صفحة 1
مقدمة
بقلم احمد فضل شبلولرواية الواقعية الرقمية:
محمد سناجلة وميلاد أدب عربي جديد
قرأتُ كتاب رواية الواقعية الرقمية أو الرواية في العصر الرقمي للأديب الطليعي المتميز محمد سناجلة، من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) ـ موقع ميدل إيست أونلاين دوت كوم (www.middle-east-online.com) ـ وأُعجبتُ به وبأفكاره الجديدة المطروحة بداخله، وبموضوعاته غير التقليدية التي تبشِّرُ بميلاد أدب عربي جديد من خلال التقنيات الرقمية الجديدة التي لم تعد حلما، لأنها موجودة الآن بين أيدينا، ولكن يعوزها أفكار جديدة، بل ذهنية غير تقليدية، تؤمن بمسيرة التقدم العلمي وإخضاعه للرؤية الأدبية، خاصة بعد أن أصبح جناح الخيال كأنه الواقع، وأصبحت أرض الواقع متلبسةً بالخيال·
وتمنيتُ أن يُطبع هذا الكتاب في طبعة ورقية (تقليدية) فالكتاب الورقي لا يزال هو المسيطر على الساحة الثقافية العربية، بل العالمية، حتى الآن، وإن كنت أتوقع تراجعه في السنوات العشرين القادمة، خاصة مع ازدياد امتلاك أجهزة الكمبيوتر، وازدياد شعبية الشبكة الدولية، وانخفاض تكاليفها، بعد الاستغناء عن جهاز الفاكس مودم، وإحلال التيار الكهربائي محل كابل الهاتف·
والأمـر يتطلـب مـن أدبائنـا وكتَّابنا ونقَّادنا ـ كما قلتُ من قبل فـي كتابـي أدبـاء الإنترنـت ·· أدبـاء المستقبل الصادر عام 1996، وفـي كتابـي الجـديد ـ قيـد النشـر ـ ثـورة النشر الإلكتروني ـ مواجهة الواقع الرقمي بشجاعة، والتحليق بخيالهم من خلال جناحي الأدب والعلم، أو أن يزوِّجوا الأدب للعلم من خلال ثورته الرقمية، ليحققوا إنجازات جديدة، ومبهرة، ولن يتأتَّى هذا إلا عن طريق الأفكار الطليعية التي يتبنَّاها أو يقدمها شبابنا من الأدباء المثقفين ثقافة إلكترونية أو رقمية واعية، من أمثال محمد سناجلة·
فمن يقرأ روايته ظلال الواحد يكتشف بسهولة أنَّه أوَّل أديب عربي ـ وربما في العالم أيضا ـ استطاع أن يجنِّد تقنيات شبكة الإنترنت، ويخضعها لأفكاره الروائية، وكان مثل هذا الأمر يعد حلما من أحلام الروائيين أو الأدباء الذين بدأوا منذ سنوات يتعاملون مع الشبكة، وينشرون إنتاجهم الأدبي (الخطي) نشرًا إلكترونيا، ولكنه أقرب إلى النشر الورقي، من حيث عدم الاستفادة من تقنيات الشبكة وبنيتها، في إنتاج أدب عربي جديد، يستفيد من ثورة الوسائط المتعددة، ومن تقنيات النص المرجعي الفائق هيبر تكست Hyper Text·
لذا يأتي هذا الكتاب الجديد ـ كل الجدة ـ في موضوعه، وفي طرحه، وفي أفكاره، ليضع لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية بعامة، وفي صرح الأدب العربي بخاصة·
تهنئتي أسوقها من خلال شاشة إحساساتي، ونوافذ فرحتي وإعجابي، على جناح من السيليكون والفرحة، بصدور هذا الكتاب الجديد لمحمد سناجلة، وأتوقع أن يثير حوارا خلاقا، نحن جديرون به في الوسط الثقافي والأدبي العربي·
مقدمة الكاتب
بعد نشر روايتي الثانية ظلال الواحد في نسختها الرقمية على شبكة الإنترنت فوجئت بأن العديد أو الغالبية العظمى من المثقفين في وسطنا الأدبي لم يقرأ الرواية، واتضح لي أنّ هناك العديد منهم لا يعرف حتى التّعامل مع جهاز الحاسوب، بينما قال البعض الآخر إنهم غير معتادين على القراءة عبر الإنترنت، وهو الشيء الذي دفعني إلى إعادة نشر الرّواية في كتابٍ ورقيّ مطبوع كما هي العادة، وقد كان هذا خياراً صعباً ذلك أنّ الرواية مكتوبة باستخدام التقنيات الرقمية وبالـذات تقنية الـ links المستخدمة في بناء صفحات ومواقع الإنترنت، كما أنني كنت قد بدأت باستخدام لغة جديدة في الكتابة تحتوي إضافة للكلمات على المؤثرات السمع بصرية، وفـن الـمحاكاة وغيرها من التقنيات الرقمية المستخدمة·وقد استطعت بعد كثير من الجهد، نشر الرواية ضمن كتاب مطبوع، ولم أكن لأفعل ذلك إلاّ وأنا واثق تماماً من أنّ الرّواية في شكلها الورقي قادرة على الوصول إلى المتلقي، وقد كان وبالذات لدى الجيل الجديد من القراء الذين لم يواجهوا أية مشاكل في قراءة ظلال الواحد سواء كان بشكلها الرقمي أو الورقي ·
لكن المفاجأة كانت في ردود الفعل الرافضة للتجربة، فقد تم شن الهجوم إثر الهجوم على ظلال الواحد باعتبارها عملاً صعباً ومرهقاً وغير مفهوم، وأراح البعض الآخر رؤوسهم باعتبارها عملاً لا يمكن قراءته، كما شنّ نقّاد آخرون الهجوم على الرّواية لاعتمادها على النظريات العلمية، بل وبلغ الأمر بأحد ( النقّاد) أنْ ادّعى أنّ الرّواية والعلم لا يمكن أنْ يلتقيا وبذا فقد أخرج ظلال الواحد من كينونتها باعتبارها عملا روائياً·
وفي الحقيقة فإنّ هذا الهجوم لم يكن مفاجئاً تماماً لي، فقد كنت أعرف مسبقا أنني سأواجه بسوء الفهم والرفض، ذلك لأنّ العقلية العربية مترسخة بها العادة على النّسج على مثال سابق، وبالتالي فهي ترفض الجديد والمحدث باعتباره عملا من الرجس الذي تنبغي محاربته، لكن درجة وحدّة هذا الهجوم هي التي فاجأتني·
أعرف أنني قد جئت ببدعة جديدة لم تكن من قبل، لكن وكما اتّضح لي فإنّ كل بدعة مرفوضة حتى تترسخ وتثبت أقدامها على الأرض فيتبعها حتى أشد معارضيها، هذه سنة الحياة منذ بدء البدء، ولنا في أبي تمام وابن عربي وأدونيس، وقبلهم المعلم الأكبر مثل وقدوة· وكل بدعة بحاجة إلى من يدافع عنها وقبل كل شيء أنْ يعطيها اسماً تعرف به وقد أطلقت على هذه البدعة اسم رواية الواقعية الرقمية وهذا الكتاب هو للتّعريف بهذه الرّواية·
م·س
صفحة 2
الفصل الأول
العصر الرقمي والرواية
إنّ لحظات التّحوّل في التاريخ البشريّ هي لحظات ارتباك وحيرة للغالبيّة الكبرى من البشر، وهي لحظات ارتباك لأنها لحظات تفصل بين زمنين وطريقتين مختلفتين للحياة، وهي لحظات قد تبدو مشوّهة أيضاً، وذلك لما يعتريها من غموض وحيرة وضبابيّة في الرؤية، إنها تشبه تماما تلك الحالة التي يتحوّل فيها الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والرجولة حيث يغدو الإنسان لا هو بالطفل ولا هو بالرجل وإنما هو بين بين، بحيث تولد حيرة للآخر في كيفية التعامل معه، ولهذا فقد سميت هذه الفترة من عمر الإنسان بالمراهقة، وهي كلمة تحمل في ثناياها الكثير، ومع ذلك فإنّ هذه اللحظات هي لحظات قصيرة ينتقل بعدها الإنسان إلى مرحلة الشباب والنضج·ونحن نعيش الآن في زمن مشابه ولحظات مشابهة، ذلك أننا بدأنا وفي مدى زمني أقصر من المتوقع ندخل بقوّة للعيش في زمن آخر وفي عصر آخر··· إنّه العصر الرقمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ما زال غير واضح للكثيرين، فهناك الآن بيوت تتحدث للحاسبات ومجلات تتحدث للتليفونات اللاسلكية وسيارات تتحدث للإنترنت، وأصبحت المعلومة في متناول الجميع بعد أنْ كانت حكراً على بعض البشر، وغدا الكمبيوتر جزءاً أساسياً من متطلبات الحياة التي لا غنى عنها، وبدأنا نشهد تحولاً في وسائل التعليم وموضوعاته، وبدخول الإنترنت والهاتف المحمول التغت المسافة أو كادت أنْ تلتغي، وتقارب الزمن حتى كاد أنْ يصبح واحداً، فلا زمان ولا مكان قادر أنْ يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، حتى أمسى العالم كله ليس قرية صغيرة كما كان شائعاً في العصر التكنولوجي، بل أصغر من حجرة صغيرة في بيت، أصبح العالم شاشة···مجرد شاشة زرقاء ·
وغدا التّحدّث أو رؤية شخص آخر مهما كان مكانه في المعمورة لا يأخذ سوى بضع ثوان أو أقل، وبدخول تكنولوجيا الواقع الافتراضي أصبح الخيال واقعاً والمستحيل إمكانية، فكثيراً ما كان يهرب الإنسان من الواقع بمشكلاته المختلفة إلى دنيا التخيّل والافتراضات التي لا تحدها مشاكل أو قيود فيحقق في الخيال ما يعجز عن تحقيقه في الواقع ولذلك فهو يحلم دائما بأن تذوب الفوارق بين الحقيقة والخيال ليستمتع بكل شيء، ومن جانبها التقطت تكنولوجيا المعلومات هذا الحلم وحاولت تحقيقه لتتيح مستوى جديد من الحياة لم يكن ممكناً في السابق إلاّ في الأحلام·
وبالطبع فإنّ تكنولوجيا المعلومات ليست قادرة على تحويل كل التخيلات إلى حقيقة لكن يمكن القول إنها استطاعت حتى الآن وضع آليات قادرة على ذلك وأن تذيب بعض الفوارق بين الواقع والافتراض تحت ظروف معينة وتنشئ منهما مزيجاً جديداً أطلق عليه اسم الحقيقة التخيلية أو الواقع الافتراضي وهو نوع من الوقائع أو الحقائق التي يجري صنعها وتكوينها عبر برامج وحاسبات متخصصة في ذلك لتظهر وتتجسد بالشكل الذي تجري به على أرض الواقع فعلاً، وقد تطور مفهوم الواقع الافتراضي ليصبح اتجاهاً أو فلسفة رحبة لا تقتصر فقط على برامج الصور ثلاثية الأبعاد ولكن تشمل أيضا تكوين الخدمات والكيانات والمنتجات الافتراضية في كل مجال من مجالات الحياة، ومن المتوقع مستقبلاً أنْ تذوب الفواصل بين الواقع والافتراض بشكل شبه تام، بل إننا بدأنا في رؤية هذه الفواصل تتلاشى منذ الآن·
ففي مجال التعليم مثلاً بدأت تظهر المدارس التخيلية التي ليس لها وجود مادي على أرض الواقع ولكنها موجودة فقط في ذاكرة الحاسبات العملاقة ومواقع شبكة الإنترنت ونظم معلومات التعليم المختلفة، بل إنّ المدرسة الحقيقية العادية أصبح لها وجه افتراضي إلى جانب وجهها الواقعي، فهناك الآن أعداد كبيرة من المدارس والجامعات التي أنشأت لنفسها مواقع على الإنترنت تقدم خدمات تعليميّة دخلت في صميم المنهج الدراسي، وأصبحت من الأجزاء الأساسية المكونة له، فهناك دروس تبث عبر الشبكة وهناك مدرسون افتراضيون يمكن التوجه لهم بالأسئلة والدخول معهم في حوارات تفاعلية كاملة والأمر لم يتوقف على المدارس فقط بل وصل إلى الجامعات وخرج إلى دول العالم المختلفة، بحيث أصبحنا نرى الآن خريجين يحملون الشهادات الجامعية من جامعات موجودة في الخيال فقط·
أمّا في مجال التجارة فظهر مفهوم التجارة الإلكترونية حيث أصبح بإمكان الناس أنْ يشتروا أي شيء يريدونـه مـن أي مكان في العالم وفي أي وقت يشاءون عن طريق الإنترنت من دون مغادرة أماكن جلوسهم خلف الشاشة الزرقاء، وأصبح إنشاء الشركات وممارسة الأعمال لا يحتاج لأكثر من جهاز حاسوب واتصال بشبكة الإنترنت وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق الأحلام ·
وليس هذين سوى مثلين فقط مما يهجس بهما العصر الرقمي بما يحمله من إمكانيات لا تعد ولا تحصى·
لقد تغيّر شكل الحياة تبعا لذلك، وتغيّر الناس، وتغيّرت المفاهيم والقيم أو هي في طريقها للتغيّر السريع ·· لقد ظهر إلى الوجود مفهوم الحياة الرقمية والمجتمع الرقمي والواقع التّخيلي و··· الإنسان الافتراضي···
إن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عن الفنّ··· الأدب··· الرواية تحديداً ؟؟؟
هل تستطيع الرّواية بشكلها الحالي أنْ تستوعب الثورة الرقمية المتسارعة في العالم، أم أنها يجب أنْ تتخلى عن مكانتها لصالح أشكال تعبيرية وإبداعية أخرى أكثر قدرة وجاذبية كالسينما أو البرمجة مثلاً؟؟؟؟
وهذا السؤال يقود إلى سؤال آخر: هل الروائي بشكله وأدواته الحالية قادر على المضي في مغامرة الرّواية في ظل العصر الرقمي الآخذ بالتشكل؟؟؟
والسؤال السابق بشكل أكثر وقاحة: هل الروائي بأدواته الحالية المستهلكة قادر على أنْ يبقى روائياً؟؟
وفي الحقيقة فإنّ محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة ستقود إلى دوامة محمومة أخرى من الأسئلة من مثل:ما موضوع الرواية القادمة؟؟ ما لغتها، بل ما هي اللغة أصلاً؟؟ وهل الكتاب - بشكله الورقي المعهود- قادر على استيعاب الرواية القادمة؟؟؟ أم أننا بحاجة إلى لغة أخرى وكتاب آخر؟؟؟؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة التي يلد بعضها بعضاً في سلسلة ملعونة وموتورة يجب أنْ يقودنا إلى التوقف والعودة إلى التاريخ ··· تاريخ الرواية·
ولكن قبل العودة إلى التاريخ دعونا نستمع إلى آينشتاين وهو يهمس إنّ المعرفة محدودة ولكنّ الخيال غير محدود ثم ننطلق من هذه الهمسة الصغيرة في محاولة الإجابة عن حقل الألغام السابق·
حين أطلق سرفانتس العنان لخياله ليحلم بعالم آخر غير عالمه الواقعي الذي لم يكن قادراً على تقبّله والتعايش معه، كتب الدون كيشوت، كان الدون كيشوت استجابة عملية لخيال غير عملي، ذلك لأنّ سرفانتس كان مسكوناً بالماضي وبالقيم الأخلاقية التي سادت في زمن لم يعد قائماً، زمن الفرسان والنبلاء والفضيلة حيث تسود قيم الخير والحق والجمال، وحيث إن العالم الذي كان يعيش فيه سرفانتس كان عالماً من فوضى فقد كانت الإمبراطورية الإسبانية في قمة تحللها وانهيارها، فكان لا بد له من العودة إلى الماضي فعاد·
من هذه النقطة انطلقت الرواية الحديثة بمعناها الواسع·
لكن السرد لم يبدأ بالرّواية، فقبل سرفانتس والدون كيشوت كانت ليالي ألف ليلة وليلة، التي تعتبر بحق تأسيساً عملياً للرواية·
كانت ليالي شهرزاد نوعاً آخر من الاستجابة العملية لخيال غير عملي هرباً من واقع مرعب، واقع مليء بالظلم وانهيار القيم·
إذاً فقد جاءت الرّواية وليدة للخيال البشري الجامح الذي حاول أنْ ينشئ عالماً آخر موازياً لعالم واقعي مرفوض أصلاً، وهذا يعني أنّ الرواية ولدت نتيجة لحافز فاعل ورد فعل فاعل موازٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه حسب القانون الثالث من قوانيـن نيوتن·
لكنّ خيال سرفانتس وكتاب ألف ليلة وليلة، ومن بعدهم المحدثون أمثال وليم فوكنر كان خيالاً سلفياً - ولهذا كان غير عملي- إذا صحّ التعبير، فسرفانتس لم يتخيل المستقبل بل الماضي وكذلك فعل فوكنر وكاتب ألف ليلة وليلة ومن جاء بعدهم من الروائيين·
حنّ سرفانتس لماضٍ عريق كانت تسود فيه قيم معينة فاخترع الدون كيشوت وحنّ فوكنر لماضي الجنوب الأمريكي قبل أنْ يدنسه الشمال المنتصر فاخترع مقاطعة يوكنا باتوفا التي تدور في أرجائها أحداث كل رواياته·
أمّا كاتب ألف ليلة وليلة فقد حنّ لماضٍ أشدّ إيغالاً وعمقاً في التاريخ، ماضي التكون الحلمي الأول للإنسان، حيث كانت الأساطير هي المهيمنة على الفعل البشري، وفي الحقيقة فإن عمل الخيال البشري بهذه الطريقة الارتدادية إنما يدل في أحد أوجهه على الطفولة الحلمية المرعبة التي عاشتها البشرية في عصورها الأولى قبل أنْ يتشكل الوعي·
هذه الطفولة التي تخزنت في اللاوعي الجمعي للبشرية، وارتدت فيما بعد - بعد مرحلة تشكّل الوعي- إلى عنف دموي لا يرحم لون الكرة الأرضية بالأحمر القاني· فقد عاش الإنسان في أول تواجده على هذه الأرض ضمن بيئة قاسية، مليئة بالظواهر الطبيعية المعادية والوحوش الكاسرة التي كانت تنقضّ عليه بلا هوادة أو شفقة· ومراجعة بسيطة لمجمل الأساطير البشرية ستدلنا بشكل مؤكد على هذه البيئة المرعبة، ولنأخذ أسطورة التنين الذي ينفث النار، أو أسطورة الأفعى لوتيان ذات الرؤوس السبعة على سبيل المثال، حيث تدلنا هذه الأساطير على أنّ بدء تواجد الإنسان على هذه الأرض يمتد إلى عصر الديناصورات، فالتنين ليس أكثر من طائر ضخم ومفترس، وكذلك الأفعى ذات الرؤوس السبعة، ولابدّ أنّ الإنسان في المرحلة الحلمية الطفولية قد واجه عالماً في غاية الرعب والشراسة·
عالم قاس تخزن في لا وعيه الجمعي، ثم ظهر بعد تشكّل هذا الوعي على شكل عنف مدمّر، سواء كان ضدّ أخيه الإنسان، أو ضدّ الحيوان، أو ضدّ البيئة المحيطة بشكل عام·
فالإنسان هو أكثر الكائنات عنفاً ودموية، وهذا شيء مبرر، فمن المعروف في علم النفس أنّ الطفل الذي يعيش طفولة قاسية وعنيفة يكون ميالاً للعنف حين يكبر وينضج، من هنا لم يكن غريباً أبداً أنْ يلون الإنسان الوجود بلون الدم، ولم يكن غريباً أيضاً أنْ يرتد مبدعوه وروائيوه الأوائل في خيالهم إلى تلك الطفولة المرعبة في محاولة منهم لفهمها واستيعابها·
صفحة 3
فلسفة الخيال \ الخيال السلفي والخيال المعرفي
لدينا ثلاثة نماذج استخدمت الخيال لتجاوز المعرفة، لكنّ هذا الخيال لدى ثلاثتها لم يكن خيالاً خلاّقاً مغامراً في المجهول، بل كان خيالاً خلاّقاً مغامراً في المعلوم، أو فيما ترسب منه داخل الوعي الجمعي البشري للماضي السحيق والقريب·لقد كتب هؤلاء وأبدعوا وهم أسرى للماضي·
من هنا يمكن لنا أنْ نقول إنّ الرواية قد بدأت بداية عرجاء ذلك لأنّ خيالها كان خيالاً سلفياً ارتدادياً·
وفي الواقع فإنّ مجمل سير الرّواية بعد ذلك قد بقي ضمن هذا السياق إلاّ إذا استبعدنا روايات الخيال العلمي لجول فرن ومن جاء بعده من كتاب هذه الرواية - علينا أنْ نتذكر أنّ العديد من النقّاد الغربيين لا يعتبرون جول فرن روائياً - ونعود إلى آينشاين الذي قال: إنّ المعرفة محدودة والخيال غير محدود ونتيجة لهذا الإيمان لديه ولأبحاثه العلمية المتعددة ولدت النظرية النسبية، وكانت النتيجة انعطافة حاسمة في التاريخ الإنساني على المستويين النظريّ والتطبيقيّ العملي، فلأول مرة في تاريخ البشرية أصبح اللعب بالزمن ممكناً وواقعياً·
كان الخيال يسبق المعرفة، لكنّ اينشتاين ومن خلال استخدامه للمعرفة أعطى الإمكانية الحقيقية كي تسبق المعرفة الخيال، فهو حين أمسك بالزمن كسر أسطورة الخيال، وهدم من حيث لا يدري نظرية سبق الخيال على المعرفة، وكان هذا إيذاناً ببدء عصر جديد للبشرية·
وفي الحقيقة فإنه لم يمض كثير وقت حتى جاء من مضى إلى أبعد بكثير مما جاء به آينشتاين، جاء الذي لم يقنن الزمن وحسب كما فعل آينشتاين بل من اخترع زمناً جديداً ومختلفاً عن الزمن السائد وكان هذا هو رائد ثورة المعلوماتية ونخاعها الشوكي بلا منازع بل جيتس·
فإذا كان آينشتاين قد حدّد الزمن ودلّ ولو نظرياً على إمكانية اللعب به، فإن بل جيتس وعلماء ثورة المعلوماتية الآخرين قد ذهبوا بالشوط إلى مداه الأقصى·
لقد أوجدت ثورة المعلومات التي كان بل جيتس رائدها زمناً جديداً ومختلفاً وموازياً للزمن المعلوم وتم إعطاء هذا الزمن اسم الزمن السوبراني· وفي هذا الزمن تلتغي المسافة، فإذا كانت السرعة تساوي حاصل قسمة المسافة على الزمن كما في قانون نيوتن الثاني، فقد أصبحت السرعة عند رموز هذه الثورة تساوي الزمن فقط، حيث إنّ المسافة أصبحت نهاية تقترب من الصفر فإذا ما التغت المسافة فإن هذا يعني بدوره إلغاء الجغرافيا· لقد ألغت الثورة المعلوماتية الجغرافيا = المكان = المسافة· هذا واحد·
أما الثاني فإنّ إلغاء الجغرافيا يعني بالضرورة انتفاء الواقع، لأن الواقع أحداث تحدث ضمن الجغرافيا، وحيث إنّ لا جغرافيا فلا واقع·
أمّا الثالث فإنّ الزمن الآخر يعني بالضرورة وجود واقع آخر ذي أحداث تحدث في جغرافيا أخرى ولقد أعطت الثّورة هذا الواقع الآخر اسم الواقع الافتراضي Virtual reality كما أسلفنا وفي هذا الواقع هناك أحداث تحدث وجغرافيا وزمان، لكن هل هذا سيعيدنا إلى الخيال الذي تحدث عنه آينشتاين؟؟ الإجابة نعم ولا·
فما يحدث هو خيال بالتأكيد، ولكنه خيال واقعي، مادي ملموس ومحسوس - خيال معرفي- فأنا حين أجلس ست أو سبع ساعات متصفحاً شبكة الإنترنت مثلاً، فإنني أعيش في عالم آخر وواقع آخر، متخيل من جهة، ولكنه حقيقي ومحسوس من جهةٍ أخرى· و لأنّ الخيال الذي تحدث عنه آينشتاين هو خيال لا محدود يسبق المعرفة، بينما الخيال الذي أوجدته الثورة هو خيال معرفي لا محدود وواقعي تماماً· لأول مرة في التاريخ البشري تسبق المعرفة الخيال ·
***
حين جاء ابن عربي قبل حوالي الألف عام تحدث عن الظاهر والباطن، وعن الحقيقة وعين الحقيقة، فالحقيقة هي الظاهر وبالتعبير الرقمي هي ألـ Actual reality، وعين الحقيقة هي الباطن أو ألـ Virtual reality ، وكما أوجد بل جيتس وزعماء الثورة الآخرين عالماً آخر غير العالم الموجود فعل ابن عربي·
لقد ناقش ابن عربي الخيال فليس إلاّ الخيال والخيال لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفي ولا مثبت
ويعطي ابن عربي للخيال اسم البرزخ فإذا قلت وما عالم البرزخ قلنا عالم الخيال
والبرزخ كما هو معروف لغة هو ما يفصل بين عالمين ويصل بينهما في ذات اللحظة ولما كان البرزخ أمراً فاصلاً بين معلوم وغير معلوم، وبين معدوم وموجود، وبين منفي ومثبت، وبين معقول وغير معقول سمي برزخاً اصطلاحاً، وهو معقول في نفسه، وليس إلاّ الخيال، فإنك إذا أدركته وكنت عاقلاً تعلم أنك أدركت شيئاً وجودياً وقع بصرك عليه، وتعلم قطعاً بدليل أنه ما ثم شيء رأساً وأصلاً، فما هو هذا الذي أثبت له شيئية وجودية ونفيتها عنه في حال إثباتك إياها؟
يقول نصر حامد أبو زيد في شرحه لمفهوم الخيـال عند ابن عربي إنّ الخيال عند ابن عربي خيالان: الخيال المتصل، والخيال المنفصل، فالخيال المتصل هو الخيال بالمعنى السيكولوجي باعتباره أداة إنسانية للإدراك والمعرفة، والخيال المنفصل هو الخيال الوجودي بجانبه الفيزيقي والميتافيزيقي
وبتعبير العصر الرقمي فإنّ الخيال المتصل هو الواقع الحقيقي والخيال المنفصل هو الواقع الافتراضي·
يلتقي بل جيتس وابن عربي في هذه النقطة ولكنهما يختلفان في أسلوب التطبيق·
يلتقيان من حيث إنّ العالم الواقعي والعالم الافتراضي يلتقيان وينفصلان في ذات اللحظة أو أنهما يلدان بعضهما البعض وبتعبير ابن عربي من الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل
كذلك الحال مع الشخص الذي يجلس أمام الكمبيوتر لمدة خمس أو ست ساعات غارقاً في عوالم الإنترنت، فهذا الشخص موجود في العالمين في ذات اللحظة، فهو لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفي ولا مثبت
وربما كان الشخص الموجود في العالم الافتراضي أكثر حضوراً وحقيقية مـن ذات الشخص الموجـود في العالم الواقعي فـ المتصل يذهب بذهاب المتخيل، والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائماً للمعاني
وهذا القابل دائماً للمعاني بحاجة إلى رواية أخرى جديدة ومختلفة لتعبر عنه وعن واقعه الجديد وهذه الرواية هي رواية الواقعية الرقمية·
صفحة 4
رواية الواقعية الرقمية
إن الكتابة مغامرة كما هي الحياة، والروائي مغامر تماماً كما هو الإنسان، وكما يختلف البشر تختلف الكتابة، فالإنسان القانع الراضي بما ترميه إليه الحياة من فتات موائد الآخرين لن يكون مبدعاً ولا خلاّقاً، ذلك لأنّ الإبداع دخول في المجهول، في اللاواضح، واللامحدود، واللاثابت، ومن يحاول أنْ يبدع بأساليب وطرق سلكها الآخرون قبله ليس مبدعاً وإنما مقلداً·إنّ الطرق القديمة قد عافتها الأقدام، والرواية بحاجة إلى طرق أخرى لم تسلكها قدم من قبل، طريق ضبابية وغير واضحة ولا محددة، ولن تتضح إلاّ حين يجلس الرائي أمام رعبه الأزرق ليكتب ويبدع·
إنّ الكتابة رعب لأنها دخول في اللامعروف، في الطرق المجهولة الوعرة، والرّواية الموجودة بشكلها الحالي قد ملتها الكتابة وملّها القراء والقلوب· إنّ الرواية بشكلها الحالي قد عداها الزمن، ذلك لأنّ الزمن لم يعد نفس الزمن، والجغرافيا لم تعد نفس الجغرافيا والناس لم يعودوا نفس الناس·
يقول بل جيتس عن الزّمن القادم وإنسان الزمن القادم في كتابه: Business @ the Sped of Thought: Succeeding in the Digital Economy سوف تعيد مقاييس المعدات والبرمجيات والاتصالات هذه تشكيل مسلك الأعمال والمستهلكين، ففي خلال عقد من الزمن سيستعمل معظم الناس الحواسيب الشخصية بانتظام في العمل والبيت، وسيستخدمون البريد الإلكتروني بصورة روتينية، ويرتبطون بالإنترنت ويحملون أجهزة رقمية تحوي معلومات عنهم وعن أعمالهم، ستظهر أجهزة استهلاكية جديدة تتناول في شكل رقمي كل أنواع البيانات تقريباً: النّص والأرقام والصوت البشري والصور المتحركة ويضيف قائلاً بعد أنْ ينحت مصطلحاً جديداً تماماً هو أسلوب حياة الشبكة: Web life style وأسلوب عمل الشبكة Web work style وهما مصطلحان جديدان تماماً على أدبيات التقنية اخترعهما ليعبر بهما عن الحياة القادمة وطبيعة العلاقات المتبادلة بين ناس الزمن القادم· يقول مبشراً بالمستقبل إننا اليوم لا نتصل عادة بالمعلومات إلاّ عندما نكون على مكاتبنا موصلين إلى الإنترنت بسلك مادي، أمّا في المستقبل فستوجد أجهزة رقمية نقالة ستجعلنا على اتصال دائم مع نظم أخرى وناس آخرين، كما أنّ أجهزتنا المستخدمة يومياً مثل عدادات الماء والكهرباء والأنظمة الأمنية والسيارات ستكون موصولة لتقوم بإبلاغنا عن أدائها وحالتها· إنّ كل تطبيق من تطبيقات المعلومات الرقمية هذه يقترب الآن من نقطة انعطاف هائلة، والتي عندها سيصبح التغيير فيما يستعمله المستهلكون مفاجئاً وهائلاً، وهي معاً ستحول أساليب حياتنا وعالم الأعمال تحويلاً جذرياً!
ويتوسع بل جيتس في توضيح مفهوم الـ Web life style حين يطلق على العصر القادم كله مصطلح العصر الرقمي، منبهاً إلى أهمية الاتصالية قائلاً تأخذ الاتصالية في العصر الرقمي معنى أوسع من مجرد وضع شخصين أو أكثر على اتصال، فالإنترنت تخلق مجالاً شمولياً لتقاسم المعلومات والتعاون والعمل والتجارة·
وهو يسمى الاتصالية والقدرة على التواصل في العصر الرقمي بالنظام العصبي الرقمي (Digital nervous system) الذي يوازي الجهاز العصبي لدى الإنسان (Central nervous system) المكون أساساً من النخاع الشوكي الذي لولا وجوده لما وجد الإنسان·
ويشير بل جيتس في كتابه هذا إلى أنّ التكنولوجيات البدائية التي ابتكرها الإنسان كانت بدورها تغيّر من طرائق وأساليب عيش الناس كليةً، ويعطي مثلاً على ذلك بحلول عصر الكهرباء، فقبل أنْ تصبح البنى التحتيّة الكهربائية شائعة في المدن، لم تكن لدى الناس أدنى فكرة حول الأجهزة الكهربائية كالهاتف والتلفزيون، وهي الأجهزة التي كتب لها أنْ تغير العالم·
ويمكن النظر إلى الإنترنت على أنها تطبيق كهربائي، فالعالم قبل الكهرباء غير العالم بعد الكهرباء، وكذلك فانّ العالم قبل الإنترنت غير العالم بعد الإنترنت·
ما الذي يعنيه هذا ؟؟
لقد نشر بل جيتس كتابه عام 0002م (أكتب هذه الكلمات في عام 2002م وقد تعدى العصر الرقمي ما توقعه بل جيتس بكثير) هذا متوجهاً إلى رجال الأعمال وقطاع المديرين التنفيذيين للشركات وربما لم يكن يعنيه أنْ تستنبط من كلماته هذه نظريات أدبية في فنّ الرّواية، ولكن ما الذي يعنيه هذا ··؟
ألا يعني أنّ العالم القديم قد انتهى، وأنّ هنالك عالماً جديداً ومختلفاً تماماً آخذاً بالتشكل·
لقد جاءت الرّواية لتعبر عن العالم سواء رفضاً أو إيجابياً ولتستشرف المستقبل، والروائي مكتشف قبل كلّ شيء لأنّ له عيناً ثالثة ليست لدى الآخرين - الروائي المبدع لا المقلد طبعاً - وهذا الروائي معني تماماً بالزمن ··· الزمن القادم، وبالجغرافيا الأخرى ··· الجغرافيا القادمة ····
صفحة 5
فرضية الرواية الرقمية
إنّ الرّواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان، أي أنّ الرّواية تساوي حاصل قسمة الزمان على المكان·ولقد تغيّر الزمن، وتغير الزمن يعني تسارعه، وتسارعه يعني وصوله في النهاية إلى الثابت= الواحد·
يقول بل جيتس إذا كان عقد الثمانينات عن النوعية، والتسعينات عن إعادة الهندسة، فإنّ العقد الأول من الألفية الجديدة سيكون عن السرعة
فإذا كانت السرعة تساوي حاصل قسمة المسافة المقطوعة على الزمن حسب قوانين نيوتن، فإنّ هذا يعني أنّ الزمن نفسه ثابت، وأنّ المتغير هو المسافة وبما أنّ العصر الرقمي قد ألغى المسافة= المكان= الجغرافيا فهذا يعني أنّ السرعة في النهاية ستساوي الزمن، وبما أنّ الرّواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان فهذا يعني أنّ الرّواية تساوي السرعة·
لنضع هذا جانباً لبعض الوقت ولنعد إلى الرّواية القديمة·
يقول ميلان كونديرا إنّ الرّواية مكان يتفجر فيه الخيال كما في حلم، وأنّ بإمكان الرّواية أنْ تتحرر من حقيقة الإمكانية التي يبدو أنْ لا مفرّ منها نعم، لقد كان هذا صحيحاً في زمن سابق، وفي رواية أخرى، حين كان الخيال الذي ينتج الرّواية خيالاً لا معرفياً وسلفياً ارتدادياً، أمّا في رواية الواقعية الرقمية المبنية على الخيال المعرفي فإن الأمر يختلف بالتأكيد·
لقد كانت الرّواية القديمة تنطلق من الحلم أمّا الرّواية الجديدة فتنطلق من المعرفة· وهذه الرّواية مغامرة في الزمن الرقمي الافتراضي وفي المكان الرقمي الافتراضي، وفي الواقع الرقمي الافتراضي· ذلك لأنه ليس إلاّ الخيال الذي هو معرفة، وهذا الكون بكل ما فيه من كواكب ونجوم وأفلاك ومجرات ما هو سوى الخيال المعرفي للواحد وأحلامه وكوابيسه وحبه لأن يعرف هذا كله عنه، وبما أنه لا محدود فالخيال المعرفي لا محدود والرواية بالتالي غير محدودة·
ورياضياً: إذا كانت الرواية تساوي حاصل قسمة الزمان على المكان:
أي أنّ الرّواية ر = الزمان/المكان
وحيث إنّ الزمن الافتراضي( ز ) ثابت يساوي واحد وما تبقى ظلاله، أي أنّ ز = 1
وبما أنّ المكان الافتراضي ك هو نهاية تقترب من الصفر· المكان (ك)
حيث ك: نهـــــــا ·
فإنّ الرّواية = ز/ك = 1/0 = 0 = ( ألما لا نهاية)
وهذا بالضبط ما تسعـى رواية الواقعية الرقمية للوصول إليه
إلى المستحيل اللا متناهي ··· إلى التوحد بالخيال المعرفي المطلق·
وليس هذا غروراً· يقول أدونيس إنّ جوهر القصيدة في اختلافها لا في ائتلافها ونقول نحن: إنّ الرّواية لا جوهر لها إنّ لم تكن مختلفة، مغايرة، ملعونة في غربتها وبحثها المستمر عن اللا ممكن، عن الثبات اللاممكن، ذلك لأنّ الرّواية حين تستقر على شكل معين تنتهي من كونها إبداعاً لتصبح أي شيء آخر، ·· رتابة ·· بلادة وموتاً·
ورواية الواقعية الرقمية هي الرّواية القادمة، ولن تتوقف الرّواية عندها، لكن ما سيميز هذه الرّواية عن غيرها هو قدرتها الدائمة على اتخاذ أشكال مختلفة باستخدام الصيغ المختلفة للتقنيات الرقميةالتي هي في تطور مستمر·
في الإرهاصات الأولى لهذه الرواية،أصدر الروائي الأمريكي ستيفن كينج روايته Ridding The Polit عبر شبكة الإنترنت في عام 1002 بالتعاون مع شركة أمازون· كوم، إلاّ أنّ كينج لم يستخدم التقنيات الرقمية في بناء روايته هذه بل اكتفى فقط بنشرها رقمياً على الشبكة عوضاً عن نشرها في كتاب ورقي كالعادة وبالتالي فهو لم يأت بجديد إلاّ في مجال النشر الرقمي أو الرواية الرقمية·
وفي نفس الوقت كنت قد انتهيت من كتابة روايتي ظلال الواحد التي استخدمت في بنائها تقنيـة الـالمستخدمة في بناء صفحات الويب وقمت بنشرها رقمياً على شبكة الإنترنت على موقعي:www.sanajlehshadows.8k.com من غير مساعدة من أحد، وبعد ذلك بقليل قام روائي هندي بكتابة رواية أخرى باستخدام التقنيات الرقمية المستخدمة في بناء البريد الإلكتروني، ولست أدري إنْ كان هنالك آخرون غيرنا قد استخدموا تقنيات أخرى في الكتابةالروائية، ولكم أنْ تتخيلوا الصيغ والأشكال الأخرى التي لم تستخدم بعد·