي والحسين، ثم بغداد التي وصلها في الرابع من تشرين الأول (1604)، وهناك أقام في منزل صديق له سبق أن تعرف عليه أثناء وجوده في الهند· وكان هذا الصديق يريد ردّ الجميل له لأنه أحسن ضيافته حينما كان في الهند· وحينما كان تيخيرا في بغداد تعرضت حلب لحصار، مما اضطره للبقاء نحو شهرين، فلم يغادر بغداد إلا في الثاني عشر من كانون الأول، وعَبَر نهر الفرات، ووصل عانة في الثالث عشر من كانون الثاني سنة (1605)، ومنها إلى حلب عبر الجِمال· وبعد رحلة استغرقت ثمانية عشر يوماً وصل إلى قرية السخنة (= مسكنة) في الصحراء السورية، ثم إلى حلب التي وصلها في الثاني عشر من شباط· ومن حلب استأنف رحلته بحراً عن طريق الإسكندرونة، فالبندقية، ومنها - بعد المرور عبر جبال الألب - إلى فرنسا والأراضي المنخفضة التابعة لإسبانيا حينذاك، حيث استقر في مدينة انتويرب الشهيرة، وهي أقدم مستعمرة هولندية للمنفيين البرتغاليين· وبعد استقراره هناك بدأ بطبع كتابه القيّم عن ملوك فارس وهرمز· وهناك أيضاً بدأ بتدوين كتابه الشهير: رحلات من الهند إلى إيطاليا عبر الطريق البري· ومن المحتمل أنه توفي في منتصف القرن السابع عشر، باقياً على عقيدته اليهودية(10)·
وأخيراً، قبل أن ننهي الحديث عن الرحّالة، نشير إلى أن اسمه تكرر في مؤلفات معاصرة أخرى ولكنها لمؤلفين ورحّالة آخرين· فمثلاً، هناك كتاب بعنوان غرق سفينة البوكيرك الخ في سنة (1601)، وكاتبه يدعى بينتو تيخيرا(11)· وهناك جغرافي ورسّام خرائط ورحّالة آخر اشتهر برحلاته إلى البرازيل واستكشافات في نهر الأمزون بين سنتي (1637-1639)، ويدعى بيدرو تيخيرا أيضاً· لكن لدينا سبب للاعتقاد أنه ليس رحّالتنا· فثمة إشارة تبين سنتي ولادته ووفاته تشير إلى أنه ولد في لشبونة سنة (1595)وتوفي في مدريد سنة (1640)، وفي مصادر أخرى في سنة (1662)(12)· ولو علمنا أن رحّالتنا ذكر أول رحلة له في سنة (1586) فسندرك أنه ليس المقصود هنا· وبما أن أبرز من كتب عن سيرته (وهما وليم سنكلير وتشارلس نايت)(13) لم يحسما مسألة التاريخ الدقيق لوفاته، فسنلجأ إلى التقريب كأفضل حل·
صفحة 4
- طبعات الكتاب وترجماته المختلفة
1· النسخة الاسبانية الأولى المنقولة عن المخطوط البرتغالي·
أشرنا في أعلاه إلى أن بيدرو تيخيرا، حينما كان في هرمز، قضى وقتاً كبيراً في تعلم اللغة الفارسية، وفي ترجمة كتاب توران شاه المعنون أخبار ملوك هرمز(14)، وجزء مختصر من كتاب مير خواند المعنون تاريخ فارس المتعدد الأجزاء(15)· ويبدو أنه جلب هذه الترجمات معه حينما عاد إلى البرتغال بعد عودته من رحلته الأولى سنة (1601)· لكن قلقه بشأن أموره التجارية حتّم عليه العودة إلى الهند، مانعاً إيّاه من تقديم أعماله إلى العالم إلا بعد عدة سنوات· ولكنه حينما استقر في انتويرب في وقت ما بين سنتي (1605) و(1609)، فكّر بنشر كتبه، التي كانت تشمل آنذاك كتابَي أخبار ملوك هرمز، وملوك فارس حتى الفتح العربي أيضاً· على هذا الأساس، استحصل الموافقات اللازمة لهذا الغرض من المسؤولين، ولكنه يخبرنا في التمهيد لاحقاً أنه استجاب لرغبةأصدقائه، فترجم كتاب ملوك فارس من البرتغالية إلى الإسبانية، وأضافها إلى كتابه الثاني باللغة نفسها، مدوّناً التاريخ حتى سنة (1609)(16)· وألحق بهذا الكتاب كتاب ملوك هرمز، وأخيراً، قدّم لنا سرداً لرحلاته البريّة التي قدمنا هذا الملخص عنها·
في سنة (1610) طُبع كتاب تيخيرا باللغة الاسبانية بشكل مجلد صغير بعنوان: رواية بيدرو تيخيرا عن أصل ملوك الفرس وملوك هرمز وتعاقبهم، ورحلة المؤلف نفسه من الهند الشرقية إلى إيطاليا عبر الطريق البري، وعنوانها الأصلي:
Relaciones de Pedro Teixeira d'el Origen Descendencia y Svccession de los Reyes de Persia, y de Harmuz, y de vn Viage hecho por el mismo Avtor dende la India Oriental hasta Italia por tierra. En amberes En casa de Hieronymo Verdussen. M. DC. X Con Priuilegio 1610.
وبعد هذا العنوان ست صفحات تمهيدية ضمن القسم الأول للكتاب، يأتي بعدها الكتابان: تاريخ ملوك فارس، الصفحات (1-376)، وسرد موجز لأبرز الولايات والأشراف والحكام في بلاد فارس، ويحتل الصفحات (377-384)، وعنوانهما في الأصل الاسباني:
. Relacion de los Reyes de Persia.-
. Breve Relacion de los Provincias mas notables y que mash an dvorado en el sennoria de la Persia.-
بعدها تأتي ثمان صفحات غير مرقمة في القسم الثاني، تتضمن جداول عن ملوك الحكام الفرس ومدخلاً لحكام هرمز، ويحتل الصفحات (1-45)، وعنوانه الأصلي:
Reyes que sennorearon la Persia hasta la entrada en ella de los Reyes de Harmuz.
وتعقبه رحلة الطريق البري بين الهند وإيطاليا، ويحتل الصفحات (47-115)، وطُبعت على اللفافة اليسرى لهذا القسم رخصة البيع· وينتهي المجلد بست عشرة صفحة غير مرقمة تتضمن قائمة المحتويات· وعنوانه الأصلي:
Relacion del Camino qve hize dende la India hasta Italia.
2· الترجمة الفرنسية
يبدو أن كتاب بيدرو تيخيرا قد لاقى وقعاً حسناً في نفوس القراء، ومن الطبيعي أن يستشهد الكتّاب اللاحقون عن الشرق به بوصفه مصدراً موثوقاً· ومع ذلك، فحتى وقت قريب من وفاته لم تظهر ترجمة لكتابه بلغة أخرى· لكن الترجمات والنسخ المحققة ظهرت لاحقاً· ففي باريس صدرت ترجمة بالفرنسية سنة (1681)، بعنوان: رحلات تيخيرا: أو ملوك بلاد فارس المترجم من الإسبانية إلى الفرنسية· وهذه النسخة بمجلدين، وتتضمن كتاب تيخيرا كله، مع حذف أو بالأحرى اختصار للكثير من الاستطرادات· ومترجم هذه النسخة تشارلس كوتولنديا· وتتألف هذه الترجمة من (264) صفحةً، وعنوانه بالفرنسية:
Voyages de Texiera sic ov I' Histoire des Rois de Perse Traduite d'Espagnol en François... A Paris, Chez Claude Barbin, au Palais, sur le Second Perton de la Sainte Chapelle, Barbn, M. DC. LXXXI. (1681), Avec Privilege du Roy; (par: Charles Cotolendia).
صفحة 5
3· الترجمتان الانكليزيتان
- ترجمة جون ستيفنس: إن أول ترجمة لكتاب رحلات تيخيرا إلى الإنكليزية هي ترجمة العلاّمة الإنكليزي جون ستيفنس، الذي، مع ذلك، لم يقم بترجمة الكتاب ككل في وقت واحد، وإنما نشر أولاً رحلات الرحّالة بين سنتي (1600-1601) و(1603- 1605) فقط· وقد ظهرت هذه الترجمة في كتاب مجموعة جديدة من الأسفار والرحلات، المطبوع في لندن بأجزاء شهرية من القطع الصغير، بدءاً من شهر كانون الأول سنة (1708) حتى وقت ما من سنة (1710)· وتحمل الصفحة الأولى العنوان الآتي: رحلات بيتركذا(17) تيخيرا من الهند إلى إيطاليا عبر البر· وتحتل الترجمة الصفحات (1-81)(18)، ثم تأتي ست صفحات غير مرقمة تتضمن المحتويات والفهرس· وعنوانه الأصلي:
(The Travels of Peter Teixeira by Land; in: A New Collection of Voyages and Travels, Captain John Stevens (trans.
ويذكر ويليام سنكلير، الذي قام بإعادة ترجمة الرحلة وحققها فيما بعد، أن ترجمة ستيفنس صحيحة، لكنه لم يفهم النص الأصلي جيداً، أو أساء ترجمته في مواضع متعددة، وأحياناً يدسّ كلمة أو جملة اعتراضية تدل على تغيّر الظروف التي كتب بها تيخيرا(19)· ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن أسلوبه يتّسم بالحيوية والسلاسة دائماً، وهي مسألة لمسناها أثناء ترجمتنا لنسخته·
- ترجمة ويليام سنكلير: أما الترجمة الأخرى لكتاب تيخيرا فهي الترجمة المنقّحة المحققة التي قدمها ويليام سنكلير، المذكور أعلاه، التي صدرت بعنوان: رحلات بيدرو تيخيرا، مع كتابه ملوك هرمز، ومقتطفات من كتابه ملوك فارس، المطبوع بلندن سنة (1902)· وعنوانه الأصلي:
The Travels of Pedro Teixeira; with his زKings of Harmuzس and Extracts from his زKings of Persia,س by: William Fredrick Sinclair (trans. ed.), London, 1902.
ومع أن هذه الترجمة منقحة، إلا أنها لا تشمل كتاب ملوك فارس كله، وإنما مقتطفات منه، مع أن المترجم ذكر في مقدمته للكتاب أن ترجمته شملت الكتاب كله، فضلاً عن أن أسلوب الترجمة يتّسم بالتعقيد البالغ، لأن المترجم استخدم لغةً أدبيةً متقدمةً، بخلاف ترجمة ستيفنس السلسة الواضحة· ومع ذلك، فإن نسخة سنكلير تتضمن هوامش توضيحيةً غنيةً بمعلومات تجعل الكتاب أكثر وضوحاً· وقد نُشرت هذه الترجمة ضمن مجموعة هاكليوت للرحلات، وبواقع (292) صفحة، تتصدرها مقدمة شاملة مكونة من مئة صفحة مرقمة بالأرقام اللاتينية، مقسمة على ثلاثة محاور: يتناول الأول تعريفا بشخصية بيدرو تيخيرا والظروف التي أدت إلى قيامه برحلتيه إلى الشرق؛ ويتناول الثاني مجئ الإنكليز والهولنديين إلى الشرق أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر الميلاديين، والأحوال التي كانت سائدةً في الهند آنذاك؛ ويتناول المحور الثالث تعريفاً بكتاب تيخيرا بأجزائه المختلفة: كتابيه عن ملوك هرمز وفارس، وكتاب رحلاته من الهند إلى إيطاليا عبر الطريق البريّ، فضلاً عن تمهيد بقلم المترجم وشهادة ورخصة الطبع· والعنوان الأصلي لكتاب الرحلة:
The Travels of Pedro Teixeira: Narrative of My Journey from India to Italy.
ثم تأتي الرحلات التي تحتل الصفحات (1-151)، وبعدها الملحق الأول بعنوان: رواية مختصرة عن أصل مملكة هرمز وملوكها حتى الاحتلال البرتغالي، مقتطعة من تاريخها الذي كتبه ملكها توران شاه، وعنوانها الأصلي:
A Short Narrative of Origin of the Kingdom of Harmuz sic, and of its Kings, down to its Conquest by the Portuguese; extracted from its History, written by Torunxa sic, king of the Same.
وهذا الملحق يشمل الصفحات (153-195)، ثم الملحق الثاني المعنون: مقتطفات من سرد ملوك فارس، ويشمل الصفحات (196-239)، والملحق الثالث بعنوان: رواية مختصرة عن أشهر الولايات الخ···، ويشمل الصفحات (241-255)، والملحق الرابع بعنوان: سرد لتتابع ملوك هرمز زمنيا، مأخوذ من كتاب تاريخ ألفه ملك تلك المملكة المدعو توران شاه، والمكتوب باللغة العربية، وترجمه باختصار إلى البرتغالية أحد الإخوة من أتباع طريقة القديس دومينيك الذي وجد في جزيرة هرمز مأوىً لطريقته· ويشمل هذا الملحق الصفحات (257-267)· وعناوين الملاحق:
Extracts from the Relation of the Kings of Persia .
A Short Account of the Most Notable Provinces and those that have continued longest under the dominion of Persia.
Relation of the Chronicle of the Kings of Ormuz, taken from a Chronicle composed by a King of the same Kingdom, named Pashaturanxa sic, written in Arabic, and summarily translated into Portuguese language by a friar of the order of Saint Dominick, who found in the island of Ormuz a house of his order.
في هذه الترجمة أشار وليم سنكلير إلى مصادر معلومات الرحّالة والكتب التي ربما كان قد اعتمد عليها· وبالنتيجة، فقد قدّم لنا ترجمةً تاريخيةً محققةً رائعة من وجهة نظر غربية، مع أنها لا تخلو من هفوات بسيطة·
صفحة 6
4· الملخصات العربية للرحلة
مما يدعو للأسف أن رحلة تيخيرا لم تُترجم إلى العربية على الرغم من أهميتها، وكل ما نُشر عنها لا يعدو كونه ملخصات عنها، ولم تُقدَّم إلى القارئ العربي إلا بشكل محدود جداً، وكالآتي:
1· في سنة (1964) نُشر سردٌ ملخص لهذه الرحلة بعنوان: مشاهدات تكسيرا في العراق سنة 1604: ملخصة عن الترجمة الإنكليزية، بقلم الأستاذ جعفر خياط(20)· وهذا السرد يتضمن حوادث الرحلة في العراق تحديداً مع مداخلات بقلم المترجم غير موجودة في نص الرحلة·
2· بعد ربع قرن نشر الأستاذ فؤاد قزانجي ترجمةً أكثر اختصاراً لملخص الرحلة بعنوان: رحلة البرتغالي تاكسيرا إلى العراق في القرن السابع عشر بقلم ساراسيرايت(21)·
3· وفي سنة (1996) صدرت في المنامة ترجمة مختصرة أخرى بعنوان مشوّه هو: تاريخ الخليج والبحر الأحمر في أسفار بيدرو تخسيرا(22)· وهذه الترجمة مختصرة إلى حد كبير، فضلاً عن كونها لا تعكس العنوان· فالمعروف تاريخياً أن تيخيرا لم يزُر البحر الأحمر مطلقاً، كما أن المترجم الفاضل، الدكتور عيسى أمين، وقع بأخطاء تاريخية فادحة حينما ترجم كلمة البنادقة (Venetians) بتعبير الفينيقيين، أو السوريين للتوضيح· فهل كان الفينيقيون موجودين في الوقت الذي حدثت فيه الرحلة؟
- ترجمتنا للنص
قمنا بترجمة ما يخصّ العراق وبادية الشام من هذه الرحلة، من الفصل الثالث إلى الفصل العاشر، وهي تتضمن حوادث الرحلة قبل دخول الرحّالة إلى البصرة حتى خروجه من مدينة عانة ووصوله إلى مدينة حلب· واستخدمنا في ترجمتنا النسختين الإنكليزيتين، نسخة جون ستيفنس ونسخة وليم سنكلير (مع تركيز أكثر على نسخة ستيفنس)، وطابقناهما مع بعض، لوجود بعض الاختلافات بينهما· وتشمل الترجمة الصفحات (13- 68) من ترجمة جون ستيفنس، والصفحات (23- 112) من ترجمة وليم سنكلير· وترجمنا النص كما هو، ولم نتدخل فيه، ولم نحذف أو نبدّل أو نحوّر أو نحرِّف أي شئ منه، وأبقينا حتى تلك العبارات التي وجدناها لا تنسجم مع قناعاتنا، لقناعتنا أن الأفكار والانطباعات والآراء الموجودة تمثل وجهة نظر الرحّالة، وأي تلاعب فيها يُفقد النص أهميته وسلامته التاريخية والعلمية·
أمّا فيما يخص التحقيق والتعليقات فقد أفدنا من بعض المعلومات الواردة في نسخة سنكلير وأضفنا لها تعليقات أخرى وقارناها بمعلومات من رحلات أخرى، كما أفدنا من بعض الملاحظات الواردة في مقدمته الشاملة في كتابة هذه المقدمة· وحرصنا على تثبيت المقارنات وحالات الاختلاف بين النسختين، وقمنا بتثبيت أسماء الأيام لكل يوم، وهي ليست موجودةً بشكل كامل في النسختين· كما قمنا بوضع الكثير من الشروح والتعليقات والصور التوضيحية للترجمة، لتزيد الرحلة متعةً وأهمية· وأخيراً، قمنا بإدراج صور لجميع النسخ التي حصلنا عليها عن كتاب رحلة تيخيرا، بطبعاتها المختلفة، وباللغات المختلفة، إلى جانب كتابيه عن ملوك فارس وملوك هرمز، بطبعاتهما المختلفة أيضاً· وختمنا عملنا بوضع لوحات تحمل صور وتماثيل الرحّالة، وهي أول مرة تُنشر فيها صورته بحسب ظننا·
تثبت رحلات تيخيرا أنه كان مراقباً ومشاهداً دقيقاً وثاقب البصر، وتتجلى في روايته للأحداث قدرته العالية على النقد· وسنلاحظ أن كتاب رحلاته يتضمن معلومات غزيرةً ذات أهمية كبيرة· كما أن أسلوبه في الوصف والسرد ممتعٌ شيّق، لكنه أفكاره غير متسلسلة دائماً، فنراه يتنقل من موضوع إلى آخر· نأمل أن تكون ترجمتنا لرحلته إسهاماً متواضعاً في ميدان أدب الرحلات، وخدمةً للباحثين والمؤرخين المهتمين بهذا الحقل من التاريخ·
صفحة 7
الإبحار مجدداً من هرمز والوصول إلى الخليج الفارسي مرة ثانية، ثم عبر نهري دجلة والفرات إلى مدينة البصرة
الخميس، 17 حزيران: (4061) بعد أن تهيأنا وتجهزنا بالمؤن في هرمز، واصلنا رحلتنا التي كنا نأمل أن تسير بشكل أفضل؛ فالرياح الشمالية الشرقية في هذا الموسم، كما تأكدنا، تكون أهدأ وأقل عنفاً· إلا أننا، في حقيقة الأمر، وجدنا أن هناك اختلافاً قليلاً عمّاذُكر· وفي هذه المرة أبحرنا بعيداً عن جزيرة قشم، وانطلقنا بسرعة نحو الساحل نفسه كما في الرحلة السابقة· واجتزنا مستنقعات كناوة(23) الضحلة، ثم اجتزنا بعدها حصن بوشهر(24) الشهير بوفرة الخبز والفواكه والخضار ذات النوعية الجيدة، وهو يقع ضمن الأراضي الخاضعة للشاه، أو ملك بلاد فارس، الذي شيد عليها ميناءه المحصّن جيداً·
جزيرة خرج
وإلى الأبعد باتجاه الشمال توجد جزيرة ريق سيف الدين(25)، أي رمال أو شاطئ سيف الدين، وهي مأهولة بالعرب، مثلها في ذلك مثل الجزء الأعظم من هذا الساحل الفارسي التابع للشاه أو الملك· وبعض هؤلاء العرب يميّزون البرتغاليين، فيأخذون بطاقاتهم أو أجوزة سفرهم(26)، التي يتعرضون من دونها لملاحقة السفن البرتغالية من نوع الفوستات(27)، التي كانت تجوب تلك البحار الضيقة بشكل مستمر· لذا، فقد كانت علاقة سكان ريق سيف الدين سيئةً مع البرتغاليين، بسبب المظالم التي ذكرناها سابقاً· وبسبب ذلك، فضلاً عن الخوف من الغليوتات الأربعة التي أبحرت معنا أيضاً، فقد هجر السكان جزيرة خرج كلياً، التي تقع مقابل اليابسة بمسافة ثلاثة فراسخ، ويبلغ محيطها أقل من فرسخين· وهي تشكل ملاذاً جيداً ضد الرياح الشمالية الغربية، كما أن طبيعة أرضها جبلية وصخرية، ومياهها عذبة، وفيها بعض بساتين النخيل، فضلاً عن الخِراف والماعز، كما أنها تنتج كميات كبيرةً من البصل؛ إذ تُرسل الحمولات الكبيرة إلى البصرة(28) وغيرها من الموانئ· أما أهلها فأغلبهم من العرب(29)· وهنا رسونا في الخامس والعشرين من تموز، ومكثنا أربعة أيام بسبب شدة الرياح المعاكسة· وإلى الشمال من هذا المكان توجد مرتفعات بلاد فارس على امتداد حدّ البحر وعلى مرأى البصر، ولكنها من هذه النقطة فصاعداً تتجه نحو البر(30)، فالأرض منخفضة جداً بحيث لا يمكن تمييزها حتى عند مسافة قريبة جداً· وهناك نهران عميقان مياههما عذبة يصبان في هذه الأنحاء، عند بوشهر وريق سيف الدين(31)·
قناة خراب
من هذا المكان أبحرنا شرقاً، مفتقدين مشهد الأرض تماماً، مع أننا كنا قريبين منها، بسبب مستواها المنخفض· وكان يقودنا مرشد محمّدي =مسلم، توجه بنا نحو جزيرة خرج التي، مع أنها أفضل جزيرة في تلك الأنحاء، جعلتنا قريبين من اليابسة جداً، عند قناة يسميها المحمّديون خراب، أي المكسور، أو المخرّب(32)· فهُم يقولون أن ثمة مدينةً كانت هناك، لكنها غرقت بسبب مستواها المنخفض· ويبلغ عُرض هذه القناة نحو أربعة فراسخ، وهي كثيرة الضفاف، لذا فغالباً ما يعبروها بكل الطرق ويُبقون القارب إلى الأمام بسبب التفاوت الكبير في العمق، الذي يبلغ ثلاث قامات على الأقل· وحينما كنا خارجها شاهدنا مسطحات مائيةً أكثر، ويابسةً على كلا الجانبين· وبعد أن أدرنا ظهرنا إلى الساحل الفارسي وصلنا في الأول من آب إلى مرسىً عند مصب شط العرب، أي نهر العرب، إذ يُدعى النهر الكبير شط، والأصغر خور، أو هور، أو ود؛ ويسمى بالإسبانية الوادي الكبير، والوادي الأكبر، ووديانا، وغير ذلك(33)·
صفحة 8
شط العرب
يتكون هذا النهر = شط العرب، الذي يستمد الناسُ المياهَ العذبةَ من قنوات تبعد ثلاثة فراسخ عنه، من التقاء النهرين الشهيرين، دجلة والفرات، عند القرنة، وهي آخر نقطة من بلاد ما بين النهرين، وتقع على بعد ثلاثة أيام شمالي مدينة البصرة(34)، وتوجد فيها قلعة للأتراك تسمى القرنة، أي النقطة، وهي تشرف على القناتين(35)· وهنا يتحد النهران ليصبا مياههما بين شواطئ مستوية على كلا الضفتين التي يسيطر على السهول الشمالية أو الفارسية منها الزعيم العربي مبارك بن مطلب، الذي يخوض الآن حرباً مع السلطان التركي، مدّعياً بأحقيته في تلك الأراضي وأراضي البصرة(36)· وفي تلك الأراضي توجد مدن مهمة وكبيرة مثل المقدم(37) والحويزة ودورق(38)، وهي مهجورة مع أنها ليست قاحلةً، لكنها غير مزروعة خوفاً من الأتراك· أما الأراضي الواقعة على الضفة الأخرى، أي الضفة العربية، فهي خصبة ومزروعة وفيها بساتين نخيل شاسعة وبساتين فاكهة وحدائق(39)· وهناك انعطافة كبيرة عند مصب النهر الذي يعود إلى مساره ليتجه هنا من الغرب إلى الشرق· وربما يبلغ عرضه في هذا المكان أقل من ميلين وعمقه في أوطأ مستوىً له نحو ست قامات في هذا الموسم، ومنسوبه منخفض وتياره قوي·
على كل شاطئ من هذه الشواطئ شاهدنا قطعاناً وأسراباً كثيرةً، وطيور إوز وبط ودجاج وبهائم أخرى· أما السكان فهُم من العرب الذين يتواصلون فيما بينهم سباحةً على جلود منفوخة =قِرب· وقد جاء الكثيرون منهم إلى سفينتنا لبيع الدجاج البحري والإوز والحليب والزبدة والتمور وغيرها من الأطعمة، وكلها بأسعار زهيدة جداً· وكانت هناك رياح معاكسة قوية، لذا سرنا ببطء مع اتجاه النهر· وبعد ثمانية أو تسعة فراسخ وصلنا إلى حيث ينقسم النهر على قناتين متساويتين: إحداهما تصبّ جنوباً نحو شبه الجزيرة العربية، وتدخل الخليج الفارسي عند القطيف بالقرب من البحرين، مشكِّلةً لساناً من الأرض على شكل جزيرة ربما يبلغ طولها أكثر من فرسخ(40)· أمّا القناة الأخرى فهي تلك التي أبحرنا عليها، ومنها على مجرىً منفرد، أوسع وأعمق· وإلى الشمال منها قليلاً وصلنا إلى جُزيرة عند منتصف النهر يبلغ طولها فرسخ واحد، وعُرضها نصف فرسخ، خضراء جداً وزاخرة ببساتين النخيل والحدائق(41)· والقناة الواقعة على جانب شبه الجزيرة العربية أعمق منها· فتابعنا رحلتنا ووصلنا عند الساعة الثامنة صباحاً من يوم السادس من آب إلى قرية السرّاجي(42)، الواقعة على بُعد خمسة عشر أو ستة عشر فرسخاً من هذا الشريط، حيث ترسو السفن المحمّلة لتفريغ حمولتها· فألقينا مراسينا قبالة حصنٍ كان الأتراك يشغلونه على جانب النهر، في إقليم مبارك(43)· فقد كان للأتراك الكثير من هذه الحصون هنا، سواءً في شمال الحصن أو جنوبه، لحماية المنطقة ومراكبهم من غزوات العرب·
تركتُ السفينةَ ودخلتُ القناةَ، التي ربما يبلغ عمق مياهها قامتين عند الجزْر، وأكثر من ثلاث قامات عند فيضان المدّ· وفيما يخص المدّ والجزْر فهو محسوس هنا، ومع ذلك فالمياه عذبة جداً(44)· وبعد رحلة أقل من فرسخ عبر هذا الجدول الصغير، المزدان من كل جانب بالأراضي المزروعة وبساتين النخيل والحدائق المروية هنا وهناك، وصلنا إلى البصرة·
صفحة 9
مدينة البصرة
تقع البصرة(45)، وهي مدينة يسكنها العرب، على بُعد ميلين من شط العرب، المكوّن من التقاء نهري الفرات ودجلة، وتتصل بهما عبر القناة التي سبق ذكرها(46)، وعن طريق اليابسة المعزولة بقنوات طبيعية وقنوات صناعية· وهي تقع على أرض منبسطة، وربما كان فيها عشرة آلاف بيت داخل الحصن وخارجه، معظمها واسعة وفسيحة، لكن بناءها ردئٌ؛ فهي مبنية بالآجر المجفف بالشمس الذي لا يصمد أكثر من ثلاث سنوات إلا ما ندر· وبيوت الفقراء في العموم من الحصران وحُزم القصب الذي يكثر في الأنهار· وهنا يوجد حصن مربع الشكل، طوله أطول من عُرضه(47)· وجميع الأسوار والمتاريس هنا من الطين، وكلها مهدمة تقريباً· ويحيط بالمدينة خندق عميق وعريض يغذيه رافد، وبداخله نحو عشرة آلاف بيت(48)· وهنا مركز الحركة التجارية ومعظم الحِرف اليدوية أيضاً، فضلاً عن المقرات الرئيسة ومراكز القيادة ومعظم الحامية التي تتكون إجمالاً من ثلاثة آلاف رجل بين جنود مسلحين وخيّالة، وهم من الأتراك والأكراد والعرب، إلى جانب أولئك الموجودين في المخافر· وهناك الباشا، وهو القائد الأعلى في حالتي السلام والحرب، ودار مكوس تدرّ عوائد كبيرةً تدفع منها نفقات الحاميات وغيرها من التكاليف، ويزيد منها فائض كبير·
وهنا أيضاً دار لصناعة السفن أرسنال(49)، وعدد كبير من المدفعية جيدة الصنع، وبعض القوادس القليلة المصنوعة من قطع الخشب الصغيرة، وهي رديئة الصنع· وقد تمّ تدشين إحداها حينما كنت هناك· ولكن تلك القوادس لم تكن معدّةً ضد البرتغاليين مثلما كتب أحدهم، لأن الأتراك كانوا يعرفون جيداً أنهم لا يستطيعون بمثل تلك القوادس(50) إلحاق الأذى بهم، وإنما كان الغرض منها استخدامها في النهر وفي المناطق المجاورة ليس إلا، لكبح جماح العرب المتمردين الذين كانوا يبتزون منهم إتاوة ثقيلة· وعلى الرغم من قلة عدد تلك القوادس، إلا أن كلفتها كانت عاليةًَ، لأن أشجار الصنوبر لا تنمو في تلك المنطقة على الإطلاق، كما أن استيراد أخشابه من المناطق الأخرى مكلفٌ·
وثمة جسرٌ خشبيٌ مكونٌ من ثمانية قوارب يمتد على رافد النهر، ولكن في الأماكن الأخرى يعبر الناس على قوارب يسمونها دوانق مصنوعة من قطع خشب صغيرة بسبب شحّة القطع الأكبر· ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذه الدوانق غير مجلفطة(51)، فإن الماء لا ينفذ إليها لأنها مغطاة بقار يسمونه قير(52) سأتحدث عنه كثيراً فيما بعد، بدلاً من الزفت·
والبصرة مجهزةٌ تجهيزاً جيداً بالمواد الغذائية وخصيبة، ولاسيما بالتمور التي تكثر هنا بأنواع فاخرة جداً ومتنوعة، حتى أن كميات كبيرةً منها تُصدّر إلى بغداد وإلى موانئ بلاد فارس وهرمز سنويا، لأن تلك المواد تشكل الغذاء الرئيس لعامة الناس· وتنتج التربة هنا كل صنوف الفواكه والخضار والقمح والشعير والرز والحبوب، وهي وفيرة وزهيدة· وبسبب حركة الاستيراد من بوشهر(53) وريق سيف الدين ودورق(54)، يبقى السعر منخفضاً· وهناك أنواع كثيرة من المواشي الصغيرة والكبيرة، وأنواع كثيرة من الطيور أيضاً(55)، وهناك الأسماك النهرية، لكن طعمها ليس لذيذاً· وهناك تجارة مع هرمز التي تأتي منها كل السلع الهندية، ومع كل من البحرين والقطيف والإحساء(56) وبلاد فارس وبغداد وكل أنحاء شبه الجزيرة العربية· وتنتشر هناك أعداد لا حصر لها من العقارب، وقد شاهدت الكثير منها بحجم الروبيان(57)· والهواء هناك غير صحي والمناخ حار جداً· أمّا السكان فهُم من الأتراك والعرب، ولكن أعداد العرب أكثر، فهُم هنا مواطنون، وملامح معظمهم جميلة، ولاسيما الأطفال والنساء، اللواتي يُقال أنهن لسن عفيفات جداً كذا· وغالباً ما يستخدم السكان هنا الجِمال والبِغال والحمير والخيول؛ ومنها خيول إستيلاد نشطة تُصدّر إلى هرمز للمتاجرة بها في الهند بسبب كثرتها وجودة نوعيتها·
حينما وصلت البصرة كان كثير من بيوتها بحالة خراب، داخل الأسوار وخارجها، وقد أُعيد بناؤها بسرعة كبيرة جداً· وكان السبب في ذلك الخراب أن النار شبّت في مستودع للبارود قبل ثمانية أو عشرة أيام، فانفجرت خمسة آلاف كيس جلدي من البارود، وأحدثت هياجاً شديداً، حتى اعتقد الناس أنها نهاية العالم· وقد حدث ضررٌ عظيمٌ في الجزء الأعظم من هذه المدينة، التي مضى عليها الآن نحو قرنين وهي منتصبة في هذا المكان· أمّا الآن فهي في موقعها الثالث(58)· ويحتل الأتراك هذه المدينة منذ أكثر من خمسين سنةً بعد أن سيطر عليها أحد الطغاة العرب ووضعها تحت تصرفهم(59)·
صفحة 10
أما فيما يخص تقاليد السكان وملبسهم وعاداتهم، فليس هناك ما يمكن قوله، لأنهم كلهم عرب وأتراك، وأساليبهم معروفة جيداً· وجميع النقود الذهبية والفضية متداولة بهذه المدينة بما تساويه قيمتها، ولكن النقود المضروبة في دار السكة مصنوعة من الفضة والنحاس· وتشمل العملات الفضية: اللارينات(60)، وهي نقود طولية الشكل ذات نهايات منحنية تساوي الواحدة منها خمسة وستين مرابطياً؛ والشاهيات(61)، وهي عملات مدورة الشكل تشبه عملتنا سيشيللو(62) وتساويها في القيمة، وأشكالها جميلة جداً، لكن عيارها أقل من عيار اللارينات·
لا توجد في هذه المدينة مبانٍ جديرة بالذكر، باستثناء بعض الحمّامات العامة، وهي نظيفة جداً ومُربحة· والقانون يسمح للرجال بدخول تلك الحمّامات حتى الظهيرة، وللنساء من الظهيرة حتى مغيب الشمس· وإذا ما سوّلت لأحد نفسه ارتكاب الحماقة وخرق هذا القانون، فسيُعاقب بقسوة بالغة· وتجري القناة الصناعية، كما ذكرت، باتجاه شمالي المدينة، ومنها تُسقى حقول واسعة وعدد هائل من بساتين النخيل· وقد أكد لي المسنّون أنها كانت فيما مضى صالحةً للملاحة إلى حد مدينةٍ تقع على بُعد ثلاثين فرسخاً نحو الداخل، ولكن كمية المياه التي تتدفق من القناة قليلة· ومع ذلك، فلا تزال القناة مشهورةً بكونها من عمل الإنسان·
تبجيل المسلمين للمسيح
في أحد الأيام اصطحبوني إلى تلك القناة بمسافة تزيد عن ثلاثة فراسخ بقليل لرؤية الشيخ أو السيد(63) الذي يحكم مساحات شاسعةً من المنطقة التي مررت بها فيما بعد· وكان هذا يُدعى الشيخ محمّد بن راشد(64)، وهو رجل يستحق مرتبةً أفضل لمظهره وهيبته، وتحدث معي حديثاً مطولاً عن طريق المترجم(65)، وأبدى سروراً كبيراً بهذا الخصوص، لأنه لم يرَ إفرنجياً قبل ذلك قطْ، كما يسمون المسيحيين الأوروبيين في أوروبا· وتساءل عن ملبسي ولغتي وعاداتي التي يبدو أنها أثارت اهتمامه جداً· وبعد أن دعاني إلى مأدبة باذخة وتناولت معه وجبةً من لحم دجاج سئ الطهي - لم يكن له أدنى طعم - استأذنته بالانصراف·
وصعوداً مع مجرى النهر، الذي كان منظره ساراً جداً حقاً، كنت أرى المحمّديين(66) الذين كانوا معي في القارب يتسلقون مكاناً معيناً ويُصلّون بخشوع كبير جداً· ونظرت إلى حيث كانوا يتطلعون بصلاتهم، فشاهدت عند الشاطئ منزلاً صغيراً أشبه بالصومعة، وتساءلت عمّ يكون· فقالوا أنه مكرّسٌ لعيسى بن مريم، أي يسوع بن ماريا· وأروني مساحات شاسعةً من الأراضي والكثير من بساتين النخيل التي أُوقفت لدعمه ولخدمته· وقد أثار هذا الأمر دهشتي، لأنني لم أكن اعرف أبداً أن المسلمين يكرّسون له معبداً(67)، مع أني أعرف أنهم يبجلونه كثيراً ويسمونه روحُ الله، أي نَفَسُ الله·