صفحة 1
تقديم
بقلم الأستاذ: عبد الله الطنطاوي
رئيس رابطة أدباء الشام
علي أحمد باكثير : أديب كبير ... أديب إسلاميّ أصيل ، استطاع - في عمره القصير (59سنة) - أن يقدم الكثير الكثير من ألوان الأدب المتميز بجدته .. وهب نفسه ، وقلمه، وحياته ، للأدب ، فأبدع في أكثر ما كتب، وهو أهل لأن تقدَم حوله الدراسات حول حياته ، وفكره السياسي، والاجتماعي، والأدبي، وحول كل جنس من الأجناس الأدبية التي صال فيها وجال: شعراً، ومسرحية، ورواية ـ أن تقدم أكثر من دراسة، أكثر من رسالة جامعية ، فإذا ظلم باكثير في حياته وبعد وفاته، فقد آن الأوان لينهض الشباب الجامعي برفع الغبن الذي ناله وغاله، وليضعوا عن كاهله أوزار المرجفين والمخاصمين بعيداً عن شرف الخصومة ، فقد آذوه وأنقضوا ظهره ، ولولا تثبيت الله له ، ولولا إيمانه، ولولا إرادة التحدي والقتال عنده في غير ميدان ، لخسر الأدب العربي عامة، ومذهب الإسلامية في الأدب خاصة ، أديباً عظيماً ، هيهات أن يجود الزمان بمثله، والدليل على ذلك: هذا الفراغ الذي تركه خلفه بوفاته ، وهو فراغ كبير ، لم يستطع أي أديب عصري أن يشغله ، بل أن يشغل حيزاً ذا بالٍ منه .
ومن هؤلاء الشبان الجامعيين ، صاحب هذا الكتاب القيم في نهجه ، وأسلوبه ، ومسالك تفكيره ، وجديّته ..
حضرت مناقشة عدد من الرسائل الجامعية ـ ماجستير ودكتوراه ـ وقرأت عدداً من رسائل الدراسات العليا قبل أن تصير كتباً مطبوعة ، وبعد أن طبعت ، وكثير من تلك الرسائل لم تكن لتنال رضا مناقشيها ، وحاضري مناقشتها ، وقارئيها ـ من بعد ـ ولكني وجدت صاحب هذا الكتاب / الرسالة ، دارساً جاداً ، متأنياً في دراسته ، ومطالعاته ، غير متعجل فيما يكتب ، وفيما يقدم من تحليل ورأي ، همّه : الجديد ، وليس حمل (الشهادة) وهذا يبشر بخير كثير إن شاء الله تعالى .
واختياره لدراسة روايات باكثيرالتاريخية : دليل وعي ومعرفة بالساحة الأدبية عامة ، والإسلامية خاصة، فباكثير أديب بارز ، وهو مؤسس مذهب (الإسلامية) في الأدب ، بلا منازع ، كما هو رائد شعر التفعيلة بلا منازع ، وكل من نازعه في هذه الريادة ، متبّر فيما ينازعه فيه، هو، أو من يزعم له الريادة من النقاد المنحازين لخصوم باكثير، المتحاملين ـ إن لم أقل الحاقدين ـ على باكثير ، حسبما تدعوهم أيديولوجيتهم إليه ، وتأمرهم به ، فقد عرف هؤلاء أيّ رجلٍ هذا الشّاب الحضرمي الذي اتخذ من القاهرة مستقراً له ، وأيّ داعية إلى الأدب النظيف ، الأدب الملتزم بقيم الإسلام ومبادئه وشريعته وأخلاقه .. عرفوا خطورة ما يقدم من ألوان المسرحية ، والرواية ، والشعر ، في وقت مبكر ،فشنَوا عليه حملة شعواء لم تخبُ نارها بعد .. وقد يحسب القارئ المتعجل ، وسليم النيّة ، أن مبعث هذه الخصومة : الحسد .. ويا ليت المسألة تقف عند الحسد ، وعداوة الكار لدى بعض كتبة المسرح، فهؤلاء رأوه مجلياً في هذا الميدان ،فحسدوه ونقموا عليه وكادوه ، فمسرحياته التي مُثِّلت على خشبة المسرح ، وكذلك أفلامه السينمائية ، كان لها حضورها القوي في نفوس كل من شاهدها ، برغم كل العقبات التي كانت توضع في طريقه ، لتحول دون نجاحه ونجاحها ، ولكن .. هيهات .. فقد كان ـ باكثير ـ بما أوتي من حسّ فني ، وذائقة أدبية، ومن عشق لهذا الفن ، حمله على إتقان ما يكتب ، وتجويد ما يقدم ، وعلى الإخلاص لفكرته .. ـ كان باكثير ، بهذه وبغيرها ، أكبر من كل العقبات التي يضعها في طريقه : المعوّقون المعوَّقون ، والحاسدون الحاقدون على هذا الشّاب الذي جاء من أقاصي البلاد العربية ، ليزاحمهم في مصر (الفرعونية) .. في بلدهم الذي هو ملكهم ، ولا يسمحون لمنافس (أجنبي) غريب ، أن يثبت أقدامه التي تسير بخطوات واثقة على (أرضهم) .
صفحة 2
صاحب هذا الكتاب/الرسالة: دارس جادّ، وكاتب ملتزم، وداعية على طريق مستقيم لاحب، يظهر التزامه من الأسطر الأولى التي خطها يراعه.
إن من يقرأ الكتاب/الرسالة هذه ، يجد أمامه جهداً واصباً ، وعملاً دائباً أخرج الكتاب بهذه الصورة التي سوف يحمدها الدارسون له، في كل المحاور والمجالي التي رادها في بحثه الرصين هنا ..
قدم موجزاً عن حياة باكثير ، ليس بالطويل الممل ، ولا القصير المخلّ ، وقدّم صوراً واضحة عن المشاهد السياسية والفكرية ، والاجتماعية التي عايشها باكثير ، وكانت لها بصماتها على حياته ، وفكره ، وأدبه ، ومواهبه ، ومواقفه .
ومهد لدراسته بوضع بعض الصور لتكون معالم واضحة لما سوف يقدم ، قبل الخوض في الميدان الذي اختاره لرسالته ، ودراسته عن روايات باكثير ، وكان رصده في هذه التوطئة واعياً ، وأميناً .. وهاتان صفتان لابد منهما للدارس الذي يحترم نفسه وبحوثه .
حلل روايات باكثير التاريخية وتحدث ـ في الفصل الثاني ـ عن فن الرواية التاريخية عند باكثير ، فأجاد ، وحوت خاتمة دراسته خلاصة هي مجموع نتائج ما توصل إليه.
إن من ينظر إلى قائمة المصادر والمراجع، القديمة والحديثة التي اهتدى بها في كتابه، من كتب، وصحافة، وإحصاءات، يعرف الجهد الجاهد الذي بذله الباحث من أجل الإحاطة بموضوعه ويدل على المتابعة الدائبة ، والاستقراء والاستقصاء، من أجل إعطاء الدراسة حقها، وليكون إنصافه لباكثير، مستنداً إلى مجموعة طيبة من الأدلة والبراهين التي تدعم ما اقتنع به وتوصل إليه، عبر مطالعاته المستفيضة في تلك المصادر والمراجع .
ولقد وعى إسقاطات باكثير على واقعنا المعيش، فاستخلص خلاصات تدل على عبقرية باكثير الذي وعى زمانه ، كما وعى التاريخ ،فأسقط الثاني على الأول، في عمليات فنية واعية، فتراه كان يتحدث عن الأيام التي يحياها بكل ما فيها، وبقيت طريقته فيها مستقيمة .
من يقرأ مسرح باكثير السياسي، من دون أن يعلم كاتبها ، يحسب كاتبها عصريّنا، يعايش أحداث اليوم، ويكتب عنها ويعالجها بأسلوب فني راق .
وكذلك قل عن سائر أعماله الروائية والشعرية ، بما حوت من إسقاطات على واقعنا الذي نعيشه وعشناه في العقود الأخيرة ، بينما كتبها باكثير في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته وستينياته .
قدّم الأستاذ عبد الله الخطيب كل ذلك، بأسلوب أدبي رصين، خلا من أي وهن، وهذا يعني أنه يعد بالكثير إذا تفرّغ لدراساته، ونأى بنفسه عن حطام هذه الحياة ، الذي يقتتل الناس حوله، ويتنافسون عليه..
هذا ما نرجوه منه، وله، ومن الله التوفيق والتسديد .
صفحة 3
المقدمـة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده الذي اصطفى، نبينا محمد المصطفى، والآل والأخيار ومن وفى، وبعد،
إن تجربة علي أحمد باكثير الروائية تعد من أقدم التجارب الروائية العربية الحديثة - التي وظفت التاريخ – وأنضجها؛ على الرغم من أنها كتبت في مرحلة متقدمة، فهي تحتوي على كثير من المنجزات الفنية التي تجعل منها رائدة الإبداع الروائي الذي يعتمد التاريخ مصدرا له، وذلك بما تشمله الروايات من رؤية عميقة وقدرة فنية متميزة على إبداع فن روائي متطور يوالف بين المضمون والشكل ويمزج بينهما.
وهذه الدراسة تقوم على تحليل الأبنية الروائية عند باكثير في جانبي المضمون والشكل، فهي مضامين متميزة وبناء فني مكين، ويتمثل هذا التميز من ناحية المضمون باشتمالها على مادة مثيرة للجدل؛ لأنها تتناول قضايا سياسية ودينية وجنسية بالغة الأهمية؛ كتبت بقلم إسلامي عاش فترة الصراعات الفكرية في مصر، حيث اعتمد باكثير تكنيكا جديدا في بناء رواياته مرتكزا على التاريخ الإسلامي، ولجأ إلى إسقاط التاريخ على الواقع الذي يعيشه، فاتجه نحو التاريخ وأعاد صياغته من جديد بأسلوب فني جاء تجسيدا لطموح الروائي في تقديم صورة واقعية عن الحالة التي يعيشها المسلمون في عصره، وهي شبيهة بالحالة التي استمد منها أحداث رواياته. وأفاد كثيرا من التقنيات الفنية المتوفرة آنذاك، فخرجت رواياته بذلك عن المواصفات التقليدية للرواية، مما دفع بعض النقاد إلى اعتباره رائدا للرواية الإسلامية.
وقد عالجت روايات باكثير قضايا مهمة – كما ذكرت آنفا – تتعلق بالفرد والجماعة، بانت في هذه الروايات جرأته الفنية في تطوير الشكل والمضمون وتقديم صياغة جديدة لم تعهد في روايات من قبله، حيث مزج بين البناء الروائي والمسرحي والشعري، إضافة إلى توظيفه التقنية السينمائية ليقرب الصورة إلى ذهن القارئ. أما لغة رواياته، فقد جاءت قوية ومألوفة العبارة تخلو من العامية والركاكة، مثلت على المستوى الفكري والفني امتلاك الروائي الكامل للحرفية الروائية ذات السمة الواقعية.
وتقع هذه الدراسة في فصلين سبقهما تمهيد ؛ عرض الباحث فيها لتحليل النص الروائي عند علي باكثير، فتناول في التمهيد محاور عامة تتعلق بالرواية التاريخية، وذلك لارتباط روايات باكثير بهذا الجنس الروائي، مما ألزمه بالوقوف عند الرواية التاريخية، مفهومها، و أطوارها، وعلاقة الأدب بالتاريخ، وقدم موجزا عن حياة علي أحمد باكثير؛ ذلك أن هذه الدراسة تتناول قضايا فكرية طرحها الروائي في رواياته، فكان من المستحسن أن يُعرض لحياته وللظروف السياسية والفكرية والاجتماعية التي كتب فيها الروائي رواياته.
أما الفصل الأول، فتناول دراسة القضايا الأيديولوجية وتشكيلها عند باكثير حيث عرض الباحث لمحاور أساسية تمثلت بـ: الثالوث المحرم (السلطة والدين والجنس) والأمل واليوتوبيا.
أما الفصل الثاني، فقد اشتمل على دراسة التشكيل الفني لأعمال باكثير الروائية؛ من خلال البحث في تجليات الفضاء المكاني، والفضاء الزماني ودراسة الشخوص ونماذجها، والحوار واللغة.
ثم أعقب الباحث الدراسة بخاتمة تناول فيها أبرز النتائج التي توصل إليها في دراسته هذه حول.
كنت أنوي إدراج بيبليوغرافية عن باكثير، غير أني عدلت عن ذلك لما في موقع باكثير الإلكتروني www.Bakather.com الذي يشرف عليه الأخ د. عبد الحكيم الزبيدي من بيبلوغرافية شاملة وتفصيلية، وهنا أشكر الأخ عبد الحكيم الزبيدي لجهوده المخلصة في الاعتناء بهذا الموقع ورعايته بصورة دائمة. كما أشكر الأستاذ عبدالله الطنطاوي على جهوده المخلصة في قراءة أعمال باكثير.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
صفحة 4
أما قبل
مدخل إلى الرواية التاريخية:
تعمد العلوم الإنسانية المختلفة إلى دراسة العلاقة الجدلية بين الإنسان والتاريخ واستيعاب أبعادها، من مثل ما تقدمه علوم التاريخ والأنثروبولوجية والاجتماع وغيرها من نظريات ومعارف ورؤى مختلفة، وذلك في محاولة لتفسير العلاقة المركبة بين الإنسان من جهة، والمنظومة التاريخية والثقافية من جهة أخرى.
والرواية ذلك الجنس الأدبي النثري السردي التخيلي، تحاول التقاط ما هو جوهري وجدلي في علاقة الإنسان بالتاريخ، لتسهم بشكل فاعل وحاضر في تقديم تصورها لهذه العلاقة وفق منظورها الفني الخاص، وضمن حقول الفن والآداب المختلفة، جنبا إلى جنب مع العلوم الإنسانية الأخرى.
وإذا كانت الرواية بشكل عام " تاريخ متخيل داخل التاريخ الموضوعي" (1) - كما يرى أحد النقاد، فإن لنا أن نلتمس الخيط الذي يشد الرواية إلى التاريخ عبر اشتراكهما بالعناصر الرئيسة: الإنسان والزمان والمكان، وأكثر من ذلك اشتراكهما بالقصة أو الطابع القصصي.
والرواية الأدبية إذ تفرز الرواية الاجتماعية والرواية الواقعية بأنواعها، والرواية الجديدة، والرواية التاريخية وغيرها، فإن لهذه الأخيرة علاقة خاصة بالتاريخ، مستمدة من طبيعة موضوعها وأسلوبها. فالرواية التاريخية تشترك مع الرواية الأدبية – بصورة عامة– في وجود بنية تاريخية تتأسس عليها، بمعنى وجود فضاء وأحداث وشخوص كما في الواقع، إلا أن الرواية التاريخية تنطلق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة في الغالب، وتشكل جزءا من تاريخنا وماضينا الممتد حتى اللحظة الراهنة. فالرواية ابتداء تقوم على بنية زمنية تاريخية، تتشخص في فضاء تاريخي، يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة، تضيئه أحداث تحييها شخصيات إنسانية فنية، حية وكاملة.
والرواية تعمل على استكناه وحدة الجوهر الإنساني الثابتة عبر امتداد التاريخ، في سبيل التقاط كل ما هو إنساني وأصيل وصادق، وهي إذ ذاك تستدخل نظرة علوم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم النفس لتدرس من خلالها أعماق النفس البشرية وكينونتها التاريخية والاجتماعية.
ومن الصعب في تمهيد كهذا الإحاطة بمختلف القضايا و الإشكاليات التي يطرحها " تصور الرواية التاريخية " في أدبنا العربي الحديث والمعاصر. بل إن الإحاطة بمختلف الأسئلة المتصلة بالرواية العربية عموما، تتنوع وتعدد بحسب المقتضيات النظرية والتعبيرية التي تخص سؤال الكتابة وإنجازاته التخيلية، وهذا ما يجعل أسئلة الرواية متجددة باستمرار ليبقى النثر الروائي إسهاما معرفيا وثقافيا مخصبا للرغائب والأحلام والذوات. غير أني سأحاول في هذا التمهيد تناول بعض المباحث التي تسهم في تقديم لمحات نظرية عن الرواية التاريخية، من حيث التعريف، وعلاقتها بالتاريخ، وحدودها الفنية والحقيقية.
تعريف الرواية التاريخية :
يعرف جورج لوكاتش الرواية التاريخية بأنها " رواية تاريخية حقيقية، أي رواية تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات" (1). فهي بالتالي " عمل فني يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنها لا تنقل التاريخ بحرفيته ؛ بقدر ما تصور رؤية الفنان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه، أو موقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له " (1)
صفحة 5
علاقة الرواية التاريخية بالتاريخ
ان الاعتماد على التعاريف المخصصة لكل اسناد نظري يبحث في علاقة الرواية بالتاريخ من شأنه أن يقود الباحث نحو إعادة التفكير في إشكال كبير يخص علاقة الأدب بالتاريخ وهذا يجعلنا نطرح عدة أسئلة من مثل: هل الرواية التاريخية هي التي تعتمد الحدث التاريخي مرجعية للحدث الروائي؟ وبالتالي فإن في هذه الحالة مرجعيتين: مرجعية حقيقية متصلة بالحدث التاريخي، ومرجعية تخيلية مقترنة بالحدث الروائي. وهذا يصل بنا إلى سؤال هام: كيف يشتغل الحدث التاريخي ضمن الحدث الروائي؟ أي كيف يشتغل الحقيقي ضمن التخييلي؟ وسأحاول هنا الوصول لإجابة عن هذه الاسئلة.
على الرغم من حب الإنسان الشديد للماضي بكل ما فيه من تفاصيل وخبرات - فالماضي ملك التاريخ، والتاريخ حافظه -، نجده غالبا ما يعزف عن قراءة كتب التاريخ، ويمل الحياة بين صفحات هذه المراجع الجافة المملوءة بالحشود الهائلة من الأحداث المملة والأخبار المتشابهة، لا سيما أن أكثر المؤرخين قد يجيدون جمع الأخبار ومقارنتها والاستنتاج منها، إلا أنهم يقومون بهذا في إطار علمي جاف، ويعرضونها عرضا قد يكون مملا يغري الناس بالزهد في كتب التاريخ والوقوف على حوادثه وأخباره. والعنصر الأدبي لازم في كتابة التاريخ، فإذا أبعد من ناحية احتال على الدخول من منفذ آخر. والشعور بالحاجة إلى هذا العنصر الأدبي هو الذي ساعد على ميلاد الرواية التاريخية، لأن التاريخ يبعث في النفس البشرية التوق للماضي وتقليده في جوانب الخير والحذر من الانزلاق في ثغرات البشرية التليدة والتاريخ حين يصبح بأحداثه وشخصياته مادة للرواية، فإنه يصير بعثا كاملا للماضي، يرتبط فيه الحاضر بالماضي الخالد في رؤية فنية شاملة، فيها من الفن روعة الخيال وجاذبية الذكرى، ومن التاريخ صدق الحقيقة. ولعل هذا يفسر جاذبية الرواية التاريخية التي تحاول أن ترد الحاضر لشيء كان موجودا فعلا، فالقارئ وهو يقرأ الرواية التاريخية يشعر أن ما يقرؤه ليس من صنع خيال المؤلف، فالخيال وظيفته هنا هو تشكيل الصورة التي كانت عليها الحياة في العهد القديم ورسمها دون تحريف أو زيادة أو نقصان، بيد أن الأديب ربما غير في مجريات الحدث التاريخي لينسجم البناء الفني مع ما يدور في خلده ووجدانه. وليصل الأديب في كتابة الرواية التاريخية إلى هذا الغرض من الفائدة والمتعة عليه أن يقرأ التاريخ " قراءة تعمر نفسه بأحداثها وتمتلئ مشاعره بمواقفها، وسوف يتأثر بها تأثرا يملك عليه نفسه ويستولي على خاطره، وبذلك يندفع للترجمة عن مشاعره والتعبير عن أحاسيسه، ويصور لك نفسيته حينما لامسته تلك الشرارة من الذكرى مما يجعل إنتاجه صورة صادقة من نفسه وفكره وترجمة عن أحاسيسه وعواطفه حيال تلك الحادثة أو البطل الذي عمر نفسه وملأ فؤاده وملك عليه خواطره"( ) فالتاريخ في صورته المعروفة ما هو إلا حقائق مجردة لها وجود محدد، وقد أعدت سلفا وبمجرد دخول هذه الحقائق التاريخية في إطار العمل الأدبي يتحول العنصر التاريخي إلى عنصر أدبي.
وفيما يتعلق بالتزام الروائي حقائق التاريخ، يقول لوكاتش: " يجب أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة "( ).
والناقد هنا يرى أمرين، يتمثل الأول في ضرورة الالتزام بحقائق التاريخ الكبرى دونما تغيير أو تزييف، فيما يقوم الأمر الثاني على جواز استيعاب الرواية التاريخية للبطل الروائي غير الحقيقي، والحبكة الفنية المتخيلة على خلفية صيرورة الأحداث التاريخية الحقيقية. والروائي في استلهامه للتاريخ يعيد ترتيب الأشياء وتوزيع الأدوار كما يريد، تأصيلا لرؤيته التي يقيم بناءها في معماره الروائي الجديد. والروائي في انتخابه للأحداث التاريخية التي تشد نسيج النص ببنيته العميقة والشكلية المتماهيتين " يقدر المسافات، ويشكل الألوان، ويصور الأماكن والحالات، ويركب الحوارات، ويبني المشاهد، ويتعمق في الأمزجة، ويفسر المواقف، ويصوغ ردود الفعل، وينزل إلى حيث تمفصلات المجتمع في مكان وزمان معينين"( ).
ليخلق بعد ذلك نصا إبداعيا نواته وحدة التجربة الإنسانية، بمعنى أن ثمة أشياء تتجاوز المكان والزمان لتكون الجوهري في الإنسان.
صفحة 6
هل وجود بعض الأحداث التاريخية في الرواية يكفي للقول بأنها روايات تاريخية ؟
يكاد التاريخ أن يكون منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع قائم، متجه نحو الماضي، في حين يكاد التاريخي يكون منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع ممكن، متجه نحو المستقبل. ولعل هذا يجعل المسافة بين الواقع والقائم والواقع والممكن تماثل المسافة التي يختزلها سؤال الكتابة بين الحقيقة والاحتمال. ان التعامل مع التاريخ من حيث هو مكون روائي لا يعني اعتماد التاريخ بديلا للتخيل، وكأن الرواية التاريخية بتكامل مستويات البناء والتجنس لا تكمن في طبيعة الأحداث التي تعرض لها، بل في الطريقة التي تقدمها بها" (1) والعلاقة بين الرواية والتاريخ هي علاقة يتم في ضوئها تمثل البؤرة السردية: الشخصية، الزمن، الفضاء …. ولذلك، لا ترتبط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير السمة السردية للكتابة الروائية والتاريخية وتدقيق مجال الاشتغال والتفاعل وتنويع عما قاله التاريخ " بلغة أخرى "، واعتماد الرواية التاريخية على الحدث التاريخي لا يعني أنها تعيد كتابة التاريخ بطريقة روائية فحسب بل قد ترتبط الرواية بالتاريخ للتعبير عما لا يقوله التاريخ. إن الرواية العربية، وهي لا تعيد استثمار التاريخ في انتاجها للدلالة الروائية، تقدم توظيفات مختلفة في الفهم والقصد، لأنها تختار كيفية محددة في القول والتركيب وإنتاج التخييل، ولأنها تعبر أيضا عن الحاجة إلى الرواية، والحاجة لأن تكون تاريخية كذلك.
ويمكننا القول إن الرواية التاريخية هي نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب؛ فالتاريخ ما هو إلا حقائق مجردة لوقائع تاريخية معينة سواء كان الأمر يتعلق بالحوادث أو بالشخصيات، بيد أن هذا التاريخ المجرد عندما يدخل بنية أساسية تعتمد عليها الرواية يأخذ شكلا جديدا؛ بحيث يصبح عنصرا فنيا من عناصر تكوين الرواية، فيخضع حينها لكاتب الرواية الذي يفسره وفقا لمزاجه الشخصي، لذا فإن " كتابة الرواية التاريخية محفوفة بالمزالق لأن الشخصيات في التاريخ لها وجود محدد، أو بعبارة أخرى هي معدة سلفا وكذلك الأحداث التاريخية والمكان والزمان وغيرها، وعلى الفنان أن يصوغها صياغة جديدة لا أن ينقلها كما هي في التاريخ، وهذا العمل هو الذي يجعل اتخاذ التاريخ مادة للرواية عملا مشروعا" (1) لكن يشترط في هذه الصياغة للمادة التاريخية أن تحافظ على كنهها وواقعيتها التاريخية كما هي، فيؤذن للروائي أن يحذف أو يزيد على الحدث التاريخي؛ لكن ضمن ضوابط المحافظة على جوهر المادة التاريخية المعاد صياغتها في العمل الأدبي.
وهناك علاقة طبيعية بين التاريخ والفن الروائي، فالمؤرخ حين يعمد إلى تصوير التاريخ وتسجيل أحداثه عليه " أن يلزم شكلا من الأشكال السردية الثلاثة، وهي: الحوليات و الأخبار و التاريخ.
أما الحوليات annals، فمعناها سنويا وهي مشتقة من أصل لاتيني.
أما الأخبار chronicles، فالأصل يرجع إلى اليونانية chronika وتعني زمنيا.
ومن هنا يتضح أن المصطلحين (الحوليات والأخبار) مشتقان من فكرة الزمن، فهما سجل أو قائمة أحداث مرئية مرتبة ترتيبا زمنيا، ولا يظهر منها المحور الاجتماعي الذي يصور أحوال الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي دون احتوائهما للعنصر القصصي.
أما المصطلح الثالث، التاريخ history فهو يعني قصة وتاريخا في آن واحد - أي أن التاريخ هو احتواء للأحداث في قالب قصصي، يعنى المؤرخ فيه بذكر الأنظمة الاجتماعية والسياسية السائدة من حوله في سرده لأحداث التاريخ مما يقرب عمله هذا من عمل الروائي؛ حتى قال كروتشه: " لا تاريخ بلا قص " – أي انه ليس هناك مانع من إضفاء البنية القصصية أثناء تناول أحداث التاريخ وتسجيلها"( 2) ومن هنا يتضح لنا وجود ارتباط فطري بين التاريخ والفن الروائي، إذ إن كليهما يتضمن سرد الأحداث بشكل قصصي. ولوجود هذه العلاقة بين الفن والتاريخ اتجه الكتاب إلى قراءة هذا المصدر الثري، وهضم صوره وصياغة موضوعاته صياغة حية نابضة لتغدو وسيلة للتعبير من خلالها عن أنفسهم ذواتا تحس وقلوبا تنبض.
صفحة 7
بداية ظهور الرواية التاريخية الغربية والعربية
يذهب الدارسون إلى القول إن " الرواية الغربية [ نشأت ] في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك زمن انهيار " نابليون " علي يد الكاتب الاسكتلندي والتر سكوت 1771- 1832 م إذ ظهرت رواية سكوت "ويفرلي " عام 1814 م" ( )، وإن معظم من جاءوا بعده اهتدوا بما قرره وساروا على نهجه. وقد كتب سكوت سلسلة طويلة من القصص التاريخي لاقت نجاحا كبيرا في إنجلترا وله أعمال أدبية متعددة، من أشهرها الرواية التاريخية (ايفانهو) سنة 1819م، و(الطلسم) سنة 1825، ولقد تبع سكوت في كتابة القصة التاريخية عدد كثير من الروائيين، فمن انجلترا سار على نهجه ( بالورليتون و جورج البوت) وغيرهما. ولم يقتصر تأثيره الفني على إنجلترا وحدها بل تعداه إلى فرنسا وروسيا وأمريكا"( ) فظهر في الأدب الفرنسي الحديث (الكسندر دوماس الأب 1802- 1870)، وقد نشر من سنة 1844- 1852م رواياته الشهيرة التي سارت بالقارئ من عصر لويس الثالث عشر إلى عودة الملكية خلال الحوادث الرئيسية في التاريخ الفرنسي " وقد تبع الكسندر دوماس في هذا الاتجاه الكاتب الفرنسي (فيكتور هيجو)( ) ، وكتب هيجو " روايتين تاريخيتين بينهما حوالي أربعين سنة هما: نوتردام دو باري سنة 1831م، وكاتر فان تريز سنة 1873م " ومن هذين الأديبين انتقل هذا اللون الروائي التاريخي إلى سائر الآداب العالمية الأخرى، ففي الأدب الروسي مثلا نجد " ليوتولستوى 1828-1910، الذي كتب رواية ( الحرب والسلام ) التي تعد أعظم الروايات التاريخية… "(1)
أما الرواية التاريخية العربية فقد اختلفت آراء النقاد المحدثين في جذورها، وانقسموا في هذا الإطار إلى ثلاثة اتجاهات :
الأول: يرى أن القصة التاريخية " كانت تطورا طبيعيا عن التراث العربي القصصي " (2)
أما الاتجاه الثاني، فإنه يقرر بـ " أن القصة التاريخية الحديثة لم تكن امتدادا للقصة التاريخية القديمة كقصة عنترة والهلالية وسيرة الأميرة ذات الهمة وسيرة الظاهر بيبرس وغيرها، فقد زال هذا النوع من الأدب الذي كان صدى للبيئة التي وجد فيها …، وما هي إلا فرع من فروع الثقافة التي جاءتنا عن الغرب في النهضة الحديثة. "(3)
و يرى أصحاب الاتجاه الثالث أن الرواية التاريخية نشأت نتيجة مزاوجة بين الموروث من التراث العربي القديم وبين ما جاءنا من الغرب حيث " تمخض الوعي عن حركة مزاوجة كبرى بين القصص القومي القديم بألوانه التقليدية والمصرية والشعبية والتجارية وبين المثل العليا الغربية والإنسانية للقصة، ونتج عن حركة المزاوجة انقسام القصص الفني إلى قصص تاريخي طويل وقصير والى قصص اجتماعي طويل وقصير "(1). وأرى أن للعرب إرثهم القصصي الشعبي كالسير والتخيلات القصصية والشعبية والقصص الشعري، فلا أحد يستطيع أن ينكر هذا الضرب من الفن القديم. و طبيعة الشعوب أن بعضها يفيد من بعض، فالأوروبيون مثلا في العصر الحديث أفادوا من قصص ألف ليلة وليلة ووظفوها في أعمالهم القصصية، وأنتجوا فنا متقدما من الأدب تجاوز المنثور إلى الممثل والمرئي، فالحال نفسه عند العرب الذين أفادوا من الخطوات الأوروبية في الرواية الحديثة، فنسجوا على منوالها أدبا جديدا يحاكي الأدب الأوروبي عرف باسم الرواية التاريخية العربية. ويمثل سليم البستاني وجورجي زيدان وفرح أنطون ويعقوب صروف وأمين ناصر وغيرهم الجيل الأول من كتاب القصة والرواية التاريخية، وهو الجيل الذي انصرف جهده إلى التاريخ في سياق حكايات تكون أكثر تسلية وتشويقا للقارئ(2)، ثم تبعهم الجيل الثاني ؛ جيل الذين " استلهموا لحظات ومواقف قديمة من التاريخ العربي و الإسلامي، وكان هذا الاستلهام للأشكال والموضوعات التراثية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية تجليات أدبية – بمستويات أدبية ودلالية مختلفة – لمحاولات إبراز الذات القومية في مواجهة الغرب "(3) واستلهم بعض الكتاب هذا التراث في رواياتهم بهدف بعث أمجاد الماضي وبطولاته، ومن هؤلاء عادل كامل ونجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار ومحمد فريد أبو حديد وعلي أحمد باكثير و علي الجارم، وقد صدرت روايات هؤلاء في الأربعينيات "(1) وعلى الرغم من هذا العدد الوافر من الروائيين الذين كتبوا الرواية التاريخية في فترة متقدمة، إلا أن المنحى التاريخي يحتاج من القاص أو الروائي إلى وعي عميق ومعرفة شاملة بالحياة الاجتماعية خلال الفترة التي يؤرخ لها فنيا، وعلى ذلك جاءت أعمال باكثير التاريخية، فيها نوع ملموس من التوازن بين متطلبات الحياة الاجتماعية والفنية، وتطلعه الجاد نحو تأصيل فني للرواية التاريخية الإسلامية، وبذلك جاء الحدث التاريخي في رواياته مرتبطا بالرؤية الاجتماعية التي كانت تنطلق من التاريخ وتميل به إلى معالجة الواقع.
ومن ثم نستطيع القول إن الرواية الفنية التي ظهرت مؤخرا في البيئة العربية قد تفرعت وتعددت ألوانها، يظهر هذا في التصنيف الذي أعده الدكتور محمد مندور للاتجاه القصصي الحديث عند العرب ؛ بادئا بأول نوع تفرع عن القصة الفنية الحديثة عند العرب وهو " الاتجاه التاريخي الذي ابتدأه جورجي زيدان، وجاء بعده فريد أبو حديد فجدد في معناه وحدد من وسائله وأوشك أن يخلقه خلقا جديدا في " الملك الضليل " و " زنوبيا "، وتبعه في ذلك شاب ينبعث منه الأمل وهو علي أحمد باكثير كاتب " أخناتون " و " سلامة القس " و " جهاد " (*)التي نالت إحدى جوائز وزارة المعارف، أما القصة التحليلية فتمثلها " سارة " للعقاد، ثم أدب الفكرة الذي يصدر عنه توفيق الحكيم، ومنحى طه حسين الذي يتميز بموسيقاه وتدفق عواطفه، وأخيرا لدينا الأدب الواقعي الذي برع فيه محمود تيمور "(2)
وتعد الفترة " ما بين 1939 – 1952 هي الفترة التي بدأ فيها التحول الحقيقي نحو اعتبار الرواية فنا يمكن أن تتوفر جهود الكاتب عليه، وفيها اتضحت معالم اتجاهات فنية وموضوعية ؛ بحيث لم يعد الكاتب يعتمد على مغامراته الفردية، وإنما يستند إلى تجارب سبقته على الطريق وإلى أسس ينطلق منها معاصروه من الكتاب، فالاتجاه نحو استلهام التاريخ اصبح يشكل معلما واضحا "(1)، فاهتم الأدباء والكتاب بكتابة الرواية التاريخية التي تعالج القضايا المعاصرة في الساحة العربية. وهذه الفترة هي فترة النضوج للرواية التاريخية، ولا أقصد التقليل من شأن الروايات التاريخية التي كتبت فيما بعد ولكنني أحسب أنها جاءت صدى لروايات تلك الفترة.
صفحة 8
علي أحمد باكثير حياته ورواياته
ولد علي أحمد محمد باكثير " في الخامس عشر من ذي الحجة سنة ألف وثلاثمئة وثمان وعشرين هجرية 15 ذو الحجة 1328هـ، الموافق الحادي والعشرين من شهر ديسمبر كانون أول سنة ألف وتسعمئة وعشر ميلادية 21 ديسمبر 1910 م في مدينة سورابايا في إندونيسيا"(2)، والداه عربيان من حضرموت*، أرسله والده التاجر إلى حضرموت وهو في التاسعة أو العاشرة من عمره لينشأ إلى جانب أهله وعشيرته في البادية ؛ وهذه عادة دأب الحضارمة في المهجر على انتهاجها ليسلك أبناؤهم مسلكا موغلا في العروبة ويتخلقوا بأخلاق البادية.
وفي حضرموت تلقى باكثير العلوم الإسلامية والأدبية وأصول اللغة العربية، * " وبمجرد فراغه من الدراسة على عمه العلامة الشيخ محمد محمد باكثير عين باكثير وهو في بداية السن الباكرة سنة 1344هـ مديرا لمدرسة النهضة العلمية بسيئون "( 1) لما عرف عنه من سرعة البديهة والذكاء الخارق والنبوغ الفذ والقدرة على الإدارة والحكمة والتفنن في الإبداع. ولعل هذه الفترة فتقت ذهنه وألبسته القدرة الفذة على قول الشعر " وفي وسعنا أن نوجز حصيلته الفنية شكلا ومضمونا في تلك الفترة الباكرة من حياته بأنه أتقن المعجم الشعري القديم وتشبع بروح إسلامي شفيف وأصيل(2). وفي سنة 1931م سافر إلى مصر وحاول دخولها " إلا أن السلطات البريطانية حالت دون ذلك فاتجه إلى الحبشة"(3)، لكن البيئة التي كان يأمل فيها لم يجدها في الحبشة، فباكثير من دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي، ومن الرجال القلائل – آنذاك – الذين رفعوا راية العلم والتحرر من العادات المتخلفة التي كان يمارسها بنو قومه في حضرموت، حتى انه اصطدم غير مرة مع وجهاء بلده لرفضه تلك الخرافات والبدع التي كانت منتشرة في بلدته. وعلى إثر ذلك شعر باكثير أن الجو الذي يزيل عنه الهموم ويساعده في نسيانها ويصفي كدر نفسه جو مكة المكرمة والمدينة النبوية فتوجه صوبها في
" غضون سنة 1932م"(4)، وقد عنونت الجرائد والمجلات صفحاتها الرئيسة بخبر " وصول شاعر حضرموت"(1). أمضى باكثير في الحجاز "
عاما تردد خلاله على مكتبات مكة والمدينة والطائف وعقد صلات فكرية وثيقة مع الأدباء هناك"(2) وفي الطائف اطمأنت نفسه وهدأ خاطره، فعادت قريحته الشعرية تفرز شعرا و تنتج أدبا، فكتب " أول مسرحية واسماها (همام أو في بلاد الأحقاف)، وهي تتناول مشكلة حضرموت"(3). وأثناء إقامته القصيرة في الحجاز عمل على توطيد علاقاته الأدبية والاجتماعية مع أدباء مصر وأساتذتها، إلى جانب الاهتمام بتقوية العلاقات مع ساسة الحكم في الحجاز خاصة الملك عبد العزيز آل سعود، وأخيرا كان استقراره في مصر، فأثناء إقامته في الحجاز أرسل إليه صديقه الحميم محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح دعوة للقدوم إلى مصر الأدب والعلم، فطار فرحا وشد الرحال إلى مصر بعدما زال المانع الذي منعه من دخولها أول مرة، ودخلها سنة 1934م ممنيا نفسه بالسعد واليمن، وحال وصوله مصر التحق بجامعة الملك فؤاد ودرس اللغة الإنجليزية، وأثناء دراسته حدث ما كان سببا في تحول مسيرة باكثير الشعرية، فتحول من كتابة الشعر العمودي إلى الشعر المرسل. ويخبر باكثير عن سبب ذلك بقوله: " في مقعد الدرس أخذ المدرس الإنجليزي يلقي علينا محاضرة عن الشعر المرسل، وقال فيما قال: إن هذا الشعر لم ينجح في أي لغة أخرى كما نجح في اللغة الإنجليزية، حتى إن الفرنسيين أنفسهم أرادوا أن يحتذوه فلم ينجحوا كما كان النجاح في اللغة الإنجليزية - وطبعا في اللغة العربية لا يوجد مثل هذا في لغتكم-، فأنا اعترضت عليه وقلت له: إن لكل أمة تقاليدها الفنية في شعرها ومن تقاليد العرب أن يلتزموا البحر الواحد والقافية الواحدة، وهذا أسلوبهم في التعبير وأسلوبهم الفني، ولكن لا يوجد ما يمنع من إيجاد مثل هذا الضرب من الشعر في لغتنا العربية، لأن اللغة العربية تستطيع أن تتنوع وأن تتعدد نغماتها كما لا تستطيع أي لغة أخرى، فنهرني وأذكر هذه النهرة وقال: كلام فارغ. وخرجت من الدرس إلى البيت مباشرة، وكنت أفكر في هذا النظم، ولكن هذا التحدي جعلني أنجز ما كان على بالي في الحال، وجئت إلى البيت نهارها ولجأت إلى اقرب شيء لاحتذي هذا النظام فوجدت روميو وجولييت النسخة الإنجليزية فتخيرت مشهدا من مشاهد روميو وجولييت وبقيت أعالجه بهذا النظم حتى استوى لي، ثم خطر ببالي أن أترجم المسرحية كلها من أولها إلى آخرها، وبعد أن أتممتها تبين لي أنني اخترت البحور المتحدة التفاعيل التي تستوي تفعيلتها كالكامل والمتقارب والمتدارك أما البحور التي اختلفت تفعيلاتها فلم اخترها تلقائيا، هذه أول تجربة لي في الشعر المرسل"( 1 ). عملت هذه الحادثة على تغيير حياة أديبنا الذي اتجه إلى كتابة الشعر المرسل منذ تلك الحادثة " وقد غيرت هذه الدراسة من نظرته لمفهوم الأدب كله، فأخذ يعيد النظر في المقاييس الأدبية التي كانت عنده من أثر ثقافته العربية، وكان يستهويه بوجه خاص أعمال شكسبير، وقد أدى ذلك إلى إيجاد الشعر المرسل في اللغة العربية "( 2 )
وفي مصر استمر باكثير يشتغل في التدريس حوالي أربعة عشر عاما – وكان وقتئذ يحمل الجنسية المصرية - ثم نقل إلى مصلحة الفنون قسم الرقابة على المصنفات الفنية في وزارة الثقافة، وكان عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في مصر وحينما صدر قانون التفرغ كان باكثير أول أديب نال منحة التفرغ لكتابة ملحمة مسرحية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه"( 1)
صفحة 9
رحلاته العلمية:
" سافر [باكثير] إلى فرنسا في بعثة دراسية حرة سنة 1954م، وفي سنة 1956م زار رومانيا والاتحاد السوفيتي عضوا في وفد أدباء مصر بدعوة من اتحاد القطرين المذكورين، وفي سنة 1958م مثل الجمهورية العربية المتحدة في مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا الأول المنعقد في طشقند(2)، ويبدو أنه زار في أخريات عمره لندن إذ يشير لتلك الزيارة رفيقه عبد الله بلخير في سياق حديثه عن فيلم أعده باكثير عن حياة الملك عبد العزيز لكنه لم يذكر سبب الزيارة أو تاريخها. ويذكر باكثير نفسه لما سئل عن تأخره في زيارة لندن أنه زار معظم دول الدنيا ؛ لكن لم يتسن له زيارة لندن إلا في هذا الوقت.
اتجاهه الفكري
لابد لأي إنسان أيا كان أن ينطلق من أيديولوجية مرسومة في ذهنه، وليس هذا للأديب فحسب وإنما لكل امرئ على وجه هذه الخليقة إلا ما شذر وندر. وبطبيعة الحال كان باكثير صاحب فكر انبثقت منه أعماله الأدبية سواء أكانت نثرية أم شعرية. ومعرفة فكر باكثير تساعد على فهم رواياته فهما أعمق، ويصعب استخلاص صور أدق إذا ما درست بمعزل عن فكر الرجل وانتمائه. وسأحاول هنا تسليط الضوء على ما ذكر عن منهج باكثير وفكره الديني؛ محاولا استخلاص تصور عام حول ما قيل عنه.
فمنذ أن وطئت قدما باكثير حضرموت سعى إلى تصحيح عقائد أبناء مجتمعه الغارقين في الفوضى الدينية والتخلف العقدي، وانتشار البدعة، والتمسك بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، والتقيد بالطرق الصوفية المنحرفة عن النهج الرباني من حيث تدري أو لا تدري، وقد حاول باكثير " أن يبث دعوة الإصلاح الحقيقي من خلال تلك المدرسة [مدرسة النهضة العلمية التي كان يديرها باكثير في سيئون] في عقول النشء"(1) وقد تحمل باكثير في سبيل ذلك التهم الباطلة من بعض الذين يتربصون بالمصلحين شرا. بقي باكثير على هذا النهج حتى غادر حضرموت واستقر في الحجاز وبعدها في مصر وخلال تلك الفترة " يعرف عن باكثير أنه لم يتعصب لفئة أو مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية، وطالب الأمة أن تبتعد عن كل ما يفرق شأنها، وأن توحد جهودها لإصلاح العقول والنفوس وتحريرها من كل ما يؤدي بها إلى التهلكة، واقتدى بذلك بموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده" (2) ولعل هذا القول يشق لنا أولى الطرق الموصلة لمعرفة فكر باكثير.
فالمفهوم من عدم تعصبه لأي مذهب ديني أو سياسي عدم انتسابه للحركات الدينية أو الأحزاب السياسية، وهذا الذي عرف عن باكثير حقا. وهذا لا يعني بحال أن الرجل لا انتماء عنده للإسلام، فشتان بين التعصب الديني لمذهب ما وبين الرغبة في نصرة الإسلام والمسلمين، فأعمال باكثير الأدبية تنفي هذا الادعاء. بيد أن ثمة مزاعم من انتساب باكثير لبعض التيارات الإسلامية المنتشرة في مصر. فهناك من يرى أن باكثير تأثر بصديقه محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح، والخطيب معروف عنه انتماؤه للجماعة السلفية*السنية المتأثرة بدعوة المصلح محمد عبد الوهاب النجدي، ولعل المدة التي عاشها باكثير في الحجاز كان الدافع الأول من تأثر باكثير بالجماعة السلفية " كان من الطبيعي لعلي أحمد باكثير أن يرتبط فيما بعد بالمدارس السلفية "( 1 )، والسبب أن دعوة الإمام محمد عبد الوهاب مهدها الحجاز ونجد، ومن غير المستغرب أن يتأثر المهاجرون إليهما بالدعوة المنتشرة هناك.
أما أصحاب الرأي الثاني فهم يرون أن انتماءه كان لجماعة الإخوان المسلمين* لا سيما المدة التي عاشها في مصر، وأحسب أن هذا ليس بدليل بيّن على انتماء باكثير لأي من الحركتين، فباكثير أديب وروائي صاحب فكر إسلامي ملتزم فلا بد أن يتعاطف مع أي حركة إسلامية أو تيار فكري يدعو إلى امتثال الإسلام، وبالتالي فإنه مؤيد للحركة السلفية أثناء إقامته في الحجاز ومتعاطف مع حركة الإخوان أثناء إقامته في مصر معقل الحركة.