صفحة 1
نبذة عن حياة الرحّالة صموئيل إيفرز
إن حياة هذا الرحّالة وكتابه تكاد تكون مجهولةً بالكامل، على الرغم من وجود مقالين مهمين في عددين من صحف جمعية متحف هورشام يعود تاريخهما إلى أواخر سنة (2001)، حصلنا منهما على معظم معلوماتنا عن الرحّالة وعن كتابه·ينتمي صموئيل إيفرز (المولود في أوائل سنة 1764) إلى عائلة ميشيل الثرية، واسمه يعني الساكن على منحدر جبل ووالدته كاترين إيفرز، ووالده جون إيفرز، وله أخت واحدة· وجده جون ميشيل· وقد توفي والده حينما كان شابًا، أما والدته فقد توفيت في نيسان/ ابريل (1764)· وقد ورث صموئيل مُلكيةً في مدينة ساسكس بإنكلترا·
في ما يخصُّ المرحلة المبكرة من حياة صموئيل إيفرز فلا نعرف الكثير، ومن الصعوبة معرفة التواريخ الدقيقة لها· ولكننا نعلم أنه دخل المدرسة بين سنتي (1769) أو (1771)· ثمَّ ذهب إلى الهند للعمل في شركة الهند الشرقية، وهي أكبر مؤسسة تجارية في ذلك الوقت؛ إذ كانت فرص الحصول على الثروة فيها كثيرة، ولاسيما من خلال التجارة· ولكن أوضاعه المالية تدهورت في الهند، وحينما عاد إلى بلاده وجد أن أملاكه محتجزةٌ؛ فانتهى به المطاف للعمل بصفة كاتب بسيط·
ترك إيفرز عمله في شركة الهند الشرقية في أوائل سنة (1779)، وقرر العودة إلى أوروبا عبر الطريق البرّي، وهو الطريق الذي سلكه الكثير من الرحّالة قبله· ولحسن الحظ، فقد سجّل يوميات رحلته من البصرة إلى إيطاليا بعد عودته إلى بلاده· فقد غادر الهند بالسفينة، ومنها وصل إلى البصرة (التي بدأ فيها بتدوين رحلته)، ومنها إلى بغداد، ثمَّ عبر طريق البادية إلى حلب، ومنها إلى اللاذقية والبحر المتوسط إلى إيطاليا·
وخلال السنوات السبع المقبلة (1780-1787)، أي بين وصوله إلى بلده حتى وفاته، لا نعرف الكثير عن حياته سوى إشارات محدودة، منها أنه كان يواجه مشكلةً ماليةً في سنة (1785) تخصُّ أمواله وممتلكاته الأخرى، فتراكمت ديونه تدريجيًا، حتى اضطر للعمل بصفة كاتب لدى أحد المحامين· ومع ذلك، بذل قصارى جهده لدفع كتابه للنشر في سنة (1784)، مما يدل على أن مادته نالت استحسان المقربين إليه والناشر على حد سواء· ولكنه انتحر فجأةًً بعد ثلاث سنوات في يوم الجمعة 13 نيسان/ ابريل (1787)، ربما نتيجة حالة اضطراب نفسي أو يأس· ويبدو أن سبب انتحاره اكتشافه زواج خطيبته آن فالانس التي تزوجت ابن مدير مدرسة·
كان إيفرز خلال السنوات الأخيرة من حياته يعيش في دوّامة؛ فقد خسر أمواله ووظيفته، وفقد حبه وثقته بمن يحب، فانهارت آماله وطموحاته فجأةً وقرر أن ينتحر، ولم يترك سوى كتاب رحلته الذي نقدم ترجمته الحالية· ومع أن كتابه ليس من الكتب البالغة الأهمية، وأن إيفرز لم يذكر فيه ما لم يسبقه فيه أحد، إلا أنه ملئ بالملاحظات التفصيلية الخاصة بالعراق، إلى جانب ندرته، وهنا تكمن أهميته·
صفحة 2
وصف كتاب الرحلة ونظرة عامة في محتواه
صدر كتاب رحلة صموئيل إيفرز في سنة (1784)، أي بعد خمس سنوات من انتهاء الرحلة· وكان عنوانه: رحلة من البصرة إلى بغداد: عبر الصحراء الصغرى، إلى حلب، وقبرص، ورودس، وزانته، وكورفو؛ ثمَّ اوترانتو، بايطاليا، في سنة (1779)، بقلم جنتلمان·- A Journal kept on a Journey from Bassora to Bagdad: Over the Little Desert to Aleppo, Cyprus, Rhodes, Zante, Corfu: And Otranto in Italy: in the year 1779, 1789.
ويؤكد الرحّالة أن كتابه تسجيلٌ لمذكرات رحلته، وأنه كتبها لمجرد التسلية، ولم يفكر بنشرها إلا بعد توسلات من أصدقائه، فنزل عند رغبتهم وباشر بطبع تلك المذكرات التي أصبحت الأثر الوحيد له·
يتكون الكتاب من (155) صفحةً من القطع المتوسط، وهو غير مقسَّم على فصول، ويضمُّ لوحةً واحدةً عن آثار برس نمرود (بورسيبا)·
وتشرح صفحة العنوان تفاصيل أخرى عن الرحّالة وكتاب رحلته· فالرحّالة لا يذكر اسمه صراحةً وإنما يذيِّل رحلته بتوقيع مجهول جنتلمان، وضابط سابق في شركة الهند الشرقية· وبجانب كلمة جنتلمان كتب الأستاذ يعقوب سركيس اسم الرحّالة (Evers)، بخط اليد· أما ستيفن هيمسلي لونكريك فلا يذكر الرحّالة بالاسم في قائمة مصادره وإنما يشير إليه باسم مؤلف مجهول، بينما تشير المصادر الأجنبية إليه بالاسم صراحةً·
وتتضمن صفحة العنوان تفاصيل أخرى عن المحتوى، فتذكر أن الرحلة تتضمن وصفًا عن رحلة القوافل عبر الصحراء العربية؛ وطريقة وتكاليف الحجر الصحي، ووصف التربة، وعادات وتقاليد البلدان المختلفة الممتدة على ذلك الطريق الطويل، الخ الخ وطُبع الكتاب في مطابع مدينة هورشام·
وربما يتضمن مخطوط الكتاب معلومات أخرى لم تنشر في الكتاب· فقد ذكرت صحيفة جمعية هورشام أن الرحّالة يقدِّم في التمهيد (والكتاب المطبوع خالٍ من تمهيد) فكرةً مهمةً عن سبب تدوين رحلته، فيقول: آمل أن لا أكون مغرورًا بهذه الإضافة، وأن تكون المعلومات المنقولة في هذا الكرّاس ذات فائدة استثنائية للبريطانيين الذين بدأت تجارتهم مع العالم الشرقي تحتل الآن أهميةً حقيقية ويستطرد إيفرز قائلاً أن الطريق البرّي إلى الهند أصبح الآن أكثر ارتيادًا من السابق، وغالبًا ما يُفضّل على الطريق البحري الأخر الممل والطويل جدًا· وكل ما يسهِّل السفر عبر ذلك الطريق يثير اهتمام الجمهور· وهذا الكلام غير موجود في الكتاب المطبوع·
صفحة 3
يبدأ تسجيل يوميات الرحلة من البصرة وليس الهند· ومن البصرة يبدأ إيفرز رحلته في الساعة الرابعة من مساء يوم الخميس الموافق 10 آذار/ مارس سنة (1779)، بصحبة أربعة من رفاقه الانكليز· فغادروا البصرة في مشحوفين، مع مشحوف آخر على متنه كلٌ من السيد بيرفرد، والفرنسي المسيو بوريل دو بوغ، الذي رافقهم خلال بداية الرحلة فقط· وبعد أن تزوّدوا بما يلزم من أغذية وخدم ومترجم اسمه ريشة وصلوا إلى القرنة، في رحلة عبر شط العرب· ومن هناك مرّ ببعض القرى الصغيرة مثل قرية أبو قربوط، الحسينية، عبادة، فوصل الكوت في يوم الثلاثاء 16 آذار/ مارس، ومنها توجه إلى العرجة التي تحدث عن وحشية القائد الفارسي علي محمد خان فيها، بعد معركة ضروس حدثت بين العرب والفرس، ثمَّ وصل إلى قرية جريان، ومنها إلى السماوة، التي وصلها في يوم الأربعاء، 24 آذار/ مارس· وبعد أن مرَّ بكل من الحسكة (الديوانية) ومشهد علي وكربلاء والحلة، وصل بغداد في 10 نيسان/ ابريل·
ذكر الرحّالة أن بغداد مدينة كبيرة، يبلغ عدد سكانها (300) ألف نسمة، وتربتها خصيبة جدًا ولم أرَ مثلها على الإطلاق، وأن أسواق المدينة كبيرة وواسعة· كما وصف معالم المدينة المهمة، مثل القلعة وجسر القوارب ومعابد المدينة وجوامعها وما إلى ذلك· وغادر بغداد عبر طريق الصحراء الصغرى في طريقه إلى حلب، التي وصلها في يوم الجمعة 22 مايس/ مايو·
وصف الرحّالة مدينة حلب بأنها حاضرة سوريا، وأن عدد سكانها لا يقل عن (235) ألف نسمة، بينهم أتراكٌ ويهودٌ ومسيحيون، وهم يعيشون بوئام وانسجام· وذكر أن المدينة تنتصب على ثمانية تلال صغيرة، وبيوتها كبيرة ومريحة، ولها شرفاتٌ على سطوحها، وفيها مناور على شكل قبة تسمح بإضاءة الغرف· إلى جانب ذلك، فقد وصف الرحّالة الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مدينة حلب·
ومن حلب توجه الرحّالة إلى اللاذقية، وتحدث عن معالمها أيضًا، ومنها إلى قبرص، فوصل فاماغوستا في يوم الجمعة 30 حزيران/ يونيو، ومنها إلى كل من رودس، زانتة، كورفو، وأوترانتو، ومنها إلى نابولي· ومن نابولي توجه إلى انكلترا، فوصلها في نهاية شهر شباط/ فبراير (1780)·
ذكر الرحّالة أن بغداد مدينة كبيرة، يبلغ عدد سكانها (300) ألف نسمة، وتربتها خصيبة جدًا ولم أرَ مثلها على الإطلاق، وأن أسواق المدينة كبيرة وواسعة· كما وصف معالم المدينة المهمة، مثل القلعة وجسر القوارب ومعابد المدينة وجوامعها وما إلى ذلك· وغادر بغداد عبر طريق الصحراء الصغرى في طريقه إلى حلب، التي وصلها في يوم الجمعة 22 مايس/ مايو·
وصف الرحّالة مدينة حلب بأنها حاضرة سوريا، وأن عدد سكانها لا يقل عن (235) ألف نسمة، بينهم أتراكٌ ويهودٌ ومسيحيون، وهم يعيشون بوئام وانسجام· وذكر أن المدينة تنتصب على ثمانية تلال صغيرة، وبيوتها كبيرة ومريحة، ولها شرفاتٌ على سطوحها، وفيها مناور على شكل قبة تسمح بإضاءة الغرف· إلى جانب ذلك، فقد وصف الرحّالة الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مدينة حلب·
ومن حلب توجه الرحّالة إلى اللاذقية، وتحدث عن معالمها أيضًا، ومنها إلى قبرص، فوصل فاماغوستا في يوم الجمعة 30 حزيران/ يونيو، ومنها إلى كل من رودس، زانتة، كورفو، وأوترانتو، ومنها إلى نابولي· ومن نابولي توجه إلى انكلترا، فوصلها في نهاية شهر شباط/ فبراير (1780)·
صفحة 4
ترجمتنا للنص
ترجمنا من هذه الرحلة ما يخصُّ الطريق من البصرة إلى بداية وصول الرحّالة إلى البحر المتوسط عبر الطريق البرّي، وهو ضمن الصفحات (1-115)، أي منذ يوم الخميس، 10 آذار/ مارس إلى يوم الأحد، 30 حزيران/ يونيو (1779)· وحافظنا على النصّ كما هو ولم نتدخل فيه، ولكننا أضفنا إلى الترجمة فهرس المحتويات، ومقدمة هذا الكتاب، والعناوين الفرعية للرحلة، والتعليقات، وقمنا بتثبيت أسماء الأيام والتواريخ بدقة، وصححنا بعض التواريخ المذكورة خطأً، كما أضفنا بعض اللوحات والصور التوضيحية، وصورةً لغلاف الكتاب والمنزل الذي كان يعيش فيه الرحّالة، والمكان الذي دُفن فيه· ولم نعثر على رسم أو تصوير له·
واجهتنا أثناء الترجمة بعض الأسماء الغامضة لبعض المواقع في العراق وسوريا، فكتبناها كما وردت في الأصل مع إضافة علامة استفهام أمامها، لعلّنا نتعرف على أسمائها الدقيقة لاحقًا·
تعكس هذه الرحلة، والرحلات السابقة التي قمنا بترجمتها، جوانب مختلفةً من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وبادية الشام، قد لا تكون موجودةً في غيرها من المصادر· وهذه الرحلة تسلِّط الضوء على جوانب خفية عن علاقة العشائر العربية في جنوبي العراق (ولاسيما عشائر المنتفك) مع سلطة والي بغداد المملوكي حسن باشا (1778-1780)، وهي مرحلة مليئة بالصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، التي تمثّلت بالحصار الفارسي على مدينة البصرة في سنة (1775)· وهذا الكتاب من المصادر الأجنبية القليلة التي تحدثت عن تلك المنطقة خلال تلك المرحلة العصيبة؛ ولذلك فهو يحتل أهميةً خاصة·
ختامًا، نتقدم بالشكر الجزيل لموظفي مكتبة المتحف العراقي وللسيد نور الدين كامل لتعاونهم في توفير نسخة من هذه الرحلة النادرة، التي نأمل أن تكون المعلومات الواردة فيها مفيدةً وممتعةً للباحثين والمؤرخين وللمهتمين بأدب الرحلات عمومًا·
د· أنيس عبد الخالق محمود
ترجمنا من هذه الرحلة ما يخصُّ الطريق من البصرة إلى بداية وصول الرحّالة إلى البحر المتوسط عبر الطريق البرّي، وهو ضمن الصفحات (1-115)، أي منذ يوم الخميس، 10 آذار/ مارس إلى يوم الأحد، 30 حزيران/ يونيو (1779)· وحافظنا على النصّ كما هو ولم نتدخل فيه، ولكننا أضفنا إلى الترجمة فهرس المحتويات، ومقدمة هذا الكتاب، والعناوين الفرعية للرحلة، والتعليقات، وقمنا بتثبيت أسماء الأيام والتواريخ بدقة، وصححنا بعض التواريخ المذكورة خطأً، كما أضفنا بعض اللوحات والصور التوضيحية، وصورةً لغلاف الكتاب والمنزل الذي كان يعيش فيه الرحّالة، والمكان الذي دُفن فيه· ولم نعثر على رسم أو تصوير له·
واجهتنا أثناء الترجمة بعض الأسماء الغامضة لبعض المواقع في العراق وسوريا، فكتبناها كما وردت في الأصل مع إضافة علامة استفهام أمامها، لعلّنا نتعرف على أسمائها الدقيقة لاحقًا·
تعكس هذه الرحلة، والرحلات السابقة التي قمنا بترجمتها، جوانب مختلفةً من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وبادية الشام، قد لا تكون موجودةً في غيرها من المصادر· وهذه الرحلة تسلِّط الضوء على جوانب خفية عن علاقة العشائر العربية في جنوبي العراق (ولاسيما عشائر المنتفك) مع سلطة والي بغداد المملوكي حسن باشا (1778-1780)، وهي مرحلة مليئة بالصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، التي تمثّلت بالحصار الفارسي على مدينة البصرة في سنة (1775)· وهذا الكتاب من المصادر الأجنبية القليلة التي تحدثت عن تلك المنطقة خلال تلك المرحلة العصيبة؛ ولذلك فهو يحتل أهميةً خاصة·
ختامًا، نتقدم بالشكر الجزيل لموظفي مكتبة المتحف العراقي وللسيد نور الدين كامل لتعاونهم في توفير نسخة من هذه الرحلة النادرة، التي نأمل أن تكون المعلومات الواردة فيها مفيدةً وممتعةً للباحثين والمؤرخين وللمهتمين بأدب الرحلات عمومًا·
د· أنيس عبد الخالق محمود
صفحة 5
من البصرة إلى القرنة
الأربعاء، 10 آذار/ مارس (1779): عند الساعة الرابعة عصرًا غادرنا البصرة مع أربعة سادة انكليز في مشحوفين صغيرين، ورافقنا مشحوفٌ آخرٌ أيضًا يحمل كلاً من السيد بيرفرد، والفرنسي مسيو بوريل دو بوغ، وهما ينويان الافتراق عنا عند أول مكان نتوقف فيه، فهما ليسا من جماعتنا· فقمنا بتحميل المؤن، وهي سمك التونة ولحوم خنازير وبعض الأجبان والمشروبات الكحولية وغيرها من المستلزمات، ورافقنا ثلاثةٌ من الخدم: أوروبيٌ وأرمنيٌ من البصرة (وهو مترجمنا)، ويدعى ريشة، وخادمٌ حلبيٌ للسيد آبوت كان يريد العودة إلى سيده· فتوجهنا بهذه المشاحيف نحو القرنة، التي توجهنا إليها عبر نهر جميل جدًا، ضفتاه مزدانتان بأنواع جميلة من النخيل· والمنطقة كلها هنا ذات جمال أخّاذ·
الأربعاء، 10 آذار/ مارس (1779): عند الساعة الرابعة عصرًا غادرنا البصرة مع أربعة سادة انكليز في مشحوفين صغيرين، ورافقنا مشحوفٌ آخرٌ أيضًا يحمل كلاً من السيد بيرفرد، والفرنسي مسيو بوريل دو بوغ، وهما ينويان الافتراق عنا عند أول مكان نتوقف فيه، فهما ليسا من جماعتنا· فقمنا بتحميل المؤن، وهي سمك التونة ولحوم خنازير وبعض الأجبان والمشروبات الكحولية وغيرها من المستلزمات، ورافقنا ثلاثةٌ من الخدم: أوروبيٌ وأرمنيٌ من البصرة (وهو مترجمنا)، ويدعى ريشة، وخادمٌ حلبيٌ للسيد آبوت كان يريد العودة إلى سيده· فتوجهنا بهذه المشاحيف نحو القرنة، التي توجهنا إليها عبر نهر جميل جدًا، ضفتاه مزدانتان بأنواع جميلة من النخيل· والمنطقة كلها هنا ذات جمال أخّاذ·
صفحة 6
الوصول إلى القرنة
الخميس، 11 آذار/ مارس: في نحو الساعة العاشرة مساءًً وصلنا القرنة ولدى تقديمنا رسالةً من السيد لاتوش إلى الحاكم، استقبلنا الأخير بحفاوة كبيرة·وهنا حدث نزاعٌ بين الفرنسي ومترجمنا، بسبب قيام الأول بضرب الثاني أمام الحاكم حاتم آغا، لأنه قاطع حديثه على حد قوله· فاشتكى المترجم عند الحاكم الذي هدد بمعاقبة دو بوغ لأنه انتهك عاداتهم، ولكنه تغاضى عن الموضوع احترامًا للسيد لاتوش وبدورنا تمكنّا نحن، بعد جهد جهيد، من إقناع المترجم بتناسي الموضوع· فأصرَّ الحاكم على دعوتنا إلى منزله، وبقينا نشرب معه طوال الليل تقريبًا· ومن هنا استقلينا مشاحيف أخرى·
الجمعة، 12 آذار/ مارس: قضينا الوقت في ذلك المكان نخرج حاجياتنا من المشاحيف، ونهيئ الأمور الأخرى لرحلتنا· ثمَّ انتهزنا الفرصة لإلقاء نظرة على هذا المكان الذي توسط نهري دجلة والفرات؛ فالجانبُ الشرقي يغسله نهر دجلة، بينما يغسل نهر الفرات الجانب الجنوبي الغربي منه، فيتشكل شط العرب، الذي يجري جنوبًا حتى البصرة، التي تبعد عن هنا نحو (70) ميلاً·
وتبدو هذه المدينة القرنة مكتظةً بالسكان ومحصنةً بسورين من الطين، وخندقين· وهي في حالة خراب تام حاليًا، ولا يتجاوز عدد سكانها (500) شخص·
ومن أسوار المدينة ألقينا نظرةً فاحصةً نحو الصحراء· ولأننا استأجرنا مشحوفًا كبيرًا بثمانية تومانات وعشرة قروش، لنقلنا إلى لملوم التي تبعد نحو ستة أيام أعلى النهر، فإن كل حقائبنا وما إلى ذلك، قد نُقلت إليه، وهيأنا كل شئ لنغادر عند الصباح·
السبت، 13 آذار/ مارس: عند تمام الساعة العاشرة صباحًا ركبنا المشاحيف، وكان حاكم القرنة يرافقنا في مشحوف صغير مجاملةً للسيد لاتوش، حتى وصلنا إلى منزل شيخ عرب المنتفك، الذي نصحنا بقصده أصدقاؤنا في البصرة لمزيد من الحماية·
وعند ركوبنا تعرَّضنا إلى موقف محرج بسبب حاجتنا إلى مبلغ من المال ندفعه إلى صاحب المشحوف؛ فقد خدَعَنا مترجمُنا ورفض صاحب المشحوف الانطلاق حتى ندفع له، معترضًا على فواتيرنا على السيد لاتوش· وأخيرًا، تمكن المترجم من تهدئتهم بإعطائهم زوجًا من الشالات، فسمحوا لنا بالانطلاق·
صفحة 7
الوصول إلى قرية أبو قربوط
في نحو الساعة الرابعة عصرًا وصلنا قرية عربية تدعى أبو قربوط، وتبعد نصف نهار عن القرنة وكان بمقدورنا تفادي هذا المكان بسهولة لو لم يغيّر صديقُنا الحذر، الحاكم، نيته في الذهاب معنا؛ فاقترح تركنا هنا، وتوفير سيد معمم يذهب معنا إلى منزل الشيخ ثامر·
وبعد وصولنا إلى هذا المكان بقليل وصل مشحوفٌ صغيرٌ من القرنة يحمل صاحب مشحوفنا الذي جاء يلاحقنا بالشالات، فهو مصممٌ على المال قبل أن نبتعد أكثر· وقد أحرجنا إلى حد ما، ولكن لحسن الحظ كان لدى خادم السيد آبوت بعض المال النقدي، فتمكنّا من إكمال المبلغ· واضطررنا للبقاء هنا طوال الليل، لأن السيد المعمم، الذي من المفترض أن يرافقنا، أخطرنا أنه لن يجْهز قبل الصباح·
أمّا عن القوم هنا فقد تصرفوا بشكل مهذب معنا ولم يضايقونا· ومن خلال ما حدث لنا اليوم، فلستُ بحاجة إلى القول كم هو ضروري أن يكون معك المال، وليس الثقة، كما فعلنا نحن لمترجمنا، فهم لا يعرفون شيئًا اسمه الدَّين·
في نحو الساعة الرابعة عصرًا وصلنا قرية عربية تدعى أبو قربوط، وتبعد نصف نهار عن القرنة وكان بمقدورنا تفادي هذا المكان بسهولة لو لم يغيّر صديقُنا الحذر، الحاكم، نيته في الذهاب معنا؛ فاقترح تركنا هنا، وتوفير سيد معمم يذهب معنا إلى منزل الشيخ ثامر·
وبعد وصولنا إلى هذا المكان بقليل وصل مشحوفٌ صغيرٌ من القرنة يحمل صاحب مشحوفنا الذي جاء يلاحقنا بالشالات، فهو مصممٌ على المال قبل أن نبتعد أكثر· وقد أحرجنا إلى حد ما، ولكن لحسن الحظ كان لدى خادم السيد آبوت بعض المال النقدي، فتمكنّا من إكمال المبلغ· واضطررنا للبقاء هنا طوال الليل، لأن السيد المعمم، الذي من المفترض أن يرافقنا، أخطرنا أنه لن يجْهز قبل الصباح·
أمّا عن القوم هنا فقد تصرفوا بشكل مهذب معنا ولم يضايقونا· ومن خلال ما حدث لنا اليوم، فلستُ بحاجة إلى القول كم هو ضروري أن يكون معك المال، وليس الثقة، كما فعلنا نحن لمترجمنا، فهم لا يعرفون شيئًا اسمه الدَّين·
صفحة 8
مغادرة أبو قربوط والوصول إلى قرية بهران
الأحد، 14 آذار/ مارس: غادرنا القرية في نحو الساعة التاسعة صباحًا، وكان معنا كلٌ من الحاكم والسيد المعمم· وفي نحو الساعة العاشرة توقفنا حينما استأذننا حاكم القرنة حاتم آغا بالانصراف، فقد كان مريضًا جدًا ولا يقوى على مواصلة السير، فاضطر للعودة إلى البصرة لكي يعود إلى الهند في أول فرصة· وقبل أن يغادر أفهمنا أن من الضروري أن نقدم هديةً بسيطةً للسيد المعمم حالما نصل إلى منزل الشيخ ثامر بسلام· وبعد نحو نصف ساعة تابعنا طريقنا مجددًا، وسرعان ما استوقفنا رجلٌ أبلغنا أن عمّ الشيخ ثامر، وهو الشيخ مهنا، قد وصل إلى أبو قربوط، في مهمة إلى البصرة، إذ أرسله للحصول على أي هدية يمكن أن نقدمها إلى الشيخ ثامر· وبما أننا نعلم أن هذا الرجل من رجال حاتم آغا، وتذكّرنا أن دو بوغ سبق أن أخبره أن لدينا هديةًً لثامر، أدركنا أنها خطةٌ منه لأخذها منا· ولذلك، أخبرناه إننا لن نسلِّمها إلاّ للشخص المعني، ولو حجزونا بهذه الطريقة فسنضطر للعودة· وحينما سمع هذا الكلام فرّ مسرعًا وسمح لنا بمتابعة طريقنا؛ فمررنا ببضعة قرى ومخيمين صغيرين للعرب· وعند غروب الشمس وصلنا إلى قرية بهران، حيث قضينا الليلة· وهنا لحق بنا السيد المعمم لأنه تأخر عند الحاكم·الاثنين، 15 آذار/ مارس: غادرنا قرية بهران فجرًا وواصلنا رحلتنا، وكان معنا السيد المعمم وخلال سيرنا بمحاذاة النهر شاهدنا مساحات شاسعةً من أراضٍ صالحة للزراعة كان الناسُ منهمكين بحراثتها· وفي هذا المكان يمكن الحصول على الخراف والجِداء بأعداد كبيرة، وبأسعار معقولة جدًا·
صفحة 9
قرية الحسينية ـ منطقة عبادة
وفي نحو الساعة العاشرة مررنا بقرية جميلة جدًا، تدعى قرية الحسينية· وبعد أن تابعنا طريقنا عبر بضعة قرى أخرى، وصلنا في نحو الساعة الواحدة إلى منطقة عبادة، وهي مرابع الشيخ ثامر؛ فأرسلنا مترجمنا لإبلاغه بوصولنا· وبعد نحو نصف ساعة سُمح لنا بمقابلته، فوجدناه في ديوان من البردي، يحيط به الوجهاء والسادة وغيرهم· فاستقبلنا بطريقة ودية ومهذبة جدًا· ويبدو أنه في الرابعة والثلاثين من عمره، وكانت ملامحه جميلةً، ويبدو أنه رجل حساسٌ جدًا، وهو شيخ عرب المنتفك، ويسيطر على منطقة شاسعة ضمن هذه الأرض· وكان يطرح أسئلةً دقيقةً جدًا عن البصرة· ومن خلال بعض التلميحات التي وقع فيها جعلنا نعتقد بأن إرساله مبعوثًا إلى هناك كان خطةً سياسيةً دون شك، وأنه يسعى لاستعادة هذا الموقع من الأتراك، وهي مهمة يمكن أن تُنجز بسهولة كبيرة جدًا على ما أظن·وبعد أن مكثنا مع الشيخ ساعةً واحدةً غادرنا، وقام هو بتوفير الأدلاء لإيصالنا إلى السماوة، التي تخضع لقبيلة عربية أخرى كان في خصام معها· وقبل أن نغادره أوصانا أن نسافر من السماوة عبر الطريق البرّي، لأنه يدرك جيدًا أننا سنتعرض للنهب في ما لو واصلنا رحلتنا صعودًا عبر النهر· وفي نحو الساعة الرابعة غادرنا هذا المكان، وتابعنا رحلتنا، مجتازين الكثير من القرى الجميلة· وفي نحو الساعة الثانية عشرة خلدنا إلى النوم، وبقينا نائمين طوال الليل·
صفحة 10