صفحة 1
مقدّمة المترجم
نُشِرت أُهْجُوّةٌ عن الوصيِّ على العرش الفرنسيّ وعُزِيت إلى أرُوِيه افتراءً، فاعْتُقِل في الباستيل وهو في الثالثة والعشرين من سِنيَّه، وقضى فيه أحد عشر شهرًا، وفي الباستيل عزم أرُوِيه على تغيير اسمه، فلما خرج منه عُرف بفولتير بعد أن كان يُعْرف باسم أُسْرته ذلك.
وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يُزجُّ فيها بفولتير في الباستيل، فبعد ثمانية أعوامٍ من ذلك التاريخ أهانه الشريف الفارس دو رُهان. ويدْعو فولتيرُ هذا الفارس إلى المبارزة، ويَرْضى هذا الفارس بذلك، ولكن فولتير يقابَل بالاعتقال في الباستيل في صباح اليوم المعيّن للمبارزة بدلًا منها، ويقضي في هذا المعتقل نصف عام، ويُعدُّ هذا الاعتقال قطْعًا مفاجئًا لِما كان قد اتفق لفولتير من إقبالٍ في فرنسا وما لاح له فيها من توفيق.
ويخْرُج فولتيرُ من الباستيل، ويهاجر إلى إنجلترا من فوْره، ويقيم بإنجلترا حيث يدْرُسُ الإنجليزية ويتصل بِعْلية الإنجليز وفلاسفتهم وعلمائهم وكُتّابهم وشعرائهم، وحيث يُعْجبُ بالدستور الإنجليزيّ وبتسامح الإنجليز الدينيْ وحريتهم السياسية أيّما إعجاب، وكان لأخلاق هؤلاء القوم وعاداتِهم بالغُ الأثر فيه، ففي هذا الجوِّ وضع فولتيرُ كتاب "الرسائل الفلسفية" أو "الرسائل الإنجليزية" حيث أثْنَى على نظام إنجلترا وقال: "إن أميره البالغ القدرة على صنع الخيْرِ مُقيّدُ اليدين في صنع الشّرّ".
ويعُودُ فُولْتيرُ إلى باريس حاملًا في ذهنه كثيرًا من المشاريع في الحرية السياسية والإصلاحات الدينية، ويتناول كتابه "الرسائل الفلسفية" بالتعديل والتهذيب وينْشُرُه لأولِ مرةٍ في فرنسا سنة 1734.
وتقْضِي المحكمة العليا (البرلمان)، في 10 من يونيه 1734، بجمْع نُسخ هذا الكتاب وتمْزِيقه وإحراقه، وذلك "لمخالفته للدين وحُسْن الأخلاق"، ويعُدُّ هذا الحُكْمُ كتاب "الرسائل الفلسفية" أخطر ما يكون إلحادًا في الدين ونظامِ المجتمع المدنيِّ، ولا يحُول هذا دون طبع كتاب "الرسائل الفلسفية" مرارًا وتوزيعه بين الناس سِرًّا.
ويُؤْمرُ باعتقال فولتير عِقابًا له على تأليف ذلك الكتاب، ولم ينْجُ فولتير من السجن في الباستيل للمرة الثالثة إلا بالفرار، ويقْضِي عامًا في دُوقية اللُّورين المستقلة، ثم يُلْغى أمر اعتقاله وتُطْلق له حرية العوْدة إلى باريس (1735).
ويتفق لكتاب "الرسائل الإنجليزية" نجاح عظيم، ولم ينفكّ هذا النجاح يتجدّد حتى يومِنا هذا، وهو من أكثر ما يطالِع الناسُ من الكتبِ، وهو من أكثر الأسفار تأثيرًا في نفوس الناس على اختلاف أُممهم ومِللهم ونِحلهم، ولعلّ ما انطوى عليه هذا الكتاب من دلالةٍ على حيوية فولتير ونضْجِه وفؤادِه الفيّاض، من أهمّ العوامل في خلوده وما لاقى من إقبالٍ عظيم حتى الآن.
وليس ما ينِمُّ عليه كتابُ "الرسائل الفلسفية" من جرأةِ مؤلفه وإِقدامِه وصراحته هو أكثر ما يقِفُ النظر فيه، بل اتزانه وكوْنُه وليد ذِهْنٍ رصين وإنصافٍ وتمييزٍ بين المحاسن والأضداد، ومن ذلك أنه يُظْهِرُ الكويكر فضلاءُ عقلاءُ ولكن مع شيء من إثارة السخرية حولهم، ومن ذلك أنه يُظهِر البرلمان الإنجليزيّ ناشرًا للحرية السياسية والسياسة السلمية، ولكن مع كونه متصلَّبًا بعيدًا عن السماحة أحيانًا. ومن ذلك إظهارُه المأساة الإنجليزية بعيدةً من حُسْن الذوق، ولكن مع اشتمالها على الحركة والإبداع. ومن ذلك إظهارُه نيُوتُن عبقريًّا عظيمًا، ولكن مع كوْنِه ذا وساوس وسخافات... إلخ.
وتحْمِلُ "الرسائل الفلسفية" حملةً صادقة على نُظُم فرنسا وطبائعها وآدابها السياسية في عصرِ فولتير، فكان هذا الكتاب من أقوى العوامل في إيقاد الثورة الفرنسية وتوجيهها من عِدّةِ نواحٍ. وتهذيبُ الذوق، قبل كل شيء، هو أكثرُ ما هدف إليه فولتير في هذا الكتاب. فلعلِّي أكون قد سهّلْتُ به، وبكتاب "كنديد" الذي نقلته إلى العربية، وقوف القارئ العربيِّ على ناحيةٍ مهمة من نواحي براعة فولتير وعبقريته.
عادل زعيتر
"نابلس "
نُشِرت أُهْجُوّةٌ عن الوصيِّ على العرش الفرنسيّ وعُزِيت إلى أرُوِيه افتراءً، فاعْتُقِل في الباستيل وهو في الثالثة والعشرين من سِنيَّه، وقضى فيه أحد عشر شهرًا، وفي الباستيل عزم أرُوِيه على تغيير اسمه، فلما خرج منه عُرف بفولتير بعد أن كان يُعْرف باسم أُسْرته ذلك.
وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يُزجُّ فيها بفولتير في الباستيل، فبعد ثمانية أعوامٍ من ذلك التاريخ أهانه الشريف الفارس دو رُهان. ويدْعو فولتيرُ هذا الفارس إلى المبارزة، ويَرْضى هذا الفارس بذلك، ولكن فولتير يقابَل بالاعتقال في الباستيل في صباح اليوم المعيّن للمبارزة بدلًا منها، ويقضي في هذا المعتقل نصف عام، ويُعدُّ هذا الاعتقال قطْعًا مفاجئًا لِما كان قد اتفق لفولتير من إقبالٍ في فرنسا وما لاح له فيها من توفيق.
ويخْرُج فولتيرُ من الباستيل، ويهاجر إلى إنجلترا من فوْره، ويقيم بإنجلترا حيث يدْرُسُ الإنجليزية ويتصل بِعْلية الإنجليز وفلاسفتهم وعلمائهم وكُتّابهم وشعرائهم، وحيث يُعْجبُ بالدستور الإنجليزيّ وبتسامح الإنجليز الدينيْ وحريتهم السياسية أيّما إعجاب، وكان لأخلاق هؤلاء القوم وعاداتِهم بالغُ الأثر فيه، ففي هذا الجوِّ وضع فولتيرُ كتاب "الرسائل الفلسفية" أو "الرسائل الإنجليزية" حيث أثْنَى على نظام إنجلترا وقال: "إن أميره البالغ القدرة على صنع الخيْرِ مُقيّدُ اليدين في صنع الشّرّ".
ويعُودُ فُولْتيرُ إلى باريس حاملًا في ذهنه كثيرًا من المشاريع في الحرية السياسية والإصلاحات الدينية، ويتناول كتابه "الرسائل الفلسفية" بالتعديل والتهذيب وينْشُرُه لأولِ مرةٍ في فرنسا سنة 1734.
وتقْضِي المحكمة العليا (البرلمان)، في 10 من يونيه 1734، بجمْع نُسخ هذا الكتاب وتمْزِيقه وإحراقه، وذلك "لمخالفته للدين وحُسْن الأخلاق"، ويعُدُّ هذا الحُكْمُ كتاب "الرسائل الفلسفية" أخطر ما يكون إلحادًا في الدين ونظامِ المجتمع المدنيِّ، ولا يحُول هذا دون طبع كتاب "الرسائل الفلسفية" مرارًا وتوزيعه بين الناس سِرًّا.
ويُؤْمرُ باعتقال فولتير عِقابًا له على تأليف ذلك الكتاب، ولم ينْجُ فولتير من السجن في الباستيل للمرة الثالثة إلا بالفرار، ويقْضِي عامًا في دُوقية اللُّورين المستقلة، ثم يُلْغى أمر اعتقاله وتُطْلق له حرية العوْدة إلى باريس (1735).
ويتفق لكتاب "الرسائل الإنجليزية" نجاح عظيم، ولم ينفكّ هذا النجاح يتجدّد حتى يومِنا هذا، وهو من أكثر ما يطالِع الناسُ من الكتبِ، وهو من أكثر الأسفار تأثيرًا في نفوس الناس على اختلاف أُممهم ومِللهم ونِحلهم، ولعلّ ما انطوى عليه هذا الكتاب من دلالةٍ على حيوية فولتير ونضْجِه وفؤادِه الفيّاض، من أهمّ العوامل في خلوده وما لاقى من إقبالٍ عظيم حتى الآن.
وليس ما ينِمُّ عليه كتابُ "الرسائل الفلسفية" من جرأةِ مؤلفه وإِقدامِه وصراحته هو أكثر ما يقِفُ النظر فيه، بل اتزانه وكوْنُه وليد ذِهْنٍ رصين وإنصافٍ وتمييزٍ بين المحاسن والأضداد، ومن ذلك أنه يُظْهِرُ الكويكر فضلاءُ عقلاءُ ولكن مع شيء من إثارة السخرية حولهم، ومن ذلك أنه يُظهِر البرلمان الإنجليزيّ ناشرًا للحرية السياسية والسياسة السلمية، ولكن مع كونه متصلَّبًا بعيدًا عن السماحة أحيانًا. ومن ذلك إظهارُه المأساة الإنجليزية بعيدةً من حُسْن الذوق، ولكن مع اشتمالها على الحركة والإبداع. ومن ذلك إظهارُه نيُوتُن عبقريًّا عظيمًا، ولكن مع كوْنِه ذا وساوس وسخافات... إلخ.
وتحْمِلُ "الرسائل الفلسفية" حملةً صادقة على نُظُم فرنسا وطبائعها وآدابها السياسية في عصرِ فولتير، فكان هذا الكتاب من أقوى العوامل في إيقاد الثورة الفرنسية وتوجيهها من عِدّةِ نواحٍ. وتهذيبُ الذوق، قبل كل شيء، هو أكثرُ ما هدف إليه فولتير في هذا الكتاب. فلعلِّي أكون قد سهّلْتُ به، وبكتاب "كنديد" الذي نقلته إلى العربية، وقوف القارئ العربيِّ على ناحيةٍ مهمة من نواحي براعة فولتير وعبقريته.
عادل زعيتر
"نابلس "
صفحة 2
تقديم : جون لي
قُبيل نهاية الرسالة الثالثة عشر من "الرسائل الفلسفية"، يقول فولتير:
"... وما أقول! إذا ما جُمِعت جميعُ كُتُبِ الفلاسفة في الأزمنة الحديثة لم نجدها قد أحدثت من الضوضاء في العالم ما أحدثه جِدالُ الكُرْدِلْيِه، فيما مضى حوْل شكلِ كُمِّهم وغِطاء رأسهم". (صـ 100)
قَوْل فولتير بأن كل الكتب التي يكتبها الفلاسفة، أو تُكتَب عنهم، مقدَّر لها أن تكون تافهة تماما، يهدف بلا شك للجم وتحييد النقّاد الذين كان يعلم أنهم يحومون حول عمله. ولكن إن كان يتوقع أن النقاشات الفلسفية التي يثيرها الكتاب يمكن أن تُرفَض أو أن يتم تجاهلها، لكان سيشعر بالإحباط.
نُشِر هذا العمل لأول مرة في عامي 1733 و1734، بعد عدة سنوات من تَرْك فولتير لإنجلترا عام 1728."رسائل فلسفية" أو "رسائل عن الوطن الإنجليزي" (لأنه نشر بالإنجليزية والفرنسية) طُبع بطبعات عديدة طوال القرن الثامن عشر، وأصبح واحدًا من أكثر الكتب مبيعًا في عصره. وجلَبَ أيضا لفولتير متاعب حقيقية. نَشْر كتاب "الرسائل الفلسفية السياسية النقدية الشعرية المهرطقة الشيطانية" (إذا استخدمنا العنوان الممتد الذي أطلقه فولتير بِمَرَح على الكتاب الملعون) أجبره على ترك باريس والاتجاه إلى سيري، على حدود فرنسا واللورين، وقد كانت دوقية صغيرة مستقلة غير مرتبطة تماما بفرنسا*.
بشكل بارز، حتى وهو يؤكد للقارىء أن الفلاسفة غير مؤذين على الإطلاق، لا يستطيع فولتير مقاومة قول تعليق عن المسيحية، وبشكل خاص، عن الفرنسيسكان المعتدّين بأنفسهم والعنيدين. وقد جلب نقد فولتير اللاذع للكنسية وإساءاته لرؤى الكنيسة وسياساتها – معارضتها للتطعيم، ورفضها تقديم دفن مسيحي للممثليين، وعدم تسامحها، ورضاها عن نفسها – العديد من المشكلات. ولكن فولتير جرُؤ أيضا على مدح إنجلترا، عدوّة فرنسا التقليدية؛ هذا استدعى جَرْح المشاعر الفرنسية التي لم يجرحها الهجوم على الدين.
في "رسائل فلسفية"، وكما يتضح من المثل السابق، يتحرك فولتير بين المجاملات اللطيفة، والشروح الحذرة، والتعليقات الساخرة العنيفة في نَفَس واحد. أحيانا يختم رسائله بالعودة إلى النثر المُخادع، الذي يخفي فيه جهله الظاهري لمقصَده المتهكِّم. مثال جميل يظهر في نهاية الرسالة العاشرة، إذ يقول فولتير إنه ضحية لعدم اليقين:
"... ومع ذلك فلا أدري أيُّ الرجلين أكثرُ نفعًا للدولة: السِنْيورُ ألمبوْدَر الذي يَعْرِف وقتَ نُهُوضِ الملك ووقتَ نومه بكلِّ دقةٍ وينتحل أوضاعَ العظمة بتمثيله دَوْرَ العبدِ في غرفة انتظار الوزير، أم التاجرُ الذي يُغْنيِ بلدَه ويُصْدِرُ من غرفته أوامرَ إلى سُورَت أو القاهرة أو يساعِدُ على سعادة العالَم ". (صـ 79)
نرى أن فولتير، عندما يُحَوِّل اهتمامه من النبيل إلى التاجر، تتغير بنية جملته ومصطلحاته قليلا. فهو عندما يصف النبيل يسهب في بعض التفاصيل الإضافية (يرتدي باروكة بيضاء، يعرف وقت نهوض الملك ووقت نومه بكل دِقّة..) في إشارة إلى وجوده غير الضروري. وبينما عندما يصف نشاط التاجر، يستخدم فولتير أوصافا وظروفا مناسبة، ويتحول أسلوبه إلى أسلوب مقتصد.
تَشَكُّك فولتير الظاهري هنا، وفي أي مكان آخر، يبدو أنه يستحث قرَّاءه، الذين سيقومون كما هو متوقّع بتشغيل عقولهم والوصول إلى أحكامهم، بدلا من التصديق على أحكام الكاتب. بالطبع هو يوضح نقطة جادة وجدلية عن قِيَم الحياة في كل من البلاط وميدان التجارة، ويدعونا إلى المشاركة في الجَدَل.
أثناء كتابة رسائله من إنجلترا إلى فرنسا، وضع فولتير في الميزان القِيَم المتكافئة ظاهريا، قبل أن يتقدم ليخل هذا التوازن بحَذَر تدقيق ولكن بإصرار. بالضبط كما تظاهر بالتردد بين النبيل والتاجر في نهاية الرسالة العاشرة، بالتالي يضع مع بداية الرسالة الرابعة عشر الأنساق الفلسفية المختلفة جنبا إلى جنب، وكأنها جميعا مقبولة بشكل متساو، النظريات الخاصة برينيه ديكارت وإسحق نيوتن، المفكِّرَين الفرنسي والإنجليزي المتنافسَيْن. يصف فولتير تصورّهما المتعارضَين للكون وكأن الاختلافات بينهما محلية. لهجة فولتير بريئة كسائح فرنسي في لندن يكتب لإهل وطنه أن الإنجليز يقودون سياراتهم على جانب من الطريق يختلف عن الجانب الذي يقود عليه الفرنسيون. هذه الاختلافات المتعسِّفة تبدو صائبة ومعقولة في الوقت نفسه.
"إذا ما وصل الفرنسيُّ إلى لندن وجد تبدُّل الأمور في الفلسفة وفي كلِّ ما سواها، ولا غرْوَ، فقد ترك العالم زاخرًا، ووجده فارغًا، ففي باريس يُرى الكوْنُ مؤلّفًا من زوابع من المادة الدقيقة، ولا يُرى شيء من هذا في لندن (...) في باريس تُصوِّرون الأرض مصنوعةً كالشّمّامة، وفي لندن تُصوّر مُسطّحةً من الطرفين". (صـ 101)
قُبيل نهاية الرسالة الثالثة عشر من "الرسائل الفلسفية"، يقول فولتير:
"... وما أقول! إذا ما جُمِعت جميعُ كُتُبِ الفلاسفة في الأزمنة الحديثة لم نجدها قد أحدثت من الضوضاء في العالم ما أحدثه جِدالُ الكُرْدِلْيِه، فيما مضى حوْل شكلِ كُمِّهم وغِطاء رأسهم". (صـ 100)
قَوْل فولتير بأن كل الكتب التي يكتبها الفلاسفة، أو تُكتَب عنهم، مقدَّر لها أن تكون تافهة تماما، يهدف بلا شك للجم وتحييد النقّاد الذين كان يعلم أنهم يحومون حول عمله. ولكن إن كان يتوقع أن النقاشات الفلسفية التي يثيرها الكتاب يمكن أن تُرفَض أو أن يتم تجاهلها، لكان سيشعر بالإحباط.
نُشِر هذا العمل لأول مرة في عامي 1733 و1734، بعد عدة سنوات من تَرْك فولتير لإنجلترا عام 1728."رسائل فلسفية" أو "رسائل عن الوطن الإنجليزي" (لأنه نشر بالإنجليزية والفرنسية) طُبع بطبعات عديدة طوال القرن الثامن عشر، وأصبح واحدًا من أكثر الكتب مبيعًا في عصره. وجلَبَ أيضا لفولتير متاعب حقيقية. نَشْر كتاب "الرسائل الفلسفية السياسية النقدية الشعرية المهرطقة الشيطانية" (إذا استخدمنا العنوان الممتد الذي أطلقه فولتير بِمَرَح على الكتاب الملعون) أجبره على ترك باريس والاتجاه إلى سيري، على حدود فرنسا واللورين، وقد كانت دوقية صغيرة مستقلة غير مرتبطة تماما بفرنسا*.
بشكل بارز، حتى وهو يؤكد للقارىء أن الفلاسفة غير مؤذين على الإطلاق، لا يستطيع فولتير مقاومة قول تعليق عن المسيحية، وبشكل خاص، عن الفرنسيسكان المعتدّين بأنفسهم والعنيدين. وقد جلب نقد فولتير اللاذع للكنسية وإساءاته لرؤى الكنيسة وسياساتها – معارضتها للتطعيم، ورفضها تقديم دفن مسيحي للممثليين، وعدم تسامحها، ورضاها عن نفسها – العديد من المشكلات. ولكن فولتير جرُؤ أيضا على مدح إنجلترا، عدوّة فرنسا التقليدية؛ هذا استدعى جَرْح المشاعر الفرنسية التي لم يجرحها الهجوم على الدين.
في "رسائل فلسفية"، وكما يتضح من المثل السابق، يتحرك فولتير بين المجاملات اللطيفة، والشروح الحذرة، والتعليقات الساخرة العنيفة في نَفَس واحد. أحيانا يختم رسائله بالعودة إلى النثر المُخادع، الذي يخفي فيه جهله الظاهري لمقصَده المتهكِّم. مثال جميل يظهر في نهاية الرسالة العاشرة، إذ يقول فولتير إنه ضحية لعدم اليقين:
"... ومع ذلك فلا أدري أيُّ الرجلين أكثرُ نفعًا للدولة: السِنْيورُ ألمبوْدَر الذي يَعْرِف وقتَ نُهُوضِ الملك ووقتَ نومه بكلِّ دقةٍ وينتحل أوضاعَ العظمة بتمثيله دَوْرَ العبدِ في غرفة انتظار الوزير، أم التاجرُ الذي يُغْنيِ بلدَه ويُصْدِرُ من غرفته أوامرَ إلى سُورَت أو القاهرة أو يساعِدُ على سعادة العالَم ". (صـ 79)
نرى أن فولتير، عندما يُحَوِّل اهتمامه من النبيل إلى التاجر، تتغير بنية جملته ومصطلحاته قليلا. فهو عندما يصف النبيل يسهب في بعض التفاصيل الإضافية (يرتدي باروكة بيضاء، يعرف وقت نهوض الملك ووقت نومه بكل دِقّة..) في إشارة إلى وجوده غير الضروري. وبينما عندما يصف نشاط التاجر، يستخدم فولتير أوصافا وظروفا مناسبة، ويتحول أسلوبه إلى أسلوب مقتصد.
تَشَكُّك فولتير الظاهري هنا، وفي أي مكان آخر، يبدو أنه يستحث قرَّاءه، الذين سيقومون كما هو متوقّع بتشغيل عقولهم والوصول إلى أحكامهم، بدلا من التصديق على أحكام الكاتب. بالطبع هو يوضح نقطة جادة وجدلية عن قِيَم الحياة في كل من البلاط وميدان التجارة، ويدعونا إلى المشاركة في الجَدَل.
أثناء كتابة رسائله من إنجلترا إلى فرنسا، وضع فولتير في الميزان القِيَم المتكافئة ظاهريا، قبل أن يتقدم ليخل هذا التوازن بحَذَر تدقيق ولكن بإصرار. بالضبط كما تظاهر بالتردد بين النبيل والتاجر في نهاية الرسالة العاشرة، بالتالي يضع مع بداية الرسالة الرابعة عشر الأنساق الفلسفية المختلفة جنبا إلى جنب، وكأنها جميعا مقبولة بشكل متساو، النظريات الخاصة برينيه ديكارت وإسحق نيوتن، المفكِّرَين الفرنسي والإنجليزي المتنافسَيْن. يصف فولتير تصورّهما المتعارضَين للكون وكأن الاختلافات بينهما محلية. لهجة فولتير بريئة كسائح فرنسي في لندن يكتب لإهل وطنه أن الإنجليز يقودون سياراتهم على جانب من الطريق يختلف عن الجانب الذي يقود عليه الفرنسيون. هذه الاختلافات المتعسِّفة تبدو صائبة ومعقولة في الوقت نفسه.
"إذا ما وصل الفرنسيُّ إلى لندن وجد تبدُّل الأمور في الفلسفة وفي كلِّ ما سواها، ولا غرْوَ، فقد ترك العالم زاخرًا، ووجده فارغًا، ففي باريس يُرى الكوْنُ مؤلّفًا من زوابع من المادة الدقيقة، ولا يُرى شيء من هذا في لندن (...) في باريس تُصوِّرون الأرض مصنوعةً كالشّمّامة، وفي لندن تُصوّر مُسطّحةً من الطرفين". (صـ 101)
صفحة 3
أسلوب فولتير ينظر بعدل لوجهتَي النظر، ليس فقط باقتراح أن الرؤيتين الفرنسية والإنجليزية للعالم مختلفتَيْن، ولكن بالقول إن العالم في الحقيقة مختلف بين لندن وباريس. ولكن بالطبع فولتير لا يقع في وهم أن إحدى الرؤيتين صحيحة والأخرى خاطئة. يشرح علم نيوتن بحماس، وينبذ فولتير بشكل متوقع فكرة الشمّامة. يدمَّر كونيات ديكارت المخطئة بلَذّة، ولكنه يفعل ذلك بشكل ظاهري وراء شكل هادىء من سرد الرحلات.
من الكلمات الأولى لـ "رسائل فلسفية" يذكر الجملة المترددة "لقد رأيت..." (رسالة 1 ، صـ 33) حتى نهاية الرسالة الأخيرة التي يصف فيها فولتير ذكاءه على أنه "محدود" (الرسالة 25، صـ 205)، بعدما قام بالهجوم العنيف على باسكال، وهو المفكر الفرنسي الآخر، يخفي فولتير بتحفّظ الحِدّة التهكّمية في ملاحظاته، ويدفن البحث الفلسفي في تعليقات تبدو شخصية وغالبًا قصصية.
ولأن الرؤى والمناقشات الفلسفية تأخذ شكل الملاحظات المسجَّلة في الرسائل، يمكن لفولتير أن يهاجم منطلقًا من وضع ودود وغير رسمي. ففولتير، أو ربما بشكل أدق الشخصية اللطيفة التي شَكَّلها في هذه الرسائل، تخبرنا أحيانا بما فعله: "وقد حدّثتكم قليلًا عن فلاسفتهم" (رسالة 22، صـ 160). ومن آن لآخر يلقي بشكل غريب ربما تعليق كبير عما يحاول أن يفعله: "... وأحدِّثكم -بلا هذْرٍ ما قَدَّرْتُ- عن الشيء القليل الذي استطعتُ أن أصيبه من جميع هذه الأفكار العالية". (رسالة 15، صـ 109). لا يحتاج فولتير أن يتفوه بهذه الكلمات – في الحقيقة، إنها مضافة فقط من أجل "الإطناب" الذي يدّعي أنه يتجنبه – ولكنه يعرف أن أثرها على النص حاسم لنجاحه. هو مرتاح بشكل كاف ليعترف أن لديه في عقله "العديد من الكتّاب الذين تتهرَّب مني أسماءهم هنا" ولا يشغل باله بالبحث عن الأسماء، معتمدا بدلا من ذلك على ذاكرته وبديهته.
عندما يصل فولتير لنيوتن، يعترف أن عبقرية هذا المفكر بالفعل علويّة (إلهية)، ولكن هذا التواضع من فولتير إزاء مواهب نيوتن لا يعيق رغبته القوية وغير الصبورة في تعلّم أفكاره. بغضّ النظر عن إعجازية إنجازات نيوتن، فعبقريته يمكن أن تُفهم وأن يُحتذى بها. وعلى خلاف العديد من الكتّاب والفلاسفة في القرن الثامن عشر، لم يتّخذ فولتير دور المعلِّم. إذ على وضوح "الرسائل الفلسفية" كانت لديه الموهبة في تكثيف ونقل الأفكار المعقَّدة. في الحقيقة كان فولتير هو أول من اختلق القصة الشهيرة المتعلقة بتفاحة نيوتن، التي أخبرتها له ابنة أخته. أدرك فولتير على الفور قيمة الحكاية الصغيرة بحجم القَضْمة.
من الرسالة الأولى، ينسج فولتير شخصية الكاتب الشريك، رجل فضولي وعاقل في الوقت نفسه – وبالطبع مسلٍّ، يعتمد بشكل تام على مصادره الخاصة، وأحكامه خاصة به وحده. هو لا يوافق ولا يعارض الأحكام السابقة عن إنجلترا. لا يذكر أي رحّالة سابق (سواء فرنسي أو أجنبي)، ولا يقتبس من أي مصادرأدبية، ويبدو كذلك يسيرًا للقراءة، والحكمة التي وصل إليها يمكن التحصُّل عليها.
في الوقت الذي نُشرت فيه "الرسائل" كان فولتير معروفا جدا إلا أنّ جوهر أفكاره لم يكن معروفا. كان شهيرا بالفعل ككاتب مسرحي وشاعر. قبل وصوله إلى إنجلترا، اهتم به شاعر البلد البارز آلكسندر بوب، الذي يقول فولتير إنه رأى صوره في عدد يقرب من العشرين منزلا في إنجلترا (الرسالة 23- ص 166). في عام 1724 أو 1725، رسم نيكولا دي لارجيير صورة فولتير، لارجيير كان مهمًّا بما يكفي لأن يرسم ملك إنجلترا جيمس الثاني وقرينته ماري دوقة مودينا. كان فولتير على حق في أن يظهر سعيدا في صورته. إلا أنه على الرغم من أنَّ وجهه أصبح معروفا بشكل كبير بسبب مثل هذه الصور، فإن قليل من الناس كانوا مطَّلعين على أفكاره. لنبدأ بالقول إن فولتير كان اسما ابتدعه رجل يدعى فرانسوا ماري آرويه، إذ لم يكن يريد اسم أبيه الثاني. وفي الحقيقة كان يعتقد أن آرويه الكبير لا يمكن أن يكون أبيه.
بالتالي، وعلى الرغم من أن فولتير كان معروفًا بشكل واسعٍ جدًا، ظل في النهاية متهرِّبا. ففي نص مكتوب بضمير المتكلم يكشف فولتير أقلّ الممكن عن نفسه. تاريخه وهويته ودوافعه كانت مغيَّبة.اختار فولتير ألّا يقول لنا كيف وصل إلى إنجلترا، ولا ما يفعله هنا أو لماذا جاء. ربما أدى الغموض إلى شيء أقرب للموضوعية. لم يشتت فولتير القرّاء بمعلومات يمكنها أن تشرح موقفًا أو وجهة نظر خاصة. هو ببساطة فرنسي وجد نفسه في إنجلترا، ويبدو أنه فعل هذا ليرضي فضوله المعروف عنه.
من البداية بدا هذا الفرنسي نموذجًا للتهذيب والتصرّف العاقل وهو يقابل الكويكر quaker؛ ممثل أقلية دينية متسامَح معها تماما في إنجلترا، ويتم تجاهلها بشكل كبير في الأماكن الأخرى. تكتيك فولتير في بداية الكتاب في التعامل مع الوطن الإنجليزي بدا بهذه الطريقة ملتوٍ ومستفزّ. ملتوٍ لأن الكتب عن إنجلترا تبدأ عادة بأوصاف عن القصور الملكية أو النظرة التاريخية أو الطقس. ومستفزّ لأن فولتير كان يستمتع بدفع رمز أقلّية من الهامش إلى محور الاهتمام، في رسائل قد تصل للأربع. يبدأ رصده للوطن الإنجليزي بالحديث مع ممثِّل لأقلّية دينية. يرفض فولتير – وهو يرى تلك الأرثوذكسيات الخانقة في فرنسا – أن يعمّم هذا النموذج على الإنجليز أو إنجلترا.
الرسالة الافتتاحية مُصاغة بشكل رائع، وهي تسجِّل صدمة الجِدّة التي تدوِّي في الاتجاهين. يستمع فولتير إلى الكويكر ويزعم أنه لم يرَ أبدا مثل هذا المحيّا النبيل. والكويكري (الصاحِبي) بدوره، لم يقابل رجلًا فرنسيا يتّصف بمثل هذا الفضول. اللقاء يُظهِر فولتير مبدئيا على أنه أكثر الشخصيتين ديناميكية. ليس فقط لأنه بحث عن الكويكري، ولكن لأن إيماءات وإشارات فولتير تدل على أنها مختلفة عن عِنْد وكِبَر سِنّ الكويكري التي تجعل منه فظّا وبغيضا. نثر فولتير، بأسلوبه الذي يربط صفتين متتاليتين يُظهر أنه يزن أدواته وتأكيده.
على أي حال الفارق الجسدي خادع. عقليًا، ينقلب الموقفين. الكويكري هو المَرِن عقليا، وشخصية فولتير هي التي تحولت إلى شخصية صلبة وجامدة؛ سريعا عرفنا أن التهكّم هو الهدف. بعد الموقف الممالىء للفرنسي، من المحبط أنه عندما يكشف الكويكري عن أنه ليس مُعَمَّدا، يغضب فولتير ويبدأ في لعنه (نفترض أنه لعنه بالإنجليزية على الرغم من أنه ليس من الواضح ما هي لغة الحوار). هذه الكلمات المختلفة عن الإيماءات المهذَّبة، أشارت إلى وجود اختلاف في الشخصية؛ بالتالي يبدو الفرنسي هو الأكثر لاعقلانية بين الرجُلَيْن.
في الرسالة الحادية عشر، يعترف فولتير أن الطاولات انقلبت حقا: " حقَّا إننا (الفرنسيون) أناسٌ ذوو طباعٍ غريبة!" (الرسالة 11، صـ 85) قال هذا للفرنسي مع القليل من الغضب. وحتى في هذا التصريح، ظل يتكلم بلسان المتكلم الجمع "نحن" هذا الضمير الذي يتضمَّن الكاتب والقارىء، ولكن في لحظات أخرى في النص، ينزلق فولتير إلى التطابق مع إنجلترا، ومواطنيه الفرنسيين يصبحون "أنتم" بدلا من "نحن". يشركنا فولتير بالتالي معه. "الرسائل" تخلق وهم أننا نستطيع الثقة في الشخص الذي كتبها، ولكن بينما ينحني مذعنًا تجاه الكويكري، فإنّ فولتير يواجه القارىء أيضًا.
باختصار، يجعلنا فولتير نقف على أطراف أصابعنا. هذا يعني أن النص طريف جدًا ليُقرأ، ولا يعتذر فولتير عن ذلك. ولكن ربما تدعم المفاجآت والنقلات والتهكّمات في "الرسائل" القناعة الفولتيرية عن الطريقة التي يمكن بها أن نفهم الكتب. الكاتب والقارىء يقابلان بعضهما بشكل مثالي في منتصف الطريق. كما يقول فولتير في مقدمة كتابه "القاموس الفلسفي": "أكثر الكتب إفادة هي تلك التي يسهم فيها القارىء بنفسه". بكلمات أخرى، لا يقع الجهد كله على عاتق الكاتب من أجل كسب القارىء الخامل. وليس على الكُتَّاب أن يتوقّعوا من قرائهم أن يكافحوا في الظلام من دون إرشاد. في الرسالة الخامسة عشر ، كما يعرض فولتير ليشرح نسق الجاذبية الخاص بنيوتن، يحذِّرنا بعبارة موحية: "يجب أن يُحْذَر في الفلسفة مما يُعْتقدُ أنه يُدْرَك بسهولة كما يُحْذر من الأمور التي لا تُدْرَك". (الرسائل 15، صـ 109).
من الكلمات الأولى لـ "رسائل فلسفية" يذكر الجملة المترددة "لقد رأيت..." (رسالة 1 ، صـ 33) حتى نهاية الرسالة الأخيرة التي يصف فيها فولتير ذكاءه على أنه "محدود" (الرسالة 25، صـ 205)، بعدما قام بالهجوم العنيف على باسكال، وهو المفكر الفرنسي الآخر، يخفي فولتير بتحفّظ الحِدّة التهكّمية في ملاحظاته، ويدفن البحث الفلسفي في تعليقات تبدو شخصية وغالبًا قصصية.
ولأن الرؤى والمناقشات الفلسفية تأخذ شكل الملاحظات المسجَّلة في الرسائل، يمكن لفولتير أن يهاجم منطلقًا من وضع ودود وغير رسمي. ففولتير، أو ربما بشكل أدق الشخصية اللطيفة التي شَكَّلها في هذه الرسائل، تخبرنا أحيانا بما فعله: "وقد حدّثتكم قليلًا عن فلاسفتهم" (رسالة 22، صـ 160). ومن آن لآخر يلقي بشكل غريب ربما تعليق كبير عما يحاول أن يفعله: "... وأحدِّثكم -بلا هذْرٍ ما قَدَّرْتُ- عن الشيء القليل الذي استطعتُ أن أصيبه من جميع هذه الأفكار العالية". (رسالة 15، صـ 109). لا يحتاج فولتير أن يتفوه بهذه الكلمات – في الحقيقة، إنها مضافة فقط من أجل "الإطناب" الذي يدّعي أنه يتجنبه – ولكنه يعرف أن أثرها على النص حاسم لنجاحه. هو مرتاح بشكل كاف ليعترف أن لديه في عقله "العديد من الكتّاب الذين تتهرَّب مني أسماءهم هنا" ولا يشغل باله بالبحث عن الأسماء، معتمدا بدلا من ذلك على ذاكرته وبديهته.
عندما يصل فولتير لنيوتن، يعترف أن عبقرية هذا المفكر بالفعل علويّة (إلهية)، ولكن هذا التواضع من فولتير إزاء مواهب نيوتن لا يعيق رغبته القوية وغير الصبورة في تعلّم أفكاره. بغضّ النظر عن إعجازية إنجازات نيوتن، فعبقريته يمكن أن تُفهم وأن يُحتذى بها. وعلى خلاف العديد من الكتّاب والفلاسفة في القرن الثامن عشر، لم يتّخذ فولتير دور المعلِّم. إذ على وضوح "الرسائل الفلسفية" كانت لديه الموهبة في تكثيف ونقل الأفكار المعقَّدة. في الحقيقة كان فولتير هو أول من اختلق القصة الشهيرة المتعلقة بتفاحة نيوتن، التي أخبرتها له ابنة أخته. أدرك فولتير على الفور قيمة الحكاية الصغيرة بحجم القَضْمة.
من الرسالة الأولى، ينسج فولتير شخصية الكاتب الشريك، رجل فضولي وعاقل في الوقت نفسه – وبالطبع مسلٍّ، يعتمد بشكل تام على مصادره الخاصة، وأحكامه خاصة به وحده. هو لا يوافق ولا يعارض الأحكام السابقة عن إنجلترا. لا يذكر أي رحّالة سابق (سواء فرنسي أو أجنبي)، ولا يقتبس من أي مصادرأدبية، ويبدو كذلك يسيرًا للقراءة، والحكمة التي وصل إليها يمكن التحصُّل عليها.
في الوقت الذي نُشرت فيه "الرسائل" كان فولتير معروفا جدا إلا أنّ جوهر أفكاره لم يكن معروفا. كان شهيرا بالفعل ككاتب مسرحي وشاعر. قبل وصوله إلى إنجلترا، اهتم به شاعر البلد البارز آلكسندر بوب، الذي يقول فولتير إنه رأى صوره في عدد يقرب من العشرين منزلا في إنجلترا (الرسالة 23- ص 166). في عام 1724 أو 1725، رسم نيكولا دي لارجيير صورة فولتير، لارجيير كان مهمًّا بما يكفي لأن يرسم ملك إنجلترا جيمس الثاني وقرينته ماري دوقة مودينا. كان فولتير على حق في أن يظهر سعيدا في صورته. إلا أنه على الرغم من أنَّ وجهه أصبح معروفا بشكل كبير بسبب مثل هذه الصور، فإن قليل من الناس كانوا مطَّلعين على أفكاره. لنبدأ بالقول إن فولتير كان اسما ابتدعه رجل يدعى فرانسوا ماري آرويه، إذ لم يكن يريد اسم أبيه الثاني. وفي الحقيقة كان يعتقد أن آرويه الكبير لا يمكن أن يكون أبيه.
بالتالي، وعلى الرغم من أن فولتير كان معروفًا بشكل واسعٍ جدًا، ظل في النهاية متهرِّبا. ففي نص مكتوب بضمير المتكلم يكشف فولتير أقلّ الممكن عن نفسه. تاريخه وهويته ودوافعه كانت مغيَّبة.اختار فولتير ألّا يقول لنا كيف وصل إلى إنجلترا، ولا ما يفعله هنا أو لماذا جاء. ربما أدى الغموض إلى شيء أقرب للموضوعية. لم يشتت فولتير القرّاء بمعلومات يمكنها أن تشرح موقفًا أو وجهة نظر خاصة. هو ببساطة فرنسي وجد نفسه في إنجلترا، ويبدو أنه فعل هذا ليرضي فضوله المعروف عنه.
من البداية بدا هذا الفرنسي نموذجًا للتهذيب والتصرّف العاقل وهو يقابل الكويكر quaker؛ ممثل أقلية دينية متسامَح معها تماما في إنجلترا، ويتم تجاهلها بشكل كبير في الأماكن الأخرى. تكتيك فولتير في بداية الكتاب في التعامل مع الوطن الإنجليزي بدا بهذه الطريقة ملتوٍ ومستفزّ. ملتوٍ لأن الكتب عن إنجلترا تبدأ عادة بأوصاف عن القصور الملكية أو النظرة التاريخية أو الطقس. ومستفزّ لأن فولتير كان يستمتع بدفع رمز أقلّية من الهامش إلى محور الاهتمام، في رسائل قد تصل للأربع. يبدأ رصده للوطن الإنجليزي بالحديث مع ممثِّل لأقلّية دينية. يرفض فولتير – وهو يرى تلك الأرثوذكسيات الخانقة في فرنسا – أن يعمّم هذا النموذج على الإنجليز أو إنجلترا.
الرسالة الافتتاحية مُصاغة بشكل رائع، وهي تسجِّل صدمة الجِدّة التي تدوِّي في الاتجاهين. يستمع فولتير إلى الكويكر ويزعم أنه لم يرَ أبدا مثل هذا المحيّا النبيل. والكويكري (الصاحِبي) بدوره، لم يقابل رجلًا فرنسيا يتّصف بمثل هذا الفضول. اللقاء يُظهِر فولتير مبدئيا على أنه أكثر الشخصيتين ديناميكية. ليس فقط لأنه بحث عن الكويكري، ولكن لأن إيماءات وإشارات فولتير تدل على أنها مختلفة عن عِنْد وكِبَر سِنّ الكويكري التي تجعل منه فظّا وبغيضا. نثر فولتير، بأسلوبه الذي يربط صفتين متتاليتين يُظهر أنه يزن أدواته وتأكيده.
على أي حال الفارق الجسدي خادع. عقليًا، ينقلب الموقفين. الكويكري هو المَرِن عقليا، وشخصية فولتير هي التي تحولت إلى شخصية صلبة وجامدة؛ سريعا عرفنا أن التهكّم هو الهدف. بعد الموقف الممالىء للفرنسي، من المحبط أنه عندما يكشف الكويكري عن أنه ليس مُعَمَّدا، يغضب فولتير ويبدأ في لعنه (نفترض أنه لعنه بالإنجليزية على الرغم من أنه ليس من الواضح ما هي لغة الحوار). هذه الكلمات المختلفة عن الإيماءات المهذَّبة، أشارت إلى وجود اختلاف في الشخصية؛ بالتالي يبدو الفرنسي هو الأكثر لاعقلانية بين الرجُلَيْن.
في الرسالة الحادية عشر، يعترف فولتير أن الطاولات انقلبت حقا: " حقَّا إننا (الفرنسيون) أناسٌ ذوو طباعٍ غريبة!" (الرسالة 11، صـ 85) قال هذا للفرنسي مع القليل من الغضب. وحتى في هذا التصريح، ظل يتكلم بلسان المتكلم الجمع "نحن" هذا الضمير الذي يتضمَّن الكاتب والقارىء، ولكن في لحظات أخرى في النص، ينزلق فولتير إلى التطابق مع إنجلترا، ومواطنيه الفرنسيين يصبحون "أنتم" بدلا من "نحن". يشركنا فولتير بالتالي معه. "الرسائل" تخلق وهم أننا نستطيع الثقة في الشخص الذي كتبها، ولكن بينما ينحني مذعنًا تجاه الكويكري، فإنّ فولتير يواجه القارىء أيضًا.
باختصار، يجعلنا فولتير نقف على أطراف أصابعنا. هذا يعني أن النص طريف جدًا ليُقرأ، ولا يعتذر فولتير عن ذلك. ولكن ربما تدعم المفاجآت والنقلات والتهكّمات في "الرسائل" القناعة الفولتيرية عن الطريقة التي يمكن بها أن نفهم الكتب. الكاتب والقارىء يقابلان بعضهما بشكل مثالي في منتصف الطريق. كما يقول فولتير في مقدمة كتابه "القاموس الفلسفي": "أكثر الكتب إفادة هي تلك التي يسهم فيها القارىء بنفسه". بكلمات أخرى، لا يقع الجهد كله على عاتق الكاتب من أجل كسب القارىء الخامل. وليس على الكُتَّاب أن يتوقّعوا من قرائهم أن يكافحوا في الظلام من دون إرشاد. في الرسالة الخامسة عشر ، كما يعرض فولتير ليشرح نسق الجاذبية الخاص بنيوتن، يحذِّرنا بعبارة موحية: "يجب أن يُحْذَر في الفلسفة مما يُعْتقدُ أنه يُدْرَك بسهولة كما يُحْذر من الأمور التي لا تُدْرَك". (الرسائل 15، صـ 109).
صفحة 4
فولتير، الحريص على طموحات كاتب التنوير المثالي؛ كان يوجِّه ويدرِّب عينا متبصِّرة على التيار اللاعقلاني للنظام القديم، وعلى تهكّمه العبثي القاسي، المتذكَّر جيدًا، المنتشر في فرنسا. ولكن بالأهمية نفسها كان يحذِّرنا أيضا من صعوبات التحصّل على التنوير، ومخاطر الوصول للنتائج سريعا.
في بعض الأحيان يقدم فولتير لنا بديهية مرتّبة ومحدَّدة، بسيطة بشكل مغرٍ ولكنها ليست ساذجة. على سبيل المثال إشارته إلى الحرية الدينية التي تتمتع بها إنجلترا، يتم التعبير عنها في جملة مميزة: "... ويَذْهبُ الإنجليزيُّ، كرجل حرٍ إلى السماءِ من الطريق الذي يَرُوقه" (الرسالة 5 صـ 53). ولكن من السهل نسيان أن فولتير على الفور يتبع هذا التصريح بمكافىء مَرِحٍ وساخر: الطريق السهل ليجمع الإنسان ثروة هو طريق كنيسة إنجلترا، هذه الحقيقة التي آثارت العديد من المناقشات (الرسالة 5). كما هي العادة في حالة تهكّم "الرسائل"، فالتهكّم من قوة المصلحة المالية المُحَدِّدة والدافعة هو الأبرز.
بالطبع في بعض الحالات يقوم فولتير بالتبسيط، بشكل مفرط ورائع. هو يستمتع بالتركيزعلى التطوّرات االتاريخية المعقدة التي تتحوّل إلى اكتشافات مفاجئة. صدمة وصول نيوتن يتم تدوينها بكلمات بسيطة قليلة: "ويأتي هذا الرجل" (الرسالة 16، صـ 122) ولد نيوتن في النهاية في يوم الكريسماس. يلجأ فولتير للإيقاعات الخافتة المبجِّلة للسرد الكتابي. فولتير لديه القدرة الدرامية على ضغط فعل إلى مكان واحد وزمان محدود، أن يقلص السرد إلى أقسام قصيرة ومقاطع عديدة، وأن يعبِّر عن أفكارره بواسطة سلسلة من الشخصيات البارزة المختلفة. يموِّل التجار الإنجليز حملة الأمير يوجين "في نصف ساعة". حتى تجريدات العالم الرياضي والفيزياء توضع بشكل مبدع في أفواه الفلاسفة. يعلم فولتير أن ديكارت ونيوتن لم يتقابلا أبدا، ولكنه يرتب لقاءً افتراضيًا بينهما يتخيل فيه ردّ فعل ديكارت على شخص يتنبأ بأقوال نيوتن. يصبح ديكارت يوحنا المعمدان بالنسبة لنيوتن المسيح. مستدعيا صوت ديكارت، كان فولتير سعيدا بطرح سؤال أو اثنين على باسكال، بشكل افتراضي في الرسالة الخامسة والعشرين. على العكس من ذلك كان تأثير شكسبير صاعقًا، يقول فولتير: "لقد خلق المسرح".
بالتحرك بين البلدين، يشجِّعنا فولتير على النظر إلى العالم كمجموعة من التماثلات والتناقضات. بشكل مستمر يصنع مقارنات تشكل مقاربات مفيدة لقرائه الفرنسيين. يقول بوضوح في الرسالة 21: "... لا أعْرِفُ ما هو أنفعُ لإكمال الذوق من المقابلة بين أكابر العباقرة الذين تناولوا عين الموْضوعات". (صـ 151)
كان سعيدا باستخدام نوع من التخطيط المقارن كان عادة ما يستخدمه كُتَّاب الرحلات في القرن الثامن عشر ليساعد القراء**. سويفت مع الكثير من التحفظات هو "رابيليه الإنجليزي"؛ ويتم امتداح بوب*** على أنه "بوالو إنجلترا". والاحتفاء بكونجريف على أنه موليير الإنجليزي (الرسالة 24، صـ 169). هذا يشير دوما إلى أن العنصر الفرنسي متضمِّن في المقارنة، ويشكل مرجعية قياس ثابتة.. فولتير مدين ويعتمد على العباقرة الفرنسيين الذين سيطروا على القرن السابع عشر، أو "قرن لويس الرابع عشر" كما سيدعوه، وهو المعيار الخالد بالنسبة له****. يعتبر فولتير أن الأعمال العظيمة والممتدة هي التي تتعالي على التفاصيل المحلية ويمكن أن تُتَرجم عالميا. على أي حال تتعثِّر المُقارِنة عندما يحاول فولتير أن يصف لقرائه الفرنسيين تجربة مشاهدة وقراءة شكسبير. يتعرف فولتير على العبقرية من دون أن يكون قادرا على فهمها. وبقدر ما هي مريحة طريقة الذهاب والعودة المتساويين عبر القناة الإنجليزية [أي بين فرنسا وإنكلترا]ـ فهي أيضا طريقة تؤدي إلى توهّم التساوي. إذ كما رأينا، قضى نيوتن على ديكارت تقريبا تماما، بينما لم يظهر شكسبير على أنه منافس لكورناي*****، كما هو مزعوم، ولكنه يجسِّد قوة أكثر عنفًا، وغالبًا غير محسوبة ولا يمكن ترجمتها ظاهريا. وحشية وشعبية شكسبير أكّدت للعديد من الفرنسيين أن الإنجليز مجموعة من آكلي اللحم والمتعطشين للدماء. جُمَل فولتير عن "الوحوش الرائعون" و"العبقرية البربرية" لشكسبير يمكن أن تكون غالبا مهرطقة بالنسبة لنا الآن، ولكن فولتير واحد من الأوائل، إن لم يكن أول، الذين قَدّروا شكسبير، الذي كانت وحشيته الفظَّة بدأت تُقَدَّر والفرنسيين يهجرون حدائقهم المشذبة الممتلئة بالأشكال المجسَّمة والطرق، نحو مناظر أكثر تحرُّرًا مأخوذة من الحدائق الإنجليزية.
مع ذلك، وجهة نظر الإنجليزي التي تنتج من النص، من أجل كل المتعة الفلسفية والشجاعة الموحية، تصعد كخطابات مثالية وفرنسية تقليدية. يحذَّرنا فولتير من الراحة والرضا الذاتي في التمسك بالكليشيهات، هذا يبدو من الظهور البارز الذي يقدمه لشخصيات صغيرة مثل الكويكري. بدلاً من الحديث عن الإنجليز بشكل جمعي، يفضِّل أن ينظر إلى الأفراد الخاصين والمميزين بشكل رائع. بغضّ النظر عن مدى عناد الكويكري، يظل إنجليزيا نمطيا متحفِّظا في الكلام. هو أيضا يؤكد بشكل واسع أنه لديه افتراضات عن الشخصية الإنجليزية مثل البراجماتية والتحفّظ. يصنع الكويكري أيضا المال من التجارة. الصلابة التجارية لإنجلترا، بالمقارنة مع المجاملات العقيمة التي يشجّعها المجتمع الفرنسي المهووس بالشهامة، التي هي عبارة عن كليشيه. عند الكويكري، يصدف أن يقابل فولتير ممثلا فصيحا وذكيا ومتواضعا من الطبقة التجارية، بينما يعرض جاك روزبين، وهو شخصية في مسرحية لوي دي بواسي "فرنسي في لندن" (وهي تُعرَض في باريس بينما فولتير في لندن)، يعرضه كمثال فظّ للتاجر الغني الراضي عن نفسه. كانوا نُسخاً متعددة من النمط الشامل نفسه.
يتحفّظ فولتير في المجمل عن ذكر تعليقات عامة عن شخصية الإنجليزي. على أي حال عندما يناقش الكتّاب الإنجليز (من الرسالة 18 إلى الرسالة 23)، يختار اقتباسات من أعمالهم، بينما تمثُل بشكل رئيسي مهارتهم، يحدث أيضا أنها تعرض وتؤكد الفهم التقليدي للشخصية الإنجليزية.
يختار فولتير المثال الرئيسي من فن شكسبير، مونولوج هاملت "أن تكون أو لا تكون"، الذي يفكر هاملت فيه بالانتحار. المثال الذي يختاره من درايدن ليس أقل تشاؤما:
"عندما أفكر في الحياة، فهي كلها خداع.
ولكن لأنهم حمقى بالأمل، فالناس يفضِّلون الغش".
عندما يصل لمناقشة صديقه بوب، يختار فولتير فقرة من قصيدة كوميدية، "اغتصاب خصلة الشعر". ولكن حتى هنا يكون ما سبق واضحا عندما يذكر جملة "كهف السوداوية الكئيب"، حيث يمكن إيجاد مجموعة الرموز الحزينة. تنقل الاقتباسات جميعا المواقف الكئيبة نفسها. هذه المجتزئات التي جُمعت، هي بمثابة موزاييك سوداوي تماما عن الحياة الإنجليزية. بينما يختار فولتير أن يستخرج من الشعر أو المسرحيات أشياء حميمة بصيغة المتكلم مثل مونولوج هاملت، ربما كشهادة ضمنية لرؤية فولتير لإنجلترا كثقافة فريدة جريئة، هو أيضا يبدو أنه يضع بشكل متواصل، إن لم يكن ضمنيًا، تأكيدًا على تعاسة الإنجليز.
يناقش فولتير فقط الخواص الشكلية لهذه الفقرات الجليلة الكئيبة، تاركا المضمون يتحدث عنه نفسه. في هذه العملية، ينقل رسالة مفادها أن الإنجليز كئيبين. ينقل فولتير الحقيقة المألوفة والبغيضة عن الإنجليز، مقترحا أن كراهية الحياة البغيضة تبدو شائعة عند العديد من الكتّاب الإنجليز نتيجة حريتهم وإصرارهم في فنهم. الميزة المتسامية والمصادفة المستخرَجَة من الاقتباسات تساعد على ضمان قوة هذه الاقتباسات.
في بعض الأحيان يقدم فولتير لنا بديهية مرتّبة ومحدَّدة، بسيطة بشكل مغرٍ ولكنها ليست ساذجة. على سبيل المثال إشارته إلى الحرية الدينية التي تتمتع بها إنجلترا، يتم التعبير عنها في جملة مميزة: "... ويَذْهبُ الإنجليزيُّ، كرجل حرٍ إلى السماءِ من الطريق الذي يَرُوقه" (الرسالة 5 صـ 53). ولكن من السهل نسيان أن فولتير على الفور يتبع هذا التصريح بمكافىء مَرِحٍ وساخر: الطريق السهل ليجمع الإنسان ثروة هو طريق كنيسة إنجلترا، هذه الحقيقة التي آثارت العديد من المناقشات (الرسالة 5). كما هي العادة في حالة تهكّم "الرسائل"، فالتهكّم من قوة المصلحة المالية المُحَدِّدة والدافعة هو الأبرز.
بالطبع في بعض الحالات يقوم فولتير بالتبسيط، بشكل مفرط ورائع. هو يستمتع بالتركيزعلى التطوّرات االتاريخية المعقدة التي تتحوّل إلى اكتشافات مفاجئة. صدمة وصول نيوتن يتم تدوينها بكلمات بسيطة قليلة: "ويأتي هذا الرجل" (الرسالة 16، صـ 122) ولد نيوتن في النهاية في يوم الكريسماس. يلجأ فولتير للإيقاعات الخافتة المبجِّلة للسرد الكتابي. فولتير لديه القدرة الدرامية على ضغط فعل إلى مكان واحد وزمان محدود، أن يقلص السرد إلى أقسام قصيرة ومقاطع عديدة، وأن يعبِّر عن أفكارره بواسطة سلسلة من الشخصيات البارزة المختلفة. يموِّل التجار الإنجليز حملة الأمير يوجين "في نصف ساعة". حتى تجريدات العالم الرياضي والفيزياء توضع بشكل مبدع في أفواه الفلاسفة. يعلم فولتير أن ديكارت ونيوتن لم يتقابلا أبدا، ولكنه يرتب لقاءً افتراضيًا بينهما يتخيل فيه ردّ فعل ديكارت على شخص يتنبأ بأقوال نيوتن. يصبح ديكارت يوحنا المعمدان بالنسبة لنيوتن المسيح. مستدعيا صوت ديكارت، كان فولتير سعيدا بطرح سؤال أو اثنين على باسكال، بشكل افتراضي في الرسالة الخامسة والعشرين. على العكس من ذلك كان تأثير شكسبير صاعقًا، يقول فولتير: "لقد خلق المسرح".
بالتحرك بين البلدين، يشجِّعنا فولتير على النظر إلى العالم كمجموعة من التماثلات والتناقضات. بشكل مستمر يصنع مقارنات تشكل مقاربات مفيدة لقرائه الفرنسيين. يقول بوضوح في الرسالة 21: "... لا أعْرِفُ ما هو أنفعُ لإكمال الذوق من المقابلة بين أكابر العباقرة الذين تناولوا عين الموْضوعات". (صـ 151)
كان سعيدا باستخدام نوع من التخطيط المقارن كان عادة ما يستخدمه كُتَّاب الرحلات في القرن الثامن عشر ليساعد القراء**. سويفت مع الكثير من التحفظات هو "رابيليه الإنجليزي"؛ ويتم امتداح بوب*** على أنه "بوالو إنجلترا". والاحتفاء بكونجريف على أنه موليير الإنجليزي (الرسالة 24، صـ 169). هذا يشير دوما إلى أن العنصر الفرنسي متضمِّن في المقارنة، ويشكل مرجعية قياس ثابتة.. فولتير مدين ويعتمد على العباقرة الفرنسيين الذين سيطروا على القرن السابع عشر، أو "قرن لويس الرابع عشر" كما سيدعوه، وهو المعيار الخالد بالنسبة له****. يعتبر فولتير أن الأعمال العظيمة والممتدة هي التي تتعالي على التفاصيل المحلية ويمكن أن تُتَرجم عالميا. على أي حال تتعثِّر المُقارِنة عندما يحاول فولتير أن يصف لقرائه الفرنسيين تجربة مشاهدة وقراءة شكسبير. يتعرف فولتير على العبقرية من دون أن يكون قادرا على فهمها. وبقدر ما هي مريحة طريقة الذهاب والعودة المتساويين عبر القناة الإنجليزية [أي بين فرنسا وإنكلترا]ـ فهي أيضا طريقة تؤدي إلى توهّم التساوي. إذ كما رأينا، قضى نيوتن على ديكارت تقريبا تماما، بينما لم يظهر شكسبير على أنه منافس لكورناي*****، كما هو مزعوم، ولكنه يجسِّد قوة أكثر عنفًا، وغالبًا غير محسوبة ولا يمكن ترجمتها ظاهريا. وحشية وشعبية شكسبير أكّدت للعديد من الفرنسيين أن الإنجليز مجموعة من آكلي اللحم والمتعطشين للدماء. جُمَل فولتير عن "الوحوش الرائعون" و"العبقرية البربرية" لشكسبير يمكن أن تكون غالبا مهرطقة بالنسبة لنا الآن، ولكن فولتير واحد من الأوائل، إن لم يكن أول، الذين قَدّروا شكسبير، الذي كانت وحشيته الفظَّة بدأت تُقَدَّر والفرنسيين يهجرون حدائقهم المشذبة الممتلئة بالأشكال المجسَّمة والطرق، نحو مناظر أكثر تحرُّرًا مأخوذة من الحدائق الإنجليزية.
مع ذلك، وجهة نظر الإنجليزي التي تنتج من النص، من أجل كل المتعة الفلسفية والشجاعة الموحية، تصعد كخطابات مثالية وفرنسية تقليدية. يحذَّرنا فولتير من الراحة والرضا الذاتي في التمسك بالكليشيهات، هذا يبدو من الظهور البارز الذي يقدمه لشخصيات صغيرة مثل الكويكري. بدلاً من الحديث عن الإنجليز بشكل جمعي، يفضِّل أن ينظر إلى الأفراد الخاصين والمميزين بشكل رائع. بغضّ النظر عن مدى عناد الكويكري، يظل إنجليزيا نمطيا متحفِّظا في الكلام. هو أيضا يؤكد بشكل واسع أنه لديه افتراضات عن الشخصية الإنجليزية مثل البراجماتية والتحفّظ. يصنع الكويكري أيضا المال من التجارة. الصلابة التجارية لإنجلترا، بالمقارنة مع المجاملات العقيمة التي يشجّعها المجتمع الفرنسي المهووس بالشهامة، التي هي عبارة عن كليشيه. عند الكويكري، يصدف أن يقابل فولتير ممثلا فصيحا وذكيا ومتواضعا من الطبقة التجارية، بينما يعرض جاك روزبين، وهو شخصية في مسرحية لوي دي بواسي "فرنسي في لندن" (وهي تُعرَض في باريس بينما فولتير في لندن)، يعرضه كمثال فظّ للتاجر الغني الراضي عن نفسه. كانوا نُسخاً متعددة من النمط الشامل نفسه.
يتحفّظ فولتير في المجمل عن ذكر تعليقات عامة عن شخصية الإنجليزي. على أي حال عندما يناقش الكتّاب الإنجليز (من الرسالة 18 إلى الرسالة 23)، يختار اقتباسات من أعمالهم، بينما تمثُل بشكل رئيسي مهارتهم، يحدث أيضا أنها تعرض وتؤكد الفهم التقليدي للشخصية الإنجليزية.
يختار فولتير المثال الرئيسي من فن شكسبير، مونولوج هاملت "أن تكون أو لا تكون"، الذي يفكر هاملت فيه بالانتحار. المثال الذي يختاره من درايدن ليس أقل تشاؤما:
"عندما أفكر في الحياة، فهي كلها خداع.
ولكن لأنهم حمقى بالأمل، فالناس يفضِّلون الغش".
عندما يصل لمناقشة صديقه بوب، يختار فولتير فقرة من قصيدة كوميدية، "اغتصاب خصلة الشعر". ولكن حتى هنا يكون ما سبق واضحا عندما يذكر جملة "كهف السوداوية الكئيب"، حيث يمكن إيجاد مجموعة الرموز الحزينة. تنقل الاقتباسات جميعا المواقف الكئيبة نفسها. هذه المجتزئات التي جُمعت، هي بمثابة موزاييك سوداوي تماما عن الحياة الإنجليزية. بينما يختار فولتير أن يستخرج من الشعر أو المسرحيات أشياء حميمة بصيغة المتكلم مثل مونولوج هاملت، ربما كشهادة ضمنية لرؤية فولتير لإنجلترا كثقافة فريدة جريئة، هو أيضا يبدو أنه يضع بشكل متواصل، إن لم يكن ضمنيًا، تأكيدًا على تعاسة الإنجليز.
يناقش فولتير فقط الخواص الشكلية لهذه الفقرات الجليلة الكئيبة، تاركا المضمون يتحدث عنه نفسه. في هذه العملية، ينقل رسالة مفادها أن الإنجليز كئيبين. ينقل فولتير الحقيقة المألوفة والبغيضة عن الإنجليز، مقترحا أن كراهية الحياة البغيضة تبدو شائعة عند العديد من الكتّاب الإنجليز نتيجة حريتهم وإصرارهم في فنهم. الميزة المتسامية والمصادفة المستخرَجَة من الاقتباسات تساعد على ضمان قوة هذه الاقتباسات.
صفحة 5
مع ذلك، إن كان الإنجليز يدينون في بعض إنجازاتهم – وفي الحقيقة بعض تعاستهم – لخواص جنس سكان الجزيرة، سيبدو أن القليل جدا هو الذي يعتبر غير متاح للفرنسيين، على الأقل من حيث الجوهر. لا يعطي فولتير للفرنسيين رفاهية التفكير في أن الإنجليز في الأساس أناس مختلفين. هو يتجنب اللجوء إلى أنواع "الشرح" التي تترك الفرنسيين بعيدين عن الوصول إليهم. في الحقيقة، أوصاف فولتير للحياة الثقافية والسياسية الإنجليزية تفتح طريقا في النهاية للنقاشات عن الطبيعة الإنسانية التي سيظل وفيا لها للسنوات القادمة. في حياته وعمله الطويل" يحتل "رسائل فلسفية" موضعا مبكرا نسبيا، ولكن فولتير "فولتيري" بالفعل في عمله.
من جهة الأسلوب، العديد من الخدع والنكات التي سيعمل فولتير عليها في السنوات العديدة القادمة في قصصه مثل "كنديد" (1759) هي واضحة بالفعل هنا. كان ماهرا بشكل كبير في ربط الصفات بأسماء من غير المُعتاد أن ترتبط بها؛ مثل "الطموحات التقية" للكاهن (الرسالة 5، صـ 53)، "الحمق المذهل" للحروب الدينية (الرسالة 8، صـ 66) "أوهام ملْبرانْشُ السامية" (الرسالة 13، صـ 95)، "غيلان شكسبير اللامعة" (الرسالة 18، صـ 140). وبشكل أكثر شهرة يصف بليز باسكال على أنه "المبغض الأعلى للإنسان" (رسالة 25، صـ 173) لا يتفوق أي من الكتاب على فولتير في المناورة بهذه "التجميعات" وتحويلها إلى مواضيع عملية متهكمة. في بعض الأحيان تؤكد أيضا القليل من الظروف القوة التهكمية لجملة. ففي الرسالة الخامسة عشر، على سبيل المثال، يوضح فولتير أن حماسة حكومة توري "كان لا يَمْتَدُّ، أحيانًا، إلى أبعدَ من تحطيم زجاج النوافذ في بِيَع الَملاحدة" (الرسالة 5، صـ 54). بعد عدة أسطر، كان الإكليروس الأدنى "... يَتَمتَعُ على الأقل، بحرية الاجتماع وإقامة البرهان وإحراق بعضِ كُتُب الإلحاد حينًا بعد حين، أي الكتبِ المخالفة له" (الرسالة 5، صـ 54). في كل حالة، الظروف اللا مبالية وغالبا غير المرئية – "عادة"، "من آن لآخر" – تُحْدِث النكهة الساخرة للجمل التي تجعل فولتير يظهر وكأنه يقبل السلوك الذي يبدو معتدلا بوضوح: في النهاية، تُحرَق الكتب ويتم تكسير النوافذ من آن لآخر.
في الرسالة الرابعة عشر، يشير فولتير إلى أن ديكارت الموهوب ذو المخيلة الخصبة، لديه مواهب شعريّة معقولة. ثم يضيف في الحقيقة أن فولتير يكتب حتى بعض الأشعار من أجل ملكة السويد "لم تُطبع إكراما لذكراه". السلبي يأتي بشكل مفاجىء، بعد حماسة فولتير الظاهرة. وبدون أن يقول ذلك بوضوح، ينجح في أن يخبرنا أن ديكارت قلَّل من قدْرِ نفسه بكتابته الشعر.
في الرسالة السادسة عشر، كان فولتير دومًا مستعدًا لمقاومة الصرامة بكل أشكالها، متعجبًا من قسوة المشيخيين وتقديسهم لأيام الآحاد. كما في المثال السابق، هناك لذعة ساخرة في النهاية. أسلوب فولتير يتخذ لهجة ملحّة مؤكدة:
"ويُعَدُّ تقديسُ يوم الأحد مَدينًا لهؤلاء في الممالك الثلاث حيث مُنع العملُ واللهوُ في ذلك اليوم، وهذا يَعني ضِعْفَ شِدَّةِ الكنائس الكاثوليكية، فلا أوبرا ولا كُمِيدْيةَ ولا جَوْقات موسيقية يومَ الأحد بلندن، وقد كان من حَظْر الوَرَق في ذلك اليوم ما عاد لا يَلْعَبُه فيه غيرُ ذوي المواهب والفضل كما يُدْعَوْن، وأما بقيةُ الأمة فتذهب إلى الوعظ وإلى الحانة وإلى بنات البهجة". (الرسالة 6، صـ 58)
في الوقت الذي نستعد فيه للإشفاق على بلد مجبَر على التقشّف والملل، وممنوع من لعب الورق، يخبرنا فولتير بخبث أن البلد يلجأ للَذّات أخرى.
على أي حال، نحن نخاطر بتجاهل ملاحظة فولتير في الرسالة الثانية والعشرين، أن كل المعلِّقين ذوي "الكلمات الطيبة" حمقى. رسائل فولتير الفلسفية هي شيء أكبر من كونها مجاملة عصرية لإنجلترا وتدريبا أسلوبيا للقصص القادمة؛ إنها أيضا تصريحا حقيقيا يوضح المُثُل والمعتقدات التي يلتزم بها.
صحيح أنه في اللحظة التي غادر فيها، لم يعد فولتير أبدا إلى إنجلترا. مغادرته المفاجئة ونفوره اللاحق من العودة يوحي باحتمال حقيقة الشائعات عن أنه ترك الأراضي البريطانية بسبب مشكلة أنه زوَّر أوراقًا نقدية. وفوق ذلك، الحرب بين إنجلترا وفرنسا كانت تتأجج من حيث المشكلات والكثافة (وصلت للذروة في حرب السبعة أعوام من 1756 إلى 1763 والنزاع على الهند والصين بالإضافة إلى أوروبا)، لم يعد من الصعب فقط الترحال، ولكن فولتير كان يمكن أيضا أن يعجب بالزخم الفلسفي الذي تحقق في فرنسا، حيث كان يعمل ديدرو ودالمبير على موسوعة ضخمة******. في الوقت الذي كتب فولتير فيه ونشر "القاموس الفلسفي" في الستينيات من القرن الثامن عشر، لم يعد يرتّب الأفكار وفقا للشخص الذي ينسبها إليه في "الرسائل الفلسفية" ولكن تحت عناوين الأفكار. فولتير، في بناء أفكاره، على الأقل، وصل إلى مستوى أعظم من التجريد. هو لم يعد يتكلم عن الفلاسفة والفلسفة فقط، إنما أن يكون - أو يحاول أن يكون - هو نفسه فيلسوفا.
ومع ذلك، لن يضجر فولتير أبدا من لندن ولا من الحياة. هذه الإقامة المؤقتة في إنجلترا تركت ميراثا مستمرا، فإن لن يذهب إلى إنجلترا بعد ذلك، فسوف تأتي هي بشكل متزايد إليه*******. وبالشكل نفسه، على الرغم من أن فولتير كان يراجع دوما النصوص التي كتبها في وقت أبكر، فهو نادرا ما كان يتبرَّأ منها. في الحقيقة، وعلى الرغم من أن فولتير ألقى بمسوَّدة قصيدته الملحمة "الهنرياد" في النار، كان حريصا على أن يفعل ذلك أمام صديقه، جان شار هينو، الذي أنقذها بشهامته. في حياته المتأخرة، لم يرفض فولتير ولم يندم على الآراء التي ذكرت في "رسائل فلسفية". القِيَم والمُثُل التي حرَّكت الصفحات. رؤية الإنسان وليس فقط الإنسان الإنجليزي ستظل أساسية لفولتير، فقط ستخضع لتعديلات قليلة.
من المثالي لفولتير أن رؤيته للإنسان، والنقاش الفلسفي الخلّاق والممتد الذي تُعتَبَر هذه الرؤية جزءا منه، أُثير وتأجّج عن طريق معارضة شخص آمن به فولتير بثقة وأخطأ في رأيه فيه تماما – باسكال. كما هو معتاد فالدفعات التهكّمية والحجج الفلسفية تتقاطع في أعمال فولتير. جعل باسكال من نفسه "عدوا للطبيعة الإنسانية" (الرسالة 25، صـ 173)، كما قال فولتير، بوصفه للناس على أنهم رموز هشة وقذرة، عرضة للخطأ والتوهُّم، ضائعون بدون إرشاد الله. شعر فولتير بالإهانة من رزانة باسكال السوداوية، وإدانته الصارمة للنشاطات التي تُكوِّن حياة الإنسان العادية********. في مواجهة باسكال، يوضح فولتير التزامه بالنظرة المتناقضة للإنسان. يرى باسكال النشاطات المستمرة للإنسان، والحروب التي يقوم بها، واللذّات التي يبحث عنها، كـ "إزعاج" أساسي، تعبير عن الحاجة إلى إبعاد أنفسنا عن أفكار بؤسنا وفناءنا. يندم باسكال على عدم قدرة الإنسان على أن يظل في راحة، متأمِّلا في الحالة الحقيقية للأشياء.
من جهة الأسلوب، العديد من الخدع والنكات التي سيعمل فولتير عليها في السنوات العديدة القادمة في قصصه مثل "كنديد" (1759) هي واضحة بالفعل هنا. كان ماهرا بشكل كبير في ربط الصفات بأسماء من غير المُعتاد أن ترتبط بها؛ مثل "الطموحات التقية" للكاهن (الرسالة 5، صـ 53)، "الحمق المذهل" للحروب الدينية (الرسالة 8، صـ 66) "أوهام ملْبرانْشُ السامية" (الرسالة 13، صـ 95)، "غيلان شكسبير اللامعة" (الرسالة 18، صـ 140). وبشكل أكثر شهرة يصف بليز باسكال على أنه "المبغض الأعلى للإنسان" (رسالة 25، صـ 173) لا يتفوق أي من الكتاب على فولتير في المناورة بهذه "التجميعات" وتحويلها إلى مواضيع عملية متهكمة. في بعض الأحيان تؤكد أيضا القليل من الظروف القوة التهكمية لجملة. ففي الرسالة الخامسة عشر، على سبيل المثال، يوضح فولتير أن حماسة حكومة توري "كان لا يَمْتَدُّ، أحيانًا، إلى أبعدَ من تحطيم زجاج النوافذ في بِيَع الَملاحدة" (الرسالة 5، صـ 54). بعد عدة أسطر، كان الإكليروس الأدنى "... يَتَمتَعُ على الأقل، بحرية الاجتماع وإقامة البرهان وإحراق بعضِ كُتُب الإلحاد حينًا بعد حين، أي الكتبِ المخالفة له" (الرسالة 5، صـ 54). في كل حالة، الظروف اللا مبالية وغالبا غير المرئية – "عادة"، "من آن لآخر" – تُحْدِث النكهة الساخرة للجمل التي تجعل فولتير يظهر وكأنه يقبل السلوك الذي يبدو معتدلا بوضوح: في النهاية، تُحرَق الكتب ويتم تكسير النوافذ من آن لآخر.
في الرسالة الرابعة عشر، يشير فولتير إلى أن ديكارت الموهوب ذو المخيلة الخصبة، لديه مواهب شعريّة معقولة. ثم يضيف في الحقيقة أن فولتير يكتب حتى بعض الأشعار من أجل ملكة السويد "لم تُطبع إكراما لذكراه". السلبي يأتي بشكل مفاجىء، بعد حماسة فولتير الظاهرة. وبدون أن يقول ذلك بوضوح، ينجح في أن يخبرنا أن ديكارت قلَّل من قدْرِ نفسه بكتابته الشعر.
في الرسالة السادسة عشر، كان فولتير دومًا مستعدًا لمقاومة الصرامة بكل أشكالها، متعجبًا من قسوة المشيخيين وتقديسهم لأيام الآحاد. كما في المثال السابق، هناك لذعة ساخرة في النهاية. أسلوب فولتير يتخذ لهجة ملحّة مؤكدة:
"ويُعَدُّ تقديسُ يوم الأحد مَدينًا لهؤلاء في الممالك الثلاث حيث مُنع العملُ واللهوُ في ذلك اليوم، وهذا يَعني ضِعْفَ شِدَّةِ الكنائس الكاثوليكية، فلا أوبرا ولا كُمِيدْيةَ ولا جَوْقات موسيقية يومَ الأحد بلندن، وقد كان من حَظْر الوَرَق في ذلك اليوم ما عاد لا يَلْعَبُه فيه غيرُ ذوي المواهب والفضل كما يُدْعَوْن، وأما بقيةُ الأمة فتذهب إلى الوعظ وإلى الحانة وإلى بنات البهجة". (الرسالة 6، صـ 58)
في الوقت الذي نستعد فيه للإشفاق على بلد مجبَر على التقشّف والملل، وممنوع من لعب الورق، يخبرنا فولتير بخبث أن البلد يلجأ للَذّات أخرى.
على أي حال، نحن نخاطر بتجاهل ملاحظة فولتير في الرسالة الثانية والعشرين، أن كل المعلِّقين ذوي "الكلمات الطيبة" حمقى. رسائل فولتير الفلسفية هي شيء أكبر من كونها مجاملة عصرية لإنجلترا وتدريبا أسلوبيا للقصص القادمة؛ إنها أيضا تصريحا حقيقيا يوضح المُثُل والمعتقدات التي يلتزم بها.
صحيح أنه في اللحظة التي غادر فيها، لم يعد فولتير أبدا إلى إنجلترا. مغادرته المفاجئة ونفوره اللاحق من العودة يوحي باحتمال حقيقة الشائعات عن أنه ترك الأراضي البريطانية بسبب مشكلة أنه زوَّر أوراقًا نقدية. وفوق ذلك، الحرب بين إنجلترا وفرنسا كانت تتأجج من حيث المشكلات والكثافة (وصلت للذروة في حرب السبعة أعوام من 1756 إلى 1763 والنزاع على الهند والصين بالإضافة إلى أوروبا)، لم يعد من الصعب فقط الترحال، ولكن فولتير كان يمكن أيضا أن يعجب بالزخم الفلسفي الذي تحقق في فرنسا، حيث كان يعمل ديدرو ودالمبير على موسوعة ضخمة******. في الوقت الذي كتب فولتير فيه ونشر "القاموس الفلسفي" في الستينيات من القرن الثامن عشر، لم يعد يرتّب الأفكار وفقا للشخص الذي ينسبها إليه في "الرسائل الفلسفية" ولكن تحت عناوين الأفكار. فولتير، في بناء أفكاره، على الأقل، وصل إلى مستوى أعظم من التجريد. هو لم يعد يتكلم عن الفلاسفة والفلسفة فقط، إنما أن يكون - أو يحاول أن يكون - هو نفسه فيلسوفا.
ومع ذلك، لن يضجر فولتير أبدا من لندن ولا من الحياة. هذه الإقامة المؤقتة في إنجلترا تركت ميراثا مستمرا، فإن لن يذهب إلى إنجلترا بعد ذلك، فسوف تأتي هي بشكل متزايد إليه*******. وبالشكل نفسه، على الرغم من أن فولتير كان يراجع دوما النصوص التي كتبها في وقت أبكر، فهو نادرا ما كان يتبرَّأ منها. في الحقيقة، وعلى الرغم من أن فولتير ألقى بمسوَّدة قصيدته الملحمة "الهنرياد" في النار، كان حريصا على أن يفعل ذلك أمام صديقه، جان شار هينو، الذي أنقذها بشهامته. في حياته المتأخرة، لم يرفض فولتير ولم يندم على الآراء التي ذكرت في "رسائل فلسفية". القِيَم والمُثُل التي حرَّكت الصفحات. رؤية الإنسان وليس فقط الإنسان الإنجليزي ستظل أساسية لفولتير، فقط ستخضع لتعديلات قليلة.
من المثالي لفولتير أن رؤيته للإنسان، والنقاش الفلسفي الخلّاق والممتد الذي تُعتَبَر هذه الرؤية جزءا منه، أُثير وتأجّج عن طريق معارضة شخص آمن به فولتير بثقة وأخطأ في رأيه فيه تماما – باسكال. كما هو معتاد فالدفعات التهكّمية والحجج الفلسفية تتقاطع في أعمال فولتير. جعل باسكال من نفسه "عدوا للطبيعة الإنسانية" (الرسالة 25، صـ 173)، كما قال فولتير، بوصفه للناس على أنهم رموز هشة وقذرة، عرضة للخطأ والتوهُّم، ضائعون بدون إرشاد الله. شعر فولتير بالإهانة من رزانة باسكال السوداوية، وإدانته الصارمة للنشاطات التي تُكوِّن حياة الإنسان العادية********. في مواجهة باسكال، يوضح فولتير التزامه بالنظرة المتناقضة للإنسان. يرى باسكال النشاطات المستمرة للإنسان، والحروب التي يقوم بها، واللذّات التي يبحث عنها، كـ "إزعاج" أساسي، تعبير عن الحاجة إلى إبعاد أنفسنا عن أفكار بؤسنا وفناءنا. يندم باسكال على عدم قدرة الإنسان على أن يظل في راحة، متأمِّلا في الحالة الحقيقية للأشياء.
صفحة 6
في "أفكار" يكتب باسكال فقرة جميلة ومؤثرة عن زوال الحاضر وعدم قدرتنا على التفكير فيه، هذا عدا عن العيش بمعنى فيه. يقتبس فولتير: "... نحن لا نكاد نفكِّرُ في الحاضر مطلقًا، ونحن إذا ما فكّرْنا فيه فذلك لكي نقتبس من نوره ما نحكم به في أمر المستقبل" (الرسالة 25، صـ 188). لا يناقض فولتير رؤية باسكال، هو فقط يرغب أن يواجه افتراض باسكال الذي يقول إن هذه نتيجة مؤسفة ومأساوية. ومن دون الحاجة لتقدير بلاغة كلمات باسكال الحزينة، يرد فولتير كالتالي:
"... ولو كان الناسُ من الشقاء ما لا يبالُون معه بغير الحاضر ما زَرَعوا مطلقًا، وما غَرَسوا مطلقًا، وما استعدُّوا لشيء مطلقًا، ولأَعْوَزَهم كلُّ شيء بين هذا التمتع الخادع". (الرسالة 25، صـ 188)
في السنوات التالية، سيكمل فولتير حياته في ملكيته، كما لو أنه يؤكد هذه الرؤية هنا، فهو نفسه سيزرع ويحصد ويبني. فولتير مقتنع أن الإنسان مولود ليفعل. هذا النزوع لا يحفظنا فقط من النزوع الكئيب ولكنه مسئول أيضا عن دعم الوضع الإنساني. يؤدي الفعل إلى رؤى إمبريقية. التفكّر، حتى الاندفاعة المركزة من العقل، لن تؤدي الى اختراع اللقاح . فعل التفاحة الساقطة هو الذي أدى إلى فعل النظر ومحاكاة فهم الجاذبية.
ربما يستقر تفاؤل وطاقة فولتير في إدراك ما للإنسان وهو على الرغم من ذلك إدراك كئيب بطريقته. ليس على الإنسان أن يرى أو يتعجب من نفسه. الإنسان الفولتيري فارغ********. يعرض فولتير رؤية للإنسان والمجتمع بشكل ما دنيوي وخال من التوهم وأحيانا سينيكي******** حتى. ولكن إن كانت حقيقة أن المال والمصلحة الذاتية يتحكمان كما يبدو في العلاقات الإنسانية هي حقيقة مثيرة للأسف، يُظهِر فولتير أن هذه الدوافع يمكن أن تكون أداتية في بناء مجتمع عادل ومفهوم، بينما المُثُل الدينية التي تدعم هذا المجتمع تهب نفسها تماما وبشكل سهل للإيذاء. وكما يستطيع أن يكون سينيكيا من آن لآخر، يمكن لفولتير أيضا أن يكون متحمسا ومثاليا وحتى انطباعيا في وصف المجتمع التجاري الحميد أساسا.
خلالـ رصد سير التاريخ العقلي ومداره العشوائي في إنجلترا وأوروبا، يلحظ فولتير أن التقدم عادة ما يضمنه أفراد محظوظون بإيجاد أنفسهم، في الوقت المناسب، متفهّمين لاحتياجات أو أذواق عصر بعينه. مثل كاتب المسرح الذي اعتاد على تحديد جمهوره – وفي الحقيقة، الممثل المعتاد على النظر إليهم والتمثيل أمامهم – يتحدث فولتير بقوة وبإقناع إلى معاصريه، ولم يفعل ذلك بشكل أفضل مما فعله في "رسائل فلسفية". ولكن بالتطابق بشكل ناجح مع عصره واحتياجاته، يخاطر فولتير بالحصول على إعجاب العصور التي تليه. انتصاراته المتعددة والقبول الذي اكتسبه من معاصريه يمكن أن يجعله يدفع ثمَن بعض التقدير من العصور التالية. هذه حجة آثارها رولان بارت بشكل واسع في أفضل مقالاته – وإن كان مكروها قليلا – وهو مقال بعنوان "فولتير، الكاتب السعيد الأخير"********.
في الرسالة الثانية عشر، يقول فولتير عن كتاب فرانسيس بيكون "الأورجانون الجديد" أنه كان الرافعة التي بنيت عليها الفلسفة، وكان يدرك أن هذه الرافعات ذات غرض هام، وإن كان مؤقت. ومثلما وُضعِت حجج وآراء بيكون جانبا في النصوص اللاحقة، فإن العديد من المناقشات التي أثيرت وأغضبت فولتير على التوالي، من التطعيم إلى الجاذبية، توقّف الحديث عنها منذ فترة طويلة. ما تبقّى هو الذكاء والشجاعة والسحر الذي بنى عليه فولتير حججه، التي تظل مثالية وملهمة. وعلى الرغم من أنه يبدو أن لا أحد ردَّ على "الرسائل الفلسفية" لفولتير، فحقيقة أن رسائله كانت تُبعَث من جانب واحد ولا تتلقى ردًّا تسمح لنا بالنظر أكثر؛ إن قراءة هذه الرسائل تستمر في تزويدنا بردود خاصة بنا وبالتالي تجلب لها حياة متجددة.
جون لي
الرسالةُ الأولى
حوْل الكُوِيكر
********
لقد رأيتُ أن مذهب أمةٍ فريدةٍ كتلك وتاريخها يستحقان فُُضُول رجلٍ عاقل، وقد أردتُ أن أكون على بيِّنةٍ من ذلك، فذهبتُ لِلقاء رجلٍ من أشهر الكُوِيكر بإنجلترا زاول التجارة ثلاثين عامًا فاستطاع، بعد ذلك، أن يضع حدودًا لنصيبه ورغائبه، وانْزوى في ريفٍ قريب من لندن، وبحثْتُ عنه في ملْجئه فوجدتُ هذا الملجأ صغيرًا، ولكنْ مع حُسْن بِناء وكثْرةِ نظافةٍ وعطلٍ من الزُّخْرُف، كان الكُويكريُّ شيخًا ناضرًا لم يعْرِف المرضُ إليه سبيلًا، وذلك لأنه لم يعْرِف ألمًا ولا نهْمًا، ولم أبْصِرْ في حياتي، قطُّ، من هو أعظمُ منه نُبْلًا وأشدُّ جذْبًا، وقد كان مُرْتدِيًا، كجميع أبناء نِحْلته، رِداءً بلا مطاوٍ في الأطراف، وبلا أزرارٍ على الجُيُوب والأكمام، وقد كان لابسًا قُبّعةً كبيرة ذات حافاتٍ مُنْخفِضةٍ كالتي يلْبسُها قساوِستُنا، ويستقبلني وقُبّعتُه على رأسه، ويتقدّم نحوي من غير أن يقوم بأقلِّ حنْوٍ لِبدنِه، ولكنّ ما تُنِمُّ عليه طلاقةُ وجهه وبشاشةُ مُحيّاه من أدبٍ أعظمُ مما جرتْ عليه العادة من تأخيرِ ساقٍ عن ساقٍ ومن حمْلِ اليدِ ما صُنِع لستْرِ الرأس، قال لي الكُوِيكِريُّ:
"أراك غريبًا يا صاحبي، وما عليك إلاّ أن تقول لي حتى أقوم بخدمةٍ لك ما استطعتُ".
وأحْنيِ جسمي، وأُقدِّمُ قدمًا نحوه وفْق عادتنا، وأقول له: "تُحدِّثُني نفسي، يا سيدي، بأنك لا تضِيقُ ذرْعًا بفُضُوليِ الصادقِ، فلا تضنُّ عليّ بمنحي شرف الاطلاع على دِينِك".
ويجيب عن ذلك بقوله: "أجلْ، إن أبناء بلدك يُبْدُون كثيرًا من المجاملة والإكرام، ولكني لم أرَ، بعْدُ، منْ أظهر منهم مِثل فُضُولِك، فادْخُلْ، ولْنتغدّ معًا قبل كلِّ شيء".
"... ولو كان الناسُ من الشقاء ما لا يبالُون معه بغير الحاضر ما زَرَعوا مطلقًا، وما غَرَسوا مطلقًا، وما استعدُّوا لشيء مطلقًا، ولأَعْوَزَهم كلُّ شيء بين هذا التمتع الخادع". (الرسالة 25، صـ 188)
في السنوات التالية، سيكمل فولتير حياته في ملكيته، كما لو أنه يؤكد هذه الرؤية هنا، فهو نفسه سيزرع ويحصد ويبني. فولتير مقتنع أن الإنسان مولود ليفعل. هذا النزوع لا يحفظنا فقط من النزوع الكئيب ولكنه مسئول أيضا عن دعم الوضع الإنساني. يؤدي الفعل إلى رؤى إمبريقية. التفكّر، حتى الاندفاعة المركزة من العقل، لن تؤدي الى اختراع اللقاح . فعل التفاحة الساقطة هو الذي أدى إلى فعل النظر ومحاكاة فهم الجاذبية.
ربما يستقر تفاؤل وطاقة فولتير في إدراك ما للإنسان وهو على الرغم من ذلك إدراك كئيب بطريقته. ليس على الإنسان أن يرى أو يتعجب من نفسه. الإنسان الفولتيري فارغ********. يعرض فولتير رؤية للإنسان والمجتمع بشكل ما دنيوي وخال من التوهم وأحيانا سينيكي******** حتى. ولكن إن كانت حقيقة أن المال والمصلحة الذاتية يتحكمان كما يبدو في العلاقات الإنسانية هي حقيقة مثيرة للأسف، يُظهِر فولتير أن هذه الدوافع يمكن أن تكون أداتية في بناء مجتمع عادل ومفهوم، بينما المُثُل الدينية التي تدعم هذا المجتمع تهب نفسها تماما وبشكل سهل للإيذاء. وكما يستطيع أن يكون سينيكيا من آن لآخر، يمكن لفولتير أيضا أن يكون متحمسا ومثاليا وحتى انطباعيا في وصف المجتمع التجاري الحميد أساسا.
خلالـ رصد سير التاريخ العقلي ومداره العشوائي في إنجلترا وأوروبا، يلحظ فولتير أن التقدم عادة ما يضمنه أفراد محظوظون بإيجاد أنفسهم، في الوقت المناسب، متفهّمين لاحتياجات أو أذواق عصر بعينه. مثل كاتب المسرح الذي اعتاد على تحديد جمهوره – وفي الحقيقة، الممثل المعتاد على النظر إليهم والتمثيل أمامهم – يتحدث فولتير بقوة وبإقناع إلى معاصريه، ولم يفعل ذلك بشكل أفضل مما فعله في "رسائل فلسفية". ولكن بالتطابق بشكل ناجح مع عصره واحتياجاته، يخاطر فولتير بالحصول على إعجاب العصور التي تليه. انتصاراته المتعددة والقبول الذي اكتسبه من معاصريه يمكن أن يجعله يدفع ثمَن بعض التقدير من العصور التالية. هذه حجة آثارها رولان بارت بشكل واسع في أفضل مقالاته – وإن كان مكروها قليلا – وهو مقال بعنوان "فولتير، الكاتب السعيد الأخير"********.
في الرسالة الثانية عشر، يقول فولتير عن كتاب فرانسيس بيكون "الأورجانون الجديد" أنه كان الرافعة التي بنيت عليها الفلسفة، وكان يدرك أن هذه الرافعات ذات غرض هام، وإن كان مؤقت. ومثلما وُضعِت حجج وآراء بيكون جانبا في النصوص اللاحقة، فإن العديد من المناقشات التي أثيرت وأغضبت فولتير على التوالي، من التطعيم إلى الجاذبية، توقّف الحديث عنها منذ فترة طويلة. ما تبقّى هو الذكاء والشجاعة والسحر الذي بنى عليه فولتير حججه، التي تظل مثالية وملهمة. وعلى الرغم من أنه يبدو أن لا أحد ردَّ على "الرسائل الفلسفية" لفولتير، فحقيقة أن رسائله كانت تُبعَث من جانب واحد ولا تتلقى ردًّا تسمح لنا بالنظر أكثر؛ إن قراءة هذه الرسائل تستمر في تزويدنا بردود خاصة بنا وبالتالي تجلب لها حياة متجددة.
جون لي
الرسالةُ الأولى
حوْل الكُوِيكر
********
لقد رأيتُ أن مذهب أمةٍ فريدةٍ كتلك وتاريخها يستحقان فُُضُول رجلٍ عاقل، وقد أردتُ أن أكون على بيِّنةٍ من ذلك، فذهبتُ لِلقاء رجلٍ من أشهر الكُوِيكر بإنجلترا زاول التجارة ثلاثين عامًا فاستطاع، بعد ذلك، أن يضع حدودًا لنصيبه ورغائبه، وانْزوى في ريفٍ قريب من لندن، وبحثْتُ عنه في ملْجئه فوجدتُ هذا الملجأ صغيرًا، ولكنْ مع حُسْن بِناء وكثْرةِ نظافةٍ وعطلٍ من الزُّخْرُف، كان الكُويكريُّ شيخًا ناضرًا لم يعْرِف المرضُ إليه سبيلًا، وذلك لأنه لم يعْرِف ألمًا ولا نهْمًا، ولم أبْصِرْ في حياتي، قطُّ، من هو أعظمُ منه نُبْلًا وأشدُّ جذْبًا، وقد كان مُرْتدِيًا، كجميع أبناء نِحْلته، رِداءً بلا مطاوٍ في الأطراف، وبلا أزرارٍ على الجُيُوب والأكمام، وقد كان لابسًا قُبّعةً كبيرة ذات حافاتٍ مُنْخفِضةٍ كالتي يلْبسُها قساوِستُنا، ويستقبلني وقُبّعتُه على رأسه، ويتقدّم نحوي من غير أن يقوم بأقلِّ حنْوٍ لِبدنِه، ولكنّ ما تُنِمُّ عليه طلاقةُ وجهه وبشاشةُ مُحيّاه من أدبٍ أعظمُ مما جرتْ عليه العادة من تأخيرِ ساقٍ عن ساقٍ ومن حمْلِ اليدِ ما صُنِع لستْرِ الرأس، قال لي الكُوِيكِريُّ:
"أراك غريبًا يا صاحبي، وما عليك إلاّ أن تقول لي حتى أقوم بخدمةٍ لك ما استطعتُ".
وأحْنيِ جسمي، وأُقدِّمُ قدمًا نحوه وفْق عادتنا، وأقول له: "تُحدِّثُني نفسي، يا سيدي، بأنك لا تضِيقُ ذرْعًا بفُضُوليِ الصادقِ، فلا تضنُّ عليّ بمنحي شرف الاطلاع على دِينِك".
ويجيب عن ذلك بقوله: "أجلْ، إن أبناء بلدك يُبْدُون كثيرًا من المجاملة والإكرام، ولكني لم أرَ، بعْدُ، منْ أظهر منهم مِثل فُضُولِك، فادْخُلْ، ولْنتغدّ معًا قبل كلِّ شيء".
صفحة 7
وآتِي بمجاملةٍ سيئة أيضًا، فالإِنسانُ لا يتْرُك عاداتِه دفعةً واحدة، وذلك أنني، بعد أن تناولنا طعامًا بسيطًا طيِّبًا بُدِئ بالصلاة لله وخُتِم بالدعاء له، أخذتُ في سؤال صاحبي، سائرًا على غِرار الكاثوليكِ الصالحين في طرحهم السؤال الآتي على الهُوغْنُو******** غير مرة، فقلت له: "هل عُمِّدْت يا سيدي العزيز؟".
الكُوِيكِرىُّ مجيبًا: "كلاّ، وكذلك زُملائي لم يُعمّدُوا قطُّ".
وأعُودُ فأسأل: "خيْرًا، أنتم لستم نصارى إذنْ؟".
ويجيب الكُوِيكِرىُّ بصوتٍ ليّن: "أيْ بُنيّ، لا تقُلْ هذا مطلقًا، فنحن نصارى، ولنسْعَ أن نكون نصارى صالحين، ولكننا لا نرى أن النصرانية تقُوم على إلقاء ماء باردٍ مع قليل من مِلْحٍ على الرأس".
وأرُدُّ مغاضبًا من هذا الإلحاد: "إذنْ، أنْتُم نسِيتمْ أن يُوحنّا عَمَّد يسُوع؟".
ويقول الكُوِيكِريُّ الحليم: "أجلْ، تلقّى يسُوعُ العِماد من يُوحنّا، ولكنه لم يُعمّدْ أحدًا قطّ، ولسنا تلاميذ يُوحنا، بل تلاميذُ يسُوع".
وأقول: "واهًا! كنت تُحرقُ في بلد محاكم التفتيش يا مسكين! ويْ دعْني أُعمِّدك لوجهِ الله وأجْعلُ منك نصرانيًّا!".
ويُجِيبُ باتّزانٍ. "لو لم يجِبْ غيرُ هذا لإرضاء ضعْفِك لصنعْناه طوْعًا، فنحن لا ندِين إنسانًا لقيامه بشِعار العماد، وإنما نعتقد أن من الواجب على منْ يجْهرُون بدِينٍ رُوحِيٍ مُقدّس أن يمْتنِعُوا، ما استطاعوا، عن القيام بشعائر يهوديةٍ!".
وأقول صارخًا: "هذا أمرٌ سيِّئٌ، شعائرُ يهودية!".
ويقول مُواصِلًا: "أجلْ، يا بُنيّ، وهذه الشعائر هي من اليهودية فلا يزال يُوجدُ من اليهود منْ يتعاطوْن مِثل عِمادِ يُوحنّا أحيانًا، وارْجِعِ البصر إلى الأزمنة القديمة تُخْبِرْك بأن يُوحنا لم يفْعل غير تجديد هذا الشِّعار الذي كان العبريون يعْملُون به قبْل ظهور يُوحنّا بزمنٍ طويل، كما كان أمرُ الحجِّ إلى مكّة بين الإسماعيليين، وقد تفضّل يسُوعُ فقبل عِماد يُوحنّا كما خضع للخِتان، ولكنْ وجب إبطالُ الخِتانِ والغُسْلِ بالماء بعماد يسوع، بعمادِ الروح هذا، بغُسْل النفس الذي يُنْجِّي الناس، ولِذا كان يوحنّا المعْمدان يقول: "أنا أُعمِّدُكم بالماء للتّوْبة، وأما الذي يأتي بعْدِي فهو أقوى مني، وأنا لا أستحقُّ أن أَحْمِل حذاءه، وهو يُعمِّدُكم بالروح القُدُس والنار"، وكذلك كتب رسولُ الوثنيين الكبيرُ بُولُسُ إلى أهل كُورِنْتُس يقول لهم: "لم يُرْسِلْنيِ المسيحُ لأُعمِّد، بل لأُبشِّر"، وكذلك لم يُعمِّدْ بولسُ بالماء غير شخصيْن، وكان هذا على الرغم منه، وقد ختن تلميذه تِيمُوتاوُس، وكان الرسلُ الآخرون يخْتِنُون، كذلك جميع من يريدون، فهل أنت مختون؟".
وأجيبُه بأنني لم أنلْ هذا الشرف، ويقول: "حسنًا، يا صاحبي. أنت نصرانيٌّ من غير أن تكون مختونًا وأنا نصرانيٌ من غير أن أكون مُعمّدًا؟".
وذاك هو الوجهُ الذي كان صاحبي العزيز يُفْرط به، مع التمويه، في أمر ثلاثة نصوص أو أربعة نصوص من الكتاب المقدس تؤيد سِرّه كما هو ظاهر، ولكنْ مع نسيانه وجود مئة نصٍ دامغٍ له في خيْرِ دينٍ، وقد احترزت من مجادلته في شيء لعدم وجود مطْمعٍ في متعصبٍ، فليس من الرأي تحْدِيثُ رجلٍ عن عيوب خليلته وتحديثُ مُدّعٍ عن ضعف قضيته ومخاطبةُ مجذوبٍ بالبراهين، وهكذا فقد انتقلت إلى أسئلةٍ أخرى، وقلت له:
"وأما تناولُ سِرِّ القُرْبان فكيف تقُومون به؟".
- لا نقُوم بذلك مطلقًا.
- ماذا! لا تتناول سِرّّ قربان مطلقًا؟
- كلا، لا شيء آخر غير تناول سرِّ قربان القلوب.
وهنالك استشهد الكُوِيكِريُّ بالكتاب المقدس أيضًا، وهنالك بذل جُهْده لوَ عْظِي بنقْضِه تناول سِرِّ القربان، وقد خاطبني بلهجةِ مُلْهمٍ لِيُثْبِت لي أن كلّ تناولٍ لسِرٍّ القربان من اختراع الإنسان، وأن الإنجيل خالٍ من كلمةِ تناولِ سِرّ القربان، وقد قال لي: "اغفِرْ لي جهلي، فلم آتِكِ بجزء من مئةٍ من براهين ديني، ولكنك تستطيع أن تطّلِع عليها في بيانٍ عن إيماننا لِرُوبِرْت بارْكلي، فهذا من أروع الكتب التي دبّجها يراع الإنسان، ويُجْمِعُ أعداؤنا على أن هذا الكتاب بالغُ الخطر، وهذا يُثْبِتُ مبْلغ صوابه"، وأعِدُ الكُوِيكِريُّ بمطالعته، ويعْتقد الكُوِيكِريُّ أني تحوّلْتُ إلى دينه!
وبعد ذلك ترضّاني الكُوِيكِريُّ بكلماتٍ قليلة لا تخْلُو من غرابة بسط فيها أمر تلك الطائفة غيْر مُراعٍ للأُخرى، فقد قال:
الكُوِيكِرىُّ مجيبًا: "كلاّ، وكذلك زُملائي لم يُعمّدُوا قطُّ".
وأعُودُ فأسأل: "خيْرًا، أنتم لستم نصارى إذنْ؟".
ويجيب الكُوِيكِرىُّ بصوتٍ ليّن: "أيْ بُنيّ، لا تقُلْ هذا مطلقًا، فنحن نصارى، ولنسْعَ أن نكون نصارى صالحين، ولكننا لا نرى أن النصرانية تقُوم على إلقاء ماء باردٍ مع قليل من مِلْحٍ على الرأس".
وأرُدُّ مغاضبًا من هذا الإلحاد: "إذنْ، أنْتُم نسِيتمْ أن يُوحنّا عَمَّد يسُوع؟".
ويقول الكُوِيكِريُّ الحليم: "أجلْ، تلقّى يسُوعُ العِماد من يُوحنّا، ولكنه لم يُعمّدْ أحدًا قطّ، ولسنا تلاميذ يُوحنا، بل تلاميذُ يسُوع".
وأقول: "واهًا! كنت تُحرقُ في بلد محاكم التفتيش يا مسكين! ويْ دعْني أُعمِّدك لوجهِ الله وأجْعلُ منك نصرانيًّا!".
ويُجِيبُ باتّزانٍ. "لو لم يجِبْ غيرُ هذا لإرضاء ضعْفِك لصنعْناه طوْعًا، فنحن لا ندِين إنسانًا لقيامه بشِعار العماد، وإنما نعتقد أن من الواجب على منْ يجْهرُون بدِينٍ رُوحِيٍ مُقدّس أن يمْتنِعُوا، ما استطاعوا، عن القيام بشعائر يهوديةٍ!".
وأقول صارخًا: "هذا أمرٌ سيِّئٌ، شعائرُ يهودية!".
ويقول مُواصِلًا: "أجلْ، يا بُنيّ، وهذه الشعائر هي من اليهودية فلا يزال يُوجدُ من اليهود منْ يتعاطوْن مِثل عِمادِ يُوحنّا أحيانًا، وارْجِعِ البصر إلى الأزمنة القديمة تُخْبِرْك بأن يُوحنا لم يفْعل غير تجديد هذا الشِّعار الذي كان العبريون يعْملُون به قبْل ظهور يُوحنّا بزمنٍ طويل، كما كان أمرُ الحجِّ إلى مكّة بين الإسماعيليين، وقد تفضّل يسُوعُ فقبل عِماد يُوحنّا كما خضع للخِتان، ولكنْ وجب إبطالُ الخِتانِ والغُسْلِ بالماء بعماد يسوع، بعمادِ الروح هذا، بغُسْل النفس الذي يُنْجِّي الناس، ولِذا كان يوحنّا المعْمدان يقول: "أنا أُعمِّدُكم بالماء للتّوْبة، وأما الذي يأتي بعْدِي فهو أقوى مني، وأنا لا أستحقُّ أن أَحْمِل حذاءه، وهو يُعمِّدُكم بالروح القُدُس والنار"، وكذلك كتب رسولُ الوثنيين الكبيرُ بُولُسُ إلى أهل كُورِنْتُس يقول لهم: "لم يُرْسِلْنيِ المسيحُ لأُعمِّد، بل لأُبشِّر"، وكذلك لم يُعمِّدْ بولسُ بالماء غير شخصيْن، وكان هذا على الرغم منه، وقد ختن تلميذه تِيمُوتاوُس، وكان الرسلُ الآخرون يخْتِنُون، كذلك جميع من يريدون، فهل أنت مختون؟".
وأجيبُه بأنني لم أنلْ هذا الشرف، ويقول: "حسنًا، يا صاحبي. أنت نصرانيٌّ من غير أن تكون مختونًا وأنا نصرانيٌ من غير أن أكون مُعمّدًا؟".
وذاك هو الوجهُ الذي كان صاحبي العزيز يُفْرط به، مع التمويه، في أمر ثلاثة نصوص أو أربعة نصوص من الكتاب المقدس تؤيد سِرّه كما هو ظاهر، ولكنْ مع نسيانه وجود مئة نصٍ دامغٍ له في خيْرِ دينٍ، وقد احترزت من مجادلته في شيء لعدم وجود مطْمعٍ في متعصبٍ، فليس من الرأي تحْدِيثُ رجلٍ عن عيوب خليلته وتحديثُ مُدّعٍ عن ضعف قضيته ومخاطبةُ مجذوبٍ بالبراهين، وهكذا فقد انتقلت إلى أسئلةٍ أخرى، وقلت له:
"وأما تناولُ سِرِّ القُرْبان فكيف تقُومون به؟".
- لا نقُوم بذلك مطلقًا.
- ماذا! لا تتناول سِرّّ قربان مطلقًا؟
- كلا، لا شيء آخر غير تناول سرِّ قربان القلوب.
وهنالك استشهد الكُوِيكِريُّ بالكتاب المقدس أيضًا، وهنالك بذل جُهْده لوَ عْظِي بنقْضِه تناول سِرِّ القربان، وقد خاطبني بلهجةِ مُلْهمٍ لِيُثْبِت لي أن كلّ تناولٍ لسِرٍّ القربان من اختراع الإنسان، وأن الإنجيل خالٍ من كلمةِ تناولِ سِرّ القربان، وقد قال لي: "اغفِرْ لي جهلي، فلم آتِكِ بجزء من مئةٍ من براهين ديني، ولكنك تستطيع أن تطّلِع عليها في بيانٍ عن إيماننا لِرُوبِرْت بارْكلي، فهذا من أروع الكتب التي دبّجها يراع الإنسان، ويُجْمِعُ أعداؤنا على أن هذا الكتاب بالغُ الخطر، وهذا يُثْبِتُ مبْلغ صوابه"، وأعِدُ الكُوِيكِريُّ بمطالعته، ويعْتقد الكُوِيكِريُّ أني تحوّلْتُ إلى دينه!
وبعد ذلك ترضّاني الكُوِيكِريُّ بكلماتٍ قليلة لا تخْلُو من غرابة بسط فيها أمر تلك الطائفة غيْر مُراعٍ للأُخرى، فقد قال:
صفحة 8
"أعْترِفْ بأنه كان يشُقُّ عليك أن تمْنع نفسك من الضّحِك عندما أجبتُ عن جميع مجاملاتك لابسًا قُبّعتي على رأسي مخاطِبًا إياك بصيغة المفرد، ومع ذلك أراك من الثّقافة ما لا تجْهل معه عدم وجود أمةٍ منذ زمن يسُوع كانت من الحماقة ما تستبدل معه الجمْع بالمفرد، فكان يقال للقيصر أُغُسْطس "أحبك، أرجوك، أشكرك"، حتى إنه كان لا يأْلم إذا ما نُودِي بالسيد********، ولم يعُنّ للناس إلاّ بعد زمنٍ طويل من عهده أن يتنادوْا بـ"أنتم" بدلًا من "أنت"، كما لو كانوا ضِعْف أنفسهم، وأن يغْتصبوا ألقاب العظمةِ والسماحة والقداسة عن وقاحة، وأن تفْسح الخراطينُ******** في المجال لخراطين أخرى مؤكّدةً لها، مع الإكرام البالغ والرَّثاء الفاضح، كوْنها خدما لها وُضعاء خُضّعًا، ونحن، كما نكونُ أكثر احترازًا حِيال هذه المعاشرة الشائنة القائمة على الكذِب والخِداع، نخاطب الملوك والسّكّافين بصيغة المفرد على السواء، ولا نُحيّي أحدًا غير حاملين للناس سوى المحبة وغير مُبْدِين احترامًا لسوى القوانين.
"ونلْبسُ كذلِك ثيابًا تختلف عما يلْبس الآخرون بعض الاختلاف وذلك لكي يكون لنا هذا تنبيهًا إلى عدم مشابهتهم ويحْمِلُ الآخرون سِماتٍ دالّةٍ على مقامهم، ونحن نحْمِلُ سِمات التواضع النصرانيّ، ونحن نتجنّبُ مجالس اللهو والمشاهد واللّعِب، وذلك لأن مما يؤلِمُنا أن نُمِل بالتُّرّهات قلوبًا يجب أن تكون عامرة بالله، ونحن لا نحْلِف مطلقًا، حتى أمام القضاء، وذلك لأننا نرى ألاّ يُخْفَض اسمُ الرّبِّ الأعلى في منازعات الناس الساقطة، وإذا ما وجب أن نمْثُل بين أيدي القضاة من أجْل قضايا الآخرين (لأنه لا دعاوى لنا مطلقًا) أكّدْنا الحقيقة بـ"نعمْ" أو بــ"لا"، وصدّق القضاةُ قولنا، وذلك على حين يحْلِف كثيرٌ من النصارى على الإنجيل زُورًا، ونحن لا نذهب إلى الحرب أبدًا، وليس هذا عن خوْفٍ من الرّدى، فعل العكس تُبْصِرُنا نبارِك للساعة التي نلْحقُ فيها بواجب الوجود، وإنما ينشأ ذلك عن كوْننا لسنا ذِئابًا ولا نِموراً ولا كِلابًا، إنما يأتينا ذلك عن كوننا بشرًا، عن كوننا نصارى، ولا يُرِيدُ الرّبُّ، الذي أمرنا بأن نُحِبّ أعداءنا وبأن نصْبِر على الأذى من غير تذمُّر، أن نعْبُر البحر لِذبْح إخوانِنا لا ريْب، وذلك عن جمْعِ أُناسٍ من القتلة، لابسين ثيابًا حُمْرًا وقلانس طولُها قدمان، مواطنين للجندية بصوتٍ يصْدُر عن ضرْب عَصَوين صغيرتين على جلد حمارٍ مشدودِ جيدًا، فإذا ما تمّ النصر في المعارك أضاءت لندن بالأنوار واشتعلت السماء بالأسهم النارية ودوّى الهواء بصلوات الشكر وأصوات الأجراس والأراغِن والمدافع، وهنالك يعْترينا حزنٌ عميقٌ على ما وقع من تقتيلٍ أوجب ابتهاج الجمهُور".
الرسالة الثانية
حوْل الكُوِيكر
ذلك هو الحديث الذي دار بيني وبين ذاك الرجل الشاذِّ، ولكنِ اعتراني دهشٌ أكثر مما تقدّم عندما أتى بي إلى كنيسة الكُوِيكر يوم الأحد التالي، ولِلْكُوِيكر بِيعٌ******** كثيرة في لندن، والبِيعةُ التي جيء بي إليها قريبةٌ من العمُود المشهور الذي يُسمّى النُّصب التذكاريّ، وكان الناسُ مجتمعين حين دخولي مع رائدي، وكان عددُهم نحْو أربعمائة رجل وثلاثمائة امرأة، وكان النساء يحْجُبْن وجوههن بمراوِحهن، وكان الرجال لابسين قُبّعاتِهم الواسعة، وكان الجميع جُلُوسًا صامتين صمتًا عميقًا، وأمُرُّ بينهم من غير أن يرْفع أيُّ واحدٍ منهم بصره إليّ، ويدُوم هذا الصمتُ نحْو رُبْع ساعة، ثم ينْهضُ أحدُهم وينْزع قُبّعته ويزْوي ما بين عيْنيه ويتنهّدُ ويخِنُّ بكلامٍ مبهم مُقْتبسٍ من الإنجيل كما يرى من غير أن يعِي هو أو غيره شيئًا من ذلك، فلما فرغ هذا المُقطِّبُ من مناجاته لنفسه وتفرّق الجمْعُ متأثِّرًا مُتبلِّدًا سألتُ صاحبي الكُوِيكريّ عن السبب في احتمال هؤلاء لِمْثل تلك الحماقات، فقال لي:
"نحن مُلْزمون بالإغضاء عنها، وذلك لأننا لا نستطيع أن نعْرِف هل يكون الرجُلُ الذي ينْهضُ مُلْهمًا عن عقلٍ أو خبل، فنحن، عند الشّكِّ، نسْتمِعُ إلى الجميع صابرين، فنُبِيحُ حتى للنساء أن يتكلّمْن، وفي الغالب يكون اثنتان أو ثلاثٌ من تقِيّاتِنا مُلْهماتٍ معًا، فهنالك، يرتفع ضجيج في بيت الرّبِّ".
- إذنْ، ليس عندكم قُسُوسٌ؟
"ونلْبسُ كذلِك ثيابًا تختلف عما يلْبس الآخرون بعض الاختلاف وذلك لكي يكون لنا هذا تنبيهًا إلى عدم مشابهتهم ويحْمِلُ الآخرون سِماتٍ دالّةٍ على مقامهم، ونحن نحْمِلُ سِمات التواضع النصرانيّ، ونحن نتجنّبُ مجالس اللهو والمشاهد واللّعِب، وذلك لأن مما يؤلِمُنا أن نُمِل بالتُّرّهات قلوبًا يجب أن تكون عامرة بالله، ونحن لا نحْلِف مطلقًا، حتى أمام القضاء، وذلك لأننا نرى ألاّ يُخْفَض اسمُ الرّبِّ الأعلى في منازعات الناس الساقطة، وإذا ما وجب أن نمْثُل بين أيدي القضاة من أجْل قضايا الآخرين (لأنه لا دعاوى لنا مطلقًا) أكّدْنا الحقيقة بـ"نعمْ" أو بــ"لا"، وصدّق القضاةُ قولنا، وذلك على حين يحْلِف كثيرٌ من النصارى على الإنجيل زُورًا، ونحن لا نذهب إلى الحرب أبدًا، وليس هذا عن خوْفٍ من الرّدى، فعل العكس تُبْصِرُنا نبارِك للساعة التي نلْحقُ فيها بواجب الوجود، وإنما ينشأ ذلك عن كوْننا لسنا ذِئابًا ولا نِموراً ولا كِلابًا، إنما يأتينا ذلك عن كوننا بشرًا، عن كوننا نصارى، ولا يُرِيدُ الرّبُّ، الذي أمرنا بأن نُحِبّ أعداءنا وبأن نصْبِر على الأذى من غير تذمُّر، أن نعْبُر البحر لِذبْح إخوانِنا لا ريْب، وذلك عن جمْعِ أُناسٍ من القتلة، لابسين ثيابًا حُمْرًا وقلانس طولُها قدمان، مواطنين للجندية بصوتٍ يصْدُر عن ضرْب عَصَوين صغيرتين على جلد حمارٍ مشدودِ جيدًا، فإذا ما تمّ النصر في المعارك أضاءت لندن بالأنوار واشتعلت السماء بالأسهم النارية ودوّى الهواء بصلوات الشكر وأصوات الأجراس والأراغِن والمدافع، وهنالك يعْترينا حزنٌ عميقٌ على ما وقع من تقتيلٍ أوجب ابتهاج الجمهُور".
الرسالة الثانية
حوْل الكُوِيكر
ذلك هو الحديث الذي دار بيني وبين ذاك الرجل الشاذِّ، ولكنِ اعتراني دهشٌ أكثر مما تقدّم عندما أتى بي إلى كنيسة الكُوِيكر يوم الأحد التالي، ولِلْكُوِيكر بِيعٌ******** كثيرة في لندن، والبِيعةُ التي جيء بي إليها قريبةٌ من العمُود المشهور الذي يُسمّى النُّصب التذكاريّ، وكان الناسُ مجتمعين حين دخولي مع رائدي، وكان عددُهم نحْو أربعمائة رجل وثلاثمائة امرأة، وكان النساء يحْجُبْن وجوههن بمراوِحهن، وكان الرجال لابسين قُبّعاتِهم الواسعة، وكان الجميع جُلُوسًا صامتين صمتًا عميقًا، وأمُرُّ بينهم من غير أن يرْفع أيُّ واحدٍ منهم بصره إليّ، ويدُوم هذا الصمتُ نحْو رُبْع ساعة، ثم ينْهضُ أحدُهم وينْزع قُبّعته ويزْوي ما بين عيْنيه ويتنهّدُ ويخِنُّ بكلامٍ مبهم مُقْتبسٍ من الإنجيل كما يرى من غير أن يعِي هو أو غيره شيئًا من ذلك، فلما فرغ هذا المُقطِّبُ من مناجاته لنفسه وتفرّق الجمْعُ متأثِّرًا مُتبلِّدًا سألتُ صاحبي الكُوِيكريّ عن السبب في احتمال هؤلاء لِمْثل تلك الحماقات، فقال لي:
"نحن مُلْزمون بالإغضاء عنها، وذلك لأننا لا نستطيع أن نعْرِف هل يكون الرجُلُ الذي ينْهضُ مُلْهمًا عن عقلٍ أو خبل، فنحن، عند الشّكِّ، نسْتمِعُ إلى الجميع صابرين، فنُبِيحُ حتى للنساء أن يتكلّمْن، وفي الغالب يكون اثنتان أو ثلاثٌ من تقِيّاتِنا مُلْهماتٍ معًا، فهنالك، يرتفع ضجيج في بيت الرّبِّ".
- إذنْ، ليس عندكم قُسُوسٌ؟
صفحة 9
- كلاّ، يا صاحبي، ونطيبُ نفسًا بهذا، ومعاذ اللّهِ أن نُقْدِم يوم الأحد على الإيعاز إلى أيٍّ كان بأن يفُوز بالروح القُدُس دون غيره من المؤمنين، ونحْمدُ اللّه على أننا وحدنا في الدنيا خالين من قِسِّيسين، أوَتريد أن تنْزِع منا هذا الامتياز البالغ اليُمْنِ؟ لا يلْبثُ هؤلاء المرتزقةُ أن يسيطروا على البيت وأن يجُوروا على الأمّ والولد، وقد قال الربُّ: "مجّانًا أخذتم فمجّانًا أعْطُوا"، وهل نُساوِمُ، بعد هذا الكلام، حوْل الإنجيل؟ وهل نبيع الرُّوح القُدُس؟ وهل تجْعلُ من مجتمع النصارى حانوت تُجّار؟ فنحن لا نهبُ مالًا لمن يلْبسُون ثيابًا سودًا كيْما يساعدون فقراءنا ويدْفِنُون موتانا ويعِظُون المؤمنين. وهذه الأعمال المْقدّسة هي من النّفاسة ما لا نتخلّى عنها لآخرين.
- ولكن كيف تستطيعون أن تُدْرِكوا أن الروح القُدُس هو الذي يُحرِّككم في خُطبكم؟
- لِيُوقِنْ منْ يدْعُو اللّه أن يُنِير بصيرته، ومن يُبشِّرُ بالحقائق الإنجيلية، أن اللّه يُلْهِمُه.
وهنالك يُمْطِرُني وابلًا من نصوص الإنجيل التي يرى أنها تُثْبِت عدم وجود دِيانةٍ نصرانيةٍ بلا وحْيٍ، ويُضِيفُ إلى هذا قوْله:
"إذا ما حرّكْت عُضوًا من أعضائك فهل تُحرِّكه بقُوّتك؟ كلاّ، لا ريْب، وذلك لأن لهذا العضو في الغالب، حركاتٍ غير إرادية، ولذا فإن الذي خلق جسمك هو الذي يُحرِّك هذا الجسم الفاني، وهل أنت الذي يُكوِّن ما تتلقّى نفسُك من أفكار؟ كلاّ، وذلك لأنها تأتيك على الرغم منك، ولذا فإن خالق نفْسِك هو الذي يُعْطيك أفكارك، ولكنْ بما أنه ترك الحرية لفؤادك أعطى نفْسك من الأفكار ما يستحقُّ فؤادُك، فأنت تحْيا في اللّه، وفى اللّه تتحركُ وتُفكِّر، فما عليك، إذنْ، إلاّ أن تفْتح عينيك لهذا النور الذي يُنِير جميع الناس حتى ترى الحقيقة فتُرِيها".وهنالك أصْرُخُ قائلًا: "آه! ذلك هو الأب ملْبرنْش الذي هو بالغُ الطهارة!".
فيقول: "أعرِف مَلْبرنْشك، فقد كان على شيءٍ من الكُويكرِيّة، ولكن ليس بما فيه الكفاية".
فتلك هي أهمُّ الأمور التي عرفْتها عن مذهب الكُوِيكر، وفي الرسالة التالية تروْن تاريخهم الذي تجِدُونه أكثر غرابةً من مذهبهم.
الرسالة الثالثة
حوْل الكُوِيكر
رأيتم أن تاريخ الكُوِيكر يرْجِع إلى زمنِ يسُوع المسيحِ الذي يعُدُّونه أول كُوِيكرِيٍّ، وهم يقولون إن الدِّين فَسُدَ بعد وفاته تقريبًا، وإنه استمرّ على هذا الفساد نحْو ستة عشر قرْنًا، ولكن مع وجود نفرٍ من الكُوِيكر مُحْتجِبِين في العالم دائمًا، ومع العناية بحفظ النار المقدسة الهامدة في كلِّ مكان آخر، وذلك إلى أن انتشر هذا النورُ في إنجلترا سنة 1642.
وبيْنا كانت ثلاثُ طوائف، أو أربعُ طوائف، تُمزِّق بريطانيا العظمى بالحروب الأهلية، وذلك باسم الرّبِّ، عنّ لابن عاملٍ في معْمل حرير، من كُونْتِيّة ليْسِتْر، اسمُه جُورْج فُوكْس، أن يقوم بالوعظ كرسولٍ حقيقيٍّ، فيدْعُو إلى ما يزْعُم، وذلك من غيْرِ أن يعْرِف قراءةً ولا كتابةً، وقد كان شابًّا في الخامسة والعشرين من سِنيه ذا أخلاقٍ خاليةٍ من كلِّ عيْبِ وذا هوسٍ عن قُدُسٍ، وقد كان يلْبسُ رِداءً من جلدٍ ساترٍ لما بين قدميْه ورأسه، وقد كان ينْتقِل بين قريةٍ وقريةٍ صارخًا ضِدّ الحرب وضِدّ الإكليروس، ولو اقتصر وعظُه على رجال الحرب لم يكُنْ في الأمر ما يُخْشى، ولكنه كان يُهاجِم رجال الدين، ولذا لم يلْبثْ أن ألْقِي في السجنِ، ويُؤتى به أمام قاضي الصلح في دِرْبي، ويمْثُلُ فُوكْسُ بين يديْ هذا الحاكم لابسًا قلنْسُوته الجلدية، ويصْفعُه عريفٌ بشدّةٍ وهو يقول له: "ألا تعْرِف، أيها الوغْدُ، أن من الواجب على المرء أن يمثُل بين يدي القاضي حاسر الرأس؟"، ويُدِيرُ فُوكْسُ خدّه الآخر ويَرْجو من العريف أن يلِْطمه مرةً أخرى حُبًّا للّه، ويُرِيدُ قاضي دِرْبِي أن يُحلِّفه قبل أن يسأله، فيقول للقاضي: «اعلم، يا صاحبي أنني لا أعبث باسم الله»، ويُبصر القاضي أن الرجُل يخاطبه بصيغة المفرد فىرْسِلُه إلى دار المجانين حتى يُجْلد، ويذْهبُ جورج فُوكُسُ، وهو يحْمدُ اللّه، إلى هذا المارستانِ حيث لا يُقصّرُ في تنفيذ حكم القاضي تماما، ويُدْهَشُ القائمون بجلْدِه حين رأوْه يرْجُو منهم أن يمُنُّوا عليه بِبِضْعِ جلداتٍ أُخر نفعًا لنفسه، ولم يُبْطِئْ هؤلاء السادة قبول طلبه، وينال فُوكْسُ ضِعْف المفروض، فيشْكُر لهم ذلك من صميم فؤاده، ويأخذ في وعْظِهم، ويُسْخرُ منه في البُداءة، ثم يُسْتمعُ إليه، وبما أن الحِميّة مرضٌ يُكْتسب فقد قنِع كثيرٌ منهم، فكان جلاّدوه تلاميذه الأوّلين.
- ولكن كيف تستطيعون أن تُدْرِكوا أن الروح القُدُس هو الذي يُحرِّككم في خُطبكم؟
- لِيُوقِنْ منْ يدْعُو اللّه أن يُنِير بصيرته، ومن يُبشِّرُ بالحقائق الإنجيلية، أن اللّه يُلْهِمُه.
وهنالك يُمْطِرُني وابلًا من نصوص الإنجيل التي يرى أنها تُثْبِت عدم وجود دِيانةٍ نصرانيةٍ بلا وحْيٍ، ويُضِيفُ إلى هذا قوْله:
"إذا ما حرّكْت عُضوًا من أعضائك فهل تُحرِّكه بقُوّتك؟ كلاّ، لا ريْب، وذلك لأن لهذا العضو في الغالب، حركاتٍ غير إرادية، ولذا فإن الذي خلق جسمك هو الذي يُحرِّك هذا الجسم الفاني، وهل أنت الذي يُكوِّن ما تتلقّى نفسُك من أفكار؟ كلاّ، وذلك لأنها تأتيك على الرغم منك، ولذا فإن خالق نفْسِك هو الذي يُعْطيك أفكارك، ولكنْ بما أنه ترك الحرية لفؤادك أعطى نفْسك من الأفكار ما يستحقُّ فؤادُك، فأنت تحْيا في اللّه، وفى اللّه تتحركُ وتُفكِّر، فما عليك، إذنْ، إلاّ أن تفْتح عينيك لهذا النور الذي يُنِير جميع الناس حتى ترى الحقيقة فتُرِيها".وهنالك أصْرُخُ قائلًا: "آه! ذلك هو الأب ملْبرنْش الذي هو بالغُ الطهارة!".
فيقول: "أعرِف مَلْبرنْشك، فقد كان على شيءٍ من الكُويكرِيّة، ولكن ليس بما فيه الكفاية".
فتلك هي أهمُّ الأمور التي عرفْتها عن مذهب الكُوِيكر، وفي الرسالة التالية تروْن تاريخهم الذي تجِدُونه أكثر غرابةً من مذهبهم.
الرسالة الثالثة
حوْل الكُوِيكر
رأيتم أن تاريخ الكُوِيكر يرْجِع إلى زمنِ يسُوع المسيحِ الذي يعُدُّونه أول كُوِيكرِيٍّ، وهم يقولون إن الدِّين فَسُدَ بعد وفاته تقريبًا، وإنه استمرّ على هذا الفساد نحْو ستة عشر قرْنًا، ولكن مع وجود نفرٍ من الكُوِيكر مُحْتجِبِين في العالم دائمًا، ومع العناية بحفظ النار المقدسة الهامدة في كلِّ مكان آخر، وذلك إلى أن انتشر هذا النورُ في إنجلترا سنة 1642.
وبيْنا كانت ثلاثُ طوائف، أو أربعُ طوائف، تُمزِّق بريطانيا العظمى بالحروب الأهلية، وذلك باسم الرّبِّ، عنّ لابن عاملٍ في معْمل حرير، من كُونْتِيّة ليْسِتْر، اسمُه جُورْج فُوكْس، أن يقوم بالوعظ كرسولٍ حقيقيٍّ، فيدْعُو إلى ما يزْعُم، وذلك من غيْرِ أن يعْرِف قراءةً ولا كتابةً، وقد كان شابًّا في الخامسة والعشرين من سِنيه ذا أخلاقٍ خاليةٍ من كلِّ عيْبِ وذا هوسٍ عن قُدُسٍ، وقد كان يلْبسُ رِداءً من جلدٍ ساترٍ لما بين قدميْه ورأسه، وقد كان ينْتقِل بين قريةٍ وقريةٍ صارخًا ضِدّ الحرب وضِدّ الإكليروس، ولو اقتصر وعظُه على رجال الحرب لم يكُنْ في الأمر ما يُخْشى، ولكنه كان يُهاجِم رجال الدين، ولذا لم يلْبثْ أن ألْقِي في السجنِ، ويُؤتى به أمام قاضي الصلح في دِرْبي، ويمْثُلُ فُوكْسُ بين يديْ هذا الحاكم لابسًا قلنْسُوته الجلدية، ويصْفعُه عريفٌ بشدّةٍ وهو يقول له: "ألا تعْرِف، أيها الوغْدُ، أن من الواجب على المرء أن يمثُل بين يدي القاضي حاسر الرأس؟"، ويُدِيرُ فُوكْسُ خدّه الآخر ويَرْجو من العريف أن يلِْطمه مرةً أخرى حُبًّا للّه، ويُرِيدُ قاضي دِرْبِي أن يُحلِّفه قبل أن يسأله، فيقول للقاضي: «اعلم، يا صاحبي أنني لا أعبث باسم الله»، ويُبصر القاضي أن الرجُل يخاطبه بصيغة المفرد فىرْسِلُه إلى دار المجانين حتى يُجْلد، ويذْهبُ جورج فُوكُسُ، وهو يحْمدُ اللّه، إلى هذا المارستانِ حيث لا يُقصّرُ في تنفيذ حكم القاضي تماما، ويُدْهَشُ القائمون بجلْدِه حين رأوْه يرْجُو منهم أن يمُنُّوا عليه بِبِضْعِ جلداتٍ أُخر نفعًا لنفسه، ولم يُبْطِئْ هؤلاء السادة قبول طلبه، وينال فُوكْسُ ضِعْف المفروض، فيشْكُر لهم ذلك من صميم فؤاده، ويأخذ في وعْظِهم، ويُسْخرُ منه في البُداءة، ثم يُسْتمعُ إليه، وبما أن الحِميّة مرضٌ يُكْتسب فقد قنِع كثيرٌ منهم، فكان جلاّدوه تلاميذه الأوّلين.
صفحة 10
ويُطْلقُ، فيجُوبُ الحُقُول مع نفرٍ من المهتدين حديثًا، ويعِظُ ضِدّ الإكليروس دائمًا فىُجْلدُ حينًا بعد حين، ويُرْبطُ على عمُود التشهير ذات يوم، فيخْطُب في الجُمهور بما أُوتِي من قوة، فيُسْفِرُ هذا عن هداية خمسين من المستمعين، وهو يبلُغ من اجتذاب الباقين ما يُنْقذُ معه من الحُفرة التي كان فيها، ويُبْحث عن الكاهن الأنجليكانيّ الذي أدّى إلى الحكم على فُوكْس بذلك العِقاب، ويُشدُّ إلى عمُودِ التشهير بدلًا منه.
وكان من الجُرْأة ما حوّل معه بعض جنود كُرومْوِيل إلى مذهبه، فتركُوا حِرْفة السلاح ورفضُوا تأدية اليمين، وما كان كُرومْوِيلُ لِيُريد وجود طائفةٍ لا تقول بالقتال مطلقًا، شأن سِيْست كِنْت الذي كان يتطيّرُ بطائفة لم يُنادِ فيها إلى الطِّعان. فيلجأ إلى سلطانه في اضطهاد هؤلاء الطائرين، ويملأ السجون بهم، غير أن الاضطهادات لم تصْلُح لغير صُنْعِ مُهْتدين جُدُدٍ تقريبًا، وذلك أنهم كانوا يخْرُجون من السجون ثابتين على العهد متبوعين من قِبلِ من هدَوْا من السّجّانين، ولكنْ إليك أكثر ما ساعد على انتشار المذهب، وذلك أن فُوكْس كان يعتقد أنه مُلْهِمٌ، فرأى وجوب كلامه بأسلوبٍ يخالف أساليب الآخرين، ويأخذ في الارتجاف والتّشنُّج والتقطيب وحبْسِ النّفس وإخراجه بشِدّة، ولم تكُنْ كاهنةُ دِلْف لتفْعل أحسن من هذا، وينالُ في زمنٍ قليل عادةً في الإلهامِ كبيرةً، ولم يلْبثْ أن صار عاجزًا عن الكلام على وجهٍ آخر، وكانت هذه أول هِبةٍ حَبَا بها أتباعه، وهم زووْا ما بين عيونهم على غِرار مُعلِّمِهم كان هذا عن حُسْن نيةٍ، وهم يهْتزُّون بما أُوتُوا من قوةٍ حين الإلهام، ومن هنا تسمّوْا بالكُوِيكر، أي بالمرتجفين، ويرتجفون ويخنُّون ويتشنّجُون، ويُعْتقدُ تدارُكُهم بالبوح القُدُس، وكان لا بُدّ لهم من معجزاتٍ، فأتوْها.
قال الأبُ فُوكْس لقاضي الصلح أمام جمعٍ كبير: "يا أيها الصاحب، احْذرْ، فالرّبُّ سيُعجِّل لك العقاب من أجْلِ اضطهادكِ أولياءه"، وكان هذا القاضي سِكِّيرًا شاربًا للجِعة الرديئة والخمرة ليل نهار، ويُمُوت بداء السكتة بعد يومين، كما لو كان الحادثُ مِثْل إمضائه أمرًا بإرساله بعض الكُوِيكر إلى السجن، ولم يُعْزَ هذا الموتُ الفجائيُّ، قطُّ، إلى إفراط القاضي، بل عدَّه جميعُ الناس نتيجةً لنُبُوءة ذاك الِقدِّيس.
وقد نشأ عن هذه الوفاة من تحوّلٍ إلى الكُوِيكرية أكثر مما يؤدِّي إليه ألْفُ وعْظٍ وألفُ تشنُّج، ويُبْصرُ كرُومويلُ ازدياد عددهم يومًا بعد يوم فيُرِيد اجتذابهم إليه، فيعرِض عليهم مالًا فيجِدُهم أعِفّاء، ويقول كرُومْوِيلْ إن هذه الدِّيانة هي الوحيدة التي لم يستطع أن ينتصر عليها بالجُنيْهات.
أجلْ، إنهم اضْطُهِدُوا في عهد شارل الثاني أحيانًا، ولم يقعْ هذا بسبب دِيانتهم، بل نشأ عن عزمهم على عدم إيتاء الإكليروسِ زكاةً، وعن مخاطبتهم الْقضاة بصيغة المفرد، وعن امتناعهم عن تأدية اليمين كما يأمر القانون.
وأخيرًا يُقدِّم الإسْكتْلندِيُّ، روُبِرْت بارْكلي، إلى الملك رسالة "اعتذار الكوِيكر"، وكان هذا في سنة 1675، وكان الكتابُ أحسن ما يُمْكِن أن يكون، وتشتمل هذه الرسالةُ المُهْداةُ إلى شارل الثاني على حقائق جريئةٍ ونصائح صائبةٍ، لا على مُداهناتٍ دنيئة.
وقد قال في آخر هذه الرسالة: "لقد ذُقْت حلاوةً ومرارةً، كما ذُقت يُسْرًا وأقصى ما يكون من بلاء، وقد طرِدْت من البلاد التي تحْكُم فيها، وقد شعرْت بثِقل الضّيْم وبمقدار ما يكون الباغي ممقوتًا عند اللّه والناس، فإِذا ما قسا قلبك بعد الذي أصابك من مِحنٍ كثيرة وبركاتٍ وافرة، وإذا ما نسِيت أن اللّه ذكرك في نكباتك كان جُرْمُك عظيمًا ونِلْت عِقابًا شديدًا، ولذا فاستمع إلى صوْتِ الضمير الذي لا يخادعك مطلقًا، بدلا من الإصغاء إلى مُتملِّقِي بلاطِك، وتراني صديقك التابع المخلص: بارْكلِي".
وأغربُ ما في الأمر كوْنُ هذا الكتابِ مُوجّهًا إلى الملك من قِبل رجلٍ وضيعِ القدْر فاتّفق له من الأثر ما زال معه الاضطهاد.
الرسالة الرابعة
حُوْل الكُوِيكر
ويظْهرُ، حواليْ هذا الزمن، وِليم بن الشهيرُ الذي أقام سلطان الكُوِيكر بأمريكا وجعلهم محترمين في أوربا ما استطاع الناسُ أن يحترموا الفضيلة مُضْمرةً تحت ظواهر مثيرةٍ للسُّخْرية، وكان وِليم بن ابنًا وحيدًا للفارس بن، أي لنائبِ أمرِ البحر بإنجلترا والمقرب لدى دُوق يُورْك الذي صار جيْمس الثاني.
وقد حدث أن الْتقى وِلْيم بن، وهو في الخامسة عشر من سِنيه بكُوِيكريّ في أُكْسفُورد حيث كان يدْرُس، فأقنعه هذا الكُوِيكريُّ، ولم يلْبث الشابُّ النشيط، الفصيحُ بفطرته، والذي تدُلُّ سيماه وأوضاعُه على الشّرف، أن فاز ببعض زملائه، ويُقِيمُ، من حيث لا يدْري، جمعيةً من فِتْيان الكُويكر الذين كانوا يجتمعون في منزله، فيجِدُ نفسه رئيسًا لطائفةٍ وهو في السادسة عشر من عُمُره.
وكان من الجُرْأة ما حوّل معه بعض جنود كُرومْوِيل إلى مذهبه، فتركُوا حِرْفة السلاح ورفضُوا تأدية اليمين، وما كان كُرومْوِيلُ لِيُريد وجود طائفةٍ لا تقول بالقتال مطلقًا، شأن سِيْست كِنْت الذي كان يتطيّرُ بطائفة لم يُنادِ فيها إلى الطِّعان. فيلجأ إلى سلطانه في اضطهاد هؤلاء الطائرين، ويملأ السجون بهم، غير أن الاضطهادات لم تصْلُح لغير صُنْعِ مُهْتدين جُدُدٍ تقريبًا، وذلك أنهم كانوا يخْرُجون من السجون ثابتين على العهد متبوعين من قِبلِ من هدَوْا من السّجّانين، ولكنْ إليك أكثر ما ساعد على انتشار المذهب، وذلك أن فُوكْس كان يعتقد أنه مُلْهِمٌ، فرأى وجوب كلامه بأسلوبٍ يخالف أساليب الآخرين، ويأخذ في الارتجاف والتّشنُّج والتقطيب وحبْسِ النّفس وإخراجه بشِدّة، ولم تكُنْ كاهنةُ دِلْف لتفْعل أحسن من هذا، وينالُ في زمنٍ قليل عادةً في الإلهامِ كبيرةً، ولم يلْبثْ أن صار عاجزًا عن الكلام على وجهٍ آخر، وكانت هذه أول هِبةٍ حَبَا بها أتباعه، وهم زووْا ما بين عيونهم على غِرار مُعلِّمِهم كان هذا عن حُسْن نيةٍ، وهم يهْتزُّون بما أُوتُوا من قوةٍ حين الإلهام، ومن هنا تسمّوْا بالكُوِيكر، أي بالمرتجفين، ويرتجفون ويخنُّون ويتشنّجُون، ويُعْتقدُ تدارُكُهم بالبوح القُدُس، وكان لا بُدّ لهم من معجزاتٍ، فأتوْها.
قال الأبُ فُوكْس لقاضي الصلح أمام جمعٍ كبير: "يا أيها الصاحب، احْذرْ، فالرّبُّ سيُعجِّل لك العقاب من أجْلِ اضطهادكِ أولياءه"، وكان هذا القاضي سِكِّيرًا شاربًا للجِعة الرديئة والخمرة ليل نهار، ويُمُوت بداء السكتة بعد يومين، كما لو كان الحادثُ مِثْل إمضائه أمرًا بإرساله بعض الكُوِيكر إلى السجن، ولم يُعْزَ هذا الموتُ الفجائيُّ، قطُّ، إلى إفراط القاضي، بل عدَّه جميعُ الناس نتيجةً لنُبُوءة ذاك الِقدِّيس.
وقد نشأ عن هذه الوفاة من تحوّلٍ إلى الكُوِيكرية أكثر مما يؤدِّي إليه ألْفُ وعْظٍ وألفُ تشنُّج، ويُبْصرُ كرُومويلُ ازدياد عددهم يومًا بعد يوم فيُرِيد اجتذابهم إليه، فيعرِض عليهم مالًا فيجِدُهم أعِفّاء، ويقول كرُومْوِيلْ إن هذه الدِّيانة هي الوحيدة التي لم يستطع أن ينتصر عليها بالجُنيْهات.
أجلْ، إنهم اضْطُهِدُوا في عهد شارل الثاني أحيانًا، ولم يقعْ هذا بسبب دِيانتهم، بل نشأ عن عزمهم على عدم إيتاء الإكليروسِ زكاةً، وعن مخاطبتهم الْقضاة بصيغة المفرد، وعن امتناعهم عن تأدية اليمين كما يأمر القانون.
وأخيرًا يُقدِّم الإسْكتْلندِيُّ، روُبِرْت بارْكلي، إلى الملك رسالة "اعتذار الكوِيكر"، وكان هذا في سنة 1675، وكان الكتابُ أحسن ما يُمْكِن أن يكون، وتشتمل هذه الرسالةُ المُهْداةُ إلى شارل الثاني على حقائق جريئةٍ ونصائح صائبةٍ، لا على مُداهناتٍ دنيئة.
وقد قال في آخر هذه الرسالة: "لقد ذُقْت حلاوةً ومرارةً، كما ذُقت يُسْرًا وأقصى ما يكون من بلاء، وقد طرِدْت من البلاد التي تحْكُم فيها، وقد شعرْت بثِقل الضّيْم وبمقدار ما يكون الباغي ممقوتًا عند اللّه والناس، فإِذا ما قسا قلبك بعد الذي أصابك من مِحنٍ كثيرة وبركاتٍ وافرة، وإذا ما نسِيت أن اللّه ذكرك في نكباتك كان جُرْمُك عظيمًا ونِلْت عِقابًا شديدًا، ولذا فاستمع إلى صوْتِ الضمير الذي لا يخادعك مطلقًا، بدلا من الإصغاء إلى مُتملِّقِي بلاطِك، وتراني صديقك التابع المخلص: بارْكلِي".
وأغربُ ما في الأمر كوْنُ هذا الكتابِ مُوجّهًا إلى الملك من قِبل رجلٍ وضيعِ القدْر فاتّفق له من الأثر ما زال معه الاضطهاد.
الرسالة الرابعة
حُوْل الكُوِيكر
ويظْهرُ، حواليْ هذا الزمن، وِليم بن الشهيرُ الذي أقام سلطان الكُوِيكر بأمريكا وجعلهم محترمين في أوربا ما استطاع الناسُ أن يحترموا الفضيلة مُضْمرةً تحت ظواهر مثيرةٍ للسُّخْرية، وكان وِليم بن ابنًا وحيدًا للفارس بن، أي لنائبِ أمرِ البحر بإنجلترا والمقرب لدى دُوق يُورْك الذي صار جيْمس الثاني.
وقد حدث أن الْتقى وِلْيم بن، وهو في الخامسة عشر من سِنيه بكُوِيكريّ في أُكْسفُورد حيث كان يدْرُس، فأقنعه هذا الكُوِيكريُّ، ولم يلْبث الشابُّ النشيط، الفصيحُ بفطرته، والذي تدُلُّ سيماه وأوضاعُه على الشّرف، أن فاز ببعض زملائه، ويُقِيمُ، من حيث لا يدْري، جمعيةً من فِتْيان الكُويكر الذين كانوا يجتمعون في منزله، فيجِدُ نفسه رئيسًا لطائفةٍ وهو في السادسة عشر من عُمُره.