eKtab
EN ع
رسائل حب بالأبيض والأسود
اقرأ عينة مجانية

رسائل حب بالأبيض والأسود

بقلم طلال زينل سعيد

صفحة 1

الإهداء

إلى معلّمي الأوّل في الحياة ((جمال بشير مصطفى))...

تعلّمت منك أنّ الحياةَ أوسعُ وأعمقُ وأخصبُ كثيراً ممّا نرى..

وأنّ الجبلَ مدرسة، والبحرُ مدرسة، والسفرُ مدرسة..

وأنّ صوتَ فيروز ثقافةٌ ورقيٌّ وسعادةٌ وفضاءٌ جميلٌ بلا حدود..

وأنّ الصداقةَ أرقى فنون الاختيار..

وأنّ المعرفةَ في أن تصغي جيداً، وأن ترغمَ الآخرين على الإصغاء لك..

وأنّ متعةَ العملِ في أن يكون إنسانياً خلاقاً حافلاً بالعطاء..

تعلّمتُ منك....

أن أصنعَ الواقعَ وأبتكرَه لا أن أكون من صُنعِه..

وأن أعوّدَ عينيّ على النظر إلى الشمسِ حتى وهي غائبة..

وأن أكونَ أنا دائماً لا غيري..

أنت معلّمي، ومحمّد صابر عبيد أستاذي، أطلّ من وحي حبكما على الصحراء فتتحوّل إلى بحر، وعلى البادية فتتحوّل إلى مروجٍ خضرٍ، وإلى العراق الجريح فيتحوّل إلى كرنفالٍ من المحبّة والعافية والحضارة.

صفحة 2

المقدمة

هذا الكتاب هو كتاب محبّة واعتزاز وإعجاب واعتراف بالجميل في المقام الأول، وأنا أتابع ما يكتبه أستاذي الشاعر الناقد والأكاديميّ البارع الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، استهوتني فكرة التقاط بعضٍ من غباره الذهبيّ وهو يتناثر على الأرجاء كلّها، وكنت قدّمت في كتاب سابق حوارات منتخبة جمعتها من مجلات وصحف كشفت عن جزء من شخصيته التي ربما لا يعرفها الكثير، في كتابـي الذي صدر عن دار نينوى في دمشق بعنوان ((أنفاس الغابة))، غير أنّ فضولي لم يُشبع على النحو الذي ظللت أتابع فيه ما ينشره هنا أو هناك ولا يخرج مجموعاً في كتاب من كتبه وقد ملأت الدنيا وشغلت الناس، بين تهليلِ محبّ وغمزِ كارهٍ وإشاعةِ حاقدٍ وحيرى حسودٍ، وو و، كتابٌ يحمل أنفاسه ورائحته ورؤيته، من أجل أن أضع اسمي عليه متشرفاً بإعداده وكتابة مقدمة له، فمن متعة التلمذة على يديه، ومتعة العمل تحت إشرافه، إلى متعة الكتابة عنه، مشوار لا ينتهي من متعة كلّها فائدة ومعرفة وثقافة واطلاع وصداقة للكلمة والدلالة والمعنى والخطاب والنصّ والإنسان.

ومع أنّ اهتمامه الكبير والواسع والمعمّق في مجال النقد وقد أصدر عشرات الكتب النقدية التي صارت مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لأيّ دارس وباحث في الشعر الحديث أو السرد الحديث أو السيرة، ومن ثمّ اهتمامه بالشعر وهو الشاعر أولاً كما يقول دائماً، وأصدر جملة من الدواوين الشعرية التي حظيت باهتمام الدرس النقديّ والأكاديميّ، إلاّ أنّ له من اللطائف الكتابية الخارجة على النقد والشعر بمعناهما التجنيسيّ الواضح، لكنها تنهل منهما ما تشاء، رسائل بالأبيض والأسود وزّعتها في كتابـي هذا بين (البورتريهات) التي رسم فيها وجوه وضمائر بعضٍ من أصدقائه، و(نوافذ) كرّسها للكتابة عن حالات وجدانية عميقة لا تبتعد كثيراً عن البورتريهات لكنّها تروي حكايات من وحي الذاكرة، فيها الأصدقاء، وفيها المواقف، وفيها الأحلام، وفيها كلّ ما يجعل من النافذة وسيلة لتلمّس جوهر محمد صابر عبيد وقيمته وفنّه، وأنت تسمع موسيقاه، وترى ألوانه، وتشمّ عبق الورد في كلماته العاشقة، وتنتظر منه ما لا يُنتظر.

سبق للدكتور محمد صابر عبيد أن أصدر كتابه الرسائليّ الأول بعنوان ((رسائل حبّ بالأزرق الفاتح)) عام 2006، ومن ثمّ استكمل كتابه هذا بباقة أخرى من رسائله وأصدره بكتاب ثانٍ عنوانه ((سيرة الجسد وصهيل المطر الجريح)) عام 2009، وكان هذا النوع من الكتابة يتموّج بين السرد والشعر والتشكيل والموسيقى، فهو يأخذ من الفنون كلّها ويعجنها بسبيكة كتابية خاصة لا تشبهها كتابة، فهو يكتب رسائله راسماً فيها وجوه أصدقائه، ووجوه الأمكنة، ووجوه الأزمنة، ووجوه الفضاءات، بكلّ حرية وأملٍ ورغبة، رسائله هذه وقد لونّاها بالأبيض والأسود للتعبير عن أصالتها وسحرها وعفويتها وصدقها، فإذا كانت رسائله التي لوّنها بالأزرق الفاتح ذهبت في سياق معيّن يحيل عليه هذا اللون المنتخب، فإنّ هذه الرسائل التي لونّاها بالأبيض والأسود تشتغل في منطقة أخرى لا تقلّ إنسانية وحباً وقيمة عنها، وربما تتشابه بعضها مع بعض رسائله في كتابه ((سيرة الجسد وصهيل المطر الجريح)) لكنّها عندنا ذات نكهة مختلفة، تأخذها من طبيعة الغموض اللونيّ وسحره وأناقته بين الأبيض والأسود، على الصعيد التشكيليّ، وعلى الصعيد الفلسفيّ والسيميائيّ أيضاً.

صفحة 3

فنّ الرسائل على النحو الذي يكتبه الدكتور محمد صابر عبيد ما هو سوى محاولة للعودة بهذا الفنّ العربيّ القديم إلى مجده الزاهر، يوم كان يضاهي الشعر ولاسيما في العصر العباسيّ حيث كان الكاتب أحياناً أهمّ من الشاعر، وكانت الرسائل تقسم على أقسام بحسب هوية الرسالة ومنهجها وفلسفتها ومقصديتها، وحيث كان كتّاب السلاطين ينعمون بالحياة الرغيدة من وراء أقلامهم في تدبيج الرسائل، كان غيرهم ممن اختار الاستقلالية والانتماء إلى طبقة فقراء الناس يكتبون أجمل الرسائل لكنّ حياتهم ظلّت متعثّرة شقيّة، ومن يعود إلى رسائل أبـي حيان التوحيديّ من جهة، وأنداده من كتّاب السلاطين من جهة، سيرى ذلك بوضوح ودقة.

لكنّ رسائل الدكتور محمد صابر عبيد ليست سلطانية ولا توحيدية، بل هي رسائل حبّ يكتبها كما يكتب قصيدة، لا يعبّر فيها سوى عن ذاته، وعن لونه، وعن رؤيته، وعن فضائه الشخصيّ الخاصّ خصوصية الشمس والقمر والسنبلة الخضراء والليل الصافي والنهار المشرق، رسائله ليست سوى إمضاءات يوقّع فيها على نسمةٍ عابرةٍ، أو موجةٍ خاطفةٍ، أو إغفاءةٍ حالمةٍ، أو ضحكةٍ نادرةٍ تخرج من القلب إلى القلب.

أسلوب الكتابة عنده أسلوب نوعيّ فائق الخصوصية، وكلّ رسالة تحتوي على الفكرةِ والحِكمةِ والنكتةِ والمفارقةِ والصورةِ المكتظّة بالمعنى والقيمة والرؤية، يتداخل فيها السرديّ بالشعريّ، والدراميّ بالملحميّ، والتعبير بالتصوير، في لغة أنيقة موقّعة تخلو من الزوائد، هي أشبه بمنحوتةٍ أو لوحةٍ أو مقطوعةٍ موسيقيةٍ أو رقصةِ باليه، كتابةٌ لها رائحةٌ أخّاذةٌ تنبثق من خلل الكلمات وزوايا الصور وحرارة المواقف وإيقاع المشاهد وفلسفة الأفكار وفيض المحبة.

لن أطيل في التقديم حتى لا أكرّر من فيض الإعجاب ما قلته في مقدمة كتابـي السابق عنه ((أنفاس الغابة))، مع أنني أحبّ أن أكرّر ذلك دائماً مهما قيل عن مساوئ التكرار في علم الأسلوب والأسلوبية، فالحبّ هو الوحيد الذي يتكرّر عندنا من دون تكرار، وحسبـي أنني أحبّ أستاذي وصديقي الكبير محمد صابر عبيد، وإليكم من رسائله ما رسمه بالأبيض النقيّ والأسود العميق حيث أصالة اللون وأناقته وسحره وديموته.

صفحة 4

بورتريهات

- محمد صابر عبيد بقلمه

- نزار قبّاني

- عبد الوهاب البياتيّ

- عبد الرزاق عبد الواحد

- عبد الرحمن مجيد الربيعيّ

- عبد الستار ناصر

- محمد القيسيّ

- إبراهيم نصر الله

- عمر الطالب

- محمد مردان

- حسن حميد

- حسن سليفاني

صفحة 5

محمّد صابر عبيد بقلمه

أعرف طبعاً أنّ العرب لا يحبّذون حديث النفس، لأنّه يدخل عندهم أخلاقياً في باب الغرور والنرجسية وحبّ الذات، لكنني حين قرأت ((رولان بارت بقلم رولان بارت)) وهو كتاب إيروسيّ في المقام الأوّل على أيّة حال، اكتشفت كم أنّ بوسع المرء أن يتحدث عن نفسه بأهمية وجدانية وروحية وثقافية وفلسفية لا تضاهى، ربما يتاح للمرء أحياناً أن يلتقي بأناس حميمين ومخلصين وقريبين جداً من النفس والروح والرؤيا والمثال، يتدربّون بحكم زمنِ التعامل والتفاعل والمحبة والثقة والصدق المناسب على معرفته وفهمه وإدراك قيمه الداخلية العميقة وفضاءاته الواسعة، غير أنّ ثمّة طبقات عصيّة وغائرة وغائبة ومسكوتاً عنها ليس بوسع أحدٍ- مهما كان- اكتناهها وتقصّيها والوقوف عليها وتلمّس محتوياتها بدقة ومعرفة ويقين وحسم.

ولي أن أقدّم نفسي هنا بقلمي، حيث بوسعي أن أتجوّل حراً في الزوايا المظلمة، والنتوءات الغامضة، والكهوف التي لا يسمح الدخول إليها، والمغاور التي تختزن الأسرار والمسرّات والخطايا الجميلات، كلّما كان ذلك ممكناً ومتاحاً وضرورياً وقابلاً للحديث في الوقت الراهن على الأقل.

عرفت مبكراً أنني سأكون كاتباً ورحت أتغذى على هذا الحلم، وأرعاه بما تيسّر لي من الأماني الممكنات، وأرسم ملامحه، وأصوّر شكله، وأستعين بما تطاله يديّ من الأدوات المتاحة كي أسرّع في تحقيقه ما وسعني ذلك، فقرأت الكثير من الكتب التي سرعان ما اكتشفت أنها لا تسهم عميقاً في اكتشاف منطقة الحلم كما يجب، وكانت البيئة التي أعيش فيها غير معنية البتة بأحلامي، ولم يكن في محيطي من يعلّمني كيف يمكن أن أعيش الحلم وأتوغل فيه وأتمكّن منه، الكلّ معنيون بنشيد العيش المرّ، يتلمّسون شمس الواقع بكلّ ما فيها من حرارة وبلادة وقهر، ولا وقت لديهم للحلم.

ربما كنت غريباً وضعيفاً ومشتتاً وهشّاً وسريع العطب، أنفقت وقتاً كثيراً ألعب بأغلب التوافه التي كانت تتوافر في ما حولي، وربما كانت رغبتي العنيفة بالمقامرة بشتى أنواعها ليست سوى تعبير عن الضيق بمحدودية ما أرى وألمس وأعي وأتخيّل، فانغمست بشتّى أنواع المقامرات من أبسطها حتى أعقدها، فكنت بسبب ذلك من روّاد المقاهي المدمنين، وتعرّضت لمطاردات من والدي الذي كان يرى في ذلك عملاً مشيناً، لكنني لشدّة ولعي فيه ظللت أمارسه بشغف ومتعة، ربما حتى وقت متأخر من حياتي حيث شعرت بنوع من الإشباع فتركته تماماً.

كنت أشعر بقوة أنّ لديّ ما يحتاج إلى رعاية وسقاية وعناية واهتمام وكشف، لكنّ أحداً لم يساعدني في ذلك في وقت كنت فيه بأمس الحاجة إلى من يدرك معاناتي ويشعر برغبتي الجامحة في معرفة نفسي، كنت ضائعاً لا أعرف ماذا أفعل، ثمة شيء في أعماقي يثور ويتفجر ويبحث عن مفاتيح للانطلاق يكاد يخنقني، حتى كنت لا أهتمّ بدروسي كثيراً مع من أنني أنجح دائماً، أعترف هنا أنّ طفولتي كانت معذّبة ومرتبكة وقلقة وليست على ما يرام، كنت مهموماً بأشياء لا أعرفها على وجه التحديد، اتسمت طفولتي على العموم بالانغلاق وقلّة الفرح وكبح جماح الرغبات.

وحين عرفتْ قريتي ((زمار)) الكهرباء وصل أول تلفزيون إلى مقهى ((محمد الكامل)) الذي كان يتقاضى ((عشرة فلوس)) ثمن الجلوس وعشرة أخرى ثمناً للشاي، وحيث سحرني هذا التلفزيون العجيب بدأتْ مشكلةٌ أخرى مع أبـي الذي كان يحرص على أن لا أتأخر ليلاً حتى يغلق التلفزيون شاشته والمقهى أبوابها، وأنا آخر من يغادر المقهى لأجد باب بيتنا مقفولاً وأضطر إلى إيقاظ الجيران كي أصعد على سطوح بيوتهم ومنها إلى بيتنا، وعلى الرغم من ذلك لا يعفيني أبـي من عقوبات كانت قاسية جداً وقتها، ولم أتعب من الاستجابة لرغباتي مهما كانت قسوة العقوبات وعنفها.

ثمة مرحلة طفولة أجدها نائية جداً تتلبث في أقاصي الذاكرة مشحونة بالكثير من الضباب والظلام والغبار تسبق هذه المرحلة غير قابلة للتمييز والتعيين والاستعادة، كان فيها أبـي يتعالج من مرض التدرّن الرئويّ في بيروت، مع مجموعة من عمال شركة نفط الشمال في حقول نفط عين زالة، إذ ابتعثتهم الشركة إلى مصحّات هناك للعلاج استغرقت بعثتهم ربما ثلاث سنوات أو أكثر، وكان أخوالي هم من يشرفون على رعايتنا مع اهتمام يبدو لي الآن بسيطاً لا أتذكره مليّاً من عمي الذي هو ابن عم والدي، لأنّ أبـي ليس له أخوة ولديه أخت وحيدة من زوجة أبيه الثانية كانت بالنسبة لي أكثر من أمّ، وليس بوسعي الحديث عن هذه المساحة من طفولتي أكثر لأنني حين التفت إليها في الحقيقة لا أجد ما يمكن الحديث عنه على وجه الدقّة والوضوح والضرورة والأهمية.

تفتّح وعيي مبكراُ، نعم، ولكن بلا فائدة كبيرة، إذ كان هذا الوعي المتفتّح مبكراً بحاجة إلى تثقيف وتمرين وتمتين وتخصيب وإثراء، لكن شيئاً من هذا لم يحصل حتى وقت متأخر جداً، فأين هذا الذي يمكنه أن يساعدني في مجتمع لا يهمه سوى التفكير المحدود في لقمة العيش، وكان مضرب شركة حقول نفط عين زالة قبلةً لكلّ أبناء القرية التي ما أن يحصل أحدهم فيها على أيّ عمل- مهما كان متواضعاً أو وضيعاً- حتى يعتقد بأنه نجا وأنّ أبواب القدر الغامض انفتحت له، وغير ذلك كان الفلاحون ينتظرون مواسم حصاد الحنطة والشعير ليرتّبوا أمورهم المعيشية على أساسها، وكم تعذّب الناس في سنوات القحط التي يقلّ فيها كرم الطبيعة ويكون شتاؤها الغادر بلا أمطار.

صفحة 6

وهكذا ظللت ضائعاً أبحث عن شيء مفقود لا أعرف ما هو، حتى بلغت مرحلة الدراسة المتوسطة حيث عاد قبلها أبـي بسنوات من رحلته العلاجية، وكنّا في وضع معيشيّ معقول نسبياً إذ كان أبـي لا يألو جهداً في أن يرتّب وضعنا على نحو مقبول، ولم يكن هذا مما يدخل في دائرة اهتماماتي كثيراً حيث كنت مشغولاً بشيء آخر، وكنت في هذه المرحلة مهووساً بالمجلات التي بوسعي الحصول عليها من أيّ مصدر كان، أقرأها بنهم ولذّة من الغلاف إلى الغلاف وكلما التقطت عنواناً لشركة أو مؤسسة أو مجلة أو نادٍ ثقافيّ أدبّج فوراً رسالة وأبعثها بالبريد.

على هذا النحو تشكّلت علاقتي بدائرة البريد وموزّع البريد، إذ كان المكان والإنسان فيهما مصدراً أساساً من مصادر سعادتي المتواضعة حينها، وربما كانت رغبتي في الكتابة هي التي تقودني إلى تمثيلها عن طريق كتابة الرسائل بشكل مستمر، إذ كنت أكتب رسالة في كلّ يوم على الأقل، وانعكس هذا التدريب الفطريّ غير الواعي على أسلوبـي في الكتابة فكنت من أفضل طلبة المدرسة في كتابة الإنشاء، وهو الدرس الذي يَختبرُ فيه مدرّس اللغة العربية قابلية الطلبة على التعبير، وفعلاً فوجئ الكثير من المدرسين بطريقتي في الكتابة وكانوا يطلبون مني قراءة موضوعي أمام الطلبة كي يكتشفوا إذا ما كنت قد نقلته من مرجع أو كتبه لي أحد ممن يجيد الكتابة.

كتبت أول قصيدة وأنا في الصف الثالث المتوسط، أي بعمر 15 سنة تقريباً، ثم بعدها بقليل اكتشفت مع صديقي أحمد جدوع- الذي كان شاعراً أيضاً- نـزار قباني والبياتي، ورحنا أنا وهو نكتب قصائد يومية في المدرسة، ونتبادل الأفكار التي كنا نقول عنها فلسفية، إذ هو يكتب فكرة وأنا أعلّق عليها، ثم يعود هو ليعلّق على ما أكتب، وهكذا، وكنا نلمس من بعض الأساتذة المختلفين شيئاً من التشجيع، لكننا مع كلّ المضايقات التي كنا نتعرض لها بسبب نـزار قباني أو الشعر الحديث مضينا في مشوارنا، غير أنّ صديقي أحمد للأسف توقّف مع من أنه كان يتفوّق عليّ في موهبة أخرى يمتلكها وهي الرسم، ولا أدري لماذا كنت أحلم دائماً أن أصبح رساماً غير أنّ الفرشاة اللئيمة كما يبدو لم تخلق لأصابعي، وهكذا ظلّ هذا الحلم رهين رغبة خامدة لم يكتب لها التفتّح أبداً.

أنهيت دراسة البكالوريا في الفرع الأدبيّ الأول على دفعتي في ((ثانوية زمّار للبنين)) بمعدل قارب الـ85%، وكان هذا المعدّل يؤهلني بطبيعة الحال لدخول أيّة كلّية مخصّصة للفرع الأدبيّ، واخترت كلّية التربية في دورتها الأولى حيث كانت كلّية الآداب التي عزمت على دخولها أولاً قد توقفت عن قبول الطلبة في ذلك العام، ودخلت قسم اللغة العربية الذي كان يلائم تطلعاتي في الكتابة والقراءة الأدبية، وأقمت مع ثلة من أصدقائي الزماريين في الأقسام الداخلية داخل بناية الجامعة، وكتبت أول مقال عنوانه ((الملامح الصوفية في شعر البياتيّ)) نشرته لي مجلة الجامعة التي كانت منبراً ثقافياً مهماً في الزاوية الطلابية، وقد تقاضيت عليه مبلغاً قدره خمسة دنانير يمكنه بكلّ بساطة أن يغطي نفقاتي البسيطة مدة أسبوعين، واستمررت في ذلك، ووجدت فيما بعد مجالاً آخر للنشر مقابل مكافأة جيدة في جريدة ((الحدباء)) الثقافية الموصلية التي نشرت لي عشرات المقالات والقصائد، وهكذا وجدت شيئاً من ضالتي.

كانت ثمة مسابقة ثقافية مهمة لطلبة الجامعة مخصصة لكتابة البحوث الأدبية، اشتركت فيها أول مرة وأنا طالب في السنة الثالثة ببحث عنوانه ((الليل في شعر البياتيّ))، وفاز بالجائزة الأولى، ونشره بعد ذلك أستاذي الدكتور عمر الطالب- الذي كان يرعاني بقدر علاقة الأستاذ بتلميذ جيد- في متن مجلة الجامعة بوصفه مديراً للتحرير، وتسلّمت عليه شيكاً بمبلغ خمسين ديناراً، وكان هذا المبلغ بالطبع ثروة، ثم في السنة الرابعة اشتركت ببحث عنوانه ((اللون في شعر نـزار قباني)) فاز أيضاً بالجائزة الأولى ونشر في مجلة الجامعة على حلقتين، وظلّ هذا الموضوع الخاصّ بشعرية نـزار قباني اللونية يلاحقني، وحين عقدت صداقتي مع نـزار قباني وعدته أن أحوّل هذا البحث إلى كتاب لكنني لم أفِ بوعدي، وعوّضت ذلك أن أعطيت الموضوع لأحد طلبتي لينجز فيه رسالة ماجستير بالعنوان نفسه، وقد أكون وفيت بوعدي على نحو ما.

عيّنت مدرساً للغة العربية فور تخرّجي نهاية عام 1979 في الثانوية التي تخرجت فيها، فقد كنت الأول على الكلية وكان بوسعي اختيار أفضل مكان للتعيين، وسعيت في الثانوية إلى أن أنجز جزءاً من مشروعي في الكتابة والتفكير والرؤية والحلم، واستجاب الكثير من طلبتي لمشروعي، كنت أدرّس بطريقة مختلفة لم يألفها الواقع التدريسيّ هناك، حتى أنني في إحدى المحاضرات- وبجرأة غير مسبوقة- جلبت إلى الصف الخامس الأدبيّ السيمفونية الريفية لبيتهوفن، شرحت لهم حركاتها بالتفصيل ثم أسمعتهم إياها كاملة داخل الدرس، وكنت أجلب لهم الكتب الحديثة وأطالبهم بالقراءة والاستمتاع والتحليل، وحين ألتقي الآن بعض طلبتي في تلك المرحلة ممن كان تأثيري فيهم ظاهراً وجوهرياً أفخر كثيراً بأنني أنجزت شيئاً- ولو بسيطاَ- كنت أحلم به وما زلت.

في عام 1982 حيث كنت جندياً في مدرسة ضباط صف المشاة في الموصل بعد ثلاث سنوات تأجيل من الخدمة العسكرية لغرض التعيين، أخبرني أحد الأصدقاء أن اسمي ظهر في قائمة المقبولين لدراسة الماجستير في كلية الآداب في جامعة الموصل، وكان فرحي لا يوصف إذ تخلصت من حياة الجندية القاسية جداً، وفي الوقت نفسه حظيت بفرصة التعبير عن ذاتي في فضاء كنت أحلم به، وكانت الفرصة مواتية أيضاً لأكون عنصراً أساسياً من عناصر الحضور الثقافيّ في المدينة، وتعرّفت على نحو جيد على معظم أدبائها، وأسهمت سنوات عدّة في قيادة فرع اتحاد الأدباء في المدينة مسؤولاً عن النشاط الثقافيّ فيه، وبدأت أتمثّل نفسي على نحو أكثر قيمة وحيوية ونشاط ورؤية وحضوراً من ذي قبل، وصار لي اسم أدبيّ في مجال النقد الأدبيّ خاصة، ليس في مدينة الموصل فقط بل في بغداد أيضاً، وكنت أحضر برفقة أصدقائي من أدباء الموصل معظم النشاطات الثقافية التي تحصل في العاصمة وعلى رأسها مهرجان المربد.

بدأت النشر في صحف ومجلات بغداد كافة، وبدا اسمي يلفت الانتباه، وقد أغراني هذا بالانغماس في لذّة النشر وعوائده المادية التي كانت حينها جيدة، وكنت من أكثر زملائي حضوراً في المشهد الثقافيّ على صعيد النشر، وحين عدّت فيما بعد لتفحّص نتاجي المنشور لم أحتفظ منه إلاّ بالقليل الذي وجدت أنه يمكن أن يمثّل صوتي ويكون جزءاً من تراثي، وأهملت الكثير الآخر الذي وجدته بعد التأمل ليس سوى نتيجة طبيعية لفورة فرح النشر الأولى، لكنني لم أندم عليها إذ هي على أيّة حال كرّست اسمي على نحو ما وكانت سبباً في تعرّف الكثير من الأوساط الأدبية عليّ.

وعلى الرغم من حيوية هذا الوسط الذي أخذني إليه بقوّة إلاّ أنّ شيئاً ما في أعماق ذاتي كان يناديني باتجاه آخر، لم أكن أعي أو ألتفت كثيراً إلى هذا النداء العميق، ربما لأنّ وضعي لم يكن آنذاك مؤهلاً للاستجابة المطلوبة، غير أنّ هذا النداء كان يقلقني ويطرح عليّ أسئلته التي كنت أتهرّب من مواجهتها على نحو ما، لذا فقد كنت دائم التأجيل للنظر المعمّق في معنى هذا النداء وقيمته وإيقاعه الهادر، وانشغلت حتى عام 1987- سنة ظهور اسمي في مرحلة الدكتوراه في كلية الآداب أيضاً- بهذا الفضاء الملتبس وغير المجدي لي كثيراً، واستمررت بالأسلوب نفسه حتى حصلت على الدكتوراه صيف عام 1991، وكنت قبل ذلك بعام قد أوفدتني جامعة الموصل إلى القاهرة لمدة شهر للحصول على المصادر غير المتوافرة لغرض أطروحتي للدكتوراه، وكانت فرصة أخرى مهمة لي ساعدني فيها الصديق الشاعر أمجد محمد سعيد الذي كان مديراً للمركز الثقافيّ العراقيّ في القاهرة، ونظّم لي محاضرة عن النقد العراقيّ الحديث غطّتها كلّ الصحف المصرية وحضرها الكثير من الأدباء المصريين وحفلت بنقاشات طويلة ومعمّقة، ووصفتها القاصة العراقية المقيمة في القاهرة بثينة الناصري في عرض موسّع بأنها أكثر محاضرة حظيت باهتمام جمهور الحضور على نحو مثير فاجأها، كان لهذه الزيارة حقاً أكبر الأثر في تمتين علاقتي بذلك النداء الذي ما ينفك يندلع في مخيلتي ويتردد في أعماقي بلا هوادة لاكتشاف ذاتي.

صفحة 7

تمّ تعييني في كلية التربية للبنات في جامعة تكريت حتى قبل أن أناقش أطروحتي للدكتوراه، وباشرت في الكلّية منتصف شهر تشرين الثاني تقريباً من عام 1991، ودرّست طالبات السنة الرابعة مادتي الأدب الحديث والنقد الحديث، وليس بوسعي طبعاً في هذه المناسبة أن أتحدّث عن تجربتي الثرية الخصبة الآسرة والشائكة في هذه الكلية، بكلّ ما شابها من التباس وتعقيد وتداخل وحسد وغيرة وربح وخسارة وليل ونهار وحلم وواقع وجنون وحيرة وضباب وغبار ونار ونور وحبّ وكره وصداقة وعداء وصفاء وغيم ومطر وبرق ورعد وتفاهة وحساسية وخبث ونذالة وفقدان وحماقة وكلّ شيء تقريباً، لأنّ ذلك بحاجة إلى كتاب كامل قد تتاح لي فرصة وضعه في قابل الأيام، وربما يكون صديقي المبدع فرج ياسين قد أتى على جزء يسير منه في شهادته اللمّاحة عني.

لكنّ تجربة عشرين سنة في جامعة تكريت حصل فيها ما يحكي تجربة حياة كاملة تقريباً ملغومة بالفتوحات والمسرّات والخيبات ليس من السهل احتواءها، إذ من حقّها عليّ أن أقدمها في كتاب كامل أو ربما رواية، عشرون سنة أخذت مني الكثير وأعطتني الكثير، وأحسب بقدرٍ مناسب وضروريّ ومقصود من الغرور القول إنّ غباري الملوّن في أرض الجامعة وسماء المدينة معاً متناثر في كلّ الأرجاء، وليس من السهل التخلص منه، أو محوه، أو التقليل من خطورته وسطوته، مهما ظنّ وتمنّى ودعا من يقلقه هذا الغبار، ويزكم أنفه، ويحجب عن عينيه المريضتين مسار الرؤية بوضوح وواقعية.

ومع أنني كنت أتمنى أن يأتي تعييني في جامعة الموصل، إلاّ أنني سرعان ما تقبّلت الأمر وسعيت إلى أن أواصل حلمي في مشروعي الأدبيّ والثقافيّ والأكاديميّ، ومع ذلك لم تكن الأمور ميسّرة على النحو الذي يسمح لي بالتحرّك الحرّ كيفما أشاء، لذا خفّ حماسي بعد ذلك بقليل وانتبهت إلى نفسي وأصغيت بعمق ومحبة ورحابة وتأمل هذه المرّة للنداء الذي لم تخفّ جذوة حماسه مطلقاً، وكان أن حصلت نهاية عام 1994 على لقب أستاذ مساعد، وفتحت كلية التربية للبنات أبواب دراسة الماجستير، وأعترف هنا على وجه الدقّة أنّ هذا العام بظروفه المثالية هذه أتاح لي لأول مرّة اكتشاف ذاتي لأعرف بالضبط أين أنا، وماذا أريد.

يا إلهي كم تأخر هذا الأمر، لكنني لم التفت إلى الخلف- كعادتي دائماً- ورحت أسابق الزمن لأضع هذا الاكتشاف المدهش موضع التنفيذ والإنجاز، وعملت في هذه الأثناء على أول كتاب لي نشرته على فصول هو ((السيرة الذاتية الشعرية))، واشتركت فيه عام 1998 في مسابقة الشارقة للإبداع العربيّ في دورتها الثانية، وفاز بالجائزة الأولى، فعرفت حينها أنني أدركت الطريق ورأيت الضوء في نهاية النفق كما يقولون.

أعترف أن عام 1999 عام التسعات الثلاث هو عامي، إذ بدأت ألفت الانتباه بقوّة إلى اسمي على صعيد عربيّ- في الأردن وسوريا خاصة -، إذ نُشرت لي عشرات المقالات المهمة في صحف ومجلات البلدين وبكثافة ظنّ الكثير من قرائي فيما بعد أنني أقيم فيهما، مع أنني كنت أبعث مقالاتي بالبريد العادي حتى وصفني أحد الأصدقاء بأنني كاتب شبه يوميّ في الصحافة الأدبية الأردنية، وانفتحتُ بعدها على المجلات الأدبية الأخرى في الوطن العربيّ، وبدأت أراسل بعض الجامعات العربية للإسهام في مؤتمرات علمية تقيمها، وقد أصبت أكثر من مرّة بالإحباط حين لم أتمكّن من السفر بسبب صعوبة الإجراءات وتعقيد الموافقات الأمنية والرسمية، ولم أفلح في السفر لهذا الغرض حتى عام 2002 حيث أسهمت في مؤتمر ((التجربة الشعرية السورية الحديثة)) في جامعة تشرين في اللاذقية، وكنت بلا أدنى تواضع أحد نجوم المؤتمر على الأصعدة كافة، تعرفت في هذا المؤتمر على البحر وعلى حورية البحر، وكانت فرصة ثمينة وغالية لن أنساها ما حييت.

غادرت بعد نهاية المؤتمر إلى دمشق مع أصدقائي الجزائريين الذين تعرفت عليهم وأحببتهم جداً، إذ قضيت ثلاثة أيام قبل أن أغادر إلى عمّان للإسهام في مؤتمر جامعة جرش، وقد استغرقت سفرتي عشرين يوماً عدت بعدها إلى الموصل من عمّان مباشرة، وبعدها توالت السفرات والمؤتمرات بكثرة وكأنني كنت متعطشاً لهذا النشاط الجميل الذي أثراني كثيراً، واتسعت دائرة النشر- كتباً ومقالات- حتى أصبحت من أنشط أصدقائي في هذا المجال، إذ نشرت حتى الآن أكثر من ثلاثين كتاباً وأسهمت في أكثر من ثمانين مؤتمراً وندوة وملتقى في الكثير من البلدان العربية والصديقة.

بهذا الانفتاح على الفضاء الثقافيّ ضاق اهتمامي بالجانب الأكاديميّ الصرف في حياتي، فقد وجدت نفسي خارج الجامعة لا داخلها، وذلك لأنّ الجامعة ظلّت تتعثّر بأفقها الضيّق المدرسيّ المحدود، ولم تكن تنظر إليّ وأنا أحقق هذه النجاحات بالقدر الكافي من الضوء فأهملتها، وسعيت بأساليب كثيرة إلى أن أحدد عملي الأكاديميّ بأقلّ جهد ممكن، حتى وصل في السنوات الأخيرة إلى أن أدرّس مادة واحدة في مرحلة الدكتوراه وأقدّم محاضراتي مرة كلّ أسبوعين، وهكذا كانت علاقتي بالجامعة ضعيفة إلى أقصى حدّ، وبالمقابل لم أكن أنا وبكلّ ما أنجزته أعني شيئاً بالنسبة للجامعة، حتى أنني فزت بالجائزة الأولى في مسابقة الشارقة للإبداع العربـي في مجال النقد الأدبيّ، ولم يقل لي أيّ مسؤول في الجامعة كلمة مبارك أو شكراً، وحين قرأت في الصحف الأردنية أنّ ملك الأردن استقبل الشاعر الأردنيّ الذي فاز معي بجائزة الشعر وكرّمه عرفت كم أنا غريب، وفزت بعدها بجوائز أخرى عن أعمالي النقدية والشعرية وبقيت جامعتي غير مكترثة بذلك مطلقاً.

ومع كلّ بُعدي عن الجامعة وغربتي فيها لم أكن مرغوباً سوى من بعض زملائي القلائل جداً الذين يفهمون نغمتي ويفكرون معي على الموجة نفسها، وثلة من طلبتي الأذكياء الذين كنت أتحمّل قسوة الجامعة وظلمها لأجلهم، ولم أكن أحسب لذلك في جوهري أيّ حساب، فثمة قوانين راسخة في الحياة تؤكد أنني الرابح في النهاية والجامعة هي الخاسرة حتى وإن أدركتْ الجامعة خسارتها بعد حين، وأنا هنا بطبيعة الحال لا ألوم أحداً قطعاً، فالكلّ كان يدافع عن أنموذجه بقوّة وعنف وشراسة وقسوة، لكنني في أعماق هذه العاصفة الصفراء التي ما برح الكثير من الصغار يديمون ما تيسّر لهم من غبارها اللعين كنت الأقوى حضوراً، وظلّت سمائي صافية وقمري مضيئاً ونجومي أكثر بريقاً ولمعاناً وتحدياً، على النحو الذي بقي اسمي الأصيل فيه يستلقي على المتن برحابة وألق وهيمنة وسحر وإثارة، فيما انحشرت أسماؤهم المتآكلة الطارئة في فضلات الهوامش المهملة بلا ملامح.

اليوم بعد أن نَقلتُ بيسرٍ عجيب- بلا وداع ولا ألم ولا دموع ولا دعوات- كامل أمتعتي وحوائجي وفضائي وقلبـي وطموحاتي ومشاريعي إلى جامعة الموصل، وقد تركت ورائي عشرين سنة حافلة بالغيم والغبار في رحاب جامعة تكريت مرّت كطيف غائمٍ دبقٍ جمعَ الأخضرَ واليابس، الغثّ والسمين، الصيف والشتاء، العلقم والعسل، الزمن والمكان، الطعنات والقبلات، الهزائم والانتصارات، في قارورة شفافة واحدة، بوسعي أن أدير ظهري قليلاً من أعلى القمّة التي أتربّع عليها فوق هرم كتبـي الذي يشقّ بهاؤه عنان السماء يوماً بعد آخر، بوسعي أن أتأمل ما تركته من ظلال دافئة مخضلّة بالحنين مرّت عليها أقدامي الحافية الحانية، وأشجار ذكية وعاشقة حجبت روحي عن عيون المتلصصين، وزوايا خفية مضمّخة بالطراوة والعبث والجنون الجميل ستبقى تنطق باسمي أبد الدهر، وضمائر ميّتة ستندم ذات يوم على أنها قطعت ببربرية وحشية جدائل الشمس، وصغار لن يكبروا يوماً ما لأنّ الله خلق واحدهم قزماً لن تنفعه أيّة عملية تجميل يمكن أن ترفع رأسه المتدلّي قليلاً إلى أعلى، وسحليات صغيرة غبية وعمياء لم تُخلق إلاّ كي يدوس عليها الآخرون، لكنني بالمقابل تركت مروجاً خضراء متموّجة تعبق بالموسيقى، لا تكفّ عن العزف والغناء والفرح والرقص والجنون، وينابيع أصيلة لا أحسب أنّ مياهها النقية الزاهية ستجفّ يوماً ما، وحسبـي ذلك.

لست نادماً مطلقاً على شيء، فكلّ نجاحاتي مقيّدة باسمي، وكلّ إخفاقاتي أيضاً، كلّ فتوحاتي ممهورة بختمي، وكلّ حماقاتي مدوّنة بأمانة وثقة في سيرتي، لن أتنازل عن شيء مما عرفت وخضت واخترقت وربحت وخسرت، كلّها أسهمت في صنعي على النحو الذي أريد وأتطلّع، وكلّها أسست لتاريخ ساطع يحقّ لي أن أفخر به وأتباهى، فدمي الآن أكثر غزارة وحرارة وجبروتاً وإضاءة، وكذلك عرقي، رغبتي في الحياة أوسع وأعمق وأكثر حضوراً وتألقاً، زرت بلداناً كثيرة وعرفت نساء كثيرات، زرعت أشجاراً لا حصر لها في بطون الوديان وعلى سفوح الجبال، احتسيت الكثير من دموع الملكات المعتّقة وأكلت الكثير من التين البرّي الباذخ المذاق، ولم أكن أبداً يوماً ما من صيادي الحضائر، فالبريّة دائماً هي ساحة صيدي وملعبـي، وعلى هذا فإنّ دمي لا يحوي قطرة واحدة فاسدة ولا مزوّرة، وجسدي ينتمي بكليته إلى الطبيعة الحرّة التي لا تتغذى إلاّ على الطازج البكر.

صفحة 8

نزار قبّاني

كان لقائي الأوّل بنـزار قبّاني سريعاً خاطفاً وخالياً تقريباً من ملامح ما كنت أتمناه وأرجوه وأرسمه في خاطري وخيالي، فهو نجم نجوم ((مهرجان الأمّة الشعريّ)) الذي عُقِد في بغداد ربيع عام 1984 وفارسه المتألق وعنوانه الأوّل، على الرغم من أنّ معظم فرسان الشعرية العربية المعروفين كانوا موجودين فيه (ربّما) باستثناء أدونيس ونازك الملائكة، فمن أين لي أن أحظى بما أريد من وقت كافٍ لأحدّث نـزار قباني عن مشروعي في كتابة كتاب عن التشكيل اللوني في شعره، وكنت لمّا أزل في بداية طريقي النقديّ حيث أبحث عن فرصة نوعية كهذه أعبّر فيها عن نفسي، وأفيد في الوقت نفسه من شهرة نـزار ونجوميته واهتمام القراء بشعره وبما يكتب عنه، ومع ذلك ولأسباب أجهلها كنت على ثقة بأنّ نـزاراً سيستجيب لي على نحو ما، ورحت أتحرّك بحثاً عن هذه الفرصة وأنا على شبه يقين بأنّ ما أحلم به قريب التحقق جداً.

دخل نـزار بهو قاعة الرشيد مثل فارس خرافيّ يرفل بالأناقة والعطر والشموخ والألق والعنفوان حيث سيلقي قصيدته صباحاً، محاطاً بالمعجبين والصحفيين والأصدقاء، (ترافقه طواويس وتتبعه أيائل)، جلس قليلاً فاندفعت نحوه مخترقاً الجموع، وفوراً عرّفته بنفسي وبما أنا مقدم عليه، طمعاً في أن أحظى باهتمام فوريّ منه يتيح لي فرصة أن أكون أكثر قرباً من الآخرين، على النحو الذي يتسنّى لي الحصول على شيء مهم منه بشأن مشروعي في الكتابة عن شعره، وأكون بذلك قد حققت نصراً مهماً أنا بحاجته كثيراً، وهو ما حصل فعلاً حين أعارني اهتماماً كبيراً وسمعني جيداً وأشاد بفكرتي المتميزة لدراسة شعره من هذا الجانب.

هذه النتيجة أفرحتني كثيراً مع أنها كانت صغيرة ومبتسرة ولا تشفي غليلاً طامعاً وحالماً ومشتعلاً بالتطلّع، وذلك لأنّ المحيطين به كلهم يرومون الحصول منه على شيء ما كما تبدّى لي، فضلاً على أنه سيعتلي المنبر بعد قليل ليلقي قصيدته، لكنّه أسرّ لي أن أكتبَ له على عنوان دار نـزار قباني في بيروت كي نتواصل بشأن الموضوع وبتفاصيله وحيثياته، وحيث لم أكن واثقاً كلّ الثقة من أنه سيجيب على رسائلي داهمتني خيبة صغيرة ما لبثتُ أن بددتها بفرحة لقائي به وحواري السريع معه، وعزمت على أن أراسله حين وجدت أنّ الحصول على وقت أكثر مما حصلت عليه في ضوء المعطيات التي ذكرتُ شبهُ مستحيل، فضلاً على أنّ طبيعتي الخجولة بعض الشيء لا تسعفني كثيراً في الحصول دائماً على مكاسب ممكنة على هذا الصعيد، وهكذا اقتنعت بأنّ الوسيلة الوحيدة المتبقية للتواصل مع نـزار قباني هي المراسلة.

فور عودتي إلى منـزلي بعد أن فضّ السامر وانتهى المهرجان انكببت على أوراقي أدبّج رسالة لنـزار قباني، ولا شكّ في أنّ الأمر يدخل عندي في باب المحنة، إذ ماذا يمكن أن أكتب لنـزار قباني سيّد الكلام في الشعر وفي النثر، وكيف سأقنعه بأنني جدير بالكتابة عنه حين لا تحمل رسالتي ما يجعلني أرفع رأسي عالياً أمامه، وأرغمه على احترام رسالتي والاهتمام بها وسرعة الإجابة عليها، كتبت الرسالة الأولى ربما من ورقتين اثنتين فقط، ورحت أعيد قراءة الورقتين بدقّة وأناة وتحسّب وخوف، وحين اطمأننت إلى ما كتبتُهُ حملتُ الرسالة إلى البريد فوراً وأرسلتها إلى دار النشر التي تحمل اسمه في بيروت.

أنا طبعاً أثق بالبريد ثقة مطلقة وعلاقتي به وطيدة جداً، حتى أن علاقتي بساعي البريد في بلدتي الصغيرة ((زمّار)) كانت نوعية، إذ طالما حمل لي هذا الساعي الجميل (رحمه الله وطيّب ثراه) رسائل من كلّ مكان، وهو يعرف كم أنا مولع ومجنون بالمراسلة، وكم تصلني رسائل باستمرار من أنحاء العالم، ولذا كان انتظاري لرسالة نـزار قباني من أجمل الانتظارات في حياتي، عرفت فيها لذّة الانتظار الجميل وسحره بما يكتنفها من غموض ووعود وأحلام، وأنا مليء بالثقة بأنّ رسالته في طريقها إليّ، وفي ظهيرة أحد الأيام الهادئة كنت عائداً من مشوارٍ مع أحد الأصدقاء صيف عام 1984 هتف إليّ ساعي البريد من بعيد، ببذلته الزرقاء الحكومية التي أحبّ منظرها جداً وهي تحمل الرسائل التي أحبّ إليّ، ورفع يده ملوّحاً برسالة عرفت فوراً أنها رسالة نـزار قباني.

كانت فرحتي بلا حدود طبعاً وأنا أتلمّس رسالته على ورق أصفر مذهل بجماله وأناقته، وأمرّر يديّ على غلاف الرسالة الذي يحمل اسمه أيضاً كما ورقة الرسالة نفسها، والطوابع الملصقة عليها القادمة من بيروت، يا إلهي... ها هو الحلم يتحقق، غير أنّ هذه المفاجأة السارّة لم تكن شيئاً قياساً بما كتبه لي نـزار في رسالته الأولى، قرأت ما كتبه عشرات المرّات وأنا أزهو بما استطعت أن ألفت فيه اهتمام نـزار بقوّة، خطّه الجميل كأنّه لوحة بارعة أخّاذة لا يمكنني مغادرة سحرها والابتعاد عن سطوة إيقاعها الباذخ مطلقاً، حين خاطبني أولاً بـ((عزيزي وسفير الجميل))، وحيث بدأ رسالته بـ((قليلة هي الرسائل التي تخضّني وتحرضني وتعطيني مفاتيح الدهشة، ورسالتك استوفت كلّ شروط التحريض فماذا تريد أكثر؟))، رحت أقلّب هذا الكلام الذهبيّ الخلاّب كمن لا يصدّق.... (رسالتي أنا تبهر نـزار قباني سيّد الكلام إلى هذا الحدّ)؟ إنه والله لأمر عظيم جلل، وباشرت على الفور بتدبيج رسالة ثانية أؤكّد فيها قدراتي له وأحتلّ الموقع الذي أتمنى في فضائه.

صفحة 9

كتبت الرسالة الثانية بالمحبة نفسها والاندفاع نفسه وأنا أجتهد في تجويد كتابتي على النحو الذي يجعل نـزار قبّاني يلتفت إليّ بقوّة أحلم بها، كتبت هذه المرّة ثلاث صفحات تقريباً، ومن شدّة فرحي بما كتبت غلّفت الرسالة فوراً واتجهت إلى البريد كي أرسلها بعد يومين فقط من وصول رسالته الأولى إليّ، مزهواً بما كتبه نـزار لي وعنّي، وبما كتبت له من كلام فاق في نظري ما كتبته له من كلام في الرسالة الأولى، كنت عازماً على أنّ أضرب بقوّة وجدارة ما وسعني ذلك حين اعتقدت أنّ هذه الفرصة لا يمكن تعويضها. ولم أنتظر طويلاً حتى جاءتني رسالة نـزار الثانية وهي تتضمّن اعترافاً واضحاً وصريحاً بتميّزي اللافت في الكتابة، إذ كتب لي كلاماً كبيراً تجاوز ما كنت أنتظره وأتمناه، قال لي ((منذ رسالتك الأولى إليّ شعرتُ أنك تلعب على الورقة جيداً، وتعرف كيف تخطف الأضواء والأبصار))، يا إلهي: أهذا أنا في نظر نـزار قباني؟ أعترف بأنّ غروراً أصابني وأنا أفركُ ما صاغه نـزار لي في هذه الأيقونة الخلاّبة كما تُفركُ الماسةُ من أجل أن يتفجّر عطرُها الكامن في اللغة والصورة والمعنى والخيال، ورحتُ أدبّج رسالة ثالثة لنـزار بعد أن شغلني هذا الأمر عن أيّ شيء سواه، فبماذا يمكن أن يحلم كاتب شاب مثلي أكثر من أن يردّ نـزار قباني على رسائله بمثل هذا الاهتمام والإعجاب والمودّة؟

كان حلمي يتفاقم في هذا السياق، وربما تجاوز حدوده بعض الشيء، إذ كنت أرجو أن تستمر الرسائل بيني وبين نـزار حتى تصبح كتاباً ينشره نـزار ضمن منشوراته في المستقبل القريب، لكنّ حكمة الشعر القاتلة التي سلّطها علينا جدّنا أبو الطيّب ((ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه.... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)) تظلّ تلاحق أحلامنا وتجهض تطلعاتنا إلى الأبد، فليس لنا من الحظّ ما يكفي لأن تغيّرَ سفنُنا مجرى الرياح، مهما كانت سفننا عملاقة والرياح هشّة ضعيفة، قَدَرُنا أن تتلاعب الرياح بشهوات سفننا لتقمعَ أحلامَها بالوصول إلى اللذائذ المنتظرة المشتهاة بلا سندٍ أو مُعين.

ولم أعرف حتى هذه اللحظة إن كانت رسالتي الثالثة إلى نـزار وصلته أم لا، لأنه في تلك الأيام غادر بيروت نهائياً إلى أوربا بعد أن أصبحت أكثر خطراً عليه من أيّ وقت مضى، فلم يصلني منه شيء، وعلى الرغم من أنني حزنت كثيراً على قتل حلم هو أجمل الأحلام، لكنّ رسالتيه إليّ ظلّتا ميراثاً أصيلاً وثميناً لا يعادله ميراث عندي، وحين نشرت كتابـي ((سيرة الجسد وصهيل المطر الجريح- هذه رسائلي -)) الذي ضمّ مجموعة مما كتبت من سرديات رسائلية، وضعتُ رسالَتيّ نـزار في مقدمة الكتاب وعددتهُا تقديماً لسردياتي هذه، وبقيتا من العزيز النادر الذي أحتفظ به دائماً.

أرسل نـزار إليّ أيضاً الأعمال الشعرية بالأجزاء الثلاثة الأولى المشهورة وقد كتب إهداء رائعاً لي على كلّ جزء منها، لكنها سُرقت من مكتبتي جميعاً، وأصابني ذلك بحزن شديد في وقتها، لكنني شعرت بعدها أنّ كنـزاً مثل هذا فيه إهداء بقلم نـزار يجب أن لا يكون عُرضة للسرقة، ويوضع في المكتبة حاله حال أيّ كتاب آخر، فاقتنعت بأنّ سرقة الأعمال الشعرية بأجزائها الثلاثة ليس سوى شكل من أشكال الأسطورة النـزاريّة التي لا تكفّ عن إنتاج أحلامها ورؤاها وحكاياتها ومطرها الملوّن الجميل، فهنيئاً لسرّاقي وسرّاق نـزار، وأنا أعفيهم الآن من أيّة ملاحقة قانونية أو أخلاقية أو أدبية، وأسامحهم، إذ يكفي أن يكون بيني وبينهم نـزار قباني العظيم، وأكتفي برسالتيه ذخراً لا يمكن التفريط به، إذ لا يعقل أن يحتوي منـزلي ومكتبتي على رسالتين من نـزار، وإهداءات على ثلاثة أجزاء من أعماله الشعرية، ربما كان هذا كثيراً فذهبتْ الأجزاءُ إلى أمكنة أخرى وبقيت الرسالتان ثُريتين تضيئان منـزلي وقلبـي وشعري وذكرياتي. المشكلة الحقيقة في كلّ هذا الفضاء أنني لم أحتفظ بنسخ من الرسائل الثلاث التي كنت بعثتها إلى نـزار، إذ كنت أعوّل ربما على أنّ هذه الرسائل ستكتمل بعد أن تبلغ عدداً يسمح بنشرها كتاباً، ويقوم نـزار نفسه بهذه المهمة، ولا شكّ في أنّ ما اقترفته من خطأ في هذا المجال لا يمكن غفرانه، فكم أتمنى الآن لو أنني أعرف ماذا كتبت له في رسائلي بحيث أعجبتُه كلّ هذا الإعجاب، لكنّ تمنياتي هذه سراب أحمق بلا مصير، وحسبـي أولاً وآخراً أنني نجحت في الاحتفاظ برسالتيه شاهداً على طبقة غير معروفة من طبقات شخصية نـزار قباني.

صفحة 10

عبد الوهاب البياتيّ

حدث في نهاية ربيع عام 1990 أن زار البياتيّ مدينة الموصل بدعوة من اتحاد أدباء نينوى، كنت وقتها طالباً في مرحلة الدكتوراه وحيث عقد البياتيّ أول ندوة له في قاعة الجامعة الكبرى، دخلت القاعة الممتلئة بالحضور الجامعيّ طلبة وأساتذة، وما أن دخلت القاعة التي كان يدير الجلسة فيها الناقد ماجد السامرائي حتى دُعيت على نحو مفاجئ لاعتلاء المنصّة بطلب شخصيّ من البياتيّ، وحين اعتليت المنصّة أخبرني الدكتور نجمان ياسين الذي كان على المنصة أيضاً أنّ البياتيّ منذ أن وصل الموصل سأل عني مباشرة، وتحدّثت وقتها في الجلسة عن علاقتي بشعره في وقت مبكّر من حياتي مع القراءة والكتابة، وبعد هذه الجلسة أمضيت أوقاتاً جيدة مع البياتي طيلة الأسبوع الذي قضّاه في الموصل.

بعد أن انتهت أيامه الثرية في الموصل ضيفاً مميزاً على اتحاد أدباء نينوى عاد إلى بغداد حيث يعيش مدة زيارته إلى العراق في منـزل ابنه (عليّ) الضابط في الجيش العراقيّ، وكنت أخبرته أنني سأسافر بعد أيام إلى القاهرة موفداً من جامعة الموصل لاستكمال متطلبات شهادة الدكتوراه التي أعمل عليها، وطلب مني حينها أن أتصل به على هاتف منـزل ابنه كي نلتقي قبل سفري، واتصلت به فعلاً واتفقنا على اللقاء في كافتريا فندق الشيراتون السابعة مساءً يوم 3/6/1990، وحين دلفت إلى الكافتريا في الموعد المحدد وجدته بصحبة الدكتور نـزار الحديثي الذي ما لبث أن غادر، وبعد أن احتسينا القهوة معاً بدأت رحلتنا في شوارع بغداد وحاناتها حتى الرابعة من فجر اليوم التالي، بعد أن تأكد من أنني قادر على مجاراته في السهر والتجوّل على هذا النحو.

طفنا معاً في الكثير من حانات بغداد الصيفية وصادفنا في إحداها الشاعر رشدي العامل الذي احتفى بنا وضيّفنا، كان ليل بغداد في ذلك الحين جميلاً وصافياً ورائقاً وقد استغللت ذلك لأسأل البياتيّ عن الكثير مما كان يشغل بالي عن الشعر، وعنه، وعن كلّ شيء، وكان هو كريماً معي في رحابة ومحبة عالية ربما فوجئت بها.

لم يكن سؤاله عني حين وصل الموصل من باب المصادفة، بل كنت قبل أيام من هذا التاريخ قد نشرت ردّاً عليه في مجلة (ألف باء) التي كانت نشرت معه مقابلة لمناسبة زيارته للعراق، ومن ضمن ما قاله في هذا اللقاء إنه لا يوجد نقّاد في العراق سوى محمد مبارك وطراد الكبيسي، فكتبت ردّاً حاورت فيه البياتيّ في هذه القضية بالذات وقلت مخاطباً إياه إنّ النقد العراقيّ بأسمائه الشابّة حقّق منجزات كبيرة ربما لم يطّلع عليها، وبمجرد أن جلست بجانبه على المنصّة أشار إلى أنه اطّلع على ردّي في المجلة، وأنه لا يقصد بكلامه النقاد الجدد بل الجيل السابق عليه، وأبدى إعجابه الكبير بما أكتب، وأخبرني أنه قبل سنتين تقريباً وصله من أحد أصدقائه وهو في أسبانيا مقالاً لي أعجبه جداً كنت نشرته عن قصيدته ((المعجزة))، وظلّ اسمي عالقاً في ذهنه حتى قرأ مقالي الآنف الذكر في (ألف باء) فكان حريصاً على اللقاء بـي في الموصل حين زارها، وربما كانت جسراً لما لمسته منه من اهتمام بـي وحرص على إبقائي قريباً منه.