صفحة 1
مقدمة المترجم
تعدُّ رحلة جان دي تيفينو، المعنونة رحلة إلى الشرق (1663-1667)، من أهم الرحلات الرحلات الفرنسية إبان النصف الثاني من القرن السابع عشر· وقد دفعتنا الحقائق التاريخية المهمة والمعلومات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية القيّمة والنوادر المتنوعة فيها إلى ترجمة الجزء الخاص بالأناضول والعراق والخليج العربي·
وكان الهدف الحقيقي لهذه الرحلة المثيـرة، التي قضى الرحّالةُ خلالها نحبهُ سنة (1667) في تبريز، حبه للسفر، ولم تكن لها أبعاد سياسية أو اقتصادية أو تبشيرية كبقية الرحلات التي اتسمت بها الحقبة التي بدأت فيها حركة التبشير الأوروبية تسيطر على عقول الرحّالة المبشرين الأوروبيين التابعين للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والتي انعكست بشكل واضح على سلوك صاحب الرحلة وعقليته·
ولابد من الإشارة إلى أن الرحّالة كان لغويًا موهوبًا، فهو يتقن ثلاث لغات شرقية: التركية والعربية والفارسية، فضلاً عن أنه بارعٌ في العلوم الطبيعية وعلم النبات، لاسيما بعد أن جمع عيّنات مختلفة من النباتات في أثناء زيارته للهند· فضلاً عن أنه يتّسم بشخصية حاذقة، فقد عُرف عنه دقة الملاحظة والمثابرة، فحظيت مؤلفاته ـ وهي كتاب رحلته متعدد الأجزاء ـ بالإعجاب والتقدير·
زار الرحّالة خلال رحلاته جنوبي الأناضول والعراقَ في سنة (1664)، كما زار البصرة وسواحل الخليج العربي خلال سنة (1665)، وقد ثبتنا يوميات رحلته إلى تلك المناطق بالتواريخ الدقيقة· وبعد أن انتهينا من الترجمة، نقدم رسالةً نادرةً يصف فيها شاهدٌ عيان حملة السلطان مراد الربع لانتزاع بغداد من الفرس سنة (1638)، وما رافقتها من أحداث مثيرة(1)· وقبل أن نقدِّم ترجمة الرحلة نرى لزامًا علينا تقديم فكرة عامة عن الرحّالة وخط سير رحلاته وطبعات كتاب رحلته، وهو المؤلّف الوحيد الذي تركه لنا·
صفحة 2
أولا: نبذة عن حياة الرحّالة جان دي تيفينو
ولد الرحّالة جان دي تيفينو في باريس في السابع أو السادس عشر من حزيران/ يونيو سنة (1633)(2)· وهو ابن أخ ملكي صادق (= ملك صادق) تيفينو(3)، أحد أفراد طائفة الروم الكاثوليك· تخرج من كوليدج دو نافار (=كلية نافار)، ولم يكن ليتجاوز الثامنة عشرة من عمره· ومعلوماتنا عن حياته خلال تلك السنوات المبكرة غامضة، لكن معرفتنا به بدأت تنتظم منذ أن بدأ رحلاته·
يمكن تقسيم رحلات السيد جان دي تيفينو إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تمثل رحلاته المبكرة في أوروبا وامتدت خلال السنوات (1652- 1655)، ثمّ تأتي رحلاته إلى الشرق على مرحلتين، امتدت الأولى بين سنتي (1655- 1663)، بينما امتدت الثانية بين سنتي (1663- 1667)·
في ما يخصُّ رحلاته الأولى إلى أوروبا، فبعد أن درس الكثير من مؤلفات غيره من الرحّالة ازداد ولعه بالرحلات، وساعدته ثروته في تحقيق هدفه، فغادر فرنسا في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر سنة (1652)، فتوجه في بداية رحلاته إلى كل من إنكلترا وهولندا وألمانيا وايطاليا، التي التقى فيها بالمستشرق الفرنسي بارثيليمي دا هيربلو دو مولافيلي(4) الذي دعاه لمرافقته إلى بلدان الشرق، فأبحر من روما في مايس/ مايو سنة (1655)، وبعد انتظار طويل واصل إبحاره نحو استانبول التي بقي فيها حتى شهر آب/ أغسطس من السنة اللاحقة (1656)، ثم أستأنف إبحاره نحو سميرنا وجزر اليونان، وأخيرًا وصل مصر حيث رسا بميناء الإسكندرية في يوم رأس السنة (1657)، ومكث هناك سنةً كاملةً، زار بعدها سيناء· وفي أثناء عودته إلى القاهرة التحق بقافلة الحجّاج المتوجهة إلى القدس، فزار أهم المناطق المقدسة في فلسطين· وبعد أن احتجزه القراصنة مرتين عاد إلى دمياط عبر البحر، ومنها إلى القاهرة مرة أخرى لمشاهدة افتتاح إحدى القنوات التي أقيمت على نهر النيل في الرابع عشر من آب/ أغسطس سنة (1658)، بعد ارتفاع مناسيب المياه فيه· وفي كانون الثاني/ يناير سنة (1659) أبحر من الإسكندرية على متن سفينة إنكليزية، فزار في طريقه ميناء حلق الوادي في تونس، وبعد اشتباك حاد مع القراصنة الإسبان وصل في الثاني عشر من نيسان/ ابريل إلى ميناء ليغورن الإيطالي، انصرف بعدها لمدة أربع سنوات في موطنه في دراسات تفيده لرحلاته المقبلة·
في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سنة (1663) أبحر تيفينو من فرنسا مجددًا، بعد أن أمضى فيها أربع سنوات، فوصل الإسكندرونة ثم صيدا، ومنها واصل رحلته برًا، في سنة (1664)، إلى كل من دمشق وحلب· ومنها توجه إلى الموصل عن طريق بيرة جك، فسلك طريق قوج حصار، ماردين، نصيبين، ثمّ الموصل، ومنها استخدم الكلك للوصول إلى بغداد التي توجه منها إلى مندلي، وهي آخر موقع للعثمانيين الأتراك على حدود بلاد فارس· ومن هذا الجزء ترجمنا مسار الرحلة بدءًا من حلب وانتهاءً بمندلي عند الحدود الفارسية، وتشمل الترجمة ستة فصول من الكتاب الأصلي: التاسع، العاشر، الحـادي عشـر، الثانـي عشر، الثالث عشر والرابع عشر من الجزء الأول من المجلد الثالث من كتاب رحلاته الذي سنفصّل الحديث عنه في الصفحات اللاحقة·
بعد مغادرة تيفينو مندلي دخل بلاد فارس ووصل إلى كل من كرمنشاه، همدان، ثمّ أصفهان التي بقي فيها خمسة أشهر، (من تشرين الأول/أكتوبر 1664 حتى شهر شباط/ فبراير 1665)، وهناك التحق بالرحّالة التاجر جان بابتيست تافرنييه(5)، فواصل معه السفر إلى كل من شيراز ولار وبندر عباس وهرمز على أمل مواصلة الإبحار معه إلى الهند· ولكنه ارتأى العودة إلى شيراز بسبب معارضة الهولنديين، فزار أطلال برسيبوليس، ومنها جال في بعض المدن الإيرانية، ثمّ توجّه إلى ميناء بندر ريق (1665)، الذي أبحر منه إلى البصرة عبر شط العرب، مرورًا بالقطيف والإحساء· وبعد أن شاهد عملية صيد اللؤلؤ واطّلع على أحوال الصابئة ودوّنها في كتابه، أبحر من البصرة مجددًا متوجهًا إلى الهند عن طريق شط العرب· وما يهمنا من هذه المرحلة يتعلق بالبصرة والإحساء والقطيف والخليج العربي، ويشمل الفصول التاسع، العاشر، الحادي عشر من الجزء الثالث من المجلد الرابع، والفصلين الأول والثاني من الجزء الرابع من كتاب رحلاته· وأخيرًا وصل ميناء سورات في العاشر من كانون الثاني/ يناير سنة (1666)، وأمضى في الهند ثلاثة عشر شهرًا· وبعد أن زار عددًا من المدن الهندية عاد إلى سورات عن طريق البر، فأبحر إلى ميناء بندر عباس ثمّ توجه إلى شيراز وأمضى صيف سنة (1667) في أصفهان، ثم واصل طريقه إلى تبريز، وفي أثناء الطريق مات في مدينة ميانا بأرمينيا في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة (1667)، بعد تعرضه لإطلاق مسدس هناك·
صفحة 3
1· الطبعات الفرنسية القديمة:
صدرت مجموعة رحلات السيد جان دي تيفينو بثلاث طبعات قديمة، طبعتان فرنسيتان وطبعة إنكليزية واحدة· صدرت الطبعتان الفرنسيتان في كل من باريس وأمستردام، في حين صدرت الطبعة الإنكليزية في لندن· وقد صدر المجلد الأول من الطبعة الفرنسية في باريس سنة (1664)، (أي في أثناء قيامه برحلاته)، وكانت بعنوان: رحلة إلى الشرق، وعنوانه الأصلي:
.Relation d'un Voyage au Levant, Paris, 1664-
وصدر المجلد الثاني في سنة (1674) بعنوان: متابعة الرحلة ذاتها، أو خط السير إلى بلاد فارس، وعنوانه الأصلي:
. Suite du meme Voyage, ou il est traite de à Perse, Paris, 1674-
وأخيراً، صدر المجلد الثالث من هذه الرحلات في سنة (1684)، بعنوان: الرحلة إلى الهند، وعنوانه الأصلي:
. Relation de l'Indostan, Paris, 1684-
وقد صدرت الرحلات الثلاث مجتمعةً بطبعة مستقلة في باريس سنة (1689)، بعنوان: رحلات السيد تيفينو إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، مقسمة على ثلاثة أقسام تتضمن المجلدات الخمسة، وعنوانها الأصلي:
. Voyages de Mr. de Thevenot Tant en Europe qu'en Asie en Afrique, divisez en trios Parties, qui comprenent cinq volumes, Paris, 1689-
كما صدرت طبعة أخرى، بخمسة مجلدات، في أمستردام سنة (1727)، تضمنت مجموعة الرحلات كاملةً· وتتضمن هذه المجموعة (49) لوحةً، منها (11) لوحةً مطوية· وتحمل العناوين الآتية:
1) الكتاب الأول، ويتضمن الرحلة إلى الشرق؛ (الصفحات 1- 378)(6)، مع (9) لوحات، بضمنها لوحتان مطويتان، وعنوانه الأصلي:
. Premiere Partie qui comprend le Voyage de Levant-
2) الكتاب الثاني من القسم الأول لرحلة السيد تيفينو إلى الشرق، مع وصف دقيق لمصر والمدن الرئيسة والأماكن هناك؛ ويشمل (الصفحات 381- 939)، مع (10) لوحات، بضمنها (3) لوحات مطوية، وعنوانه الأصلي:
. Livre second de la premiere Partie du Voyage de Mr. de Thevenot au Levant, Ou lEgypte est exactement décrite avec ses principales Villes les Curiosités qui y sont-
3) مواصلة رحلة السيد تيفينو إلى الشرق، وإضافة بعض الملاحظات الاستثنائية عن كل من مصر، سوريا، وبلاد الرافدين، ونهري دجلة والفرات؛ (الصفحات 1- 414)، مع (14) لوحةً، بضمنها (5) لوحات مطوية، وعنوانه الأصلي:
. Suite du Voyage de Mr. de Thevenot au Levant; dans laquelle après plusieurs Remarques très-singulieres sur des particularitez de l Egypte, de la Syrie, de la Mesopotamie, de lEuphrate du Tigre-
4) الكتاب الثالث، ما تبقى من رحلة السيد تيفينو إلى الشرق، ويتضمن وصفًا استثنائيًا لمدينة شيراز وغيرها من المناطق التابعة للملك الفارسي، فضلاً عن الكثير من الأشياء الجديرة بالذكر؛ (الصفحات 415- 709)، مع (4) لوحات، بضمنها لوحة مطوية واحدة، وعنوانه الأصلي:
Livre troisieme de la Suite du Voyage de Mr. de Thevenot au Levant; Qui contient une Description curieuse du Païs de Schiras autres Lieux qui sont sous la domination de Roi de Perse, avec plusieurs autres choses remarquables
5) رحلات السيد تيفينو إلى الهند الشرقية، بضمنها وصف دقيق عن الهنود والمغول وغيرهم من السكان، وعاداتهم، ودياناتهم، واحتفالاتهم، ومعابدهم، ومدافنهم، وتجارتهم، وغيرها من الأشياء الجديرة بالذكر؛ (الصفحات 1- 344)، مع (12) لوحة· وعنوانه الأصلي:
. Les voyages de Mr. de Thevenot aux Indes Orientales, Contenans une Description exacte de l Indostan, des nouveaux Mogols, des autres Peuples Païs des Indes Orientales, avec leurs MoeursMaximes, Religions, Fêtes, Temples, Pagodes, Cimitiéres, Commerce, autres choses remarquables
وتشمل المجلدات: الثاني والرابع والخامس قائمة فهارس في نهاية كل منها·
صفحة 4
2· الطبعة الفرنسية الحديثة
في سنة (1965) صدرت في باريس طبعة حديثة بعنوان: إمبراطورية التركي الأعظم كما يراها أحد رعايا لويس الرابع عشر، جان تيفينو· وتقع هذه الترجمة في (294) صفحة بمجلد واحد من القطع الكبير، وقد صدرت ضمن مجموعة عصر وقارات (Temps et Continents)، وتتضمن فهرسًا بالأسماء ورسومًا توضيحية، وما إلى ذلك· وعنوانها الأصلي:
.L'Empire du grand turc vu par un sujet de Louis XIV, Jean Thévenot. Paris: Calmann-Levy, 1965-
صفحة 5
3· الترجمة الإنكليزية
صدرت ترجمة إنكليزية مبكرة لهذه الرحلة في لندن سنة (1687)، أي قبل اكتمال جمع المجلدات الخمسة للرحلة بطبعتها الفرنسية، وقام بالترجمة أرشيبالد لوفيل(7)، وهي بعنوان: رحلات السيد دي تيفينو إلى الشرق، وعنوانها الأصلي:
. The Travels of Monsieur de Thevenot into the Levant, translated from the French origin by: A. Lovell, London, 1687-
وتقع هذه الطبعة بثلاثة أجزاء: الجزء الأول يخصُّ تركيا العثمانية، والثاني يخصُّ بلاد فارس، والثالث يخصُّ الهند الشرقية· وقد ذكر المترجم لوفيل في غلاف الجزء الأول أنها نسخةٌ مطابقةٌ للأصل الفرنسي، وأنها أُجيزت في الثاني من شهر كانون الأول/ ديسمبر من سنة (1686)·
صفحة 6
4· الترجمة العربية المختصرة للرحلة
يعود للأب الدكتور بطرس حداد فضل التعريف بهذه الرحلة حينما نشر ما يخصّ العراق منها تحت عنوان: مقتطفات من رحلة تيفنو إلى العراق في القرن السابع عشر(8)، مجلة بين النهرين، العدد الثامن، السنة الثانية، بغداد، 1974، ص ص 387- 504· لكن تلك الترجمة مختصرة واقتصرت على الجزء الخاص بمسار الرحلة من الموصل حتى خروج الرحّالة من الحدود العراقية (العثمانية حينذاك)، عن طريق مندلي· وقد ذكر الأب حداد أنه اعتمد في ترجمته تلك على مجلة إكليل الورود الفرنسية، (La Couronne des Roses) التي كانت تصدر في الموصل في مطلع القرن الماضي، وذلك في الأعداد التي صدرت في آذار ونيسان ومايس سنة (1907)، بعنوان (Le Levant au XVII siecle) الشرق في القرن السابع عشر· وذكر الأب أيضًا أن تلك الترجمة تمهيدٌ لنشر الرحلة كاملةً في وقت لاحق· وقد تصدرت تلك الترجمة مقدمةٌ مختصرة وردت فيها معلومات عن الرحّالة وكتاب رحلته، لكن الطبعة الإنكليزية التي أشار إليها تعود إلى سنة (1687)، وليس إلى سنة (1887)، وربما كان هناك خطأ طباعي أو خطأ من المصدر· ولأهمية هذه الترجمة فقد اعتمد عليها كثيرٌ من الباحثين العراقيين في دراساتهم وأبحاثهم(9)، ولاسيما الأستاذ كوركيس عواد في فهارسه ومصنفاته(10)· والمهم أن الترجمة المذكورة تتضمن تعليقات مهمة للمواقع التي مرَّ بها الرحّالة، فأدرجناها ضمن الترجمة، ووضعناها بين قوسين مضلّعين بهذا الشكل د· بطرس حداد، تمييزًا لها عن تعليقاتنا، وتثبيتًا لأهميتها·
وقد حصلنا على معظم النسخ الأجنبية لهذه الرحلة بطبعاتها المختلفة، واعتمدنا في ترجمتنا على النسخة الإنكليزية، وانتخبنا ما يخصُّ جنوبي الأناضول والعراق والخليج العربي منها، وهو موزعٌ على ثلاثة أقسام:
1) القسم الأول، يضمُّ حوادث سنة (1664)، ويشمل يوميات الرحلة بدءًا من مغادرة الرحّالة حلب، ومروره بالبير، أورفا، قوج حصار، ماردين ونصيبين فالموصل، ومنها إلى تكريت، فبغداد، ومنها إلى مندلي، ثمّ الدخول إلى الأراضي الفارسية· ويشمل هذا القسم الصفحات (39- 64) من النسخة الإنكليزية، طبعة لندن؛ والصفحات (132- 219) من نسخة أمستردام، والصفحات (74- 122) من طبعة باريس؛
2) القسم الثاني، يضمُّ حوادث سنة (1665)، ويشمل يوميات الرحلة من بندر ريق إلى البصرة، ومشاهدات الرحّالة في البصرة، ومغادرته منها إلى الخليج العربي عبر شط العرب وصولاً إلى مضيق هرمز· ويشمل هذا القسم الصفحات (151- 183) من النسخة الإنكليزية؛ والصفحات (537- 593) من طبعة أمستردام؛ أما في نسخة باريس فهي ضمن الصفحات (573- 649)؛
3) القسم الثالث ويضمُّ قصة استيلاء السلطان مراد الرابع على بغداد سنة (1638)(11)· ويشمل الصفحات (287- 291) من النسخة الإنكليزية؛ والصفحات (926- 939) من طبعة أمستردام؛ أما في نسخة باريس فهي ضمن الصفحات (907- 926)· وعنوان الرسالة بالفرنسية:
.Relation du combat que s'est passé à la prise de Bagdet par sultan Amurath Empereur des Turcs, traduit d'une letter écrite de ladite ville, par le grand Fauconnier du Grand Seigneur-
ونشرت هذه الرسالة ضمن:
. Voyages de Mr. de Thevenot Tant en Europe qu'en Asie en Afrique, divisez en trios Parties, qui comprenent cinq volumes, Paris, 1689, pp. 907-926-
كما نُشرت الترجمة الإنكليزية لهذه الرسالة بعنوان:
. A Relation of what Past at Taking of Babylon, otherwise Called Bagdat sic By Sultan Amurath Emperor of the Turks; Translated from a Letter written from the Said City by the Grand Signior's Chief Faulconer = Falconer to Mustapha Bey, One of the Sangiacks of Egypt, at Cairo, pp. 287-291
قصة انتزاع إمبراطور الأتراك مراد الرابع بابل، أو بغداد، مترجمة من رسالة كتبها رئيس الصقارين في المدينة المذكورة إلى مصطفى بك أحد سناجقة مصر في القاهرة·
تختلف كل طبعة من الطبعات المذكورة أعلاه عن غيرها من حيث عدد الأسطر في الصفحة الواحدة؛ إذ تضم الطبعة الأولى لهذه المجموعة (قبل طبعها بشكل كامل)، (30) سطرًا، وتضمُّ مجموعتا باريس وأمستردام الكاملتان (40) سطرًا، بينما تضم النسخة الإنكليزية (60) سطرًا في الصفحة الواحدة· وجميع النسخ تتضمن عناوين فصول رئيسةً مع عناوين جانبية توضح مضمون الفقرة المحاذية لها·
صفحة 7
ثالثا: ترجمتنا للنص
اعتمدنا على النسخة الإنكليزية في ترجمتنا للرحلة، وترجمنا النص كما هو، وأبرزنا التواريخ التي ذكرها الرحّالة بشكل يوميات لرحلته لتسهيل متابعة يوميات الرحلة يومًا بيوم· وبعد أن انتهينا من الترجمة، قمنا بوضع بعض التعليقات التي وجدناها ضرورية، وبقيت تفاصيل أخرى بحاجة إلى هوامش توضيحية، لعلنا نتمكن في المستقبل من إغنائها بتعليقات أخرى، أكثر وأشمل، وربما أدق· كما أضفنا تعليقات الأب الدكتور بطرس حداد (كما ذكرتُ للتو) إلى الترجمة، وتعليقات الأستاذ خالد عبد اللطيف حسين في أثناء ترجمته النص الفرنسي للرحلة(12)، ووضعناها بين قوسين مضلّعين أيضًا، إلى جانب تعليقاتنا على الرحلة؛ فميّزنا لكلٍّ تعليقاته، حفظًا لحقه· أما تسلسل الفصول فهو من وضعنا، منعًا للإرباك الذي قد ينشأ عن اعتماد تقسيم الكتاب الأصلي بأجزائه الثلاثة وأقسامه الكثيرة· كما قمنا بوضع صور لأغلفة مختلفة من طبعات الرحلة، وزوّدنا الترجمة بمجموعة من الخرائط التاريخية النادرة والصور واللوحات التوضيحية، وأضفنا اللوحات الموجودة في النسخة الفرنسية إلى الترجمة، كل لوحة بحسب الموضوع المعني، وفي الملاحق وضعنا لوحتين تمثلان الرحّالة· وأخيرًا، أضفنا خرائط الجغرافي الفرنسي جان بابتيست بورغينيون دانفيل (7961-2871) عن مسار الرحلة·
وإذ نقدِّم هذا القسم من رحلات السيد جان دي تيفينو، فإننا نأمل أن نقدم ترجمةً أوسع تشمل البلدان العربية كافة، في كتاب يحمل عنوان رحلات جان تيفينو في البلاد العربية·
ختامًا، نرجو أن تنال هذه الرحلة النادرة استحسان المهتمين بأدب الرحلات مع اعتذارنا الشديد عن كل خطأ أو زلل، فالكمال لله وحده·
المترجم
صفحة 8
قافلتان إلى أرضروم
بعد إقامة استمرت شهرين في حلب، ودعتُ قافلتين متجهتين إلى أرضروم؛ فقد يضطر المرء أن ينتظر أحيانًا مدةً في أرضروم لكي يعثر على قافلة متجهة إلى أريفان، ومن أريفان إلى تبريز؛ وفي تلك الأنحاء لا توجد أي حماية للفرنجة، إلى جانب انتشار أعداد كبيرة من اللصوص على ذلك الطريق· وأخيرًا، وجدنا قافلةً مستعدةً للذهاب إلى الموصل، فقررتُ أن أذهب معها، بعكس نصيحة جميع الفرنجة، الذين نصحوني بالبقاء حتى ينتهي الحر·
الاتفاق على نقلي من حلب إلى الموصل وبغداد
اتفقتُ مع تركي كان قد استأجر بضعة بِغال، فأعطيته ثلاثين قرشًا لنقلي أنا وخادمي وأمتعتي إلى الموصل عبر الطريق البرّي، ومن الموصل إلى بغداد عبر الكلك، وتخليصي من جميع الضرائب· وبعد بضعة أيام طلب ثلاثة قروش أخرى، وشال بأربعة قروش· فسلّمته المبلغ كاملاً مقدَّمًا، كما أراد، مع أني أعتقد أن تلك الطريقة ليست صحيحة، وإنما لكي لا أرد صديقًا لم أرَ منه إلا الكثير من اللطف والأدب، صديقاً عقد الصفقة لأجلي· ولأنه لم يسافر في تلك الرحلة، وكان يظنَّ أن الجميع صادقون مثله، فقد أقنع نفسه بأنه فعل كل ما بوسعه لأجلي· وفي الوقت ذاته فإن الطريقة الوحيدة هي الاتفاق مع أصحاب البِغال وعدم دفع المبلغ لهم مقدَّمًا· فلو فعلتُ ذلك لما تحمّلت مبالغ كبيرة جدًا·
ستة قروش للبغل
إن ذلك التركي لم يدفع إلى صاحب البغل سوى خمسة عشر قرشًا عن حمولة البغلين ونصف حمولة على بغل آخر، بينما لم تدفع بقية القافلة بأجمعها أكثر من ستة قروش للبغل الواحد· إلى جانب ذلك، فقد أبلغني ذلك الكافر(13) عدة مرات في أثناء الطريق أنه لن يوافق على أن يتحمل أية تكاليف أو ضرائب عن أمتعتي· ولأني لم أعرف كم قرشًا إضافيًا سأدفع، اضطررتُ أخيرًا لدفع تكاليف جديدة من الموصل إلى بغداد·
تعرضي للسرقة
الأحد، 29 حزيران/ يونيو 4661: غادرتُ حلب يوم الأحد، التاسع والعشرون من حزيران/ يونيو، برفقة عدد من التجار الفرنسيين على ظهر الخيول، الذين شرّفوني بحملي معهم ليروني للقافلة، التي كانت في الميدان المجاور للحدائق القريبة من المدينة· وحينما وصلتُ إلى أمام بوابة باب البرقوصة(14)، أخبرني خادمي، الذي ذهب إلى هناك قبل يومين ناقلاً بضائعي، أن أحد مسدساتي قد سُرق ليلة أمس، وأن بعض حاجيات الآخرين سُرقت، وإن عليَّ أن أكون راضيًا لأن الآخرين بالحال نفسه، وأنهم أخبروني أنهم شاهدوا اللصوص ولاحقوهم، لكنهم لم يظفروا بهم· فهؤلاء اللصوص يتسللون ببراعة على بطونهم كالأفاعي(15)· ولذلك، فطوال تلك الرحلة لا تراهم يستقرون في خيام ليلاً، بل على العكس يرفعونها، لأنهم حينذاك (كما يقولون) يعملون كعيون للصوص·
الاثنين، 30 حزيران/ يونيو: استأنفنا رحلتنا في فجر اليوم التالي، وكان البَرْدُ أول ما ضايقنا لبعض الوقت· وبقينا نسير حتى الساعة التاسعة، ثمّ خيّمنا في حقل يسمى سمّايا(16)، بالقرب من نهر حلب(17) الذي يجري بالقرب من ذلك المكان، وعليه جسرٌ صغير·
سمّايا - چيتانلي
الثلاثاء، 1 تموز/ يوليو: غادرنا ذلك المكان في فجر يوم الثلاثاء· وفي نحو الساعة التاسعة التقينا قافلةً كبيرةً قادمةً من الموصل كان فيها ساعاتيٌ كان قادمًا من بلاد فارس، حيث يعيش منذ مدة طويلة مع زوجته وأولاده· وبعد أن تحدثنا معًا افترقنا· وكانت تلك القافلة متوجهة إلى سمّايا· وفي نحو الساعة العاشرة صباحًا توقفت قافلتنا في حقل يسمى چيتانلي، يمرُّ بالقرب منه غديرٌ صغيرٌ بين الأشجار· ومن حلب إلى ذلك المكان كان مسارنا شرقيًا وشماليًا شرقيًا دائمًا، ومن هناك إلى ألبير(18) كان مسارنا شرقيًا·
صفحة 9
مزار
الأربعاء، 2 تموز/ يوليو: غادرنا مع بزوغ فجر اليوم التالي من چيتانلي(19)· وفي نحو الساعة العاشرة صباحًا وصلنا قريةً كبيرةً تدعى مزار(20)، فخيّمنا بالقرب منها· وفي هذا المكان تنتشر الكثير من الغابات، وتحيطه المياه التي تجعله سارّاً للناظرين· ويمكنك هنا أن ترى الشلالات الجميلة التي ورد ذكرها في القصص التسع أو العشر التي قيلت عن الطريقة التي تعمل بها المطاحن المائية· وبدأنا نشعر حينذاك أن الجو حار جدًا ليلاً ونهارًا·
نهر الفرات ـ مياه نهر الفرات سائغة جدًا
الخميس، 3 تموز/ يوليو: طوينا خيامنا وغادرنا في نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل· ومع بزوغ الفجر مررنا بين أراضٍ مزروعة بالكثير من أشجار التين بصفوف مستقيمة· وفي نحو الساعة السابعة مررنا بين رابيتين، شاهدنا على اليمنى منهما مبنىً يشبه الهرم· وبعد نصف ساعة وصلنا إلى ضفاف نهر الفرات، الذي لا يبدو أكبر من نهر السين، ولكنهم يقولون إنه واسعٌ جدًا في فصل الشتاء· والحقيقة أن قعره يعادل عرضه بمرّتين· وهذا النهر يُدعى فرات ومراد صو، أي ماء الرغبة، لأن خليفة بغداد (كما يقولون)، بعد أن أرسل بطلب كمية قليلة من جميع مياه البلد، وبعد أن تذوّقها، وجد أن مياه نهر الفرات أكثرها استساغة·
الرضوانية
يجري هذا النهر ببطء شديد، وهو صالحٌ لملاحة القوارب الصغيرة إلى نقطة التقائه بنهر دجلة· ولكن القوارب الكبيرة فقط تذهب من ألبير إلى الرضوانية، وهي قريةٌ تبعد عن ألبير نحو عشرة أيام، يتمُّ فيها تفريغ البضائع، ليتمّ تحميلها على جِمال إلى بغداد، التي لا تبعد سوى بضعة أيام عنها، حيث تنقل عبر مياه نهر دجلة· وهكذا تذهب القوارب المحمّلة بالزجاجيات (التي سأتحدث عنه قريبًا) إلى البصرة· ولأن هذا النهر غير صالح للملاحة، كما يعتقد البعض، فحينما كنتُ في حلب، استأجر الشيخ بندر(21) قاربًا لنقل خمسمئة أو ستمئة صندوق من الزجاجيات عبر نهر الفرات إلى الرضوانية ليتم إرسالها إلى الهند· والسبب في عدم ذهاب القوارب أبعد من الرضوانية هو وجود بعض الصخور في النهر التي تعيق مرورها، ولكن القوارب الأصغر تستطيع تفاديها· ومع ذلك، كان عليّ أن أنتهز تلك الفرصة للذهاب إلى بغداد، ولم أكن أعلم أن تلك القوارب تتوقف لبضعة أيام في بعض الأماكن التي يكون فيها الإبحار أفضل، وأنها تبحر ببطء شديد، إلى جانب أنني لا أستطيع أن أتحرك أقل حركة من القارب دون أن أتعرض للسرقة من العرب، كما لا أستطيع تفادي الحر على ظهره، لعدم وجود ظهر على تلك القوارب· واستغربت لرؤية أن مَن رزموا صناديق الشيخ بندر كدّسوها بطريقة فظّة جدًا، فكسّروا جميع الزجاجيات· ولكنهم أخبروني أن هذا لا يهم، مع أنها تحولت كلها إلى أشلاء، لأن الهنود، رجالاً ونساءً، لا يشترونها إلا للحصول على قطع صغيرة لصنع الخواتم، أو لصنع المرايا التي يشاهدون بها أنفسهم· وذلك الزجاج مطليٌ بالزئبق من جهة واحدة، وهو سلعةٌ رائجةٌ في الهند، ومربحةٌ للتجار·
قوارب نهر الفرات
عبرنا نهر الفرات بقوارب كبيرة، فيها دفّة تبعد نحو ثلاثة أقدام عن مؤخرة القارب (كما يذكر پيترو ديللا فاليه)(22)· ولا أرى أي داع لتلك الدِفاف سوى التوفير في التكلفة، لأن تكلفة تلك القوارب أقل من تكلفة صنع قوارب كقواربنا، لأن دفّتها ليست سوى ألواح عريضة مسمَّرة متقاطعة إلى نهاية أطرافها، وتثبيتها لا ينفع بشيء كما في قواربنا·
ألبير
وصلنا إلى شاطئ عند ألبير، وهي مدينة صغيرة تقع في بلاد ما بين النهرين، على جهة النهر، تطلُّ بيوتها على حافة النهر، وتمتد حتى قمة جبل· وقلعتها جميلة جدًا، وتقع على مرتفع أيضًا·
وتحيط الأسوارُ هذه المدينة من جميع الجهات، وهي كالبيوت مبنيةٌ من حجارة مربعة صغيرة تمَّ جلبها من جبل مجاور مكوَّن من صخور ناعمة، ولكن ليس بداخلها سوى خرائب·
توقفنا على قمة الجبل خارج المدينة، التي وصلناها عند الساعة الثامنة والنصف· وحالما دفعنا الكمرك عن جميع بضائع التجار الكثيرة جدًا، عبرنا النهر·
وتقع مقبرة ألبير على الجانب الآخر من النهر، في سوريا· ويقولون إن سبب ذلك أن مخلِّصنا، حينما وصل إلى حدود الفرات، أعطى لرجل منديلاً عليه صورته، ليستطيع أن يمضي ويهدي أهل بلاد الرافدين مباشرةً· ولكن الفضول دفع الرجل لرؤية حقيقة المنديل، وبعد أن فتح المنديل، بعكس أوامر سيدنا، طار إلى بئر· وحينما علم سيدنا بذلك قال إن تلك الأرض لا تصلح لشيء، فلم يذهب إلى أبعد منها· ولذا تراهم لا يدفنون موتاهم هناك· ويعرض آخرون هذه القصة بطريقة أخرى، سأرويها حينما سيأتي الحديث عن أورفا·