eKtab
EN ع
رسالة في الختان
اقرأ عينة مجانية

رسالة في الختان

بقلم د. موفق عادل خزنة كاتبي

صفحة 1

إهداء

إلى ابني الدكتور خالد..
إن إهدائي هذا الكتاب لك، يختلف عن المألوف مما سار عليه المؤلفون في إهداء مؤلفاتهم؛ ذلك أني أهديتك أفكاري قبل أن أهديك كلماته.
من الثابت والمسلم به أن أحداً لا يُحبُّ أن يكون أحدٌ أحسن منه إلاّ ابنه فلو خُيِّر إنسان أن يكون أباً لعظيم أو ابناً لعظيم نعضّل الحالة الأولى لأنه يشعر أن تلك العظمة من صنع يده؛ وبذلك فيها استمرار وجود رغم العمر المحدود.
كنتُ أُحب أن يدرس أحد أبنائي الطبَّ، لأني درست هذا العلم رسالة لا مهنة أترزق منها في زمن كانت أبواب الجامعات في الخارج مفتوحة لكل من حاول الدخول إليها ودراسة الطب؛ فكان لابُدّ من معدلٍ عالٍ جداً ولابد من اجتياز الحواجز الكثيرة إلى من يتخرج طبيباً.
وأظن أن هذه الحالة ما زالت موجودة إلى هذا الزمن مع فارق كثرة عدد كليات الطب مع كثرة الجامعات في بلادنا وبالتالي ازدياد عدد المقبولين فيها.
وقد وفقك الله لدراسة الطب إذ كنتَ من الذين توافرت فيهم الشروط المطلوبة وتخرجت طبيباً؛ والذي سرّني أنك تجاوزت الحد الذي أنا وقفتُ عنده وتابعت أنت إلى الاختصاص، وهكذا عُدتَ بعد أن تخصصت في أحسن المراكز العلمية في اختصاصك لقد تميزت عن غيرك بأمر هام فقد أعجبتك مهنة أبيك وأنت طالب في المرحلة الثانوية حيث كنتَ تأتي إلى العيادة في العطلة المدرسية وتساعد الممرضة في عملها ثم أباكَ
في المرحلة الجامعية، ولهذا صارت مهنة الطب هواية عندك تقوم بها وأنت مسرور بعملك؛ وهذا الشعور بالرضى والقبول هو الشرط الرئيسي لنجاح الطبيب.
وهكذا وبعد سنوات عديدة قضيتها في الخارج للتخصص عدتَ لتعمل في عيادة خاصة؛ والعمل في العيادة الخاصة له عدة مواصفات، أولها: أن تكون مسلحاً بالعلم الغزير؛ وثانيها: الخبرة المستمرة؛ وثالثها: بتوفيق الله لك.
أنصحك بإتقان عملك «فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». وهكذا عليك أن تستمر بالمطالعة والمشاهدة وحضور المؤتمرات الطبية والندوات والمحاضرات العلمية. أعطِ نفسك علامة بعد كلّ مرض عالجته أو إجراء قمت به، وذلك لفترة تستمر مدة عشر سنوات من الممارسة الخاصة، فإذا لم تعجبك العلامة ابحث في نفسك عن سبب لذلك الضعف وحاول أن تكتشفه. كذلك حاول أن تستفيد من أخطاء غيرك «فالعاقل من اتعظ بغيره»، ولا تلومنّ أحداً إن أخطأ فالذي يعمل كثيراً يتعرض إلى الخطأ أكثر من الذي لا يعمل. وإذا اكتشفت أنك أخطأت فعليك تلافي الخطأ بسرعة فائقة وبأسلوب صحيح وأن لا يُعالج الخطأ بالخطأ؛ ويجب علينا أن لا نشيع أخطاءنا وأخطاء غيرنا فإن ذلك يقلل من قدسية المهنة في عقول الناس، اعمل على أن تستشير غيرك عند غموض التشخيص واطلب مساعدة غيرك عند وجود أية صعوبة في العمل، وتعاون مع غيرك في الإجراءات الكبيرة أو النادرة أو الخطرة؛ فما خاب من استشار، فحياة الإنسان أثمن من كل شيء. «ومن أحياها فأنما أحيا الناس جميعا».
وأنا أبوك أقسمت قبل خمسين عاماً وفي مثل هذا اليوم من هذا الشهر أمام رئيس الجمهورية العربية السورية وآلاف الحاضرين أن أستشير غيري عند غموض التشخيص وأن أتعاون مع غيري في معالجة الحالات الخطرة (كان هذا قبل وجود المستشفيات المتخصصة ومن فيها من الاستشاريين) وبفضل من الله لم أحنث بيميني منذ أول يوم تحملت فيه مسؤولية المعالجة وحدي – وحتى هذا التاريخ.
أريدك أن تكون طبيباً عالماً وجراحاً حاذقاً ولا أريدك جابياً، لا تجعل الثروة هدفك فإن الثروة تهرب من الذين يجعلون همهم الحصول عليها. لذلك لا يكون همك زيادة رصيدك في البنك بل اعمل على زيادة رصيدك من محبة الناس وقبولهم وإعجابهم بنتائج أعمالك؛ وهنا منهل الثروة والرصيد الذي لا ينضب للطبيب.
أنت تمارس عملك في عيادة خاصة أو مستشفى خاص ولذلك أنت تتحمل مسؤولية المريض وحدك وعليك أن تقوم بكل المراحل بنفسك أو بإشرافك المباشر تراقب يومياً تطور الحالة إلى الشفاء فلست في مؤسسة عامة أو تعليمية فلا تعتمد على غيرك.
في عيادتك الخاصة لا تفحص سيدة لوحدها إلا بوجود الممرضة، وإذا لم تكن موجودة فأدخل معها واحدة من أهلها اللواتي يرافقنها أو حتى واحدة من الحاضرات في العيادة في ذلك الوقت؛ وإياك أن تفحص سيدة أمام زوجها أو بنتاً أمام أخيها لأن ذلك من الأمور الحساسة والمرفوضة في مجتمعنا.
إن مهنتنا مهنة إنسانية وتتعامل مع الإنسان في أصعب ظروفه، وعلينا أن نتقبل المريض في كل حالاته؛ فمن المرضى من يحلو لسانه في المرض ومنهم من يسوء طبعه، فعليك أن تتقبل مريضك برضىً في الحالتين.
عالج من الفقراء مجاناً من «الذين تحسبهم أغنياء من التعفف» لا يسألون الناس إلحافاً" أما بقية الفقراء فلهم النصيب الأوفر من خدمات الدولة الصحية من وقاية وعلاج وحالات طارئة، فهي توليهم أهمية أكثر ما تولي الأغنياء؛ بل عالج مجاناً وساعد مالياً مرضى المؤسسات الخيرية غير الربحية، فإن تل المؤسسات تستحق منا الرعاية لديمومة وجودها.
صفحة 2
وأنت تمارس اختصاصك في الجراحة العامة وجراحة الكولون عليك أن تهتم بالتشخيص التفريقي حيث يمكنك من الوصول إلى التشخيص الصحيح للحالة المرضية لا سيما إذا توافق ذلك من مشاهدات سابقة أو أعمال ناجحة. لا تبدأ بالمعالجة الجراحية إلا إذا كانت الوسيلة الوحيدة للشفاء أو إنقاذ الحياة أو تخفيف المعاناة؛ وعليك إفهام المريض أو أهله – حسب خطورة الحالة – بتشخيصك للمرض والإنذار الصحيح ومدّة العلاج ومدّة الشفاء ومد النقاهة وما يتبع ذلك من العناية المنزلية؛ وعليك أن تصدر تعليماتك بوضوح إلى الجهاز التمريضي وتابعهم وراقبهم إذا كانوا يلتزمون بتنفيذ "الأمر الطبي" كما هو مكتوب.
استمعت وأنا في السنة النهائية في كلية الطب في الجامعة السوري إلى محاضرة لأشهر أخصائي أمريكي في أمراض القلب واتبعت ذلك الأسلوب طيلة خمسين سنة من ممارستي المهنة للوصول إلى التشخيص الصحيح:
50% للقصة المرضية – وتشمل الشكوى الحالية السوابق المرضية والسوابق الإرثية والحالة الاجتماعية.
25% للفحص السريري – وفي مثل اختصاصك يُعتبر التنظير الجزء الرئيس من الفحص السريري كما هي السماعة وجهاز الضغط عندنا.
25% لبقية الإجراءات من مختبر وأشعة وغيرها في ذلك الزمن، إنما عليك الآن أن تستفيد من معطيات التكنولوجيا الطبية الحديثة مما لم يكن موجوداً في ذلك الزمن كالموجات فوق الصوتية والمرنان المغناطيسي.
اكتب تقريرك بعد خروجك مباشرة من غرفة العمليات اكتبه بنفسك وبخط إنجليزي مقطع كي يبقى مفهوماً لكل من يقرؤه. أما تقارير العيادة لمن يطلبها فيجب أن تكون صادقة وواضحة ومفصلة كأن من يقرأ التقرير يشاهد عرضاً سينمائياً.
انتبه من مروجي الأدوية واختر العلاج المضمون بعد أن تدرسه دراسة جيدة من كافة نواحيه وتتأكد من مصدره حيث صرنا في هذا الزمن نرى ونسمع كثيرا عن الأدوية المغشوشة ولا تطلب منهم علاجاً معيناً لأهل بيتك أو أحد أقاربك فإن ذلك يلزمك أدبياً أن تصف ذلك العلاج ولو غلا ثمنه كثيرا عن مثيلاته؛ ولا تنتظر أن تأتيك عينة مجانية لتعالج أحد المرضى من أفراد أسرتك بل اشترِ الدواء اللازم من الصيدلية كي لا يستفحل المرض بانتظار إرسال تلك العينة.
يجب أن تلتزم بقوانين البلد الصحية والقانونية والمالية؛ ولذلك أريدك أن تؤدي زكاة مالك بدقة وأن تدفع ضريبة دخلك برضىً؛ فالزكاة حق الله في الفائض من مالك الذي لم تستعمله لمدة سنة ويصرف على الفقراء والمساكين وغيرهم، أما الضريبة فحق الدولة في الفائض من دخلك لتساهم في بناء مؤسساتها، فلا تتهرب من الضريبة وادفعها راضياً رغم الهفوات التي تصدر أحياناً من موظفي الضريبة، فلك حق الاعتراض واللجوء إلى القضاء.
كل واحد منا حاول ويحاول أن يصل إلى القمة في اختصاصه؛ والوصول إليها ليس صعبا ولكنه يحتاج لزمن قد لا يكون طويلا. والقمة في مهنتنا ليست ذروة هرمة لا يتسع إلا لواحد يكاد يسقط في كل لحظة، بل متسع جميل يتحمل كل الجادين في الوصول إلبه. ودرب القمة واسع ويتسع لكل من يسلكه بشرط أن لا يستعجل، أما عندما يصل إليها ويتربع على عروشها فلها آدابها وحسن سيرتها، فعليه أن يتحلى العديد من آداب المهنة وقوة الشخصية والملاءة الاجتماعية، إنما عليه أن لا يتوقع الخلود فيها.
وأنت تصعد بخطىً وتيدة إلى القمة انظر إلى نفسك واستقم في سيرك ولا يهمك سلوك ومسلك غيرك، فندها تجد نفسك تلقائيا قريباً منها ثم تصلها بكل يُسر ودون عناء.
كان «جيلي الطبي» قد قضى على «برجوازية» الطبيب وشخصيته المتعجرفة وكلامه غير المفهوم وخطه الخرابيش وصار الطبيب جزء من المجتمع يعايش معه يحبهم ويحبونه ويقدم له أكثر مما يأخذه منهم؛ وبذلك استقامت أمور مهنتنا وأصبح أمل كل طالب متفوق أن يصبح طبيباً.
أشعر من صميم قلبي أنك راضٍ مرضي أدعو الله تعالى أن يحفظك ويرعاك وييسرك لليسرى، ولك محبتي.
صفحة 3

قصتي مع الختان

تخرجت من الجامعة ولم أشاهد أو أساهم في أي عملية ختان سواء لطفل وليد أو رجل كبير، بل كانوا يتركون ذلك لاختصاص جراحة الأطفال أو الجراحة العامة؛ كأن لم يكن المسئولون عن برامج التعليم في كليات الطب يعلمون أن تلك العملية الجراحية الصغرى تجري يومياً لملايين الأطفال في العالم الإسلامي، وبطريقة ثبتت مع الزمن، إنما أصبحت بحاجة إلى تطوير شأن الجراحة في بريطانيا فقد تطورت من صالون الحلاقة إلى جمعية الجراحين وقيل لنا إنها كانت تسمى سابقاً «نقابة الحلاقين والجراحين». ومن الصدف أن عمليات «الختان» بدأت واستمرت إلى نهاية القرن الماضي بأيدي الحلاقين، كان من أسماء الحلاق في بلادنا «المزّين»، وصارت كلمة المزين مع الزمن تعني «المطهَّر»، ثم انفصلت عن الحلاقين وصارت مهنة قائمة بذاتها يتوارثها الأبناء عن الآباء. وفطنت وزارة الصحة في بلادنا في منتصف القرن الماضي لتنظيم هذه المهنة فنظمت دورات «للمطهرين» علمتهم أصول التنظيف والتعقيم واستبدلت بعض الأدوات الخشبية «كالمسبار» مثلاً بأدوات معدنية، واستبدلت «الذرور» بمسحوق السولفا والرباط المأخوذ من قطعة قماش مستهلكة إلى الضّمادات النظيفة ولو غير معقمة. ثم تطورت تلك المهنة إلى أن صارت بيد اختصاصات جراحة الأطفال والجراحة العامة، ثم تعلم أطباء الطب العام الذين عملوا مُقيمين في المستشفيات، تعلموا الطهور الجراحي وصاروا يجرون تلك العملية في عياداتهم الخاصة. ومع ذلك بقي قسم كبير من المطهرين يجولون في الأحياء البعيدة حول المدن أو في القرى يحملون حقيبتهم التي كتبوا عليها «مطهَّر للأولاد» أو يجلسون عند مختار القرية أو حلاق القرية ليدعوا إليهم من يشاء أن يطهر ابنه فيذهبون إلى بيته ويطهرونه هناك.
كان من المألوف قبل منتصف القرن الماضي أن الطبيب إذا أراد أن يُطهَّر ابنه يُحضر المطهر إلى البيت ويأتي جاره ليمسك ابنه، كذلك كان من المألوف أن يستدعي الطبيب القابلة لتوليد زوجته في بيتها، ذلك لأن أكثرهم في ذلك الوقت لم يتعلموا الختان ولم يتدربوا على الولادات ماعدا الذين تخصصوا في النسائية والتوليد، ولذلك بقيت المستشفيات للولادات العسيرة أو النازفة حيث أضافوا بضعة أسِرّة في المستشفى الجراحي لهذه الغاية، وبقي الجراح في المستشفى يعالج نزف الطهور إذا حدث مع المطهر ولكنه لا يجري الطهور بالطريقة الجراحية إلا لخاصة الخاصة. وعلى ذلك فأمهاتنا ولّدْتهن «الدّايات» ونحن طهّرنا «المطهرون»، والله أعلم بالنتائج.
وعتبنا على الزمن: إذ لم يطوَّر أطباؤنا المسلمون عملية الطهور خلال القرنين الماضيين بل بقيت كما كانت منذ أكثر من ألف سنة. إن المسلمين واليهود مأمورون بحكم العقيدة الدينية بإجراء الختان لأطفالهم، ولذلك طوروا في أمريكا طريقة «للختان» بالملقط الجرسي الذي يغطي رأس الحشفة كما سأشرح ذلك؛ أما المسلمون فبقوا على طريقتهم التي استمرت منذ عدة قرون؛ وللطريقتين «محاذير» سأذكرها فيما بعد.
بالصدف وأنا طبيب مقيم في التوليد والجراحة النسائية سألني مدير المستشفى: هل أجريت عملية طهور، فأجبته بالنفي؛ قال إذن تذهب معي وأخذني إلى مستشفاه الخاص حيث كان سيجري عملية ختان لوليد عمره يومان، فتكرم عليّ وأخذني معه لأساعده ويعلمني؛ وفعلاً أجرى العملية بالطريقة الجراحية في غرفة العمليات إنما بدون تخدير فالطفل بكى كثيراً ونزف شيئاً من دمه «القاني» وخيطنا الجرح وانتهت العملية بعد أكثر من ساعة.
حصل في عام 1958 وكنت حديث عهد بالعيادة الخاصة وفي الأيام الأولى لثورة العراق – التي حصلت في ذلك العام – أن تعطَّلت المواصلات وانقطع الناس عن الدوام بسبب نقص وقود السيارات، فاغتنم الكثيرون الفرصة وأجروا عمليات ختان لأولادهم حسب الطريقة العادية بواسطة المطهرين وكان أكثرهم أطفالاً كباراً؛ وبالصدف أصيب كثير منهم بالنزف المستمر ولم يستطيعوا نقل أطفالهم إلى المستشفى، ولما كنت الطبيب الوحيد في محطة عمان آنذاك صاروا يحضرون الطفل إلى منزلي الذي ليس فيه وسائل الإسعاف اللازمة إذ كانت العيادة تبعد خمسة كيلومترات عن المنزل، ففكرت بسرعة ولا أملك أدوات جراحية في البيت ولا يستطيعون الذهاب بابنهم النازف إلى المستشفى لبُعدها، عندها أحضرت مسماراً صغيراً وسخّنته على لهب قطنة مبللة بالكحول وكويتُ الشريان النازف فانقطع الدم رأساً. وهكذا صار كل مصاب بنزف الطهور خلال تلكم الأيام يأتون به إلى المنزل وأقوم بقطع النزف – وطبعاً دون مقابل-، وشاع في عمان بعد انتهاء أزمة المحروقات أني أحسن من يقوم بقطع نزف الطهور، لذلك صار كل من نزف ابنه بعد عملية الطهور يحضره إلى عيادتي الخاصة وأقوم بما يلزم تماماً كما دوالي «وتيرة الأنف» إنما بواسطة مسمار صغير معقم دون حاجة اللجوء إلى الخياطة أو ربط العرق النازف.
بعدها طلب مني الكثيرون أن أجري عملية الطهور وأن آخذ أجوري مهما كانت، فكرت في ذلك وقلت في نفسي إني سأقطع رزق المطهرين، فقالوا خذ أجوراً أعلى وبذلك يأتي من يأتي إليك، أو يذهب إلى المطهر من يريده.
كان صديقنا «نزار جردانة» سيقوم برحلة عمل إلى لندن فأوصيته أن يحضر لي جهازاً «لكوي النزف» دون أن يعرف السبب، وفعلاً عاد ومعه جهاز «محوَّل» صغير لتحويل التيار الكهربائي من 220 فولت إلى 12 فولت مع بعض الأدوات الصغيرة الملحقة بالجهاز، وأهداني ذلك الجهاز مشكوراً، وما زلت أستعمله من سنة 1960 إلى الآن أكوي به نزف الختان أو دوالي الوتيرة أو استئصال الثآليل أو كوي ظاهر عنق الرحم عند السيدات إلى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة، ومازلت أستعمله وأشكره في نفسي بعد كل عملية أقوم بها، بعدها قررت أن أتقبل إجراء الطهور في العيادة بضعف أجر المطهرين. وأول شيء قمت به أني درست «تشريح وغريزة» العضو الذي سأجري عليه الختان؛ وراقبت المطهرين كيف يجرون عملياتهم وذلك في عمان ودمشق ومكة المكرمة، وأحضرت الأدوات اللازمة للجراحة الصغرى من صنع ألماني، وأحضرت «الجهاز الجرسي» بأحجامه المختلفة من صنع أمريكي وخرجت بطريقتي الخاصة.
صفحة 4
صار يأتيني أولاد في سن المدرسة وشباب قبل الزواج لإجراء عملية الختان ولا يريدون أن يدخلوا المستشفى خوفاً من التخدير العام، وكنت أعتذر، ثم فكرت لماذا لا أجري لهم العملية بالتخدير الموضعي وزيادة على ذلك لماذا لا أجري التخدير الموضعي بمادة «زايلوكائين» الممزوج «بالأدرينالين» أو مشتقاته؛ فدرست كل ما كتب عن التخدير الموضعي ومواده ومحاذيره، فخرجت بنتيجة وهي لماذا لا استعمل ما يستعمله طبيب الأسنان بالتخدير الموضعي «بالارتشاح»؛ إنما هنا لا يجوز تخدير النهايات إذا كان المخدر ممزوجاً بالأدرينالين، ولأن الأدرينالين يقبض العروق فقد يحصل التمّوت «الغنجرينا»، في نهاية العضو المخدَّر، وفائدة الأدرينالين هنا أن أثر التخدير يبقى مدة طويلة وأن الجرح لا ينزف؛ والحذر من دخول الأدرينالين والمخدر في أوردة ظهر القضيب أو الشريان، وكي لا يحصل هذا المحذور عليّ أن أحقن المخدَّر بعيداً عن الأوردة في الأعلى والشريان في الأسفل بل أحقنه في الجانبين تحت الجلد، وعلّي كذلك الحذر أن لا يدخل المخدر في الحشفة أو في الوريد العميق. أما إذا كان الطفل كبيراً فيجب فحص قلبه وضغطه كي لا يكون مصابا بآفة قلبية قد يسيء إليه المخدر الذكور.
أما موضوع «الغانغرين» فلم يكن ذا أهمية، ذلك أن العضو الذي يخشى عليه من الإصابة هو الجزء المقطوع الذي سنطرحه خارجاً أما باقي العضو فلا يصله المخدر.
من الأمور التي كنت أخشاها أن يكون الطفل مصاباً بمرض الناعور «الهيموفيليا» ولذلك عمدت إلى طريقة سهلة وهي أني إذا حقنت المخدر تحت جلد الناحية لتتخدر بالارتشاح ولم يحصل نزف في مكان الوخز بعد عشر دقائق فهذا يعني أن الطفل غير مصاب بمرض نزفي، على أنه في السنوات الأخيرة أصبح من توالي الولادة إعطاء الطفل v:tk حقنة في العضل، أما إذا استمر النزف من مكان حقن الإبرة فهذا يعني اضطراباً في آلية التخثر وأقف عن تتمة العملية وأضغط مكان النزف بقطعة شاش بين أصابعي وأعطيه ½ سم3 v:tk في العضل وأنصح أن يراجع أخصائي أمراض الدم، ومع ذلك فقد وجدت حلاً وقائياً لهذا الأمر وهو أن «لا أطهر» أي طفل إلا بعد الأسبوع الأول من ولادته على الأقل إلا إذا كان مضطراً لإجراء الختان خلال الأسبوع الأول كما لو كان الطفل سيسافر إلى الغرب بعد يومين من ولادته، فكرتُ كذلك في أن عملية الختان تُجرى على المسلمين منذ أكثر من ألف سنة، فلو كان الطفل مصاباً بالناعور لمات من جراء الختان ولذلك فإن هذا المرض غير موجود وبشكل ملفت للنظر عند المسلمين، أما الطفل المسيحي فإني أحقن المخدر وأنتظر مدة 15 دقيقة لألاحظ إذا حصل نزف شديد أو لا، فإذا حصل فأقطع النزف ولا أجري الطهور. على أنه وقد كنت أجريت ما يزيد على 65 ألف طهور لم أجد هذه الحالة إلا عند ثلاثة أطفال اثنان منهما عند المسيحيين وواحد عند المسلمين، بعد ذلك صرت مطمئنا لإجراء عملية الختان التي أجريتها بمختلف الطرق وحسب الحجم فمنها ما يلزم خياطة الجرح وذلك عندما يكون العضو صغيراً جداً أو كبيراً جداً. وقد أهدني صديقي د. مسلم قاسم السيرنج الخاص الذي يستعمله أطباء الأسنان مما سهل علي عملية التخدير.
حدث أن انكسرت «الشفرة» الصغيرة التي في جهاز «الكيّ» وأوصيت كثيرين من المسافرين إلى لندن ليحضروا مثلها فلم يسعفني أحد إلى أن سافر أخي عبد الله إلى لندن لتحضير رسالة الدكتوراه في القانون ولأنه كان يعرف الجهاز ويعرف بقية توابعه فقد أحضر لي مجموعة كافية من تلك الشفرات الكهربائية، حدث خلال تلك الأشهر وإلى أن أتتني الشفرات لاحظت وأنا عند كهربائي السيارات أنه يستعمل جهازاً كهربائياً للحام الأسلاك الكهربائية بالحرارة العالية في نهاية سلك الجهاز، ففكرت ماذا لو أخذت مثل هذا الجهاز «وبردته» وجعلت منه حافة حادة تشبه السكين الصغيرة بطول نصف سم. لذلك اشتريت مثل ذلك «الكاوي» من صناعة ألمانية وأجريت التعديل اللازم حتى أصبح أمضى من سكين الجراح فإذا ضغطت مفتاح التشغيل تصبح «النصلة» بحرارة عالية «تقطع وتُرقئ» النزف الذي قد يحصل وبذلك فلا لزوم لتعقيم الجهاز، فالحرارة العالية لا تبقي أية جرثومة على حافة النصلة، وبذلك استطعت أن أصل إلى ما أريد.
وبكل فخر كنت أول من استعمل طريقة الختان بالكي في العالم، وجاء كثير من الجراحين ليروا ما أعمل وكذلك جاء الكثيرون من المطهرين «مختفين» بحجة طهور طفل معهم وذلك ليروا الجهاز الذي سمعوا عنه وحتى أحد المستوردين أوصى على صنع مثل هذا الجهاز «تقليدياً» للألماني وصاروا يبيعونه على أنه جهاز الطهور الكهربائي ومن «اللطيف» أن مندوب وكيل الجهاز أتى يعرضه علي أنه الجهاز الحديث للطهور دون أن يدري أنني أنا صاحب الفكرة والتطبيق العملي لذلك الجهاز.
سمع أحد الجراحين أني أقوم بإجراء الطهور بالكي – وهو كي حروري- فقام بتطبيق ذلك باستعمال الملقط الجرسي وكي مكان القطع بجهاز التخثير وحيد القطب الموجود في غرفة العمليات فما كان إلا أن أصيبت الأعضاء «بصعق» كهربائي حرقها وشوهها بشكل معيب تحتاج إلى عملية تجميل خاصة. قدم الأهل شكوى إلى نقابة الأطباء وكنت الخبير المستشار وقلت لهم إني أجريت مئات العمليات بجهازي إلا أني أتعامل بالكي الحروري فأحول الطاقة الكهربائية إلى طاقة حرارية ليس لها أية مخاطر.
وبكل فخر كنت أول طبيب في العالم يخدر لعملية الطهور بالتخدير الموضعي مع الأدرينالين وقد طبقت ذلك ابتداء من طفل في اليوم الثالث من العمر إلى طهور رجل في الخمسين من عمره دون أي نزف أو التهاب ثانوي.
صفحة 5
لا أكتب هذا للتفاخر بل أكتبه كي يلاحظ الأطباء الشباب أن الضرورة قد تبعثك على اكتشاف الشيء الجديد وأن الملاحظة الفاعلة قد تفتح لك مجالاً لاكتشاف وتطبيق الجديد عملياً.
وكنت على يقين أنه لو حصل عندي أي مضاعفات ولو لطفل واحد من بين «65» ألف طهور أجريته لقامت الدنيا وقعدت واتهموني بالجهل والسعي للحصول على السمعة الطبية والاجتماعية والمادية، لكني طبقت فكرتي هذه أول مرة على أولادي وأولاد أخي وأولاد أختي لأني كنت أثق بنجاحي في تلك الفكرة؛ وأكثر من ذلك بقيت سنوات طويلة لا آخذ أجوراً من أكثر من طهرتهم من زبائني أو معارفي حتى من آخر طفل يوم أمس.
أشير إلى أني أنصح شبابنا الأطباء أنه من الأفضل أن يجروا عملية الختان في النهار لا في المساء فربما حصل نزف ولو بسيط عند الطفل فيستطيع الأهل أن يراجعوا طبيبهم ليقطع النزف؛ أما إذا أُجري الطهور ليلاً ونام الطفل فقد يفقد كمية كبيرة من دمه قبل انتباه الأم ورؤية الدم مما قد يحيج الطفل إلى نقل دم في الصباح.
لم أكن أنانياً فيما حصلت عليه من علم وسمحت لأي طبيب أن يأتي ويتعلم هذه الطريقة من الختان، وبالفعل أتى بعض الجراحين الشباب وكثير من أطباء الطب العام من الشباب والكبار وكذلك أتى بعض المطهرين إنما اشترطتُ عليهم أن يجروا أول عملية أمامي وبعد أن يراقبوني لعدة عمليات وأن يجروا العملية على أحد مرضاهم لا على أحد من مرضاي، وهكذا كان فقد تعلمها الكثيرون وكنت أشرح كل ما أعرفه عن الختان نظرياً وعملياً دون أن أخفي أية معلومة.
أتاني أحد الأطباء الأردنيين وكان يعمل في المملكة العربية السعودية وطلب مني أن يتعلم طريقتي، وبالفعل داوم عندي لمدة أسبوع بقي يراقبني كيف أعمل حتى صار مقتنعاً أنه يستطيع أن يجري تلك العملية بسهولة، وفعلاً أحضر أحد أقربائه وأجرى له «الطهور» أمامي بكل يُسرٍ ونجاح. واعتبرته أتقن عمله ونصحته بشدة أن لا يجري العملية في المساء خشية النزف إذ إنه مبتدئ بهذه المهنة ولو كان متخرجاً من الجامعة منذ عشر سنوات، وتصورت نفسي وأنا أعظه بكل ما أعلم كأنني «شيخ الكار» كما نراه في المسلسلات التلفزيونية في دمشق، حدث بعد سنين أن ترك عمله في السعودية وعاد إلى الأردن وافتتح عيادة طب عام في إحدى البلدات البعيدة عن عمان، ولسوء حظه أجرى عملية ختان لأخوين كبيرين في المساء لكن أصيب الاثنان بالنزف الحاد، اتصل بي هاتفياً علني أستطيع أن أصله فأجبته أنه من الأفضل أن يترك سماعة الهاتف وينقل الطفلين بسيارته إلى أقرب مستشفى لمكان عيادته، وهكذا كان وأُسعف الولدان، لم أعد أرى ذلك الطبيب ولم أسمع عنه شيئاً منذ أكثر من عشر سنوات.
تكررت مثل تلك القصة وحصلت في أحد أحياء عمان البعيد عن عيادتي وفعلاً أصيب الطفل بنزف حاد، اتصل بي الطبيب ورجاني أن آتي لعيادته لإجراء اللازم، لكن كانت نصيحتي له والتي أكررها للأطباء دائما أنه في مثل هذه الحالة خذ «الولد» بسيارتك إلى أقرب مستشفى ولا تنتظر مجيء أحد.
حدثت مرة قصة غريبة لم أكن سببها بل تحملت مسئوليتها المادية، فقد حدث أن طلب أحد «المطهرين» المعروفين أن يتعلم طريقتي تلك وأنه سيجريها على ابنه البالغ خمس سنوات أو يزيد؛ وبالفعل أحضر ابنه وشرحت له الخطوات اللازمة، وأجريت أنا الخطوة الأولى الرئيسية وفصلت القلفة عن الحشفة بالمسبار ثم قبضت رأس القلفة وضغطته بالملقط، ووضعت ملقط «كوشر» حول القسم الذي سنقطعه من القلفة وضغطته للآخر مما يدل أنه في مكانه الصحيح، ثم أزلته وقلت «للرجل المطهَّر» أعد ما أنا عملته وهذا علام الملقط يوضح لك مكان القطع، وفعلاً أعاده حسب الأصول، قلت له إذن أمسك الجهاز واقطع في المكان المطلوب وقرع جرس الهاتف فذهبت لأرد عليه وحينها كان الرجل قد قطع الجزء المطلوب والمُعلَّم عليه من القلفة لكني لاحظت بعض الدم ينزف أكثر من اللازم وعندما أزلت الملقط تبين لي أن جزءاً صغيراً من رأس الحشفة قد قُطع بطول 1مم، عندها وضعت «قثطرة» في المثانة وأجريت الضماد اللازم وانقطع الدم وأعطيته حقنة عضلية مسكنة وحقنة عضلية مضادة للالتهاب وبقي في العيادة ساعة دون أي مخدر وخرج البول من القثطرة بسهولة فأعدته إلى منزله وطلبت منه أن يحضر الطفل في اليوم التالي. فوجئت أنا بالذي حصل لكن الممرضة قالت لي إنه عندما كنت أتكلم بالهاتف فإن «المطهَّر» فك الملقط وأعاده ثانية كي يتعلم وما درى أنه مسك جزءاً من رأس الحشفة.
أتاني أبو الولد في اليوم الثاني وقال أريد أن أضع ابني في المستشفى تحت المراقبة الطبية، فهل عندك مانع من ذلك، قلت لا، وفعلاً أدخلته المستشفى فقط ليطمئن الوالد وليجري له الضماد اليومي. علم بالقصة أحد جراحي المسالك البولية بحكم تردده على المستشفى واتصل بأبي الطفل وطلب منه أن يقدم شكوى إلى نقابة الأطباء، لكن الأب رفض وقال إن ابني بخير وأنا كنت السبب وليس الطبيب وهكذا انتهى الموضوع وكبر الولد دون أي مضاعفات.
صفحة 6

الختان

تعريف – هو اصطلاح لعملية جراحية صغرى تُجرى بدون تخدير للأطفال حديثي الولادة في الأيام السبعة الأولى من أعمارهم؛ وبالتخدير الموضعي أو التخدير العام حسب الضرورة ومهما كان العمر، يلاحظ هنا أننا أدخلنا التعريف حسب معطيات هذا العصر.
ومن هذه العملية يتم قطع الجزء الأمامي من «القلفة» وهي الجلد المخروطي الشكل الذي يغطي الحشفة ويتعداها» وذلك لتظهر الحشفة بوضوح.
لمحة لغوية: الاصطلاح العلمي والشرعي لهذه العملية هو «الختان» وإذا أُجريت هذه العملية للبنات تُسمى «الخفض».
الختان شرعاً هو الجزء النهائي للعضو الجنسي عند الذكر والأنثى، وفي الحديث الشريف: [إذا التقى الختانان وجب الغًسل].
الحشفة: ويقال لها التمرة وهي القسم الأمامي للقضيب وسنذكره بوضوح في لمحة تشريحية.
القلفة: هي الجلد الذي يقطعه الخاتن.
الغرلة: هي اسم ثان للقلفة.
الأقلف: الرجل الذي لم يُختن.
الأغرل: وجمعها الغُرُل – الرجل الذي لم يختن.
يقال ختن الولد فهو ختين أو مختون.
الخاتن: هو الرجل الذي يقوم بعملية الختان.
المُطهَّر: اسم آخر للذي يجري الختان.
الختيانة – بالكسر- صناعة الختان.
الختيان – بالكسر – موضع القطع.
يقال أطحرت ختانته: إذا استُقصي في القطع.
العذار: الدعوة للطعام بمناسبة ختان الولد مثل الوليمة بمناسبة العرس.
سُنة: اسم عملية الختان باللغة التركية والخاتن يسمى سنتجي.
انجيلدماك اسلام: أي صار مسلماً – الختان في أندونيسيا.
سيركومسيشن - Circumcision – الختان في اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية.
القضيب: وهو العضو الناعظ عند الذكر، ويدعى عند العامة وخاصة في البلاد السورية «الحمامة». وقد ذكرتُ سبب هذه التسمية. وكذلك يدعى في بعض البلاد العربية «الزبرة» ولا أدري من أين أتت هذه التسمية. وفي اللغة الإنجليزية «Penis» وفي اللغة الفرنسية «Verge».
صفحة 7
لمحة تشريحية: الذي يهمنا في تشريح القضيب هو ماله علاقة بالختان: وهذه الأعضاء هي:
الحشفة:«glans» والقُلفة Prepuce وغلف القضيب الأربعة وعروق القضيب وأعصاب القضيب:
أ- الحشفة- ويسميها العامة «التمرة» وتدعى كذلك «الكمرة» كما ورد في لسان العرب لابن منظور الإفريقي – المجلد الخامس، وقال المكمور من الرجال من أصاب الختان طرف كمرته، ورجل كمري إذا كان ضخم الكمرة، وامرأة مكمورة أي منكوحة.
والحشفة هي انتفاخ مخروطي أملس وردي تكون ذروته في الأمام مثقوبة بفوهة ينتهي فيها الإحليل تسمى «الصَّماخ البولي» وتكون قاعدته في الخلف تسمى «أكليل الحشفة» Corona glandis وتفترق عن جسم القضيب بثلم يسمى «الثلم الحشفي القلفي»؛ هذا الثلم يحيط بالحشفة ثم يمتد في أسفلها إلى الأمام حتى ينتهي في صماخ البول محدثا ميزابة في الحشفة يسكنها لجام جلدي يقال له «لجام القضيب».
ب- القلفة – هي غمد ناقص يحيط بقاعدة الحشفة وينزلق عليها، يتصل جسم القضيب في الأسفل بالقلفة بواسطة لجام القضيب، تستر القلفةُ الحشفة ويسهل إرجاعها إلى الخلف فتنكشف الحشفة إلا في بعض الحالات إذ تكون فوهتها الأمامية ضيقة فيقال لهذه الحالة «تضيق القلفة» Phimosis وتستدعي الختان.
بُنية القلفة- تتكون القلفة من امتداد غلف القضيب الثلاثة – الجلد والطبقة المنسلخة والطبقة الخلوية – على الحشفة. أما الجلد فإنه يسير إلى الأمام مكوناً وجه القلفة الظاهر ثم يلتوي فيبطنها ويستر الحشفة، ويصبح هنا شبيهاً بالغشاء المخاطي، ثم يتمادى مع غشاء الثلم الحشفي القلفي، وأما الطبقتان المنسلخة والخلوية فتدخلان باطن الحشفة وتمتدان حتى نهايتها الأمامية.
جـ- غلف القضيب الأربعة وهي:
1- الجلد – وهو رقيق متحرك مصبوغ ترى على وجهه السفلي خياطة متوسطة تتمادى مع خياطة الصفن.
2- الطبقة المنسلخة: وتسمى بالعضلة حول القضيب، وتتكون من ألياف عضلية ملساء بعضها طولاني وبعضها دائري تبطن الجلد وتتمادى في الخلف مع طبقة الصفن المنسلخة.
3- الطبقة الخلوية: تتكون من نسيج ضام رخو ومن عروق وأعصاب دقيقة، وهي تسهل انزلاق الجلد على القضيب.
4- لفافة القضيب- وهي غلاف ليفي مرن يغشي الجسمين الكهفيين والجسم الإسفنجي ويتصل بها، كما يغلف عروق القضيب وأعصابه العميقة، يتمادى في الأمام مع غلاف الأعضاء الناغظة الأبيض، ويتمادى في الخلف مع صفاق العجان السطحي ومع الرباط معلق القضيب ومع قميص الصفن الليفي.
د- عروق القضيب- تقسم إلى شرايين سطحية وأخرى عميقة:
1- الشرايين السطحية: تروي غلف القضيب وتأتي من الاستحيائيين الظاهرين ومن العجاني السطحي ومن شريان ظهر القضيب.
2- الشرايين العميقة: هي الكهفية والبصلية والإحليلية وشرايين ظهر القضيب، وتنشأ كلها من الشريان الاستحيائي الباطن.
يهمنا هنا شريان ظهر القضيب الذي يتوزع في الجسم الإسفنجي وفي الجسميْن الكهفيين، كما يكوَّن مع الشريان المقابل إكليلاً شريانياً عند قاعدة الحشفة فيرويها.
3- الأوردة - تقسم إلى أوردة سطحية وأوردة عميقة:
‌أ. الأوردة السطحية- تأتي من غلف القضيب وتصب في وريد ظهر القضيب السطحي الذي يسير إلى الخلف ويصب في الوريد الخثلي.
‌ب. الأوردة العميقة – تجمع دم الأعضاء الناعظة وتصب في وريد ظهر القضيب العميق الذي ينتهي في الوريد الخثلي.
‌ج. أعصاب القضيب- تأتي من الأعصاب: التناسلي الفخذي وعصب ظهر القضيب والعجاني السطحي. وتأتي الأعصاب الودية من الضفيرة الموئية.
صفحة 8

لمحة دينية

وُلد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مختوناً
لم يرد ذكر الختان في القرآن الكريم، إنما ورد في الحديث الشريف ضمن حديث: خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد وقص الشّارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط. (أبو هريرة) (صحيح مسلم والبخاري).
في حديثه التلفزيوني «فتاوى على الهواء» لمفتي المملكة العربية السعودية: «عبد الله آل الشيخ».
بتاريخ 20/7/2001 أجاب على سؤال بأنه: من يجري الختان دون خبرة أو صنعة ويموت الطفل فعليه كفارة مثل كفارة القتل شبه العمد.
كان نبي الله إبراهيم الخليل أول من اختتن من الأنبياء، فقد ختن نفسه «بالقدوم» وهو ابن ثمانين عاماً (الطبري- الجزء الأول- الطبعة الثانية – ص 286).
وقد «أخفض» إبراهيم زوجته هاجر. (الطبري- ص 254).
إن نبي الله عيسى عليه السلام اختتن وعمره ثمانية أيام. (لوقا- كتاب الفردوس المفقود- الطبعة الأولى سنة 1960 ص- 127).
السؤال: هل كان ختان إبراهيم نفسه وهو في الثمانين من عمره وحياً أم اجتهاداً فردياً سيما وكان المصريون القدامى بما فيهم فراعنتهم يختتنون، في حين كان المجوس في العراق لا يختتنون، وقد أتى إبراهيم من تلك ولذلك بقي أقلف سنوات طويلة. والملاحظ أنه أنجب ابنه «إسماعيل» بعد ختن نفسه وخفض زوجته «هاجر». فهل علم من المصريين أن الختان ضروري لإنجاب الأولاد؛ سيما ولم يرد ذكر الختان في القرآن الكريم بل كان عادة بين العرب، اعتبره الرسول – أي الختان- سُنَّة للرجال: فكثير من مناسك الإسلام هي على «خُطى» إبراهيم الخليل، كان العرب قبل الإسلام يقدسونها كالطواف حول الكعبة مثلاً!
والملاحظ أن الإسرائيليين يختتنون، وقد ختنوا أنفسهم عندما اجتازوا سيناء – بزعمهم- إلى الأرض الطيبة – فلسطين -، ولما لم يجدوا آلة حادة تكفي لختن الجميع، قاموا بالختان بواسطة الحجارة التي «حفوها» لتصبح سكيناً أو سيفاً استعملوها في تنفيذ تلك العملية الجماعية. (دوني وزميله) وقد لاحظنا أن بعض الجزائريين يختنون أولادهم بالسكين الحجري. (أظنهم أنا أنهم من يهود الجزائر).
وخلصت إلى نتيجة هي أن إبراهيم عليه السلام ختن نفسه، اجتهاداً خاصاً أبقاه الرسول الكريم، وبقي اليهود يختتنون استجابة لتاريخهم وبقي المسلمون يختتنون على عادة العرب بما فيهم المسيحيون، وأن «الطَّهور» سنة مستحبة يقومون بتأديتها.
لمحة تاريخية – يمكن القول إن عملية الختان أقدم عملية في التاريخ إذ لاحظ العلماء الذين درسوا مومياء الفراعنة أنهم كانوا مختونين، ولاحظوا أن «امحوتب الأول» لم يكن مختوناً كعادة الفراعنة وعللوا ذلك بسبب «ضعف بنيته» وأنهم خافوا عليه من النزف بسبب الناعور، (كما تشير الصورة والتعليق عليها في نشرة: medical news الجزء السادس رقم 4.
ومن الثابت أن القبائل العربية كانت تختن الذكور وبعضها يختن الإناث قبل الإسلام. وكذلك سكان شمال أفريقيا وكانت الأقباط تختن الذكور والإناث.
كانوا في أندونيسيا يختنون أولادهم من قبل دخول الإسلام بلادهم؛ ثم بعد الإسلام صاروا يعتقدون أن الطهور ضروري ليصبح الرجل مسلماً، وأن من صفات المسلم أنه لا يشرب الخمر ومختون.
كان المجوس في العراق لا يختنون أولادهم ولذلك كره ابن عباس أكل ذبيحة غير المختون على ظن أنه لم يأت بالسنة أو ربما يكون من بقايا المجوس.
وفي كتب التاريخ أن بعضاً من حجاج ماليزيا قديما، كانوا عندما يصلون مدينة «جدة» يعيدون ختانهم ظناً منهم أنهم لم يكونوا خُتنوا حسب الأصول، وأدعى للبركة.
وفي جاوا قديماً كانوا يعتقدون أن الختان يعني الدخول في الإسلام ولذلك كانوا يسمون الختان (انجيلاماك إسلام) أي صار مسلماً. (إسلاميك انسايكلوبيديا).
وفي شمال إفريقيا كانوا إذا كانت «قلفة» الوليد قصيرة يعتبرونه ولداً مباركاً لأن الرسول محمد عليه السلام وُلد مختوناً.
وفي تركيا يسمون الختان «سُنّة» والذي يجري العملية «سُنَّتجْي».
والغريب أن المرأة العربية قبل الإسلام كانت تعتز بأن زوجها مختون، فقبل معركة «ذي قار» قالت النسوة وهن يشجعن المقاتلين العرب أن لا يتركوهن سبايا للفُرس: الذين وصفنهم بأنهم غير مختونين وهم «الغُرل والقُلف».
صفحة 9
وفي الطبري أنهم في معركة ذي قار وجدوا قبيلة «عجل» تقاتل وامرأة منهم تشجعهم وتقول:
(الطبري- الجزء الأول ص 288).
إن يظفروا يحرَّزوا فينا الغُرل
إيها فداء لكم بني عجل
وفيها أن ابنة القرين الشيبانية نادت حين وقعت النساء على الأرض:
(الطبري الثاني 210).
ويْهاً بني شيبان صفاً بعد صف
إن تُهزموا يصبغوا فينا القُلف
وفي الطبري (الجزء الثاني ص 240) كان الختان معروفاً عند العرب للذكور والإناث، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً أو ينكحوا منكحاً أوشكوا في نسب أحد ذهبوا به إلى «هبل» وبمائة دينار وجزور، فأعطوها صاحب القِداح الذي يضربها الخ الخ.
كان المسيحيون العرب في بلاد الشام وهم الغساسنة يختنون أبناءهم قبل الإسلام مع العلم أن الروم الحاكمين – وهم مسيحيون – لا يختتنون. وفي قصة هرقل إمبراطور الروم مع ملك الغساسنة ما يشير إلى ذلك؛ فقد سأله الإمبراطور – وكان مولعاً بالعلوم والتنجيم – عن واحد من العرب يبشر بدين جديد، من صفاته أنه مختون؛ فأجابه الملك الغساني أن الختان عادة عند العرب وأنه هو نفسه أي الغساني مختون.
وكذلك عرب العراق كانوا يختنون أبناءهم رغم أن حكامهم المجوس لا يختتنون، كما دل على ذلك أرجوزة النسوة يوم ذي قار. (وقد شرحتها قبلاً).
أحياناً يكون الختان دلالة على أن الرجل مسلم، ففي معركة الزلاقة في الأندلس في القرون الوسطى بين المسلمين بقيادة «يوسف بن تاشفين» وبين الأسبان النصارى بقيادة «الفونس» ولكثرة عدد القتلى وحاجة كل فريق إلى دفن موتاه صاروا يميزون بين المسلم وغير المسلم بكونه مختوناً. انطبق ذلك على معارك العثمانيين وهم مسلمون مع الأوربيين في النمسا وهم مسيحيون خاصة وأن الفريقين المتحاربين كانا من أصحاب البشرة البيضاء، في حين وبعد معارك سيناء سنة 1967 ولأن اليهود يختتنون فإنه – كما قرأت في الصحف آنذاك- كانوا يميزون بين قتلى الطرفين بلون أحذيتهم، إذ لم يستفيدوا من علامة «الختان للتمييز بين المسلم واليهودي».
وتذكر الأستاذة الدكتورة غيداء خزنة كاتبي في كتابها «الخراج منذ الفتح الإسلامي حتى أواسط القرن الثالث الهجري – الممارسات والنظرية» تحت عنوان: تدابير الأمويين تجاه الضرائب؛ القصة التالية: لاحظ «عُدي بن أرطاق» عامل الخليفة عمر بن العزيز على البصرة أن بعض أهل الذمة يتهربون من دفع الجزية بانتمائهم الظاهري إلى الإسلام، فكتب إلى الخليفة يستشيره «في قوم من أهل الذمة تعوذوا بالإسلام مخافة الجزية»؛ فرد عليه عمر قائلاً: فانظر من كان من أهل الذمة فأظهر الإسلام واختتن وقرأ سوراً من القرآن، فأسقط الجزية عنه، إن شاء الله.
شاهدت قبل سنتين مشهداً تلفزيونياً عن «بخارى» وفيه عرضوا المساجد والأسواق والمدارس؛ وكيف أن المدارس الإسلامية في الحقبة السوفيتية كانت تحت الأرض، وتكلم أحد المسنين قائلاً بأنهم نفوه إلى «سيبريا»: لأنهم اكتشفوا أنه أجرى عملية ختان لابنه حسب عادتهم الإسلامية.
في مشهد تلفزيوني من إحدى المحطات الفضائية كيف أن البلغار الشيوعيين عندما حصلت أزمة بين تركيا وبلغاريا وبدأ البلغار بتهجير الأتراك، وقفت فرقة من العسكر على خط سكة الحديد وأوقفت القطار وصارت تكشف عن أعضاء كل طفل فإذا كان مختوناً أنزلوه من القطار، ولا أدري ما فعلوا به بعد ذلك؟؟
ومن المؤسف جداً أن ينظر بعض زعماء فرنسا إلى الختان نظرة عنصرية وسأذكر القصة التالية تاركاً للقارئ الكريم تقييم مدلولاتها.
صفحة 10
في خطابه عن منهاجه لو نجح في الوصول إلى «قصر الإليزيه» قال «لوبان: زعيم اليمن المتطرف أنه سيمنع الهجرة من إفريقيا لأن المهاجرين الإفريقيين «يختتنون» وبناتهم يضعن الحجاب، وليس في حضارة فرنسا وأوروبا الختان والحجاب وكأنه يخص بذلك المسلمين الإفريقيين كما علق بعض المتحدثين.
كان ذلك في 19/4/2007 في مشهد في فضائية الجزيرة وهي تثبت نشره خاصة عن كل مرشح من المرشحين الأربعة الذين سينتخب الشعب الفرنسي واحداً منهم لرئاسة الجمهورية.
كانت واحدة من الأربعة سيدة حصلت على المرتبة الثانية وكانت «ليبرالية»، أما ساركوزي الذي حصل على المرتبة الأولى فهو من أصل «مجري» هاجر أبوه من بلده إلى فرنسا أثناء الاحتلال السوفيتي لبلده. ويبدو أنه كان «ديغوليا»، وكان «لوبان» الأقل حظاً وبفارق كبير عن زملائه الثلاثة؛ مما يؤكد أن الشعب الفرنسي لا يعير تلك الآراء العنصرية أية أهمية لتبقى فرنسا بلد الحرية في مفهومها الواسع. والغريب أنهم كانوا يذهبون إلى مساكن الإفريقيين في محيط باريس يطلبون عنهم انتخابهم ليحققوا لهم بعض مطالبهم ويزيلوا منهم بعض مظالمهم.
ومن القصص التي لها علاقة بتاريخ الختان محاكمة الأفشين في زمن خلافة المعتصم بالله العباسي. وسأذكرها لطرافتها فكأننا نرى محكمة عسكرية في مشهد تلفزيوني، وفي عام 222هـ.
كان «الأفشين» أحد أشهر القادة غير العرب في جيش المعتصم وكان تركي الأصل من بلدة «أشروسنة» معجباً بالمجوسية والبوذية ويخفي عقيدته بمبدأ «التقية» فهو يتظاهر بالإسلام ويتفاخر بأنه لا يأكل الشاة المذبوحة بل يأكل المختنقة حيث يخنقها ثم يشقها نصفين بسيفه ويدوس على كل نصف منها قبل طبخها، وكذلك يتفاخر بأنه لم «يختتن» ولم «ينتف شعر العانة»، كان يصف العرب بصفات غير لائقة، وكان يقول إني دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه حتى أكلتُ لهم الزيت وركبت الجمل ولبست النعل، غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة يعني لم يطَّلِ ولم يختتن.
حاول الأفشين قتل المعتصم وأركان دولته بالسُّم بعد أن دعاهم إلى وليمة في داره لكن المعتصم انشغل وغاب ولم يحضر بقية القوم بعد أن علموا أن هناك مؤامرة لقتل الجميع، ولما انكشف أمره سجنه المعتصم بسجن انفرادي وضع عليه حرساً خاصاً وكان يرسل له رغيفاً كل يوم كي يموت من الهزال وأمر بتشكيل محكمة خاصة لمحاكمته، يذكرها الطبري في الجزء العاشر ص 110، وفي سياق المحاكمة قال له ابن أبي داوود: أمُطَّهرٌ أنت؟ قال لا: قال: فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام، والطُّهور خُلُوُّ النجاسة! قال: أو ليس في دين الإسلام استعمال التقية؟
قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت، قال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب، وتجزع من قطع «قلفة»؟ قال: تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعت، وهذا شيء استجلبه فلا آمن معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها الخروج من الإسلام، فقال ابن أبي داوود؛ قد بان لكم أمره يا «بُغا» عليك به. ثم أخذ بمجامع القباء من عند عنقه ثم أخرجه من باب الوزيريّ إلى محبسه.
وكان أحمد بن أبي داوود دعا به في دار العامة من الحبس فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين (يعني المعتصم) أنّك يا حيدر «أقلف» قال: نعم؛ وإنما أراد ابن أبي داوود أن يُشهّد عليه، فإن تكَشّف نُسِبَ إلى «الخرع» وإن لم يتكشّف صح عليه أنه أقلف، فقال نعم أنا أقلف. وأراده أن يخرج ويتكشف أمام الناس إلا أن الأفشين رفض وقال يريد أن يفضحني، فالموت أحب إليّ من أن أتكشف بين أيدي الناس، فقال: أنت عندي صدوق وما أريد أن تكشّف، وقيل إنه لما مات كشف عليه المعتصم وتبين أنه غير مختون.
سأذكر هنا بعض ما ورد في كتاب الحيوان للجاحظ – الكتاب الأول – الجزء السابع- نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي؛ بعنوان: «الختان عند اليهود والمسلمين والنصارى»:
وزعم ناسٌ من أطباء النصارى وهم أعداء اليهود، أن اليهود يختنون أولادهم في اليوم الثامن وأن ذلك يقع ويوافقه أن يكون في الصحيحين – معنى هذه الكلمة الصيف والشتاء في أشد حالاتهما- «كما يوافق الفصلين» وأنهم لم يروْا قط يهودياً أصابه مكروه من قبل الختان، وأنهم قد رأَوا من أولاد المسلمين والنصارى ما لا يحصى ممن لقي المكروه في ختانه إذا كان ذلك في الصحيحيْن من ريح الحُمرة – وهو ما نُسميه الآن مرض الحُمرة Erysipelas – ومن قطع طرف الكمرة – الحشفة- ومن أن تكون الموسى حديثة عهد بالإجراء وسقي الماء فتُشيط ذلك الكمرة ويعتريها برص أي التهاب، والصبي ابن ثمانية أيام أعسر – أظنها يجب أن تكون أيسر – «ختاناً»، من الغلام الذي قد شب وشدن وقوي، إلا أن ذلك البرص لا يتفشى ولا يعدو مكانه وهو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من الكي وإحراق النار فإنهما يفحشان ولا يتسعان.
ويذكر تحت عنوان «ختان أولاد السفلة وأولاد الملوك وأشباههم».
ويختتن من أولاد السفلة والفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأُ الخاتن وذلك غير مأمون على أولاد الملوك وأشباه الملوك، لفرط الاجتهاد وشدة الاحتياط (وهو ما نسميه فيما بيننا الأطباء مرض التوصية Recomonditis) ومع ذلك يزمع –أي يندهش- ومع الزمع والرَّعدة يقع الخطأ، وعلى قدر رعدة اليد ينال القلب من الاضطراب على حسب ذلك. وليس من التدبير أن يُحضر الصبي والخاتن إلا سفلة الخدم ولا يحضره من يهاب.
وعبر الزمن مات الكثير من أبناء المسلمين بسبب النزف بعد عملية الختان؛ ونحن الآن نعرف الأسباب ونتخذ الاحتياطات اللازمة، وهم لم يكونوا يعرفون مرض النزف عند الوليد بسبب نقص v:t:k، ولم يكونوا يعرفون مرض الناعور «الهيموفيليا» والذي تنقله الأم وراثة إلى الأطفال الذكور فيصاب أكثر من طفل لتلك الأم بالنزف ويموت الطفل ويتصور الأب أن شيئاً غريباً عند الأم سيما وأنهم كانوا يتزوجون أكثر من واحدة فيموت أطفال تلك الزوجة عند الختان ولذلك أرى قلة الإصابة بالناعور عند المسلمين الآن، حيث ماتوا مع الزمن فقد كانوا يتزوجون من نفس العائلة أو القبيلة ثم صاروا «يغربون النكاح» (حسب المندوب في الشريعة الإسلامية) فقلَّت الإصابة بالناعور.
وفي صورة شعاعية «لمومياء» (أحموس الأول) ابن (سيناتاو) توضّح صورة الحوض أنه غير مختون وهذا على عكس ما كان عليه أكثر المصريين، وهذا يجعلنا نظن أن ذلك الفرعون كان معتل الصحة وربما كان مصاباً بالناعور ولذلك لم يختنوه.