eKtab
EN ع
رسالة التعاليم للإمام الشهيد حسن البنا
اقرأ عينة مجانية

رسالة التعاليم للإمام الشهيد حسن البنا

بقلم حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
قلت في كلمتي في مئوية الإمام الشهيد حسن البنا بالأردن 18/11/2006م بأننا كنا نقرأ (رسالة التعاليم) في الأسرة ونحفظ نصوصها العشرين ونحن طلاب في المدرسة المتوسطة ورغم أننا استوعبناها حفظاً ولكننا لم نفقه معانيها ودلالاتها الفقه الجيّد إلا بعد الدراسة الجامعية، والاطلاع على أمهات الكتب والمراجع، حيث أدركنا معانيها العميقة وإحاطتها بكل ما يجب على المسلم أن يفهمه عن إسلامه لأن هذا التلخيص الموجز الدقيق في هذا الأسلوب السهل الممتنع لم يصل إليه إلا أفذاذ الكتّاب والأدباء والعلماء؛ فكان الإمام البنا أصولياً في علم الأصول، محدثاً في علم الحديث، مفسراً في علم التفسير، ضليعاً في الفقه، فاهماً لعقيدة التوحيد وللعقائد كلها، موفقاً في أسلوب الدعوة مترسّماً خطى المصطفى .
 
إن هذه الأصول العشرين لفهم الإسلام التي جمع الإخوان عليها ليفقهوا إسلامهم، ويفهموه في حدودها، هي المفتاح لفهم الإسلام كله وفق الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة ويعلم الله أنني مدين لأستاذي الإمام الشهيد حسن البنا وأدعو له كما أدعو لوالديَّ ففي رسائله وكتبه وتراثه وجدت الإسلام الحق، والطريق إلى رضوان الله، لأنه ملتزم بالكتاب والسنة، وسائر على درب الرسول  وسالك أسلوبه في الدعوة إلى الله وفق التوجيه القرآني والهدي النبوي.
 
وقد كانت برامجه العملية في الأسر والكتائب والرحلات وواجبات الأخ العامل، هي النموذج التطبيقي للإسلام في دنيا الواقع على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وبهذا المنهج، ووفق هذا الأسلوب، تربى الرجال من الدعاة الذين كانوا إسلاماً حياً متحركاً يراهم الناس فيقولون: هذا هو الإسلام الحق، وتلك هي نماذج المسلمين العاملين، طبقوا الإسلام على أنفسهم، ودعوا إلى الله، ونشروا الخير والبر والعلم والفقه بين المسلمين، واستخلصوا العناصر الصالحة، وضموها إلى صفوف العاملين للإسلام فتكونت الجماعة المؤمنة العاملة المجاهدة، وانتصبت تدعو إلى الله على بصيرة، وتتحمل المغارم، وتثبت أمام الأعاصير وتتصدى للطغاة والمتجبرين، ولا تساوم على دينها، ولا تترخص في مواقفها، ولا تتوقف عن الدعوة إلى الله على بصيرة وثبات وصدق ورجولة، فكان هذا التيار الإسلامي الذي ينتظم البلاد العربية والإسلامية بل العالم كله، حيث انتشرت دعوة الإخوان إلى أقاصي الدنيا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وأصبح الأعداء من الصهاينة والصليبيين والشيوعيين والملاحدة والعلمانيين يحسبون لهم كل حساب، وصار همّهم الأساس تدبير المؤامرات ورسم المخططات للحيلولة دون انتشار هذه الدعوة المباركة، واجتمع أئمة الكفر في العصر الحاضر، للتصدي للدعاة الصادقين، ففتحوا السجون ونصبوا المشانق، وارتكبوا المجازر في كل بلد يتحرك أهله بالإسلام الحق البعيد عن أهواء الحكام، وقد أحبط الله كيدهم في أكثر من بلد، وزال الكثير من الطغاة، وسيتبعهم الآخرون، وبقي الإسلام ودعاة الإسلام في كل قطر ومصر يعملون ليلاً ونهاراً، ويجاهدون في الله حق جهاده، دون كلل أو ملل، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
صفحة 2
إن رسالة التعاليم التي بين أيدينا، هي من أفكار الإمام البنا، ومن وهج آثاره، وما زالت قادرة على تقديم الحلول لمشكلات المسلمين، وطريقة بناء الفرد المسلم وعمل الداعية في محيط مجتمعه، وهي المشروع الإصلاحي للإمام البنا الذي يجمع المسلمين عليه، لينطلقوا إلى إصلاح أنفسهم، ثم التوجه نحو العالم لإصلاحه وإقامة موازين العدل بين الناس، ولقد رغبتُ أن أنشر هذه الرسالة وأوزعها على شباب المسلمين اليوم تعميماً للفائدة، وطلباً للأجر.
 
وإنني لأشكر الأخ الكبير الأستاذ المحامي أحمد سيف الإسلام البنا على الإذن لي بإعادة طباعتها، سائلاً المولى الكريم أن يغفر لي ولوالدي وللإمام الشهيد حسن البنا والمسلمين جميعاً.
 
والحمد لله رب العالمين
 
المستشار
 
عبد الله عقيل سليمان العقيل
صفحة 3
مقدمة
 
الأستاذ عبد الله الطنطاوي
 
كانت رسائل الإمام الشهيد – رضي الله عنه وأرضاه- تصدر في كتيبات صغيرات، تباع بأسعار زهيدة وكنا- نحن الصغار من طلبة المرحلتين: الإعدادية والثانوية- نقتنيها... نشتريها بقروشنا القليلة، ثم نعكف على قراءتها في حبّ، وشغف، ونفرح لأننا قرأنا (كتاباً) في يوم واحد ثم يجلس بعضنا إلى بعض، لنؤمن ساعة من خلال الرسالة التي بين أيدينا، ثم نذهب إلى اجتماع (الأسرة) وهي الخلية التنظيمية الأولى في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، فنتدارسها هناك مع الأخ موجّه الأسرة، ثم ننفضّ إلى بيوتنا، لنعيد قراءتها ونتدبر معانيها، ونحاول استيعاب أفكارها، من أجل العمل بها، وقد نحفظ بعض تلك الرسائل، ومما حفظناه منها: رسالة التعاليم، هذه التي أتشرف الآن وبعد أكثر من نصف قرن على حفظي إياها.. أتشرف بتقديمها إلى الأحبة القراء.. أقرؤها الآن، وكأنني ما قرأتها من قبلُ، وما حفظتها، أقرؤها وأتدبرها من جديد، فأطالع فيها ما لم أعرفه فيما مضى وهي التي رُبّينا عليها، لما فيها من فهم عميق لما يحتاجه الأخ المسلم في دنياه وأخراه معاً.
 
وقد هدى الله عز وجل عبده حسن البنا، رحمه الله رحمة واسعة، إلى إصدار تلك الرسائل على هذه الصورة العملية، كل رسالة على حدة، تُطبع وتوُزَّع، بالحجم الصغير، فلا تشكل عبئاً مالياً على مشتريها، وخاصة الطلاب والعمال والفقراء الذين لا يجدون أكثر مما يدفعون في شراء هذه الرسائل، كما لا ترهق قارئها ذا المدارك المحدودة من المتعلمين وأنصافهم وأرباعهم، فقد كتبها الإمام بأسلوبه السهل الممتنع، ليستوعبها قارئها العادي، كما يقرؤها ويفرح بأسلوبها وأفكارها المثقف والعالم..
 
وقد أحسن فضيلة المستشار عبد الله العقيل –حفظه الله وأكثر من أمثاله- عندما نهج هذا النهج الذي لا يريد به علوّاً في الأرض ولا سمعة ولا استكباراً، فأصدر أكثر من عشرين رسالة ممّا كتب، على هذه الصورة، كما يعمل على إصدار العديد من الرسائل لكبار الدعاة، كرسالة (الحياة في ظلال القرآن) للأستاذ الشهيد سيد قطب
 
- عليه من الله الرحمات والرضوان- وكرسالة التعاليم هذه، للإمام الشهيد، وهو – المستشار العقيل- يوزّع ما يصدر مجاناً لا يبتغي غير الأجر والثواب من الله يوم الدين، وغير نشر فكر الدعاة، لبثه في النفوس، ولاستنهاض الهمم، ولتعود الدعوة جذعة، كما كانت أيام الإمام الشهيد، فيسير الدعاة الجدد على السبيل اللاحبة، هاتفاً: هذه سبيلي.. أدعو إلى الله على بصيرة.. فيفوز حداة الركب والركب في الآخرة، ويذهبوا بالسمعة الطيبة في الأولى.
صفحة 4
ويا ليت أغنياء هذه الأمة ينحنون نحو الشيخ الجليل عبد الله العقيل في هذا المضمار، فللأمة ولدينها حقّ أيّ حق في أموالهم، عدا الزكاة، وعليهم تأدية هذا الحق وسائر الحقوق الأخرى، فهم أحقّ من أثرياء اليهود والصليبيين الذين بذلوا وما زالوا يبذلون الكثير لنصرة باطلهم، والترويج لأراجيفهم....
 
الشيخ العقيل يبذل جهد المقل، وهم المكثرون.. وقد يسبق درهم ألف درهم.. والناس في سباق، وأكثر المسلمين يقفون موقف العاجز واللامبالي، والله حسيبهم، والتاريخ لهم بالمرصاد.. فيما الآخرون يعملون ويبذلون..
 
الإمام البنا عبقري، ملهم، مسدَّد، سبق عصره بعقود، وقد هجاه تماهيه في دعوته، إلى العديد من المرتكزات التنظيمية، النظرية والعملية، ولعل أهمها:
 
(الأسرة) التي تتلائم مع العنوان الكبير الجامع المانع:
 
(الإخوان المسلمون) فكنّا في (الأسرة) أسرةً بكل معانيها بما فيها من تآخ وحبّ في الله، ومن تعاون على الخير.. كنا أسرة، بكل معاني هذه الكلمة الشفافة، بل يا ليت الأسرة المكوّنة من أب وأم وبنين وبنات، تكون كالأسرة الإخوانية في توادّها وتعاطفها وتعاونها... إذن.. لكان لنا من مجموع الأسر مجتمع مثالي غني بالمعاني الإسلامية، والروح الإنسانية...
 
في (الأسرة) كنا نتدارس رسائل الإمام، في خمسينيات القرن المنصرم، واليوم، فتنير عقولنا وقلوبنا وتهذّب سلوكنا، وتجعل الأخ شامة بين الناس، إذا رأوه قالوا: ما أروع هذا الفتى! لأن الفتى الإخواني قد تمثّل في سلوكه، تلك الرسائل القيمة التي تدخل إلى الألباب والآذان دونما استئذان، لتتمكن من الأخ الذي يتلقاها ليعمل بمقتضاها «فهي ليست دروساً لتحفظ، بل هي تعليمات لتُنفَّذ».
 
(رسالة التعاليم) جالت جولات في آفاق النفس الإنسانية، وفي رحاب الحياة العلمية والعملية، في ظلال القرآن، وفي أفياء السنُّة النبوية، فكل ما فيها مقتبس منها، وهي جديرة بأن تكون لائحة تنفيذية للمسلم الذي يريد أن يهب نفسه لله، مجاهداً في سبيله، في الميدان الذي يحسن الصِّيال فيه والجولاَن، من أجل استئناف الحياة الإسلامية، بعد أن غشّى حياة المسلمين ما غشّاها من مادية ثقيلة لا يعرفها الإسلام، ولم يعرفها المسلمون في قرون الخيرية، وعندما شبت حياتهم، غرقوا في لججها، وارتكسوا وضاعوا وصاروا في الأذلين، لا يقوون على الذياد عن حياض دينهم وأرضهم وعرضهم، حتى طمع فيهم من لا يذود عن نفسه وعرضه... أعني: أخسَّ الناس، وأوباش البشر، من صهاينة وصليبيين وأذنابهم في هذا العالم التاعس البائس.
 
إن الإمام الملهم أراد لإخوانه هذا المنهاج العملي، وهو ينظر بنور الله تعالى، ليرقى بهم إلى حيث مجد الإسلام، لتحيا أمته الحياة التي أرادها لها رسول الإسلام، ولتنتشل العالم من الوهاد السحيقة التي تردَّى فيها، بسبب الانحراف عن سبيل الله، وبفعل التفكير المادي الشهواني الذي أودى بكثير من القيم الإيمانية والإنسانية...
صفحة 5
هذه الرسالة ترقى بالمسلم إلى ما فيه خيره في الدنيا والآخرة.. فهل من قارئ، متدبر، فهم، عامل؟.
 
إنها موجهة للخاصة... لمجاهدي الإخوان... بل للمجاهدين عامة.. فأين أصحاب القلوب؟ وأين أصحاب العقول؟ وأين أصحاب الغيرة على قيم الخير والفضيلة؟ وأين الغُيرُ على الأوطان، وعلى العروبة والإسلام؟.
 
اللهم إن الإمام قد بلّغ، فأبلغه مأمنه، وأبلغ الجماعة التي أنشأها لتكون سهماً من سهامك، أبلغها مأمنها، وما كان يرجو لها من تمكين في بلاد المسلمين، لتنصر دينك، فهي على المحجة التي تركها عليها نبيك الرحمة المهداة للعالمين.
 
اللهم إن حسن البنا كان يرجو الشهادة في سبيلك، لترضى عنه، ولتجعل الفردوس الأعلى مثواه في أخراه، فاجعل الفردوس الأعلى مثواه، إنه أهل لذلك، وأنت العليم به، ولا نزكيه إلا من أجل (وَجَبتْ) وأنت – يا ربنا- أهل التقوى وأهل المغفرة والإحسان.
 
وصلى الله على سيدنا وقائدنا وقدوتنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
صفحة 6
مقدمة
 
والحمد لله، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقائد المجاهدين، سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
 
أما بعد:
 
فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات الموجزة، وهي ليست دروساً تحفظ، لكنها تعليمات تنفذ، فإلى العمل – أيها الإخوة- الصادقون، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105]، (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153]،
 
أما غير هؤلاء، فلهم دروس ومحاضرات وكتب ومقالات، ومظاهر وإداريات، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 148]، (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 95].
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صفحة 7
أركان البيعة
 
أيها الإخوان الصادقون: أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها:
 
«الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة».
 
الفهم:
 
إنما أريد بالفهم:
 
أن توقن بأن فكرتنا «إسلامية صميمة»، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز:
 
1- الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
 
2- والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.
 
3- وللإيمان الصادق، والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.
 
4- والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته، إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة.
 
5- ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه، وفيما يحتمل وجوهاً عدة، وفي المصالح المرسلة، معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد.
صفحة 8
6- وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص- فيما اختلف فيه- بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا.
 
7- ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماماً من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب الدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر.
 
8- والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.
 
9- وكل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته، وفي التأول مندوحة.
 
10- معرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من التشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله  وأصحابه ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7].
صفحة 9
11- وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم- سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه- ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها.
 
12- والبدعة الإضافية والتَّركية، والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهي، لكل فيه رأيه ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان.
 
13- ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى، وهم المذكورون بقوله تعالى: (ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ)، والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم – رضوان الله عليهم- لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم، فضلاً عن أن يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم.
 
14- وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم، وتشييد القبور، وسترها، وإضاءتها والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدًّا للذريعة.
 
15- والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة.
 
16- والعرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصودة بها، والوقوف عندها، كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء.
 
17- والعقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعاً، وإن اختلفت مرتبتا الطلب.
 
18- والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
 
19- وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخرة، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كان ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.
 
20- لا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض، برأي أو معصية، إلا أن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.
 
وإذا علم الأخ المسلم «دينه» في حدود هذه الأصول، فقد عرف معنى هتافه دائماً: (القرآن دستورنا، والرسول قدوتنا).
صفحة 10
الإخلاص
 
وأريد بالإخلاص:
 
أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته، وحسن مثوبته من غير النظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جندي «فكرة وعقيدة»، لا جندي غرض ومنفعة، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
 
(لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162 - 163]، وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم: (الله غايتنا) و (الله أكبر ولله الحمد).