eKtab
EN ع
رؤية في فهم الترميز الجمالي للفلسفات الوضعية والأديان
اقرأ عينة مجانية

رؤية في فهم الترميز الجمالي للفلسفات الوضعية والأديان

بقلم د. كريم حميدي الربيعي

صفحة 1

الإهداء

إلى
جميل وجمال الواجد وحده

صفحة 2

المقدمة

لا شك أن الخوض بالجمال وفلسفته من الصعوبة التي تؤرق صاحبها أو المشتغل بأفكارها وبواعثها، وغالباً ما نسمع ونقرأ الكثير من وجهات النظر التي مفادها إن هذا الحقل من المعرفة "جافٌ ممل" و"عالـمٌ ثمل"، فالصبر الطويل كما قال "بوﭭون" بوصفه للإبداع، فلا يمكن بلوغ غاية المراد إلا بالصبر والبحث به والمطاولة الجادة الموصلة إلى الهدف والغاية، وما كتابتنا لهذه النصوص الفلسفية في الجمال إلا صبراً وروية في محاكاة الأفكار "وسبر غورها" القديمة وتعديل وتحليل ما علق فيها من سقطات وشطحات الفلاسفة "المجانين" إن وجدت كون لا يمكن إخراج النص الفلسفي بعقلية الرتابة والسكون، بل بالهوس والتجلي والحكمة معاً، والابتعاد عن طبيعة البشر "ولو لبرهة من الزمن" في هذا القرن الجديد الذي ابتعد عن الروح وغابت معالمها وتضاريسها عن جسدها، فأمسى حاوية لها طول وعرض وارتفاع، لكنها جوفاء فارغة كصلصال آدم عندما خلقه المطلق قبل أن تدب فيه روحه...

فاستميح الفلاسفة عذراً إن أخطأت في شيء، ولكنني أرى أية فكرة تتجه إلى الحب والخير والإيمان والجمال علينا إظهارها والإبلاغ عنها، ولو كانت ندبة في جسد عملاق الفكر أو نقطة في بحر الإغريق والرومان أو لفافة من الجلد في مكتبة العرب والمسلمين...

فكانت هذه الرؤية التي أرى أنها أوصلت صاحبها إلى أن يتصور من خلالها صورة المطلق الكلية تجاه نسبويات الكون الذي أوجده لنا، وما لنا نحن إن لم نكن، وماله هو إن لم يوجدنا، فنحن له شاكرين وهو لنا متفضل أمين، فلا غرو بأن نمتثل لما يريد، ونجتهد بعقولنا وعملنا له وبه في ترميم و"ترقيع" ما تلف من بقايا الروح الأولى الصافية الصامتة، فلوثتها أجسادنا "بأديان الدنيا" وكأنها خالدة سرمدية لا يصيبها الفناء أو الضمور والتحلل والصدأ، فأدنوا زحفاً وبروية إلى روحنا كي تلتحم مع جسدها النقي الجميل، ليكون أميناً عليها من تلوث الدنس، دنس العولمة والحداثة التي أرادوها أن تقتلع أرواحنا من أجسادها، كونهم قد تشبعوا بروح الشطن ومراده الذي أوصلهم بلا رجعة إلى إنكار المطلق ولو بشيء من التدرج المتصاعد، حتى أوصلونا لتبني معتقداتهم ورؤاهم والدفاع عنها بشراسة، وكأنهم أرادونا أن نشكك بمعتقدنا وإنكاره...

صفحة 3

إن إفاضة الجميل علينا واكتشاف رموزه وترميزاته لهو الرد المباشر على ذلك الهوس كله، وتجعلنا معللين فهمنا هذا إلى انتسابنا إلى دين الإسلام، وهو الدين الذي اختزل كل الأديان السابقة، واختزل أيضاً وتجاوب أحياناً كثيرة مع تلك الفلسفات القديمة التي حاولت جاهدة لأن تعرفنا بجدية التفكير ونتاجه، وإبلاغنا عظمة تلك العقول التي فكرت وأنتجت كثيراً في معالم الكون والطبيعة، وتوصلت بعبقرية أصحابها إلى تحديد المطلق وجماله وإفاضاته الجمالية ورموزه الكثيرة على أبناء العالم "السفلي" الذي نحن نعيشه، باعتبار عالمه العلوي هو في العلا أو الفوق أو التسامي أو المتناهي أو المتماهي عننا، فتعاليم المطلق هي دائماً تدعو إلى الخير والحب ولكن وفق أي معيار أو مقياس أو علّة تقاس، فأين نجد ذلك الجمال وذلك الفيض الجمالي حولنا...

فهل نجده في معتقدات الأقدمين؟ أم نجده في عقول الصفوة الخلاقة المفكرة من بينهم؟ وكيف تصوروا ذلك المجهول، هل كان يحمل شراً- خيراً تجاه من صنعهم وسواهم؟ وكيف حدوده؟ وتيقنوا من وجوده بالرغم من جهلهم إياه، وحسبنا نقول كما قال سيدنا إبراهيم مخاطباً ذلك المجهول(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (الأنعام: 76) ثم قال (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 79).

فاهتدى بفطرته تلك، فهي دراسة لرؤية جمالية فلسفية تعرفنا بجميع الأفكار القديمة وحدود جمالها ورموزها في إفاضة المطلق العظيم.. هو (الله) الموجود بلا مشاهدة ولا سمع، بل بفطرة الإحساس به والشعور والجمال والحب فيه... والله من وراء القصد.

صفحة 4

علامات فهم الواجد ورموزهُ الأولى

لقد تحدث الكثير من المفكرين بنوعية الترميز الجمالي وكيفية حصوله، ودلالاته الفلسفية والجمالية، وتخصص البعض في ذلك الحديث بنمطٍ معين من رمز الجمال، منها ما كان يخص التصوير (الرسم) ومنها النحت والشعر والموسيقى وغيرها من الفنون والآداب، وقد تحولت هذه الأفكار إلى عوالم جديدة ومتشعبة في المعنى العام لها وفي الفهم المرمز الذي يؤطرها ويتبعها، فكوّن ذلك طرائق شتى ومختلفة، أحدثت فيما بعد مناهجا لها، ابتعدت كثيراً كما أسس له أو ما أريد له أن يكون من حيث بواعث الحاجة للفهم وفق محددات العقل البشري البنيوية، مما جعل من القارئ أو المتتبع للجماليات وأهدافها وغاياتها أن يدور في حلقات صعبة كثيرة ومتاهات تتشعب وتتمدد كلما ظهر نتاج جديد وفق حالة حاجة الواقع المتطور الحداثوي، وتبلور فهماً جديداً له، أو تداول لفكرة رائدة ولدت من خلال تقادم الزمن وحاجاته المتسارعة التي تلد مفاهيم تتناسب مع عقول حداثوية معينة تنسجم وروح العصر الجديد، وتتسامى معها، فأتت العولمة لتتفرد وتمد أذرعها خارج حدود الحداثة، كون الأخيرة تؤمن بالخصوصية وتدافع عنها وتجذرها وتؤسس لها ثوابت عامة.

من هنا نستطيع أن نتحدث عن الترميز ودلالة الرمز الجمالي وفق هذا التصور، وهذه الرؤيا الواسعة الشاملة عن الحدود والقوالب التي حددته، كوننا لا نستطيع أن نجعل لهذا الرمز الجمالي محددات ثابتة بعينها إلا في حالة الجذر والأصل والمنبع لأنه يشكل (شخصية ومعنى) تؤيد خصوصيته وانتماءه لمكون الرمز ومعنى الترميز للفكرة وماعدى ذلك تتوسع معالم المفاهيم لتشتمل على كل اتجاهات الكون الفكرية حاضرا ومستقبلا وفق عمق الزمن المتقادم، ومن هذا الفهم نجد ان تحديد مفهوم الترميز الجمالي يجب ان يؤطر بمفاهيم ودلالات واضحة وثابتة بعينها، تحدد للقارئ النبه طريق الفهم والاستيعاب والبلوغ للفكرة الدالة عن جذر أصل الجمال فيها، الذي أراد له المبدع أن يكون من خلال فكرة عمله الإبداعي...

ومن هذا التساؤل، هل هنالك اختلاف لرؤية فهم الترميز الجمالي، وهل له دلالاته في الأفكار الفلسفية الوضعية وما هو سبب الاختلاف والفهم في تلك الدلالات للترميز الجمالي في هذه الفلسفات الوضعية، فالترميز الجمالي هو طريقة في التأويل والإبدال للأفكار المختلفة، تحمل حقيقة الشيء المرمز عنه بمحددات الخصائص الأسلوبية التي تتصف بجمال اختيار المعنى المطلوب تحقيقه، وجودته، وابتكاره...

صفحة 5

وفلسفاتنا الوضعية هي الأفكار التي تتصف بالحكمة التي تلخص حياة الأفراد في العيش سوية وفق نواميس الطبيعة والكون، معتمدة على أساس حق المطلق في توجيه هذه الحكمة لما يراه تجاه النسبـي الذي أوجدهُ.

فالدلالة الرمزية تحدد لنا محورين رئيسيين لتلك المفاهيم الجمالية التي ستؤسس فيما بعد نشوء تكوين فكرة الجمال والترميز والرمز تجاه أفكار المحورين، حيث نرى وجود محور للمطلق الذي أوجد النسبـي وهيئ له وسائل استمراره في الطبيعة التي أوجدها له أيضاً، ومنع وصعّب عليه خاصية محددة ممثلة (بعدم القدرة) وترك له المقدرة في كل شيء يراه ويتحسسه من حوله، وخص لذاته ولنفسه (القدرة) في كل شيء، وهذه واحدة من دلالة فكرة (رمز الجميل).

وبما أن النسبـي (الإنسان تحددت مهامه بفضل وجميل "المطلق" بتحديد ماهية أفعاله)، فعليه إذن أعباء وواجبات الحديث إلى المطلق ومخاطبته بوسائل مخاطبة خاصة يبتدعها بطريقة ذاتية خالصة تُفهم المطلق من خلال صدق ومصداقية النسبـي التي يعرفها المطلق إن كانت خالصة له أم لغيره؛ وإن عملية التخاطب هذه هي وحدها تعتمر وتتمثل بديمقراطية الجمال الإلهي تجاه موجوده، باعتبار أن الذي أوجد هذا الموجود من العدم وبفضله وجميله كان وجوده، وعليه مساحة من الحرية المشروطة أي (الديمقراطية الملزمة)، وهو عمل يعدّل وينظم الحياة الكونية، وهي ملك ذات المطلق.

فالحديث من المطلق إلى النسبـي هو عملية مطلقة بعموم الأشياء وخصوصيتها الواسعة، والحديث من النسبـي إلى المطلق هو حديث محدد مخصص ومعلوم، وهنا تنشأ جمالية الإقرار بجميل المطلق الجميل في الفهم المرمز للأفكار كوصايا أو علامات تحتاج إلى من يحل شفراتها أو رموزها وهي مقصودة بذات المطلق من أن تكون هكذا مبهمة، ولكن هيئ لها مفاتيح الانفراج والفهم لدلالته بقوة تكوينه وعمق تبصره وبصيرته.

إذن كيف يكون "الحديث" إلى المطلق ووفق هذه المحددات التي رسمت بأفضليتهِ إلى موجوده، فعندئذ تكون الفرصة مهيأة "للنظر" إلى "الذات" و"النفس" في ذلك الحديث وذلك التخاطب، وهذا النظر هو من أصعب وأعقد الأوامر والطلبات حيث "كيف تثق بذاتك؟" من خلال أمر معلوم، فكان الجميل الجديد قد خصص المطلق له أدوات معلومة، بكيف تُفهم النسبـي عملية التخاطب هذه وحدودها بوسائل تعينه على هذا التخاطب والإفهام، وفق أفضل وأجمل الطرائق الممكنة التي يستطيع الموجود أن يقوم بها، والتي حددها الموجد له بمقدرته لفعلها، وهي تامة شاملة كاملة للقيام بذلك التواصل، فأعلم بها الموجود من خلال وسائط مكتملة النضج العقلي "للمطلق" والنضج الخلقي "النسبـي" ممثلة بالرسل أو الأنبياء وهم واسطة مختارة تعبر عن إرادته وعن مكنوناته وأوامره الخاصة بأفضل أداة موجودة، وبما إن المطلق يعلم ما يريد من خلال أوامره فأعتبر كل مطلب جميلاً بذاتهِ ومرمزاً تجاه كينونة الموجود، وهذا ما حصل وجرى منذ أن أوجد المطلق هذا النسبـي "منذ بداية الخلق"، فكون النسبـي محسوس مادي أضاف إليه الروح وهي "رمز جميل" غير مادي، وكون أضاف إليه رمز مضاف "العقل" وهو مادي محدد بإرادته فهو يعتريه القصور في رؤية الحقائق الكاملة والكامنة ما وراء خلق الكون والطبيعة، فهي أي "العقول" قاصرة عن الإمساك بالحقيقة المطلقة، بالرغم من بلوغ العقول هذه صفاء تفكيرها وسبرغور مقدراتها المادية التي حددها بعضاً من علماء النفس "أي اكتشافها" من "16- 17" مليون قدرة عقلية، إلا أنه يظل تحت سقف صلاحيات المطلق وإراداته فإن شاء زادها وإن شاء أنقصها وإن شاء أبقاها كما هي "نحن"، فأتت رمزية الأفكار بلغة محددة معلومة تبصّر بها النسبـي من خلال قدرات المطلق اللا متناهية، فكانت أداة الرمز، أداة ترميز في معانيها من قبل المفكرين الوضعيين، كونهم أدركوا مطالب المطلق بأحقيته بإطاعته والامتثال لأوامره وما يريد.

ولهذا أدرك الفلاسفة هذا الحق وبهذا الوجود، فطوروا من أدواتهم في التفكير وملاحظاتهم في الانتباه ومعاينة الطبيعة بجدٍ وجميل وعرفان، فتفننوا بحيلهم اللغوية برموز وتشفير كبيرين وكثيرة أتت من كثرة تلك الأفكار وفنونها والتي أطروها بجماليات ذوق المفردة وسحرها وتأثيرها في عقول من هم في معيتهم، وما القصص والأساطير وفلسفاتها والأفكار التي ترمزها إلا نموذجاً واقعياً على دلالة حضور الترميز الجمالي "وقدسيته"، وعرفاناً مرمزاً تجاه حق المطلق في إفاضته للجميل على موجوداته.

صفحة 6

ومن هنا كانت الفرصة مهيأة وواضحة ومهيأة للذات النسبوية للتخاطب وهذه الفرصة لها شرطان مهمان لتحقق في عملية النظر إلى الذات، أولهما هو عملية "الإنصات" وثانيهما "إعادة التكرار"، وهما شرطان وجوب وجودهما لتحقيق رضا المطلق وقبول ذلك التخاطب.

فلإنصات هو عملية داخلية، يتفاعل معها النسبـي مع ما يستجوب الفهم والإدراك والغوص داخل النفس، كي تفهم عملية التواصل الإرادي مع الشعور اللا إرادي، فعملية الربط بين النفس الداخلية مع كل ما تحمله من مفاهيم اجتماعية "مرمزة جمالياً" هي بحد ذاتها تفريغاً مرمزاً جمالياً، وأعطيت للنسبـي الحرية لاكتشافها والاستدلال بها في تعابيره الخارجية والممثلة بلغة التخاطب هذه، فعملية الإنصات هي عملية انسجام تامة مع ما يحيط بهذا النسبـي الموجود من أشياء تخص المطلق وحده، أي الانسجام مع الكون لأطاعة المطلق بمفهوم جديد ومتطور للفكر، وبما ان الكون كله يدور ويتمدد حول المركز "مركز واحد" فعلى النسبـي إذن ترميز الإنصات هذا كونه عامل جمالي جديد يحدد من خلاله رضا المطلق تجاهه.

إن عملية الانسجام هي عملية ذاتية محضة، ولا يستطيع من يمارسها أن يبتعد بحواسه عن هضمها والتسامي مع روحها وأصولها المعقدة، ولا يمكن لفاعل الإنصات والممارس له أن يحقق ذاتية جمال روحه إلا من خلال تواصل مؤلم ومستمر لحواسه مع ذات المطلق كي يصل إلى مرحلة التسامي ثم الاندماج وبلوغ التوحد المطلوب من ذلك الإنصات.

أما الإنصات والمعرّف بمفهوم دلالة المطلق فهو "بلوغ غاية العرفان الذاتي"، وبما أن العرفان الذاتي من خاصية النسبـي، فعليه وجوب التوافق مع ذلك الإنصات وذلك الانسجام كي يصل ويفهم معنى الجمال الجديد المرتبط بوعيه وإدراكه وتواصله مع ذاته الدالة على نضجه العقلي، حينها يمكن تحديد النواتج المثالية المطلقة بأسس عالية الجودة وعالية الترميز للجمال "جمال تحققه الذات" لأن أفعال الذات لا بد لها من عمل، وهذا العمل محدد بعدم الخضوع "خضوع الجسد" للهوى وفق أوامر المطلق، فكوّنه وحدد مساره ليطور أدواته الإبداعية وفق إرادته ليتمكن من الاستمرار في صنع حياته لتحقيق غايتين مهمتين لهُ، الأولى تخص المطلق، وهي مهمة خلق بسببها النسبـي (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

أما الثانية فهي تخص النسبـي، وهي مُدركة لا مخيرة وواعية للأولى، مجانبة لها باعتبار ليس له خيار بعدم (الأكل، الشرب، التنفس) وهي وسائل قد وهبها المطلق له "باعتباره كاملاً جميلاً وعادلاً" وأما الباقي من حياة الموجود فهي فروع من الأصل تركها له وأعطاه من مكوناته الخاصة ليكتشفها بجده وجهده وعمله، ليستمر في حياته المقدرة له والمعلومة في مداها من قبل المطلق سلفاً.

صفحة 7

وهذا الذي قلناه قد شكل ترميزاً، باختيار المطلق له في إفاضة الجميل عليه في أوامر طاعته وبلوغ هذه الذات إلى كمال الانسجام أي "الجمال" وكونه "فكرة" والفكرة "رمز" والرمز هو الدلالة العملية الجميلة لتلك الفكرة، وترميزها هو الفكرة، إذن هو فكرة وعمل، حيث خلق المطلق النسبـي جسد جميل وعقل فارغ، ولم يبقى سوى الروح (وهي الباقية) لتجعل من هذا الجسد والعقل الفارغ كياناً جمالياً جديداً.

إذن (فالنسبـي هنا يعيش لذّة مبعثها عملية العمل نفسها، ونشاطه الحر، فالقدرة الكلية لقوى الإنسان الجوهرية، تلك المقدرة التي لا تتحقق فعلياً إلا في اللا نهاية، من خلال تغيير الطبيعة بواسطة العمل) (10-ص57) فبدون قدرة المطلق لا شيء في الكون يسمى ويشخص، فبكفاءة الروح العالية "المطلق" حددت نمطية الجسد بأفعال متناهية الصنع لتغيير واقع الطبيعة المعلق تجاه رضا المطلق بمدارك العقل ومقدرته، فأصبح توازن ثابت بين الروح والجسد والعقل لفعل الجمال وإنتاجه (ولما كانت الذاتية تتخذ واسطتها في التعبير عن تلك الاعمال الفنية "الجميلة" ذات الدلالات المثالية التي تكون أقدر على تقديم الروح في وجودها الذاتي) (14-ص168)، ولنبين أن حقه في تلك الطاعة والامتثال إلى تحقيق ما يريده بديمقراطية منضبطة تعد رمزاً جمالياً لهداية الموجود إلى تحقيق مصلحته دون علم منه، بتوسعة المقدرة لديه ولتثبيت أحقية المطلق وفق انضباط ديمقراطيته، حيث يخاطب جميع موجوداته (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 62)، ثم يقول (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 255)، وهنا نجد أن المطلق أراد أن يوصل رسالته بشكل لطيف وجميل حين يخاطب النسبـي هذا، بأفضل أدوات الفهم والتخاطب وبلوغ ذلك لإطاعته، وأجملها لطاعته.

فلو أمعنا النظر في ما خلقه لنا وأوجده لنستمر في الحياة وفق محدداته، لما تردد هذا الموجود لعمل ما يريده، ومثالنا في ذلك العمل والامتثال بما يريد ما يأتي (كان عرشه على الماء فسما عليه فسماه سماءً ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين- الأحد والاثنين- فخلق الأرض ثم أرسى عليها الجبال وخلق فيها أقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين- الثلاثاء والأربعاء- ثم استوى إلى السماء وهي دخان وذلك الدخان من تنفس الماء فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين- الخميس والجمعة- ثم جمع فيه خلق السموات والأرض وأوفى في كل سماء أمرها الذي في البحار والجبال والبر، وما لا يعرفه الموجود بعد، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وجمالاً فلما فرغ من خلق ما "أحب" أستوى حيث يقول (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف: 54)، وبعد أن هيأ له كل ما يمكن العمل به والعيش هو(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: 117)، خلق ذلك النسبـي وأوجده كاملاً (جسد + عقل + روح) حيث تتموضع الروح في الجسد الطيني، فاختيار الطين فيها رؤيا ومغزى ورمزاً جمالياً صيره له، كون الطين أكثر انسجاماً وجمالاً من أي شيء آخر أوجده المطلق في هذا الخلق الذي تحدثنا عنه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنون: 12).

إن أفضل صورة للجمال المرمز قدمه المطلق لهذا النسبـي هو خلقه "بيده" ثم نفخ فيه من "روحه" فكيف لنا أن نتصور تلك العلاقة ما بين الاثنين، وكيف لنا أن لا نفهم روعة الحب والجمال والترميز والإتقان في هذا الخلق ومحبته، فهي مكافئة مطلقة تحمل رمزاً وترميزاً جمالياً لعدل المطلق.

إذن كيف يكون ولاء النسبـي وطاعته لذلك الذي لا حدود له ولا موجود غيره وفق ما أفاد به له، وما قام به هذا النسبـي تجاه تفعيل مطالب المطلق بأفكاره وفلسفاته قديماً وحديثاً، إلا دالة وصفية مرمزة وامتنان ذاتي يسمو بها تجاه من أوجده في هذه الطبيعة الجميلة.

صفحة 8

لقد تحققت ترميزة الجميل هذه وفق ثلاثية الكمال (الجسد + العقل + الروح) لتكون أنموذجاً ذهبياً بمدلول العقل- الواعي- العاقل- بفعالية شديدة وحاذقة ليتموضع مع الجسد مستلهماً صور أفعاله من الروح التي تمكن المطلق "وهي نقية جميلة" فعبرت بأبلغ تعبير عن (ارتباط فلسفة الجمال في الواقع الفني واتصال الفكر بالحياة، وكانت الأولى لكل حديث عن فلسفة الجمال) (16-ص21) فحاول هذا النسبـي أن يعمل وفق منهج التطهير من أن لا يلوث هذه الروح ويدنسها" في ما يريده، وهي أفعال "وظيفية" نعدها جمالاً فهو جميل يحب الجمال (13-ص230) فكان هذا العقل الذي يتربع ويتمركز ويسيطر على مفاصل الموجود الذي تحسس فيه الكون بنظرة واقعية لتوازن ذاته مع ما يؤنسه أو يؤرقه من مجتمعه الذي يعيش فيه، والمراد هنا منه ينظر نظرة أخلاقية خاصة، أي وجود "العقل والجسد" واحتوائهما للنفس وللروح (فالنفس للجسم الحي بمثابة الصورة والطبيعة لغير الحي، أي أنها مبدأ الأفعال الحيوية على اختلافها) (14-ص153)، ولهذا يعتبر الفكر والطبيعة ما هما إلا مظهران لهذا المطلق، (فكان المطلق حاضراً في الطبيعة على الدوام مباطناً لها وليس منفصلاً عنها) (8-ص47)، وهذه الطبيعة تحوي كل ما صيره المطلق من نسبيات الحياة، فهو يقول (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28)، وهذه دالة على أن المطلق أعد للنسبـي ما يناسبه في ما بعد من إثابة وعقوبة، إذا ما أراد التمرد على أوامره وفق حدود عدله وتوجيهه المرمز الطويل والأزلي، وهي خاصة المطلق" بأن يحسن الفعل للجسد، فعندئذ لا وجود للقبح بأفعال النسبـي، ويقابله وجود عدل "جمال" يفيض به المطلق تجاه النسبـي، ويفيض به بعد ذلك النسبـي تجاه المطلق.

وهنا تتحقق العدالة في ثبات الجمال المطلوب بداية، أي تتحقق جمالية العلاقة ورمزيتها بين العال والمعلول دونما خلق ليبعدنا عن مفهوم وجود الجمال، حيث تنشأ وتتكون وتولد أفكاره الفلسفية الوضعية، فكلما اقتربت من العدل والخير "الجمال" كلما كانت أفكاره جديرة بأن تكافأ وفق نواميس الطبيعة، وكلما كانت بعيدة عن العدل والخير "الجمال" كلما توسعت دائرة القبح والظلم والشر، وهذا كله يحدد مسارات وعقول الأفراد بتنقية وتطهير أجسادهم ونقاء أرواحهم وفق نظام وقانون المطلق.

ولهذا جاءت متطلبات المطلق وفق برنامج طويل- "وفق زمن النسبـي"- حددت له فواصل زمنية ابتداءً، وانتهاءً- وفق عمق الزمان- كون الزمان له عمقاً محدداً به، ابتداءً وفق معيار الجمال كرمز لكل موجوداته وحجب عن النسبـي انتهاءه ببصيرة يعلمها "هو" وحده كفرة مرمزة لبلوغ الحدث الذي نبه النسبـي له من خلال تراميز كثيرة حددتها الأفكار المطلقة وسميت "بالأديان"، فعندما نبحث في تاريخها يعني ذلك لنا ترميزاً مقصوداً ابتداءً حتى بلوغ ما أراد له أن يتوقف بإرادته، فاعتبر- دين- الإسلام- آخر ترميز جمالي له في طبيعة الخلق البشرية، واعتبره مكوناً صالحاً لكل زمان ومكان "قادم محدد" كونه قد حقق ما أراد لهذا الجمال أن ينتهي وفق هذه الرموز الكثيرة- الجميلة، في الحياة الوضعية، ووصفه بآخر رمز جمالي قدمه لحياة هذا الموجود في حياته الدنيوية التي يعيشها، وهي وفق محدداته قصيرة جداً ووفق محددات وبمفهوم النسبـي طويلة مملة، بحيث تجعل من تاريخها الطويل علامات نسبوية لأن لا يؤمنوا بمن أوجدها ولا يؤمنوا بثوابه وعقابه عند انتهاء زمنه الذي حدده هو لهذا النسبـي، فكلما ابتعد الجسد عن روحه ازدادت قبح أفكاره، وكلما اقتربت الجسد من روحه ازدادت أفكاره جمالاً وترميزاَ.

ولذلك فقد تم تحديد الإطار العام للنسبـي تجاه المطلق، وحددت المفاهيم الجمالية بترميز حدده المطلق "الواجد" فكان الخير والعدل "الحق" والجمال وهي أوصاف تتسم بأفعالها لتطهير الروح من كل دنس يلوث صفاء هذه الروح ونقائها، وهو ما أوجده المطلق لأفعال النسبـي، وبهذا اختلفت الرؤى بين المفكرين والفلاسفة والعبّاد بكيفية العمل بأفضل الصور لمكافئة المطلق على "حقه" في الامتثال له والإقرار بالعرفان لما أفاضه من جمال إلى هذا الموجود، حيث تمخض عنها نشوء تصورات أخلاقية بهذه الواجبات تجاه المطلق بأخلاقيات غير جامدة ومتطورة "في نفس الوقت" كلما ظهرت حاجة لها، وهذه الحاجة تحددها تفاعلات أفراد المجتمع فيما بينهم، باختلاف الزمان والمكان الذي يتواجدون فيه، فظهر هنالك استنباط عام خاص واستنباط خاص عام، فالأستنباط العام الخاص هو يتحدد وفق معايير أخلاقية جمالية عامة تخص مجمل عمل الأفراد تجاه المطلق، وخاص بمعنى الخصوصية التي يجب أن يكون عليها النسبـي هذا، ولكن وفق منظور الاستنباط العام الأخلاقي تجاه المطلق، بحيث لا يستطيع هذا الفرد ان يتجاوز حدود الاستنباط الجمعي للمجتمع حتى ولو كان ذلك متعارضا وغير منسجماً مع ذاته وغرائزه.

صفحة 9

اما الاستنباط الخاص فهو تكوين الفكرة الذاتية التي يحاول النسبـي تعميمها على العام لتكون نمطاً معرفيا يجب ان يعتنق وفق معطيات وافكار الخاص هذا، ومن ذلك وهذا نشأت الافكار الوضعية بأتجاهاتها المختلفة (المنسجمة- والمتقاطعة) في ما بينها، وكلما تعمق الخاص برمزيته تجاه العام كلما تعقدت الافكار وترمزت وانحدرت باتجاه ((الابتعاد بقدر ما)) عن مطالب المطلق نحو ما اراده، وكلما تعلقت مطالب العام (المجتمع) برمزيته تجاه الافراد (الفرد الخاص) كلما انفرجت الافكار واقتربت الى مطالب المطلق نحو ما اراد من النسبـي أذن فعامل الزمان والمكان للمجتمع والفرد وهما شكلان اساسيان لوجود الافكار التي لا يمكن تصورها بمعزل عنهما، كما ان تصورهما بمعزل عن وجود

هذه الأفكار "الفلسفات" تجريد لا معنى له، باعتبار أن المطلق هو السبب في العلة الأولى التي أوجدت الطبيعة وما عليها من نسبيات معلولة، حيث يكون المطلق جميلاً بمرتبة أولوية في الجمال أو قمة هرم الجمال، حيث يقول أفلاطون (أنا أطالب وقبل كل شيء باعتبار وجود المطلق في الجمال والخير والعظمة وما يماثلها من أشياء أمراً مفروغاً منه، لأنني لا استطيع تدبر وجود الجميل بمعزل عن الجمال المطلق، فهو جميل بمقدار ما يشارك في الجمال المطلق) (17-ص21)، وهذا يعلل لنا ترفع المطلق عن الإتيان بالقبح وتمثله بالجمال الكوني العام والكلي، وهو سبب وجوده لأنه هو ذاته الجميل وهو المجمل للأشياء بالإفاضة منه عليها التي أراد لها أن تكون كذلك، فكان النسبـي محاولاً أحكام سيطرته وسطوته "سيطرة العاطفة" على "العقل"، وأن ما تمليه العاطفة يجب أن تمر على سيطرة العقل، باعتبار أن العقل هو الكائن الجزئي الذي يميز ذلك وفق صلاحياته التي نشأ عليها في أوساطه النسبوية، فأعطى لهذا النسبـي حرّية العمل وجعل العقل يدرك ما فيه من الحسن والجمال والقبح، بحيث تأتي أعماله وفق معادلة "وجود شر ووجود خير" في النفس الواحدة، وكلاً قد حدد لهما المطلق ما يناسبها من عقاب وإثابة، فاعتمد عليه في الفصل بينهما أي (الخير والشر، القبح والجمال، الأسود والأبيض، الليل والنهار... الخ)، أي عبقريته التي جاءت من خلال الصبر الطويل، فهي تقوم خاصة على صفات الخلق التي تحدثنا عنها.

ومن هنا يتم الربط لفهم الرؤية الترميزية وما فيها من جماليات جاءت بها الأفكار الفلسفية موضحة الإشكالية التي تحكم النسبـي مع النسبـي سواء أكان هرمي السلطة "الحاكم" أو "عبداً" محكوماً، ونتيجة القوة الأولى لنسبية الحاكم "ومطلقيته كحق والتي يعتقدها هو" ومصالحه الخاصة ظهرت المحرمات الممنوعات لكل ما يخالف هذا الفهم الذي يحدده السلطوي هذا، وبما أن الأفكار المتداولة "الفلسفية" تظهر بحرية مدلول النسبـي لها، فينشأ عندها التعارض والتقاطع ما بين هذه العلاقات، وعندها تنشأ الاختلافات، وينشأ معه الترميز البدائي أولاً، ومن خلال هذا الترمي وتراكماته تدخلت الجماليات كأطر استحواذية على كل فكرة مرمزة تدعوا إلى الفهم الصائب، باعتبار لا يوجد قبح في الخلق، بل وجود جمال مطلق وتندرج دونه كل الجماليات النسبوية، من جميل عالٍ إلى جميل أدنى فأدنى، وما بينهما نسب كثيرة من الجماليات ذات الصفات المتسلسلة، فهو دور سوف يتحمل الكثير من الرؤيا المعرفية الفلسفية القادرة على صنع الاستبصار بالواقع البشري، ونؤكد أيضاً على (جمال النفس والخلق الفاضل... والجمال الساحر يجب أن تحويه وتناسبه نفس خيرة وجميلة في نفس الوقت) (16-ص30).

فعندما أتت الفلسفة اليونانية أتت لتعبر عن فهم الرمز من خلال رؤية أفلاطون وأرسطو، واعتبر الفن هو "ترميز للفكرة" مزيفاً للصورة "الأصل" عند المطلق ويقدم لنا ترميزاً مشوهاً وهي ليست محاكا لمشاعر النفس للنسبـي، باعتبارها لا تحاكي العالم الحقيق، وأعطى مثالاً حول عمل الرسام للكرسي فهو مرتبة ثالثة من حيث الوجود الأول الذي صنعها الذهن الإلهي (المطلق) والثاني الفكرة التي صنعها النجار، والثالثة صورة الكرسي الذي رسمه الرسام، أي أن العمل الفني لا يحاكي الـمُثل الثابتة للأشياء، واعتبر الفنان "الرسام" أبعد ما يكون إلى الخلق الأول أو الوضوح التام للأصل، فقد أوصلنا إلى ترميز جديد لصورة الكرسي، وهذا في تصوري هو عامل الجمال النسبـي الذي يوضح صعوبة واستحالة الوصول إلى جمال المطلق، وهي الصفة التي سمح بها المطلق للنسبـي أن يتمدد بها وحولها، فهي جماليات متدرجة مرمزة صعوداً نحو جمال المطلق، ومن هنا تظهر جماليات الترميز للأشكال بأفكار ومعاني مفهومة لدى النسبـي "الفنان" أي هو يضع ترميزاً للفكرة الأصل لكل الأشياء الوضعية كما هو عند أرسطو الذي أكد على أن العمل الفني "الجيد" يشتمل على "اكتمال" وليس "كمال" في الشكل للصورة، واعتدال في الأسلوب، واعتبر الجمال بشكل عام من خصائص العمل الفني وحده، وهو يؤكد على نسبية العمل الفني تجاه كمال فكرة المطلق، ويعترف بنسبية الجمال وترميزيته من خلال عمله "الاكتمال" باعتبارها عملية صنع ناقصة، والنقص هنا يعني به عدم الوضوح، وهذا يجرنا إلى صعوبة فهم المنتج، وإعطاء صفة مرمزة كي نظل مستظلين في حالة الاستنتاج المستمر تجاه جماليات الأشكال الوصفية.

صفحة 10

وبطبيعة الحال ووفق هذا المعنى للسياق الاستدلالي تبقى عملية الترميز "جمالية ناقصة" مستمدة أصل فكرة نقصها من كمال صورة المطلق (فالجمال هو جمال هادف إذ أن الجميل هو ما يحقق النفع والفائدة أو الغاية من الأخلاقية العليا) (15-ص27)، فجاء الترميز ليحقق نوعية وموضوعية في إكسابه صفة جمالية محددة له.

وظلت الأفكار الوضعية تتلاقح تارة وتعمل بالأضداد تارة أخرى حول ماهية الفكرة، وكيفية تكوينها تجاه المطلق وتعقدت رموزها وترميزها، كي تبقى تحت سقف تنظيري مصطنع الإبهام والإيهام حتى لا يعرّضها إلى سطوة الحاكم "السلطوي" الذي لا يسمح بتفكيك شفرات الرموز التي تخصه والتي بالنتيجة تقلل من حضوته بين مجتمعه، وبهذا سيُبعَدْ عن قيم الأخلاق وهي قيم إنسانية لا تنفصل عن السلوك التطبيقي لها، وهو أيضاً سيبتعد عن قيم المطلق لأن (المطلق يجب أن يؤسس المعرفة بواسطة الحق، وأن يُحل الفعل بواسطة الخير وأن يسحر الحساسية القابلة بواسطة الجمال) (1-ص231).

إن اصطفاف معاني الفلسفات الوضعية بجانب مطالب المطلق ما هي إلا ترجمة العرفان الغير مباشرة له، وان ورود الاختلافات فيما بينها ما هي إلا نتيجة توارد الأزمة واختلاف الأمكنة ونضج حاجات الأفراد واتساعها وفق نواميس مجتمعاتها ونضج عقولها، ولا نجد أبداً وجود أية فكرة سواء "تجذرت أو تلاشت" دون وجود حاجة تربطها بمجتمع ما أو أفراد معنيين، وهي معاي لأفكار جمالية تراكمية في المجتمعات التي يسود فيها الحراك الفكري بمختلف تناقضاته (فكل موجود ينطوي على معنى كما أن كل معنى لا بد له من وجود، ولا تعبير بدون حياة كما أن الحياة لا تخلو من تعبير فالحياة هي روح الفنون وهي رمز وتعبير وهما ميزات الحقائق الكونية) (4-ص7)، وهذه المعاني حددتها تلك الفلسفات، وتوسعت في رموزها وجمالياتها "كتطبيق عملي للفكرة"، حتى أصبحت هي بحد ذاتها وفي ذاتها "رموزاً جمالية" نعتز بها ونستسيغ رؤيتها وسمعها وتحويلها إلى أفعال إنتاجية جمالية، وفق رموز حددها الصانع الماهر المبدع الخلّاق.

إن بلوغ الحقيقة "الجمال" بين الأديان والفلسفات هو سبب كون الأولى تأتي عن طريق أدوات خصها المطلق وهيأها لأن توّصل ما يريده بأمانه وثبات واكتمال، وواسطة ذلك هو (الوحي- المين) وهو دالة جمالية لا جدال في شرعيتها وكمالها واكتمالها بإرادة وصنع المطلق، أما ما يطرحه الفلاسفة من أفكار لا تأتي إلا من خلال تجارب حسّية (تُخطئ وتصيب أحياناً) ويصل إليها من خلال العقل، وهذا العقل هو الذي يسلسل الأحداث ويكتشف جمالياتها ورموزها، ويحددها وهو الذي يشير إليها بالرضا والاستحسان ولكنها تبقى تختلف اختلافاً جذرياً في البقاء كون الأفكار الفلسفية الوضعية خاضعة للعدم لتحلل وتنقرض، أما الأديان التي خصها المطلق بنسبويين معلومين لديه فهي باقية مستمرة إلى قيام الساعة المرتقبة لديه، وهي فكرة جمال منهُ، فالأديان هي "معجزات عقلية مطلقة المنشأ" وخص بها بعضاً من نسبويين معلومين محددين وخص آخر معجزة منه ممثلة "بالإسلام" وهي مستمرة وشاملة إلى كل المجتمعات منذ بدء نـزولها إلى حدود إرادته بانتهائها، وهي قدرة جمالية يختص بها وحده دون غيره، ولهذا ومن خلال رؤية هؤلاء المفكرين ووفق دلالتهم الزمانية والمكاني التي وجدوا فيها التي تأثروا وأثاروا بطبيعة موجوداتها الحياتية التي استلهموا منها أفكارهم ورؤاهم التي لم ينفكوا إلا بتعديلها وإبدالها أحياناً وفق الحاجات والمصالح الوضعية التي تستجد كلما تعمق الوعي في زمانه وتجذر الفكر في ماضيه، أي خلق حالة "نبش" لماضي الفكرة ورموزها ومن ثم تحسينها لتنسجم مع الحياة الجديدة مكاناً وزماناً.

وبهذا التصور المرمز نشأت الاختلافات الفلسفية الوضعية مكونة من ثلاث رؤى ترتبط جميعها بجمال المطلق وهو صانعها وتبتعد فيما بينها وتفترق في التصور والفعل العقلي، أي المنتج المادي لها، فكانت الرؤيا الطبيعية، وخير من يمثلها طاليس* وانكسيندرس* وانكسيمانس* وهرقليطس، حيث امتدت لفترة طويلة من قرون قبل الميلاد، بحدود القرن السادس والخامس، واعتبرت آرائهم هي تجمع الأفكار حول محور الطبيعة، وجذبت العقول النسبوية كمركز لها لتمعن التفكير والفكر، واستخدمت الطبيعة العقلية لتحقيق مواصفات الجمال الذي يحتوي هذه الطبيعة المادية غير متغافلة تسلل الهواجس الدينية إلى هذا العقل المادي المفكر الجميل، حيث يقول "انكسيمندرس" (بوجود قانوناً كلياً يسيطر على الوجود ويفسر كيف أن الوجود لم يبدأ ولن ينتهي) (13-ص15)، واعترافهم الواضح بحق المطلق في فضلهِ بتكوين أفكارهم من تأسيس ووجود الكون المادي لهم (إن هذا العالم لم يضعه احد من الآلهة أو البشر، ولكنه كان أبداً وهو كائن وسيكون ناراً حيه... هذه النار هي الله) (14-ص18).

أما الرؤية الثانية فكان للمدرسة الرياضية أو خير من يمثلها هو فيثاغورس وبارمنيدس (حيث جمعوا في أفكارهم الفلسفية بين خصائص العلم الرياضي والاتجاهات الأسطورية... ذات التجريد العالي والدقة المتناهية... ولها رموزها وطقوسها السرية) (11-ص43)، حيث ظلت هذه الأفكار تعمق الترميز وتكثر من الرموز ودلالته رياضياً لتحاكي الرؤيا الأولى في بدأ النشئ والخلق فقط في فهم نواميس الكون المادي وموجدها الأول "المطلق" وما عدى ذلك فهي تبتعد كثيراً في رؤاها المادية بما يخص النسبـي ذات العقل المادي والجسد المحسوس، والتأكد على أن يظل هذا الجسد نقياً وروحه طاهرة من أية مفسدة تعيبهُ في تعامله الحياتي، وكانت هذه الأفكار رائجة ومقبولة أيضاً عند سقراط* وأفلاطون* وأفلوطين (وكانوا يروا أن الغاية من تعليم الرياضيات والموسيقى هو بلوغ الانسجام بين الروح والجسد) (12-ص94)، وهو الانسجام الذي تحدثنا عنه فيما سبق من هذا الحديث، الذي يتفاعل مع مكونات الروح والعقل وبواطنها ذات التطهير العالي تجاه المطلق "الرمز الأول".

أما الرؤيا الثالثة فهي الفكرة الأكثر صعوداً إلى المطلق والقريبة من مراده وإرادته، غير مبتعدين في نفس الوقت عن الفكرتين الأوليتين، وخير من يمثلها هم "ابنادوقليس* وديمقراطيس* وانكساغوراس*" وهنا بدأ التأثير الأجنبـي من الأفكار اليونانية يتدخل بشكل واضح وفاعل، أي الأفكار الشرقية وبلوغ الرؤى الفلسفية وأفكارها مقاماً جديداً في رؤية الدين، باعتبار كان يفهم ولا يزال إن من ابتدع حب الحكمة والمعرفة هو الإنسان عميق التفكر بالكون وطبيعته وكل ما يولد منه يعتبر تحت سقف عُلا المطلق ومحيط بالطبيعة ومتداخلاً معها، فكانت الفلسفة ما قبل سقراط محطة هادئة لتلاقح الأفكار النشوئية البكر مع الطبيعة ومبصرة في نفس الوقت إلى فكرة الروح المطلقة التي يطمئن لها الأفراد كلما احتاجوها واستلاذوا بها في احتياجاتهم المادية والروحية، كذلك أفكار أفلاطون وأرسطو التي أتت بالمثل العليا كدالة للعدالة والتطهير والجمال ما وراء الكون الطبيعي، أي التطلع إلى كمال المطلق الجميل الأوحد، وخارج كينونة الزمان والمكان المحددين لهما (بحيث يعطي الأولوية للوعي أو الفكرة أو الروح ويعتبر الطبيعة نتاجاً لها) (15-ص90)، باعتبار أن الطبيعة هي وجه من أوجه المادة.