eKtab
EN ع
رحلات بين العراق وبادية الشام خلال القرن السادس عشر
اقرأ عينة مجانية

رحلات بين العراق وبادية الشام خلال القرن السادس عشر

بقلم د. أنيس عبد الخالق محمود

صفحة 1
مقدمة عامة
 
لا يزال القرن السادس عشر يحتل أهميةً خاصةً في مسيرة التاريخ الحديث، لارتباطه بمتغيرات سياسية واقتصادية وثقافية كبرى· وكانت الاستكشافات الجغرافية، والحركة التوسعية الاستعمارية التي رافقتها بعد الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح والوصول إلى الهند، وإقامة مستعمرات فيها، أبرز مظهر لتلك المتغيرات·
 
وعلى إثر ذلك تحركت البرتغال لمهاجمة دولة المماليك المتداعية والقضاء عليها· وما لبثت الدولة العثمانية، أكبر قوة إسلامية يومذاك، أن هاجمتها من الشمال، فأطاحت بها نهائياً في سنة (1517)، لتدخل في صراع مباشر مع البرتغاليين، ومع الصفويين، القوة المنافسة الأخرى التي بدأت تتصاعد في الشرق· وكان من نتيجة تلك الصراعات أن فقد الشرق الإسلامي دوره القديم في الوساطة التجارية بين الشرق والغرب، وظهرت قوى جديدة أخرى حلّت محلّها وفتحت آفاقاً واسعةً لعالم جديد·
 
ولكن، على الرغم من انهيار الدور الاقتصادي للطريق البرّي القديم، إلا أن التجّار والمبشرين والمغامرين الأجانب ما لبثوا يرتادونه، لوقوعه على مفترق طرق حيوية تشكِّل حلقة وصل بين قارات العالم القديم، إلى جانب الأهمية الدينية والتاريخية لكثير من مناطقه الممتدة عبر الطريق البري القديم، الممتد من سواحل بلاد الشام حتى البصرة، فالخليج العربي· وظلّ مسار الطريق الممتد من سواحل بلاد الشام، مروراً بالعراق وبلاد فارس، وصولاً إلى الهند، لا بديل عنه لكثير من هؤلاء· وقد شكَّلت هذه الرقعة البريّة القصيرة أهم الطرق التي سلكها الرحّالة خلال القرن السادس عشر، وقبله، وبعده·
 
وفي الوقت الذي تكشف لنا فيه كتب التاريخ والوثائق المعاصرة في كل يوم معلومات جديدةً من الصراع بين أكبر قوتين افستين حينذاك، الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وتفاصيل سياسةً واقتصاديةً واجتماعيةً مختلفةً عن المناطق التي كانت ساحة تنازع بين تينك القوتين، إلا أن المعلومات التي تزخر بها كتب الرحلات يبقى لها طعم خاص، فهي شهادات حيّة كتبها شهودٌ عيان زاروا تلك المناطق ودوّنوا مشاهداتهم وملاحظاتهم عنها، وكشفوا جوانب أغفلت عنها المصادر الأخرى· ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي نقدمه·
 
ومع أن كتب الرحلات أخذت تستحوذ على اهتمام متزايد في الآونة الأخيرة من لدن الباحثين والمؤرخين وعامة القرّاء، إلا أن رحلات القرن السادس عشر لا تزال بعيدةً عن اول اليد، باستثناء حالات نادرة ـ رحلة الهولندي ليونارد راوولف (1573) مثلاً·
 
ولهذا السبب، وقع اختيارنا على ست رحلات أجنبية نادرة، بهدف تسليط المزيد من الضوء على تلك الحقبة الغامضة· وهذه الرحلات هي:
 
1· رحلة الأميرال التركي سِيدي علي ريِّس (1553-1554)؛
 
2· رحلة الإيطالي سيزار فيدريجي (1563-1581)؛
 
3· رحلة الانكليزي جون نيوبري (1583)؛
صفحة 2
4· رحلة الانكليزي جون إيلدرد (1583-1584)؛
 
5· رحلة الانكليزي رالف فتش (1583-1589)؛
 
6· وأخيراً رحلة الإخوة الإنكليز توماس وأنتوني وروبرت شيرلي (1598)·
 
وتكاد هذه الرحلات أن تكون الرحلات المعروفة الوحيدة عن تلك الحقبة، مع أن البحث لا يزال جارياً لتقديم رحلات أخرى غير معروفة·
 
تمثل هذه الرحلات باكورة مشروع ضخم كنّا قد شرعنا به منذ سنوات، ونوّهنا عنه في أكثر من مناسبة، لترجمة رحلات أجنبية جديدة، أو بترجمة جديدة كاملة، تغطي الحقبة من القرن السادس عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر· وقد انتهينا من ترجمة نحو خمس عشرة رحلة منها، ودفعنا بعضها للطبع، وسنقدم البعض الآخر قريباً، بحسب التسلسل وبخطة مدروسة، بإذن الله·
 
تتضمن كل رحلة مقدمةً مستقلةً تتناول محورين أساسيين: تعريفاً بسيرة الرحّالة، وتعريفاً بكتاب رحلته، بطبعاته وترجماته المختلفة· كما حرصنا على إغناء كل رحلة بالحواشي والتعليقات التوضيحية أنّى تطلبت الحاجة، وعقدنا مقارنات مختلفةً بين رحلة وأخرى ضمن هذا الكتاب، وبينها وبين رحلات أخرى، مترجمة أو غير مترجمة، بهدف ملاحظة أوجه التشابه والاختلاف التي طرأت على أسماء المناطق، ولرصد الروايات المتعددة للحدث التاريخي الواحد· إلى جانب ذلك فقد زوّدنا كل رحلة بصور مختلفة، تضمنت صور الرحّالة ـ إن تيسّرت ـ مع نماذج لأغلفة كتاب رحلته، بطبعاته المختلفة، وزوّدناها بالرسوم والصور التوضيحية والخرائط· ولابد من الإشارة أيضاً إلى أننا نقلنا النصوص كما هي، فلم نتدخل فيها، أو نزيد عليها، أو نحذف منها أي شئ، وهو سياق اتبعناه في هذا الكتاب، وفي جميع كتب الرحلات الأخرى التي سنقدمها للنشر قريباً بإذن الله· ولذلك، فالمواد تعكس وجهات نظر أصحابها الرحّالة، ولا تعكس وجهات نظر المترجم·
 
ومع أننا بذلنا جهداً ووقتاً كبيرين لإنجاز هذا الكتاب، فلا شك أنه لا يخلو من أخطاء وهفوات، وهي مسألة ملازمة لكل عمل علمي، فنلتمس الصفح عنها، ونأمل معالجتها واستدراكها في طبعات أخرى·
 
والله الموفق
 
المترجم
 
13/4/ 2013
صفحة 3
مقدمة المترجم
 
نبدأ هذا الكتاب برحلة الأميرال التركي سِيدي(1) علي ريّس، وهي أول رحلة شهدها العراق خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، وكان هدف الرحّالة منها نقل قطع الأسطول العثماني المرابط في البصرة الى ميناء السويس بمصر، كما سيرد في تمهيد الكتاب· وتشتمل هذه المقدمة على محورين: الأول يتعلق بشخصية القبطان التركي سِيدي علي ريّس، والثاني يتعلق بكتابه مرآة الممالك(2) الذي ورد ذكر العراق في الصفحات الأولى منه·
 
الرحّالة القبطان سِيدي علي ريّس
 
ولد سِيدي علي ريّس في استانبول سنة (1498)، وتوفي فيها سنة (1563)· وهو بحّار وإداري وكاتب وشاعر تركي، يُعرف باسم كاتب رومي(3)، وشارك في العديد من الحروب البحرية العثمانية في البحر المتوسط(4)، وفي المحيط الهندي الذي واجه فيه الأسطول البرتغالي· ورُقي إلى مرتبة كتخدا(5) في دار صناعة السفن العامرة في استانبول بعد والده وجده(6)·
 
أهمية الرحلة
 
تكمن أهمية رحلة سِيدي علي ريّس في الفعاليات والأحداث التي كانت تجري في الدولة العثمانية إبّان حملة السلطان سليمان القانوني (1520-1566) ضد الصفويين· ففي سنة 1553، وحينما كان في حلب، تلقى أوامر بنقل السفن العثمانية من ميناء البصرة إلى ميناء السويس· وأثناء ذلك اصطدم مع قطع الأسطول البرتغالي في الخليج العربي· وبصرف النظر عن أحداث حملاته وتفاصيلها، فإن مهمته كانت ذات بعد دبلوماسي أيضاً، فحينما عاد إلى أدرنة في سنة (1557)، حمل معه (18) رسالةً من ملوك المغول والهند وفارس· أما فيما يخصُّ العراق، فتتمثل أهمية الرحلة في ندرتها وقِدمها من جهة، وفي كثرة الأماكن والمزارات والأضرحة التي زارها وذكرها من شمال العراق إلى جنوبه، من جهة أخرى·
 
كتاب رحلته (مرآة الممالك)
 
نُقلت أحداث الرحلة من كتاب مرآة الممالك، المطبوع بالتركية العثمانية (1557)، وترجم إلى لغات عدة· فمثلاً نُشر جزء منها في كتاب عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، الجزء الرابع، ص ص 83-101· ونُشر أيضاً في مبحث من كتاب الدكتور عماد عبد السلام رؤوف (المحقق)، رحلة القائد العثماني سيدي علي التركي إلى الجزيرة العربية سنة 1553، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2010، ص ص7-42· ولكن أياً من هذين المؤلفَين لم يذكر المصدر الذي استقى منه حديثه عن تلك الرحلة· أما في اللغات الأجنبية فقد صدرت الكثير من الطبعات والترجمات بلغات متعددة· فقد صدرت الطبعة الفرنسية الأولى من هذا الكتاب بعنوان:
صفحة 4
Relation des voyages de Sidi-Aly, fils dصHousain, nommé ordinairement Katibi Roumi, amiral de Soliman II, écrite en Turk, traduite de l'allemand, sur la version de M. de Diez, par M. Moris, Paris,1827.
 
واعتمدنا عليها في التعرف على أسماء بعض المواقع، وهي تتكون من (154) صفحة· أما الطبعة الفرنسية الحديثة فقد صدرت في سنة (1999)، بعنوان:
 
Seyyidi 'Ali Re'is, Le miroir des pays: Une anabase ottomane à travers lصInde et lصAsie centrale, Bacque-Grammont (tr.), Paris, 1999;
 
كما صدرت نسخة بالتركية الحديثة بعنوان:
 
- Sidi Ali Reîs, Mirصat-ül Memalik, Istanbul, 1975.
 
اعتمدنا في نقل أحداث الرحلة على ترجمة النسخة الإنكليزية، المنشورة في لندن سنة (1899)، بعنوان رحلات ومغامرات الأميرال التركي سِيدي علي ريّس في الهند، وأفغانستان، وآسيا الوسطى، وبلاد فارس خلال السنوات 1553-1556، التي قدمها المستشرق الهنغاري آرمينيوس فامبيري· وعنوانها الأصلي:
 
The Travels and Adventures of the Turkish Admiral Sidi Ali Reïs in India, Afghanistan, Central Asia, and Persia, during the Years 1553-1556, translated from the Turkish with Notes by: Armenius Vambéry, London, 1899, pp. I-X, 1-9.
 
وتتكون هذه الترجمة من (27) فصلاً ومقدمة، مع تمهيد بقلم نجيب عاصم· وتشكل فصول الكتاب (107) صفحات، فضلاً عن صفحة للتصويبات· وهذه الترجمة تفتقر إلى التحقيق الوافي والهوامش التوضيحية، كما أن فيها التباساً في ذكر بعض الأسماء، خلافاً للترجمة الفرنسية التي وردت فيها أسماء الأعلام بشكل أوضح وأدق، فقابلنا النسختين لضبط الأسماء والتأكد من صحتها، فتمكنّا من التعرف على معظمها وأخفقنا في التعرف على بعضها الآخر؛ إذ وردت بصيغ مختلفة في الترجمتين، كما هو مثبت في الهوامش·
 
في هذا الكتاب تتضح اهتمامات سِيدي علي ريّس بالرياضيات والفلك، وهي اهتمامات تتضح في معظم مؤلفاته الأخرى، ولاسيما في كتابه المعنون المحيط في الكائنات والبحور، الذي يتضمن معلومات عن تقنيات الملاحة، وطرائق تحديد الاتجاهات، وحساب الزمن، باستخدام آلات القياس مثل الإسطرلاب والبوصلة، كما يتضمن معلومات عن النجوم، والتقويمين الشمسي والقمري، فضلاً عن معلومات جغرافية أخرى·
 
ما يخصُّ العراق في هذه الرحلة قليل نسبياً، مقارنةً بما ورد في غيرها من الرحلات، ولكنه زاخر بأسماء العديد من أسماء المدن والمزارات ومراقد الأنبياء والأولياء والشخصيات الإسلامية وغير الإسلامية التي زارها الرحّالة القبطان أثناء مروره فيه· ومن الملاحظات التي تلفت الانتباه في هذه الرحلة أن المؤلف لم يتحدث عن العراق عن المناطق التي زارها بشكل مفصل، وإنما اكتفى بالإشارة إليها إشارةً سريعةً وعابرةً، مما اضطرّنا إلى وضع عدد كبير من الهوامش التوضيحية لإيضاح الكثير من الأسماء الغامضة التي قد لا تكون معروفة لغير أبناء البلد، ولتيسير مهمة القارئ في فهمها والتعرف عليها· وقد جهِدنا في تعريف معظم الأسماء الواردة في الرحلة تعريفاً وافياً، ولكننا لم نتمكن من التعرف على بعضها لصعوبة لفظها وغموضها في الترجمتين، وقد تكون هناك التباسات في تثبيت بعض الأسماء التي لم نتعرف عليها بشكل دقيق· على أية حال، فقبل أن يأتي على ذكر العراق، يتحدث القبطان الرحّالة، في تمهيد كتابه، عن المهمة التي أرسله السلطان سليمان القانوني من أجلها، قائلاً:
صفحة 5
تمهيد
 
حينمـــا اتخــذ السلطان سليمان حلب مقراً لإقامته الشتوية، تم تعييني، أنا كاتـــب هـــذه الصفحات، لقيادة الأسطول المصري، وتلقيت تعليمات لإعادة السفن (وهي 15 قادساً) إلى مصر، كان قد تمّ إرسالها مسبقا إلى البصرة الواقعة على الخليــج الفارسي· ولكن،أنا أشاء وأنت تشاء والله يفعل ما يشاء؛ إذ لم أتمكن من تنفيـــذ مهمتي، وأدركت استحالة العودة عن طريق البحـــر، فقــررت العــودة إلـــى تركيا عبر الطريق البرّي، بصحبة عدد قليل من الجنـــود المصريين المتعبين والمخلصين· فقد سافرت إلى كجرات(7)، والهنـــد، والسنــــــد، وبلـــــخ(8)،وزابولستــــــان(9)، وبيداخشـــــــان(10)، وخوتلان(11)، وطوران(12)، وإيران، أي عبر بلاد ما وراء النهــــــــــر(13)، وخراســــان(14)، وخـــــوارزم(15) ودشــــــت قبجــــاق(16)؛ ولأني لم أستطع مواصلة التقدم أكثر، قفلتُ عائداً إلى مشهد والعراقين(17)، وقزوين وهمدان، ومنها إلى بغداد·
 
وبعد أن إنتهت رحلاتنا، شجّعني رفاقي وأصدقائي المغامرون على تدوين تجربتنا والمخاطر التي تعرضنا لها، والتي لا يمكن تقديم وصف وافٍ عنها غالباً؛ وأن أتحدث عن المدن والمشاهد الرائعة الكثيرة التي رأيتها، وعن المزارات المقدسة التي زرناها· ولهذا ظهر إلى النور هذا الكتاب، الذي حاولت أن أسرد فيه، بلغة سهلة واضحة، المشكلات والصعوبات، والمعاناة والمكابدات التي اعترضت طريقنا، حتى وصولنا إلى القسطنطينية· وإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار المادة التي يتضمنها الكتاب، فمن الأجدر أن يُعنون قصة كارثة، ولكن نظرا لاتّساع مسرح العمليات، فسأسميه مرآة الممالك·
صفحة 6
بداية القصة
 
حينما كان الباديشاه المعظَّم يعقد مجلسه في حلب، في شهر رمضان من سنة (960هـ-1552م)، صدرت الأوامر إليّ بالإلتحاق بالجيش·
 
وقد احتفلـــتُ بعيـــد رمضان في حضرة صاحب الجلالة· وفيما بعد ذهبـــتُ إلى سِيـــدي غــــازي(18)، وقمـــتُ بزيارة ضريح مولاي رومي(19) فــي قونية، وزرت أضرحــــة كــــل مـــن سلطــــان العلمــــاء(20)، وشمسي تبريـــزي(21)، والشيـــخ صـــدر الدين القونـــي(22)· وفي قيصرية(23) قمتُ بزيارة أضرحة الشيوخ أوحد الدين الكرماني(24)، وبرهان الدين(25)، وبهاء الدين زادة(26)، وإبراهيم آق سراي(27)، وداوود القيصري(28)· وحينما عدتُ إلى حلب زرتُ أضرحة داوود وزكريا وبلوقيا، وزرت أيضاً أضرحة سعد وسعيد(29)، صحابة النبي · وقضيتُ عيد الأضحى(30) مرةً أخرى في حضرة السلطان·
 
لا بد لي أن أذكر الآن أن المغفور له أميرال الأسطول المصري بيري بك(31) كان قد تمّ إرساله في وقت ما قبل هذا الوقت، مع ثلاثين سفينةً (من القوادس والغاليوتات)(32) من السويس، عبر البحر الأحمر، إلى سواحل جدة واليمن، وعبر مضيق باب المندب، جنوبي عدن، وعلى طول ساحل الشحر(33)· وقد تشتت أسطوله في جو ضبابي ممطر، وفُقدت بعض سفن أسطوله، في حين تابعت البقيةُ طريقها من عُمان إلى مسقط، فاحتل الحصن، وأسر كل السكان، كما شنّ غارةً على جزيرتي هرمز وبرهت(34)، ثم عاد إلى مسقط· وهناك علم من القبطان الكافر الأسير أن الأسطول المسيحي (البرتغالي) كان في طريقه· لذا كان أي تأخير إضافي غير مستحسن، لأنه لن يستطيع مغادرة الميناء في حال وصوله إطلاقاً· والحقيقة أن الوقت كان متأخراً جداً لحماية كل السفن، فأخذ ثلاثاً منها فقط، وبها نجح في الفرار قبل وصول البرتغاليين· وقد تحطمت إحدى سفنه بالقرب من البحرين، فعاد بمركبين فقط إلى مصر· وبما أن بقية الأسطول كان في البصرة، فقد عرض قباذ باشا قيادته إلى رئيس الضباط، ولكنه رفض، فعاد إلى مصر عن طريق البر· وحينما وصلت تلك الأنباء إلى القسطنطينية، اُوكلت مهمة قيادة الأسطول إلى مراد بك، سنجق بك القطيف السابق، إذ كان حينها في البصرة· فصدرت الأوامر إليه بترك سفينتين، وخمسة قوادس، وغاليون واحد في البصرة، وعاد إلى مصر بالبقية، أقصد القوادس الخمسة عشر (لأن أحد الغاليوتات احترق في البصرة) وقاربين· وبدأ مراد بك باتخاذ الترتيبات اللازمة، لكنه فوجئ بأسطول كافر (برتغالي) قبالة هرمز؛ فحدثت بعد ذلك معركةٌ رهيبةٌ استشهد فيها كلٌ من سليمان ريّس، ورجب ريّس وعدة رجال، وجُرح الكثيرون، وقُُصفت السفن قصفاً عنيفاً بقذائف المدافع· وفي آخر ليلة توقف القتال· وكان أحد القوارب قد تحطم جنوبي الساحل الفارسي، وفرّ نفرٌ من طاقمه، أما البقية فقد أسرهم الكفار، وتمّ الإستيلاء على القارب نفسه·
 
حينما وصلت هذه الأنباء السيئة إلى العاصمة، مع إقتراب شهر رجب للسنة المذكورة (960هـ/ 1552م)، تمّ تعيين كاتب هذه الصفحات أميرالاً للأسطول المصري·
 
أنا، الفقير إلى الله سِيدي علي بن حسين، المعروف أيضاً باسم كاتب رومي، قبلتُ هذا المنصب بسرور بالغ· فقد كنت دائماً مولعاً بالبحر جداً، وشاركت في الحملة ضد جزيرة رودس بقيادة السلطان سليمان، ومنذ ذلك الحين كنت أشارك في كل المعارك تقريباً، البريّة والبحرية· وقاتلتُ تحت قيادة كلٍّ من خير الدين باشا(35)، وسنان باشا(36)، وغيرهما من القباطنة، وكنت أشنُّ الغارات في جهات البحر المتوسط الغربي، لذا فإنني أعرف كل زاوية وركن فيه· وقد الّفتُ عدة كتب في الفلك والعلوم البحرية، ومسائل أخرى تتعلق بالملاحة· وعند فتح القسطنطينية كان والدي وجدي يديران دار صناعة(37) السفن في غَلَطة، وكانا بارزين في عملهما، وقد ورثتُ عنهما مهارتهما·
 
إن المنصــــب الــــذي اُوكل إليّ الآن يناسب ميولي كثيراً، فبدأتُ من حلــــب إلى البصرة، في الاول من محرم من سنة 961 (7 كانون الاول 1553)، وعبرتُ نهر الفرات عند بيرة جــــك(38)· وحينما كنــــت في الرقة(39) قمتُ بزيارة إلى مقام إبراهيم، بعد أن زرتُ في الطريق بين نصيبـــين(40) والموصـــل الأضرحة المقدسة للنبييّن يونس(41) وجرجيس(42)، وأضرحـــة الشيوخ محمد الغرابيلي(43)، وفتح الموصلي(44)، وقضيب ألبان الموصلي(45)· وفي طريقي إلى بغداد قمت بزيارة قصيرة من تكريت إلى سامراء، وزرتُ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، بعدها نزلت إلى مدن العاشق والمعشوق(46)، وعبر حربى(47)، جنوبي قلعة السمكة(48)، وصولاً إلى بغداد، التي عبرنا منها نهر دجلة بالقرب من الجسر· وبعد زيارة أضرحة الأولياء هناك(49)، واصلت رحلتي جنوبي قلعة الطير(50)، إلى ألبير(51)، وعبرتُ نهر الفرات بالقرب من مدينة المسيب(52) الصغيرة، ووصلت كربلاء(53)، حيث قمتُ بزيارة ضريحي الشهيدين الحسن والحسين· وبعد أن انتقلت إلى سهلٍ بالقرب من شثاثة(54)، وصلت في اليوم الثاني إلى النجف (الحيرة)، وزرت أضرحة آدم(55)، ونوح(56)، وشمعون(57)، وعلي، ومن هناك تابعتُ طريقي إلى الكوفة، حيث شاهدت مسجداً له منبر دفن تحته أنبياء آل علي كذا(58)، وضريحي قنبر ودُلدُل(59)· وبعد أن وصلت إلى قلعة الحسينية(60)، زرت ضريح ذي الكفل(61)، ابن هارون· وفي الحلة قمت بزيارات لأضرحة الإمام محمد المهدي(62) والإمام عقيل(63)، أخو علي، وزرتُ هناك مسجد الشمس أيضاً(64)· وعبرتُ نهر الفرات مرةً أخرى (وهذه المرة عبر جسر)، واختتمتُ رحلتي إلى بغداد، وتوجهتُ من هناك بالسفينة إلى البصرة· وفي الطريق اقتربنا من المدائن، وشاهدت ضريح سلمان الفارسي(65)، وطاق كسرى(66) المثير للعجب، وقلعة شاه زمان(67)، وتوجهتُ جنوباً نحو العمارة(68)، على طريق واسط إلى زكية(69)، جنوبي معاقل العجل، والمزرعة(70)، على السويب(71)، ثم إلى البصرة التي وصلتها مع نهاية شهر صفر من السنة المذكورة (بداية شهر شباط، 1554م)·
صفحة 7
بشأن ما حدث في البصرة
 
في اليوم الذي أعقب وصولي أجريتُ مقابلةً مع مصطفى باشا(72)، الذي، بعد أن رأى أوراق اعتمادي، عهد إليّ بالخمسة عشر غاليوتاً التي كانت بحاجة إلى أصلاح كبير· وبقدر المستطاع أعدتُ ترتيبها وجلفطتها، وتمّ تجهيزها بالمدافع التي لم تكن كافية سواءً في المخازن هناك أو في هرمز· وتمّ توفير احتياطات من الماء، وكان أمامي خمسة أشهر قبل أن يحين موسم الإبحار، فقمتُ بزيارة إلى مسجد علي(73) وأضرحة الحسن البصري، وطلحة(74) والزبير(75)، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن عوف، والكثير من الشهداء وصحابة النبي· وفي إحدى الليالي رأيتُ في الحلم بأني فقدتُ سيفي· وما أن بدأت أصلي إلى الله لنصرة الإسلام حتى صحوت من نومي؛ إذ تذكرتُ شيئاً مشابهاً حدث للشيخ محي الدين(76) وتسبب بهزيمته، فأصابني هلع شديد· أبقيت هذا الحلم سراً، لكنه بقي يقضّ مضجعي وقتاً طويلاً· وحينما أرسل مصطفى باشا كتيبةً من الجنود لاحتلال جزيرة الحويزة(77) (التي شاركت فيها بخمسة قوادس)، إنتهت الحملة بخسارتنا مئة جندي، كلهم من المصريين، فصدّقت تماما بأن هذا تحقيقٌ لحلمي، ولكن واحسرتاه! فالقادم كان أكثر، لأن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين··· شئت أم أبيت·
 
وحينما حلّ الموسم الأخير، أرسل الباشا(78) بحّاراً يثق به على ظهر فرقاطة إلى هرمز، لاستطلاع المناطق المجاورة· وبعد أن شنّ غارات لمدة شهر تقريباً، عاد بأخبار تفيد بعدم وجود أية سفن للكفار في تلك المياه، باستثناء أربعة قوارب(79)· على هذا الأساس، ركب الجنود، وبدأنا بالانطلاق نحو مصر(80)·