احتشدت السماء بنجوم لم أر مثل عددها وتوهجها من قبل، كأنها خرجت في مهرجان تحتفل بألقها أو بمناسبة ذكرى عزيزة عليها، منعشاً كان الهواء وأنا أتمدد على سرير حديدي فوق سطح بيتنا القديم في ليلة من ليالي نيسان وأستحم بالأحلام باحثة عن نجمي وسط هذا الكم الهائل من السطوع·· يقولون إن لكل إنسان نجماً في السماء يُحدد خطواته ويرعاه·· وفي كل ليلة أتساءل: أين نجمي؟ على يمين القمر المشع أم ذاك الذي يومض على يساره ويتحيّن الفرصة لكي يزيحه ويسطع بنوره؟ والنجمُ مسار فلماذا ضللت مساري، وكيف ركضت بي السنين على حصان أهوج تدفعه ريح مجنونة حتى ليتعذّرعليّ لملمة الوقت وأنا أغذ السير إلى الصحراء الموحشة من العمر؟ وحدي، يمر بي الزمن ويعبرني تاركاً لي فسحة صغيرة في كونه الشاسع الملغّز، فسحة أحاول جاهدة أن أوسعها برغم أنها لا تسعفني بالقدر الذي تضيّق علي، يتخلخل زمني من خلالها بين شد وجذب، أذهب إلى النوم وأتذكر أنني قبل قليل كنت قد نمت، وأصحو فأتساءل كيف مرّ الوقت بهذه السرعة العجيبة، ألستُ قد صحوت قبل ساعتين أو ثلاث؟ يأتي المساء بلمحة ثم ينبثق الصباح بسرعة البرق، كيف تداخلت الساعات وانكمشت إلى هذا الحد؟ هل انفلت الزمن من عجلته التي كانت تسير على مهل؟ وأين ذهب ذاك الزمن الذي كان يتمطى ويستطيل ويغرقني بالأحلام؟ كيف اجتازني بسرعة لم أنتبه إليها وتركني لزمن مرتبك؟ هل لي أن ألحق به وأستوقفه لأسأله: لماذا فعلت بي ذلك؟
وبين مساء يأتي سريعاً وصباح يحيرني انبثاقه، وقفت وتأملت ونظرت إلى الماضي، بدا الأمر أشبه بفيلم مُعد على عجل، ورأيتني هناك، إسمي منقوش بحروف بارزة على التايتل، بموسيقى مختلة السلالم·· هكذا رأيتني، بعد ماراثون طويل وصلت، كنتُ ألهث، أنفاسي تكاد تتقطع، تعثرتُ كثيراً وأنا أركض، سقطت وقمت أشد أزري وأركض ثانية على أرض مستوية، متعرجة، زلقة، رملية، حجرية مسننة·· لا لم أصل تماماً، مايزال أمامي طريق ليس بالطويل لكنه أيضاً ليس قصيراً، توقفت لآخذ استراحة ونظرت ورائي، لم يكن من أحد ينافسني، ولم يكن هناك جمهور يترقّب نتيجة من سيقف على منصة الفوز·· فلماذا كنت أركض إذن؟
حين نخرج إلى الدنيا من ظلمات كانت تسرّب لنا الدفء لا نفكر بالزمن، ربما راودتنا أحلام شفافة لكننا لم نعد نتذكرها ولا ندرك شكل رؤاها، النقطة التي انطلقنا منها كبداية لماراثون الحياة تغدو الان نائية جداً وضبابية ثم ننساها في خضم الركض المتواصل، نريد أن نصل قبل الآخرين، نركض ونلهث، ثم ما إن نصل حتى تكون سنوات العمر قد تبددت، وقد تتبدد قبل أن نصل، وربما يأتي الوصول في وقت لم نعد فيه نحلم بامتلاك شيء·
ولأن نجمي قد نأى واختفى أثره تاركاً لي حفنة من ذكريات لا فائدة منها الآن إلا لتزجية الوقت بين مهنة أتعبتني ووجوه ما تزال تلاحقني وتدور من حولي برغم اختفائها عن حياتي، ولأن جمرة الحب ذوت وشياطيني في مخابئها انزوت، لذا سأقول كل ما لدي على هذه الأوراق قبل أن يدركني الوقت وأنزوي، وقبل أن ينزع الزمان عن جسدي بقية البريق، أعرف بأن رأسي سيهدأ ذات يوم، ينفض الوجوه والتعب والخطايا والأفراح الصغيرة والمناكدات والصبوات والشهوات والأوجاع، يسّاقط الحب الذي كان وتخبو الأشواق وتتلاشى كأنها لم تكن، ستمضي الوساوس وسيخفت الصخب ويلوذ بالصمت تاركاً وراءه ما يشبه الرمل الذي ستذروه الرياح وترميه إلى شقوق الأرض·· لهذا كله، أريد أن أحرك المياه الراكدة في أعماقي قبل أن يجف نهري أو تأكل حوافه الأملاح مستفيدة من تلك اليوميات التي كنت أدونها وأنا في عشرينيات عمري، تفاصيل كثيرة كدت أنساها لولا تلك اليوميات، مهنتي لا تساعدني على البقاء طويلاً في هذه الحياة ولن أعيش بعد موتي سوى زمن عابر على أجساد النساء اللواتي يتخلصن من الثياب التي تصنعها يداي بعد أن يشعرن بالملل منها أو يتهرأ نسيجها، نعم أريد أن أكتب قبل أن يمحوني الزوال ··هل أنا في طريقي للزوال؟ هل أمضي إليه دون أن أترك ما يحمل شيئاً على الأرض يُخبر عني بأنني جئت إلى الدنيا وحملتُ اسمين لم يمنحاني حسن الطالع؟ وبأن ثمة نساء جاهدن لكي يمسكن بأطراف الخلود حتى وإن كان هذا الخلود حفنة أوراق لا أكثر؟ لعل أوراقي تبقيني بعد موتي، لعلّ أبنائي الذين لا أعرف متى سيجيؤون للدنيا يقرؤون ما أكتب، أو أن أحداً سيقرؤها ذات يوم ويتذكرني، أما الثياب والعباءات التي أخيطها والتي تكتسب روائحها من أجساد النساء فإنها تبلى بعد حين، ولذلك قلت لفاطمة وأنا أنهي آخر مرحلة من العباءة التي أعمل عليها منذ أسبوع: هذا يكفي، اعذريني لم أعد قادرة على العمل سآخذ استراحة، أنت أيضاً بحاجة إلى الراحة، يمكنك زيارة الأهل لكي تستعيدي نشاطك، سأعد الشاي ونشربه معاً ثم اذهبي للاستمتاع بإجازة، تعالي بعد أسبوعين وسنرى ماذا نفعل·· نظرتها لي كانت طويلة ومتأملة، هي تعرف بأنني قد أغير رأيي في أية لحظة وأعود للعمل فهو موردي الوحيد الذي أعيش منه، جلسنا في الصالة وشربنا الشاي مع قطع البسكويت وقبل أن تحمل فاطمة الصينية وتذهب إلى المطبخ سألتني: ماذا ستفعلين خلال الاستراحة التي ستمتد أسبوعين؟ قلت لها: سأكتب··تحوّل كل وجهها إلى علامة استفهام فقلت قبل أن تسأل ثانية: أحس برغبة لكتابة رواية عن حياتي·· ابتسمت واستفسرت: هل ستنشرينها؟ أجبت: لم أفكر بذلك الآن، عندما أنتهي منها سأعرف فيما إذا كانت تستحق النشر أم لا، إنها رغبة تراودني منذ فترة طويلة وبدأت تلح عليّ، خصوصاً وأن لي محاولات سابقة في الكتابة، لذلك سأمنح نفسي الفرصة في كتابة رواية، ولا أدري إذا ما نجحتُ في ذلك أم أخفقت·· ابتسمت وبرق في عينيها وميض وهي تقول: إذا نجح الأمر معك أتمنى أن تكتبي رواية عن حياتي·· آه كم تستحق حياتي أن تكون رواية مكتوبة·
حملت الصينية ومضت إلى المطبخ وبعد قليل عادت لتسأل: وعملنا هل سيتوقف مدة أسبوعين؟ قلت لها: نعم، مؤقتاً، أنت تعلمين حال السوق هذه الأيام·
ردت بالقول وما تزال على وجهها بقية استغراب: إذن سأذهب ولن أعود إلا بعد أسبوعين، وتكونين قد أكملت الرواية·
ضحكتُ من أعماق قلبي ثم قلت: الرواية لا تكتمل في أسبوعين، ربما ستستغرق سنة أو أكثر، فتحت عينيها دهشة وقالت: هل سيتوقف رزقنا كل هذه المدة؟ طمأنتها: كلا، لكن البداية تتطلب مني التفرغ واختبار قدرتي على الكتابة، وبعد ذلك سأكتب في الأوقات التي لا نعمل فيها··انفرجت أساريرها وودعتني، لكنني التقطت عبارة قالتها همساً ولم أعلق عليها: الله يشفيك·
أوصلتها إلى الباب الخارجي، أغلقته وعدتُ للصالة مسرعة كأنني أهرب من شيء يتبعني، وقفت عند النافذة ورحت أنظر إلى عريشة العنب، أتأمل العناقيد وهي تتدلى مثل ثريات، في بداية صيف يبدو أنه سيبكر بالحرارة، وأتأمل معها سنوات عمري وأنا أقف في منتصف المسافة بين الثلاثين والأربعين، مع كل الذكريات التي مرت بي، ومع أشباح الموتى من عائلتي، وأرى نفسي أقف على ضفة النهر القريب بانتظار ذلك الفتى الذي اسمه ريحان لنعبر في زورق يتهادى مع الأمواج ويمضي بنا إلى الضفة الأخرى، أو ندخل المقبرة الانكليزية ونتجول بين قبورها، ونتوقف مطولاً عند قبر المس بيل التي ربما تكون قد استمتعت بحكايات ريحان عنها وتمنت لو عادت إلى الحياة لتسمعنا حكايات أخر طواها الزمن·
سحبتني عناقيد العنب إليها مجدداً وتذكرت كيف كنا نتحلق حول أمي تحت عريشة عنب أخرى في المكان ذاته كانت مكتظة بعناقيدها، وقبل أن تختلط عليّ الذكريات وتشوشني هرعت إلى الأوراق التي أعددتها وبدأت أكتب كأنني كنت أنتظر هذه اللحظة طوال ما مر بعمري من سنين·
أنا كفى ياسين الفضلي كما قرر أبي أن يسميني في شهادة الميلاد لتكف أمي عن إنجاب المزيد من البنات، بينما يحلو لأمي أن تناديني باسم ريام، الاسم الذي أحبّته ولم يُعجب أبي وجدتي مسعودة فظل كل واحد منهما يناديني باسم كفى عناداً بأمي، أنا البنت الثالثة بعد هند الأكثر شبهاً بملامح أمي وتشبّهاً بسلوكها، بيضاء البشرة سوداء العينين ذات حدة في طبعها تنتابها من حين لآخر بسبب أو من دون سبب، وصابرين ذات المزاج الرائق والطبع المرح والضحكات الرنانة بشرتها بيضاء صافية وعيناها قهوائيتان غامقتان، وأنا النغمة النشاز بينهما، حنطية البشرة، سريعة الإثارة، بعينين ناعستين وماكرتين وبقامة متوسطة وجسد رشيق، وبسلوك حيّر أبي وأتعب أمي·
سأحاول هنا أن أكتبني على الورق دون مغالطة وبلا خجل، وعليّ من أجل ذلك أن أضبط حدود خارطتي لكي لا أنسى بعد عشرين عاماً أو أكثر تفاصيل حكايتي، أكتبني لأحيي تلك الأيام بعد موتها وأعيد لها الحياة قبل أن تختفي في ثقوب النسيان، وسأبدأ من الطفولة وأتوقف عند ذلك اليوم التشريني الغائم الذي قادني فيه أبي إلى المدرسة وهو يمسك يدي بشدة لا أعرف سببها، لكنني أدرك أن أمراً خطيراً بانتظاري، يمشي صامتاً، تاركاً لي فسحة من الوقت للتساؤل: لماذا أصرّت المديرة الثخينة ذات الشعر الأحمرعلى إحضاره بعد أن رفعت سبابة يدها بوجهي مُحذرةً إياي من العودة للمدرسة ما لم يكن أبي بصحبتي؟ غاضبة وقاسية النظرات كانت، كأنني سرقت منها شيئاً أو قمت بجرم فاحش، مع أنني المتميزة في جميع الدروس·
حالما دخلنا المدرسة توجه أبي إلى غرفة المديرة، كنت لمّا أزل في بداية العام الدراسي من الصف الرابع الابتدائي، لم أكمل بعد التاسعة من العمر، طرق أبي الباب المفتوح فرفعت المديرة الثخينة رأسها وأزاحت خصلة الشعر الحمراء من على عينيها، كانت تقرأ في دفتر، وعلى الطاولة فنجان قهوة، رائحة القهوة تضوع في أرجاء الغرفة مختلطة بالعطر ذاته الذي ينبعث من جسدها كل صباح أثناء الاصطفاف اليومي للتفتيش لئلا تكون واحدة من التلميذات قد أطالت أظافرها أو ارتدت قميصاً ياقته وسخة أو غير مكوي··· ما إن رأتني بعد أن أزالت خصلة الشعر الحمراء حتى ازورّ وجهها ورمتني بنظرة متوعدة سأعرف سببها بعد قليل·· وقف أبي قبالتها وحياها فلم ترد على تحيته بل قالت بعصبية:
- إسمع يا سيد ياسين، ابنتك هذه لا أريدها في مدرستي، إنها تُفسد أخلاق التلميذات·
أبي الذي لا يعرف عن ماذا تتحدث المديرة حتى تلك اللحظة ردّ عليها:
- يا حضرة المديرة، كيف لهذه الطفلة الصغيرة أن تفسد أخلاق التلميذات؟
علا صوت المديرة بحنق:
- هل تعاشر نساءك أمام مرأى ومسمع ابنتك يا رجل؟ هل تضعها في السرير عند المعاشرة؟
شعر أبي بارتباك والتفت إليّ فغضضت النظر، كان وجهه مخطوفاً ونظراته قاسية، أظن أنه كان يبحث عن كلمات لم يجدها في الحال فقال كلمة واحدة ريثما يعثر على بقية الكلمات:
- أنا؟
ردت المديرة ساخرة:
- وهل أتكلم مع رجل غيرك في هذه الغرفة؟
صمت أبي لأنه ما يزال يبحث عن كلمات فاستأنفت المديرة:
- ابنتك هذه تحكي للتلميذات بأنك كل ليلة·····
سكتت قليلاً وأزاحت خصلتها الحمراء داسّة إياها خلف أذنها ثم أردفت بصوت خفيض:
- أنت تعرف ماذا تفعل يا رجل·
كان أبي في هذه اللحظة يجفف بمنديله العرق الذي نبت على جبينه، وقال متلعثماً:
- أنا متزوج من امرأتين أيتها المديرة، وربما إحداهن كانت····
قاطعته بعصبية وبصوت أعلى:
- هذا أمر يخصك، مثنى وثلاث ورباع، المهم عندي أن هذه الأمور شخصية وتدخل من ضمن الأسرار ومن العيب أن يطلع عليها الأطفال، الحياء يمنعني أن اقول لك ما تخبر به ابنتك التلميذات، أخرج الآن وابحث عن مدرسة أخرى، ورقة النقل جاهزة·
في الطريق إلى البيت كان أبي الذي مايزال يتصبب عرقاً يكز على أسنانه، يشتمني ويتوعدني بأنه سيرميني إلى السرداب لأعيش مع الجرذان والحشرات، وكان يشدد من قبضته على أصابع يديّ النحيفتين فأشعر بالألم لكنني لا أصرخ ولا أتأوّه·· وما إن دخل البيت واجتاز نصف الممر حتى كفخني على وجهي وأسقطني بقوة على البلاط وداس على رأسي بحذائه الجلدي الخشن وسط دهشة زوجته الثانية (بهيجة) التي كانت تجلس على الكنبة الخشبية في الطارمة وتلاعب ابنها محمود ذا السنوات الأربع، بينما بطنها يبرز إلى الأمام·· كانت أمي قرب شجرة البرتقال بيدها صحن تقطف أزهار القداح وتضعها في الصحن، وحينما تفعل ذلك فهذا يعني أنها تنوي أن تصنع منها قلادات لبناتها، أو تضعها على المائدة في صحن فيه ماء ليعبق البيت بعطرها الشذي·· وبعد أن رماني أبي إلى الأرض وصرختُ من شدة السقوط رمت أمي الصحن من يدها فتساقطت الأزهار على العشب وهرعت نحوي صارخة فأسكتها أبي وجعلها تقف مكانها مذهولة وقال بصوت مجروح:
- ابنتك هذه فضحتنا يا أم البنات، كل ما يحدث بيننا في الفراش تحكيه للتلميذات·
كنت متكورة على جسمي مثل قنفذ منزوع الأشواك، أنشج بصوت واطىء وأصابعي ترتعش، وحينما سمعت بهيجة ما قاله أبي أطلقت ضحكة متموجة زادته غضباً، فصرخ وهو يرفسني:
- لا مدرسة بعد اليوم وستنامين في السرداب·
ثم تحركت أمي لإنقاذي وبينما هي تتدافع مع أبي زحفتُ من على البلاط إلى حافة الحديقة وسقطت على الشريط الترابي الذي هيأته أمي يوم أمس لتزرع فيه شجيرات الحناء فتعفر وجهي بالتراب الرطب، لكن أبي دفع أمي بقوة وجرجرني، جدتي مسعودة التي خرجت في هذه اللحظة صبّت البنزين على النار في قلب أبي عندما قالت: لا تتهاون معها، دلال امها أفسدها، قالت ذلك دون أن تسأل عما حدث وراح أبي يسحبني إلى السرداب فانقلبت على ظهري إلا أن أمي أشارت إلى بهيجة بتوسل من وراء ظهر أبي أن تفعل شيئاً، وبهيجة هي الأثيرة عند أبي بعد أن أنجبت له الولد الذي كان ينتظره وهي التي عرفت كيف تروضه وتخفف من فيوض غرائزه باتجاه نهرها الذي لا ينضب، فصارت لها المكانة والقول المسموع، تركت ابنها محمود ولحقت بأبي لتخلصني من بين يديه وتقول له: من أجلي اتركها هذه المرة·· كان الرعب قد تمكن مني، كيف أبقى في السرداب المعتم مع الحشرات والجرذان؟
**
السرداب في بيتنا القديم، غرفة مستطيلة تحت الأرض، ننزل إليه بعد خمس عشرة درجة، والدرجات مثلومة الحواف بفعل قِدم البيت، معتم إلا من فتحة صغيرة قرب السقف لا تسرّب الا القليل من الضوء الشحيح بما يسمح لرؤية نقطة الكهرباء التي ما إن نضغط عليها حتى ينتشر ضوء النيون ويكشف عن المحتويات، جدران السرداب جصية متآكلة بفعل الرطوبة، ومحتوياته من كل ما لا فائدة منه، لكن أبي يرفض التخلي عنها ويقول: سنحتاج إليها يوماً ما، وقد تراكمت تلك المخلفات سنة إثر سنة دون أن نحتاج إليها·· كراسي مُخلّعة المساند، طاولات خشبية وبلاستيكية، لوحات تجارية لا قيمة لها، صندوق معدني يحتوي على عُدة من قطع حديدية مثل الجواكيج والمسامير والبراغي بمختلف الأحجام، تلفزيون عاطل، راديو كبير نوع فيليبس ورثه أبي عن جدي وهو الآخر عاطل، فوانيس وشمعدانات ورؤوس غزلان خشبية، وايرات وحبال وموصلات كهربائية··· وعدد لا يحصى من الحشرات التي لا تدري من أين جاءت واتخذت مساكن لها تمشي بخيلاء دون خوف، أنا التي أخاف كلما هددني أبي بالسرداب، أنا الوحيدة من بين البنات من تُهدد بالرمي إلى السرداب، لوقاحتي كما تردد جدتي مسعودة، ولولا (بهيجة) التي لحقت بأبي لقضيت ليلتي في ذلك المكان ولما عدت لمواصلة الدراسة في مدرسة أخرى غير بعيدة عن مدرستي التي طُردت منها·· كثيراً ما تلجأ أمي إلى بهيجة في مثل هكذا حالات لأنها تعرف مكانتها عند أبي برغم أن أذنيّ كانتا تلتقطان عبارة ظلت عالقة في ذهني لسنوات: الضرّة مضرّة·· سنوات عمري القليلة وقتذاك لا تستوعب معنى العبارة، كما أن أمي لم تبح بأحزانها أمام بناتها الصغيرات··وحتى بعد سنوات من موت بهيجة لم تفرد لها أمي مساحة من ذكرياتها لتحكي عن معاناتها بعد زواجه من ضرتها وإهماله المتعمد لها، بل دأبت على مواصلة الحياة كأنها ولدت من جديد بعد موتهما·
منذ طفولتي كنت أبحث عن المختلف وعن كل ما هو مغلق لأفتحه وأعرف ما بداخله، فعندما طرح أبي ذات يوم سؤاله علينا، نحن بناته الثلاث: ماذا نحب أن نكون في المستقبل، كانت إجابة هند وصابرين متشابهة: أريد أن أصبح خياطة مثل ماما، بينما قلت أنا: أريد أن أصبح كاتبة، لم أكن أدرك تماماً ما قلت، لقد سمعت العبارة من طفلة معي في الصف، نظر أبي إليّ مندهشاً وسألني: ماذا ستكتبين؟ تبرعت جدتي المنزوية في ركن الصالة تسبّح: تكتب أدعية لطرد الأشباح·· وعلى ذكر الأشباح، يحلو لي أن أنزل من السرير عند منتصف الليل وأمضي إلى الحديقة، في الليالي المقمرة أو حينما يغيب القمر فتتسيد الظلمة، أتنصّت إلى الأصوات الغريبة التي لا أسمعها في النهار، همهمات، خفق أجنحة أو خشخشة بين أغصان الأشجار أو أي صوت لا أعرف كنهه يخرج من بين شجيرات الآس أو من بين عبق الورود أو من قلوب الأشجار، وأحياناً أصعد إلى سطح البيت وأنظر إلى السماء المفروشة بالنجوم المشعة، وأتمنى ما هو مستحيل، أن تمطر السماء نجوماً، ترى ماذا يحدث لو فكرت السماء وأرسلت نجومها إلى الأرض على هيأة مطر؟ هل سنغرق في مائها اللؤلؤي أم تحترق أجسامنا؟ وذات مرة وأنا في الطارمة المطلة على الحديقة أتوغل في غابة الليل الغارق بالسكون، والظلمة تتشربني، رأيت شيئاً يتحرك قرب شجرة السيسبان، ثم فجأة انتقل إلى شجرة التوت ودخل بين أغصانها، شيء على هيأة إنسان بأطراف متعددة ورأس كبير، فشعرتُ بالرعب ودخلت البيت ولم أكرر الخروج ليلاً إلى الحديقة، وعند الصباح قلت لأمي بأنني رأيت شبحاً في الحديقة في منتصف الليلة الماضية، طبطبت أمي على كتفي وقالت:
- لا توجد أشباح، هذا يسمونه خداع بصر يحدث في الليل والنهار·
وطلبتُ من أمي تفسيراً لما رأيته في الليل فقالت:
- في الليل يسقط ضوء القمر على الأشجار، وأغصان الأشجار تتحرك بفعل الهواء فيتغير مسقط الضوء وبصرك يعطي إشارات خاطئة لدماغك فيرى دماغك ما تراه عيناك·· لم أفهم تماماً ما قالته أمي وبقيت مصرة على أنني رأيت شبحاً، وعندما تعجز أمي عن إقناعي فإنها تردد عبارة عندما تكبرين ستعرفين، صابرين صدّقتني ولم تصدقني هند المولعة دائماً بتبني رأي أمي، جدتي التي كانت تصلي بالقرب منا قطعت صلاتها وردت على الفور:
- الأشباح موجودة وتعيش مع البشر في كل زمان ومكان وملعون من لا يصدقها·
ثم التفتت نحوي وسألتني:
- هل رأيتِ الشبح على شكل إنسان أم حيوان؟
قلت:
- إنسان·
قالت وهي تسقط حبات مسبحتها:
- إذن فهو روح أحد المتوفين من أهلنا·
وعادت تواصل صلاتها فيما همست لي أمي:
- روح الميت لا تظهر للأحياء·
لو كانت أمي قد صدقتني لعارضت جدتي ونفت وجود الأشباح·· حكاية الأشباح هذه سأتذكرها في الأيام الأولى عند عودتي للبيت القديم بعد أن هجرته بسبب ظروف قاهرة·
**
لم أكن مشاكسة كما كانت أمي تقول عني، بل كنتُ وقحة، نعم وقحة، هذه هي الكلمة الأكثر ملائمة للوصف وإلا كيف أفسر ما تقوم به طفلة لم تبلغ التاسعة من العمر تختبىء تحت السرير وتتلصص على مايحدث بين أبيها وأمها أو بينه وبين زوجته الثانية بهيجة؟ ولطالما تساءلت: لماذا ينام ليلة واحدة في الأسبوع مع أمي بينما بقية الليالي من حصة بهيجة؟ هل من أجل إنجاب مزيد من الأبناء الذكور كما كانت جدتي مسعودة تقول لأمي مناكدةً إياها؟ أمي لا تثق بكلامها، وكم كانت تكرر بأن تحديد جنس الجنين لا علاقة له بالمرأة وإنما بالرجل وتروح تشرح لأبي وجدتي معلومات لم أكن أعيها في ذلك العمر المبكر، فكانت جدتي مسعودة تسخر منها وأبي يتجاهلها·· وعندما أنجبت له بهيجة الولد ظلت جدتي لفترة طويلة تنكد على أمي عيشتها مما جعل أمي تبحث، عن تسلية تعينها على الصبر، ولم تجد إلا مهنة الخياطة التي لم تكن تفكر أول الأمر في جعلها مهنة كما كانت تخبرنا مراراً لولا زواج أبي وتقتيره على (أم البنات) مثلما يحلو له أن يسميها متجاهلاً أن اسمها سمر، وزاد تقتيره بعد أن ولدت بهيجة ابنها البكر محمود فملأت جدتي البيت بالزغاريد طيلة ساعات النهار لتزيد من حالة القهر التي اعترت أمي ثم صارت تسخر كل يوم من معلوماتها حول مسؤولية الرجل عن تحديد جنس الجنين، ولا تتوانى بإطلاق ضحكات مجلجلة دون مراعاة لمشاعر أمي التي كانت تقابل سخريتها بالمزيد من العمل على مهنة الصبر، وتتعامل مع جدتي بحذر أو بسخرية مقننة دون أن تتمادى إذا ما أمعنت جدتي بالسخرية منها لكي لا يتحول الأمر إلى مشاكل يستعصي حلها، وكم حاولت أمي التودد إلى جدتي لإنهاء حالة الشد بينهما لكن محاولات أمي كانت تصطدم بعناد جدتي التي كانت تكرر لأمي المثل الشعبي: لو تصافت العمّة والجنّة جان ابليس دخل الجنة·
إنني أراهما كما لو أنهما ما تزالان تجلسان تحت عريشة العنب في حديقة البيت القديم، نحن البنات نتحلق حول أمي التي جمعت أزهار القدّاح في صحن وراحت تعمل منها قلائد وأكاليل لنا، وأرى بهيجة تجلس على كرسي من الخيزران وسط الحديقة، بينما جدتي ترقّص محمود لتغيظ أمي:
يُمّه الولد فدوة الولد
يسوه البنات بْلا عدد
يسوه البنات وأمهن
واخوالهن واهلهن
وترد أمي وهي تُلبس هند قلادة القداح:
هنّودة يا هنّودة
يم العيون السودة
تسوين عشرة منهم
بالافراح موعودة
تقهقه جدتي أثناء ما تلبسني أمي القلادة الثانية وترد عليها أمي:
ورْيام يا محلاها
طير السعد يرعاها
وردة قرنفل وتفوح
سبحان من سوّاها
ويعلو صوت جدتي:
محمود يا حماده
يا جالب السعاده
أمك بهيجة بهجة
وابوك نال مراده
فترد أمي ملتفتة إلى صابرين، واضعة إكليلاً على رأسها:
صبّورتي صابرين
يا شمعتي التضوّين
باجر تجي الخطابة
ويتنافسون الصوبين
وتلتفت جدتي إلى بهيجة مرددةً:
ياام الولد نامي رغد
بين الهنا وبين السعد
باجر يشب مثل الأسد
ويصيرلج عون وسند
بهيجة التي تجلس على مقربة من أمي وجدتي مسعودة تبدو محايدة، لا تتدخل وإنما تسمع وتستمتع وتنتظر المزيد لتضحك من أعماق قلبها وتتسلى طالما الترنيمات تصب في صالحها، لكنها لا تكن بغضاً لأمي ولا تحاول إثارتها، كانت تتصرف بتعقل لا يناسب سنوات عمرها العشرين وتحاول تطييب خواطرنا نحن البنات الثلاث عندما تجد من أبي إهمالاً متعمداً نحونا، لقد حظيت هند برعاية أبي عند ولادتها متأملاً أن يأتي المولود الثاني لأمي ذكراً، وحظيت صابرين برعاية أقل، أما أنا، البنت الثالثة فلم أحظ بأية رعاية منه، كفّ أبي عن رعاية البنات منذ أول يوم جئت فيه إلى الدنيا وقال: كفى·· ثم تزوج من بهيجة، بينما أمي انشغلت بثلاثة أشياء لتشغل فراغ روحها، بناتها، والخياطة والاعتناء بالحديقة، وفي ذلك الوقت عندما كنا صغيرات غرست أمي فسيلة نخل، كنا متحلقات حولها وهي تحفر لها مكاناً وسط الحديقة وتقول لنا إن النخلة مباركة في جميع الأديان وهي الوحيدة الشبيهة بالإنسان، عندما يُقطع رأسها تموت، وبعد أن غرست الفسيلة وأثناء ماكانت تسقيها عاد أبي من العمل فهرعت هند إليه فرحة لتخبره عن الفسيلة، نظر مبتسماً وقال لأمي بنبرة يُشم منها الاستخفاف: ومتى نأكل التمر؟ ردت أمي دون أن تنظر إليه: بعد خمس أو ست سنوات، فقهقه عالياً وقال: موت يا كديش لمّن يجيك الحشيش·· ودخل إلى البيت·
**
وسّعت أمي من شغلها وفتحت محلها في شارع النهر، المحل الذي كان بالنسبة لها حلماً بعيد المنال وجاء بعد ثلاث سنوات من وفاة أبي، ولم يستمر العمل به لفترة طويلة، فقد سُرق في وقت كنا فيه نمر بظروف قاسية من الحزن العميق، سأتحدث عن ذلك في صفحات أخر، أما الآن فسأعود لأبي وجدتي مسعودة في هذه الصفحات، سأبدأ بأبي الذي يزاحمني على الحضور برغم موته منذ سنوات طويلة، وها أنا أستجيب لندائه الهامس الذي يخرج من ثغور رأسي، كان يعمل في بيع الأدوات الاحتياطية للسيارات والدراجات النارية وله محل في البياع، شخصيته محيرة، فهو كمعظم الآباء متسلط وكلمته هي النافذة في البيت، وكأي رجل يتخذ قراراً فتظنه لا يعدل عنه ثم يباغتك بنقيضه في وقت لاحق، تراه مسترخياً وساخراً تارة، وغاضباً لأتفه الأسباب تارة أخرى، مزاجياً كان لكنه ليس متعصباً، يسخر من كل شيء ويضحك على كل شيء ويزوغ من المطبات التي تفاجؤه ببساطة من يتنفس الهواء أو يشرب الماء، ولكي لا يشتتني ويعيدني إلى تلك العفريتة التي كانت تسكنني فسأمضي معه إلى أيامه الكئيبة، تلك التي ألقت به على ضفاف الأحزان بعد وفاة بهيجة، فقد امتنع أول الأمر عن تناول الطعام وسقط مريضاً، ثم صام عن الكلام ولم يستوعب موتها المفاجىء مع ولده الثاني، لقد زلّت قدمها وتدحرجت من أعلى الدرج، كانت في شهرها السادس، مازلت أتذكّر كيف سهمت عيناها وابيضتا وعلت وجهها صفرة بعد سقوطها، أسرع أبي لنقلها إلى المستشفى فوصلت إلى هناك بلا أنفاس تخوض في بحر من الدماء ويخرج الطفل الذكر ميتاً·· لم يعد لأبي ذاك الجسد الضخم بل امتصته الأحزان قطرة قطرة، حاولت أمي بكل طاقتها وصبرها أن تنقذه من الحالة التي وصل إليها، بينما جدتي كانت تحثه على تجاوز المحنة والزواج مرة ثالثة كأن أمي لا وجود لها في حياته، لكنه لايرد، لا على كلمات أمي المواسية ولا على كلمات جدتي المحرضة، كان يخوض في بحر من الظلمات لا يدركه أحد سواه، حتى أصيب بأزمة قلبية مات على أثرها بعد أن رفض نقله إلى المستشفى كأنه عرف ما سيحدث له وتواطأ مع ملك الموت ليلتقي بحبيبته بعد ثلاثة أشهر من فراقها·· وتظل الصورة الأوضح منه في مخيلتي هي حين أسقطني على البلاط وداس على رأسي بحذائه الجلدي الخشن ثم سحلني ليرميني إلى السرداب·
سيعود أبي في صفحات لاحقة كلما اقتضت الضرورة، أما جدتي مسعودة فقد احتضنت محمود كأنها تحتضن قطعة ماس تخشى عليها من الفقدان، زادت من دلاله كتعويض عن ابنها الذي مات قهراً، وبعد أن كانت صاحبة نكتة ولسانها لا يتوقف عن الكلام ومجلسها لا يخلو من الضحك أصبحت قاب قوسين من الموت حزناً لولا فسحة الأمل التي وجدتها في محمود، هو وحده من يرى ابتسامتها التي تبخل بها علينا، تقص عليه الحكايات وتصمت حينما نقترب منها نحن الصغيرات بنات ابنها، وإذا ما تسللت إليه نملة ومشت على قدمه تتبعُ جدتي أسراب النمل وتقتلها بالنفط الأبيض·
ذات نهار، بعد أن نسينا رنة ضحكاتها لفترة طويلة فاجأتنا وزغردت، هرعنا، هند وصابرين وأنا، تتبعنا أمي التي ظنت أن جدتي جُنّت، وتبيّن في مابعد أن الأمر ليس كذلك، كان محمود في حضنها يمسك ببرتقالة وهي تمطره بالقبلات، وقبل أن تسألها أمي عما حدث زغردت ثانية، وأشارت بيدها أن نقترب، ما الذي حدث؟ كررت أمي السؤال فردّت جدتي بفرح غامر:
ـ محمود غافل (زاير محسن) وسرق من دكانه برتقالة·
انكمش وجه أمي وقالت لها بامتعاض:
- أنت تفسدين الولد وتشجعينه على السرقة·
هزت جدتي رأسها جذلاً وقالت:
- هذا ذكاء من ولد عمره ست سنوات ويراوغ رجلاً بعمر الستين·
أمي التي لم يعجبها ردّ جدتي صرخت بها:
- من الآن سيحجز له مقعداً في مدرسة الحرامية·
شقت ضحكة جدتي فضاء المكان وقالت متباهية:
- السجن للرجال·
وستعود جدتي مسعودة إلى أوراقي كلما اقتضت الضرورة أيضاً·
**
كنا نذهب إلى المدرسة مشياً على الأقدام فهي غير بعيدة عن بيتنا، وحينما نقلني أبي إلى مدرسة ثانية كانت أبعد قليلاً عن مدرستي الأولى، ما إن ينتهي الدوام حتى أقف عند الباب بانتظار أختيّ لنعود ثلاثتنا إلى البيت، ويصدف أن أجدهما قبلي، كانت أمي صارمة بوصاياها لأختيّ:
- لا تعودا من دون (ريام) لكي لا تُختطف، فتصيح جدتي:
- اسمها كفى·
لا تعيرها أمي اهتماماً بل تلتفت إلي لتقول مُحذرة:
ـ لا تكلمي الغرباء لأنهم سيخطفونك·
لم تسأل أختاي عن الذي سيخطفني، أنا التي اسأل فتجيب أمي:
- غرباء يأتون من قلب السماء البعيدة·
أعود وأسأل:
- لماذا يفعلون ذلك:
تعرف أمي أنني لجوجة ويمكنني أن أسألها عشرة أسئلة في الدقيقة الواحدة عن مواضيع لا تخطر ببالها، فترد بعصبية:
- عندما يخطفونك ستعرفين·
مرة سألتها:
- لماذا تنام الزوجات مع الأزواج:
- فتحت عينيها دهشة وبعد قليل من الصمت قالت:
- لكي ينجبن أطفالاً·
وعندما هممت بسؤال آخر حول كيفية الإنجاب قالت بنفاد صبر:
- ستعرفين ذلك عندما تكبرين أما الآن فاذهبي مع أخواتك للّعب في الحديقة·
شكوت ذات مرة لأمي من هند وقلت بأنها تجرني من ضفائري، فقالت لابد أنك تثيرينها، وانتبهنا بأن هند تقف في هذه اللحظة عند الباب فصرخت: كذابة، ثم التفتت إلى أمي شاكية: هي التي تجر ضفائري، فقلت لها: أنت الكذابة، ولا أدري بعد ذلك أينا هجمت على الأخرى، كنتُ صادقة في ما أقول لكن أمي صدقتها وكذّبتني لكثرة ما كنت أكذب في ذلك الوقت، وحدها هند من تفتعل المشاكل معي منذ الصغر، إلا أنها خففت من غلوائها شيئاً فشيئاً لكن بذرة الاختلاف معي ظلت في أعماقها ونبتت من جديد بعد سنوات طويلة من تلك الطفولة لتضع حداً للعلاقة بيني وبينها، أما صابرين فقد كانت النسمة الرقيقة بيننا·
بعد أسبوعين عادت فاطمة، جاءت مبكرة تحمل معها (خبز عروك) قالت بأنها لم تفطر، وسألتني: ها، كيف حال الكتابة معك، هل نجح الأمر؟ قلت لها أظن ذلك وقمت بإعداد الشاي، شربنا وأكلنا خبز العروك اللذيذ، ثم مضينا إلى غرفة الخياطة كأننا غبنا عنها شهراً، انهمكنا في القص والدرز والتطريز لمدة تقارب الثلاث ساعات لم نتبادل الكثير من الكلام خلالها، سألتني فاطمة ثانية عن روايتي فقلت لها أظن أن المحاولة ناجحة لحد الآن، واستأذنتها بأن ثمة شيئاً يجب أن أدونه قبل أن أنساه، تركتها ومضيت إلى غرفتي، ويبدو أن الكتابة أخذتني فلم أنتبه للوقت إلا بعد أن طرقت فاطمة الباب ورأتني منهمكة بالكتابة فقالت:
- الغداء جاهز هل آكل وحدي؟
أخذت نفساً عميقاً كأن الذكريات التي أكتبها قد أطبقت على صدري حين عادت على شكل كلمات مرصوفة، تركت أوراقي على الطاولة ومضيت مع فاطمة إلى المطبخ، رائحة الرز بالكركم مع مرقة الباميا الشهية تذكرني بطبخ أمي، لكنني أكلت على عجل ومن دون شهية ، فاطمة تريد تفسيراً للحالة التي أصابتني فأكرر ما قلته لها بشأن الكتابة وأضيف عليه:
- أريد أن أكتب قصة حياتي قبل أن أغادر هذه الدنيا·
وجهها يبحث عن إيضاح فأضيف مازحة:
- ربما ينجح الأمر وأصبح كاتبة، لا تخافي سأعود إلى الخياطة لأنها تسري في دمي وهي الذكرى الوحيدة التي لا أريد لها أن تموت بعد موت أمي·· قلت ذلك وأنا غير متأكدة مما أقول·
ثم نعود بعد الغداء إلى غرفة الخياطة فيستغرقنا العمل حتى الساعة الخامسة عندها يكون دوام فاطمة قد انتهى فتقول:
- عليّ أن أعود إلى البيت، الطرق إذا اظلمت تخيفني·
أقوم من وراء الماكنة، أوصلها إلى الباب الخارجي وأقول لها:
- لماذا لا تعيشين معي فالبيت كما ترين واسع، فترد:
- سأفكر بالأمر بعد التشاور مع العائلة·
أغلق الباب وراءها وأعود إلى أوراقي·
**
صالة وخمس غرف في بيتنا القديم ذي الطابقين والشرفة العريضة المطلة على الشارع، البيت الذي ورثه أبي عن جدي والذي تغربت عنه ثم عدت إليه، حديقته الأمامية واسعة تربض فيها أشجار البرتقال والنارنج والتوت، وفيها أيضاً شجرة سيسبان، ونخلة غرستها أمي عندما كنت طفلة تتوسط الحديقة كأنها بالنسبة لبقية الأشجار فص حجر كريم في قلادة، وصف من شجيرات الآس على طول الممر الواصل بين الباب الخارجي ومدخل البيت وبامتدادها شجيرات الجوري والقرنفل··في الطابق العلوي تقع (غرفة البنات) كما أطلق عليها أبي ثم عدلت التسمية أمي وأطلقت عليها (غرفة الفراشات)، والغرف الأربع المتبقية تقع في الطابق الأسفل، حالما نجتاز الحديقة والممر ونعبر إلى الداخل سنرى الصالة إلى اليمين تقابلها غرفة جدتي بسرير من الحديد وصندوق كبير من خشب الصاج لا ندري ماذا تحشر فيه فهي دائمة التستر على محتوياته وتمنعنا من الاقتراب منه، غزوته أكثر من مرة في طفولتي لأعرف ما بداخله وخابت غزواتي·· ولأبي الغرفة الأوسع بنافذتين، الأولى تملأ الجدار وتشرف على الحديقة والثانية صغيرة تطل على الممر، بسرير من خشب الأبنوس وخزانة داخل الحائط يصفط أبي في أدراجها ملابسه الداخلية ويعلق على قضبانها الستر والقمصان والأربطة والبنطلونات والأحزمة، وفي الغرفة جرس معلق بحبل من السقف ينزل حتى النافذة الداخلية للغرفة يشبه جرس المدرسة الذي تستخدمه المعاونة عند بداية الدوام وبين بداية ونهاية كل حصة، سأعرف بعد موت أبي بسنوات السر الكامن وراء احتفاظ أبي بهذا الجرس طيلة حياته، غرفتا أمي وضرتها بهيجة تتجاوران بامتداد غرفة أبي ويطل شباكهما على حديقة خلفية صغيرة حرصت أمي على أن تزرع فيها النعناع والبقدونس والرشاد، لم تكن بهيجة تسكن معنا أول الأمر، فحينما قرر أبي الزواج ثانية استأجر لها بيتاً مستقلاً في الوزيرية ليس ببعيد عن بيتنا، ولم يفكر بالجمع بين الزوجتين إلا بعد أن مرّ بظروف مادية صعبة، وأتذكر أن أمي عندما علمت بأن ضرتها ستعيش معنا صامت عن الكلام لفترة طويلة وإذا اضطرت إليه فإنها تختصر بأقل الكلمات وبملامح متوترة تحاول قدر ما تستطيع إخفاءها لئلا نكتشف حجم معاناتها، لكنها شيئاً فشيئاً تقبّلت الواقع ليس بسبب تمسكها بالعلاقة مع أبي ولكن من أجلنا نحن، بناتها الثلاث ولأن ضرتها كانت مهادنة لم تسع إلى ما يفاقم توترات أمي·
**
عندما وسوس شيء ما في صدري واختبأت تحت السرير دُهشت لما رأيته، وتكرر الأمر كل ليلة أو كل ما سنحت لي الفرصة، كاتمة ما أراه عن هند وصابرين لئلا تشيان بي، لكنني رحت أحكي لرفيقاتي في المدرسة عن كل ما يحدث على سرير أبي، أمي تخلع ثيابها وترتدي قميصاً شفافاً لا يكاد يغطي جسدها، يرتفع حتى منتصف الساقين، مفتوح من الأمام ومن دون أكمام، تصعد صامتة إلى السرير الذي يتمدد عليه أبي، أما بهيجة فإنها تتعرى تماماً دون خجل، وتتراقص قبل أن تصعد إلى السرير، وفي كل مرة تقول له: خليني أشوف قوتك أيها الأسد··· وأنا صامتة أكتم أنفاسي وأزحف على مهل لأرى كيف يلتحم الجسدان، مذهولةً كنت مما أرى، متسائلة: كيف لامرأة مثل أمي الخجولة أن تتعرى ولماذا يضيع جسدها تحت جسد أبي الضخم وكيف لا تختنق؟ أما بهيجة المربربة ابنة العشرين فقد كانت تأتي بأفعال عجيبة وتضحك وتقول كلاماً لا أفهمه وتتأوّه وتصرخ فأفز معتقدةً أن أبي سيقتلها، ثم، تنطلق ضحكاتها ثانية وتتفوّه بكلام فاحش وتشتم أبي وأبي لا يرد شتيمتها·· يا للعجب، أين كرامة أبي التي يتشدق بها دائماً؟
ذات مرة تشاجر أبي مع رجل غريب رآه يحوم قريباً من بيتنا وهدده أن يسلمه إلى الشرطة إذا رآه ثانية، فابتعد الرجل بعد أن شتم أبي، وما كان من أبي إلا اللحاق به وطرحه أرضاً وراح يضربه ويدوس على رأسه والرجل يصرخ، فهرع جار لنا كان على مقربة من المكان وأنقذ الرجل الغريب من بين يدي أبي وقدميه، ولّى الرجل هارباً وقال أبي لجارنا: لم أستطع كظم غيظي، أنا رجل ذو كرامة وكرامتي لا تسمح لأحد أن يشتمني··· فأين كرامة أبي وبهيجة تمعن في شتمه؟
لم يغفر لي أبي فعلتي، ولم يكتفِ بضربي وإيقاعي أرضاً، بل هددني بالسرداب، وكان كل ليلة يتأكد من أنني نائمة في الفراش قبل أن يمضي إلى غرفته، وقد أطلق عليّ (العفريتة) بعد وقفته المخجلة أمام المديرة، وأصبح كل من في البيت يدعوني بالعفريتة إذا قمت بأي عمل لا يرضيهم، وظل أبي يخزرني بعدم ارتياح فأنزوي في (غرفة البنات) لئلا يمضي بي إلى السرداب·
بعد سرقته البرتقالة وزغاريد جدتي مسعودة، صار محمود يسرق من البيت، يسرق ألعابنا، أقلامنا، وحاجاتنا الخاصة، وبالرغم من أننا نضبطه بالجرم المشهود إلا أنه يُنكر الأمر أمام الجميع، وأحياناً يصرخ لكي يُسمع جدتي فتهرع وتوبخنا، وحينما يشتعل البيت بالمشاكل بين أمي وجدتي يصل الأمر بأمي إلى تهديد الجدة بتركها في البيت، وهذا يعني أن جدتي ستفقد من يخدمها بعد وفاة أبي، عندها تلين قليلاً، لكن لا يلبث الجو بينهما أن يتكهرب مرات ومرات، وتتعدى سرقات محمود إلى أطفال الجيران فحين يلعب الدعبل ويخسر يفتعل الشجار، يخمش وجه هذا الطفل وينهش ذاك ويعود بالدعبل المسروق في جيبه ليحتمي بجدتي مسعودة·
ربما نضجت قبل الأوان وإلا كيف أفسر الأمر عندما تفجرت عواطفي وأنا ابنة الثالثة عشرة وفُتنتُ بريحان، بينما لم تفتتن أختاي هند وصابرين بأحد في ذلك الوقت وهما تكبراني؟ وريحان هذا شاب في السادسة عشرة من العمر، بهي الطلعة ذو عينين سوداوين واسعتين وشخصيته آسرة، يجيء إلى حيّنا من الحي المجاور الملاصق لنهر دجلة، الحي الأكثر فقراً،غالباً ما أراه يخترق شارعنا هو وأصدقاؤه في طريقه إلى المدرسة أو عائداً منها، أو يحمل كتاباً ويمضي وحيداً باتجاه المقبرة الانكليزية، أما بيتنا فيقع في الحي القديم المبنية أغلب بيوته منذ زمن الاحتلال الانكليزي، بيوت واسعة من طابقين على الأغلب وبعضها يحمل تاريخ تأسيسها بحروف بارزة منقوشة على الواجهة العليا للبيت مثلما هو الحال مع بيتنا، وكنت كلما رأيت ريحان تمنيت الزواج منه، لطالما حلمت بسرير رحب يضمنا وأفعل معه ما كانت تفعله بهيجة مع أبي·· وقعت في غرام ريحان مثلما وقعت في غرامه بنات كثيرات متمنيات ما تمنيته، وكان هو يغازل الفتيات جميعهن بعبارات أظنه حفظها من الأفلام العربية، لم أكن أشعر بالغيرة منهن باستثناء عزيزة الشقراء ذات العيون الخضر التي تتغنج وتتمايل وتتضاحك وتكلمه دون حرج، وعزيزة هذه يتيمة الأم منذ كانت في الخامسة من العمر، تزوج أبوها من امرأة داكنة البشرة فأنجبت منه بنتين بذات البشرة قبل أن يموت، وكانت زوجة الأب تشعر بالغيرة من الطفلة الشقراء لئلا تكون سبباً في تعثر نصيب ابنتيها لذلك كانت قاسية معها بوجود أب ضعيف الشخصية، ولم تكن عزيزة موفقة في دراستها فكانت تأخذ السنة بسنتين لكنها حالمة كبيرة ولديها قناعة بأنها ستصبح ثرية ذات يوم وستنتقم من زوجة أبيها بطريقتها الخاصة·
أسمعني ريحان ذات يوم كلاماً بطعم الشهد جعلني لا أنام، ومع أنني كنت أشعر بسعادة لا توصف إلا أنني تعلمت أيضاً من الأفلام والمسلسلات العربية التي كانت جدتي مسعودة تتسمر أمامها ما جعلني أسوق الدلال عليه وأقول له: كم واحدة قلت لها هذا الكلام؟ وكان رده: هذا كلام مخصوص لا أقوله إلا لكِ فسألته والغيرة تأكلني: ولا حتى لعزيزة؟ ضحك وقال: أنا لا أحب الشقراوات ذوات العيون الملونة، وبعد أن توطدت علاقتي به صرنا نلتقي سراً، أحياناً نعبر جسر الصرافية وغالباً ما نمضي إلى المقبرة الانكليزية، ولأن بيتنا قريب من تلك المقبرة فقد كنت أخشى أن يرانا أحد لذلك كانت أخته نجية تقوم بحراسة الطريق كما سيرد في هذه الأوراق لاحقاً، ومن ريحان تعلمت أشياء كثيرة، وكثيراً ما كان يحكي لي عن الأهوار موطن أجداده، وعن تلك الطيور الغريبة والعجيبة التي تهاجر من أقاصي العالم وتأتي إلى الأهوار، وعن القرى الطافية على الماء، وبعد جولات وجولات قال لي أخيراً: سأتزوجك يوماً ما ونمضي إلى هناك، وعندما ضحكت كرر الكلام وهو يغرز عينيه بعيني: سأتزوجك يا بنت المعيدي·
لا ينحدر أبي ولا أمي من المعدان، لكن ريحان كان يقصد مغازلتي وتشبيهي بتلك المعيدية التي نراها في الصور، والتي تقول عنها الحكايات بأنها كانت خارقة الجمال وتنحدر من إحدى قرى هور الحويزة في مدينة العمارة، وكان أهلها من المعدان يبيعون القيمر ويصنعون الحصران والبواري ويربون الجاموس، وقد وقع في غرامها أحد الضباط الإنكليز عندما كانت البلاد تحت الانتداب البريطاني بداية القرن الماضي، فأشهر إسلامه وتزوجها، ولما انتهت مدة خدمته العسكرية في بلادنا أخذها وسافر إلى لندن وجاء برسام كبير ليرسم صورتها ويرسلها إلى أهلها، وما تزال الأجيال تتناقل الصورة المستنسخة في البيوت والمقاهي كما الموناليزا·
عندما عدتُ إلى البيت في ذلك النهار الذي قال لي فيه ريحان بانه سيتزوجني كنت أشعر كما لو أن جناحين نبتا على كتفيّ وحلّقت إلى السماوات، وأحسست بسعادة لم أحس بها من قبل، ولم أستطع كتمان سري فبحتُ لهند وصابرين، ولا أشك أبداً بأن هند هي التي أفشت السر لأمي التي شهقت وصرخت بي: أتقيمين علاقة مع ابن المعيدي وأنت في هذه السن الصغيرة؟ دُهشت والتبس عليّ الأمر، هل هناك ابن معيدي مثل بنت المعيدي الفاتنة؟ أوضحت أمي بأنها تقصد أن ريحان من سلالة المعدان، ألم تصنع أمه القيمر ويربي أهله الجاموس؟ في ذلك الوقت لم أكن أعرف أن المعدان اختصوا بصناعة القيمر وتربية الجاموس فقلت لأمي لأناكدها: وماذا في ذلك، هل هناك أطيب من القيمر؟ ألسنا نتهافت على شرائه من أم ريحان؟ لطمت أمي صدرها وصرخت بي دون أن تنتبه لدخول خالي إبراهيم: ماذا فعل معك ريحان ابن المعيدي، هل سحرك يابنت؟ وحين انتبهتْ تلعثمت وحاولت تغيير دفة الكلام إلا أنها فشلت، فقال لها خالي إبراهيم بغضب: سمِعتك، صوتك واصل لسابع جار·· صمتت أمي فتحرك خالي وأمسك بضفيرتي وراح يقررني وأنا أقسم كذباً بأن ريحان لم يلمسني، فقط قال بانه سيتزوجني، سحب يده من ضفيرتي وكوّر قبضته كما لو أنه يريد أن يلكمني فوضعتُ يديّ على وجهي، لكنه سحب يده والغضب يتأجج على وجهه ثم تركنا وهو يكز على أسنانه ويقول: ما بقي الا ابن المعيدي يتحرش ببناتنا، وخرج مهرولاً باتجاه بيت أم ريحان، وطبعاً لم أقل لأمي ولا لخالي عن علاقتي بريحان ولا عما حدث قبل أيام حينما كنت على ضفاف النهر، فقد انبثق ريحان مثل جني من قاع المياه وأفزعني فأردت الهرب لكنه خرج نصف عارٍ وقال ضاحكاً: لا تخافي، كنت أسبح على مقربة منك فغطست في الماء ووصلتك، نشف جسده بفانيلته وارتدى دشداشته وقال لي: أنا ابن الماء وبيوت القصب، هل سمعت ببيوت عائمة فوق الماء؟ ثم مشينا على ضفاف النهر الرملية وواصل كلامه: إنها بيوت أعمامي في الجبايش، عندما اتزوجك سنمضي إلى هناك وأريك حقول الرز والطيور الملونة التي تهاجر من بلدان بعيدة وتأتي إلى الأهوار باحثة عن الدفء، سنركب المشاحيف ونتجول بين القصب والبردي، وتتذوقين خبز(السيّاح) الحياة هناك جنة على الأرض والمرأة أكثر حرية من نساء المدن·
ولم أقل أيضاً بأنه قبل ذلك أركبني ظهر إحدى الجاموسات وكانت تعوم في النهر وكدت أصرخ لأنني خشيت من السقوط أثناء ما كانت الجاموسة تغطس في النهر فأنزلني وقال: ستتعلمين ركوب الجواميس في الجبايش، وأخفيت أيضاً انني وريحان دخلنا المقبرة الانكليزية أكثر من مرة وصارت موعداً ثابتاً للّقاء بيننا·· وبرغم أن هذه المقبرة قريبة من بيتنا إلا أنني لم أدخلها يوماً إلا مع ريحان، وكم دُهشت حين تجولت بين قبورها المنظمة التي لا تشبه قبور موتانا، وريحان يقرأ لي أسماء الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى ودفنوا في هذه المقبرة، أسماء غريبة على مسامعي مكتوبة بالانكليزية التي يجيدها ريحان، وجلسنا تحت فيء أشجارها وارفة الظلال، وأحياناً يأتي ريحان ومعه كتاب في التاريخ المعاصر ويقرأ لي عن شخصيات تاريخية أثّرت في الحياة البغدادية وفي عموم العراق،وكم مشينا على عشبها الناعم الطري، ومن ريحان سمعت للمرة الأولى باسم المس بيل، وقفنا بالقرب من قبرها وقال ريحان هذا قبر المس بيل عالمة الآثار البريطانية والسياسية المشهورة التي عاشت في العراق وكان لها دور كبير في سياسته ويقال بأنها هي من اختارت الأمير فيصل الأول ليكون ملكاً على العراق، وكثيراً ما شاهدها الناس وهي على صهوة جوادها ويسميها البغداديون في ذلك الوقت بالخاتون، والخاتون تعني باللغة التركية المرأة الشريفة عالية المقام، وكانت تتنقل في قرى العراق وتقوم بحملة تلقيح الأطفال ضد مرض الجدري، وصار قبر المس بيل بعد ذلك مكاناً مفضلاً للمواعيد بيني وبين ريحان، ثم رأيت قبر الجنرال ستانلي مود قائد الحملة البريطانية على العراق في بداية القرن العشرين، وله تمثال في كرخ بغداد أزالته الجماهير الغاضبة بعد ثورة تموز في العام 1958 كدلالة لإزالة عصر الاستعمار، وأخبرني ريحان أن الجنرال مود مات بمرض الكوليرا أما المس بيل فقد ماتت بتناول جرعة كبيرة من الأدوية ويقال بأنها انتحرت·· وكنا حين نتواعد في المقبرة تكون نجية اخت ريحان التي تصغره بأربع سنوات جالسة على السياج الواطىء للمقبرة بالقرب من مدخلها تراقب الطريق، فإذا رأت أحداً من الذين يعرفوننا تنزل من على السياج إلى داخل المقبرة وتصيح بأعلى صوتها: ريحان جاءنا ضيوف·· عندها نهرب من السياج البعيد·· وفي أحد اللقاءات تلك أخبرني ريحان بانه يعتزم إذا ما دخل الجامعة أن يدرس تاريخ العراق في تلك الفترة·· هل كان ذلك سبباً كامناً في أعماقي لكي أتخصص بعد سنوات بدراسة التاريخ؟
كل ذلك أخفيته باصطناع البراءة التي لم أمتلكها أبداً، وحينما عاد خالي قال: كسرت له ذراعه أمام أمه وهددته إذا اقترب منك سأكسر له أنفه، إذا كان الموت قد غيّب أباكِ فتذكري أنني موجود، كم شعرت بالحقد على هند التي كانت من وراء كتف أمي ترمي إليّ نظرات ساخرة، وكم كرهت خالي وتمنيت من الله أن يكسر له يده، لطالما سمعت من جدتي مسعودة أن الدعاء إلى الله وقت المغرب مستجاب، فهرعت إلى السطح في ذلك الوقت، كانت الشمس للتو تغطس وراء الأفق، فردتُ يديّ ورفعتهما إلى السماء وتمنيت أن يكسر الله يد خالي·· ثم عدّلتُ الدعاء ورجوت الله أن يبتر يده بتراً·
لم أر ريحان بعد ذلك سوى مرة واحدة رتبتها نجية بعد أسبوعين على ما فعله خالي به، وفي تلك المرة التي عبرنا فيها جسر الصرافية بشكل منفرد لكي لا يرانا أحد معاً من الذين يعرفون أهلي، جلسنا على شاطىء النهر من جهة الكرخ، كانت يد ريحان ملفوفة بالشاش الأبيض، قال بأنها ليست مكسورة بل حدثت بها رضوض لأن خالي دفعه فسقط أرضاً والتوت يده، وسألته عن المعدان فقال بألم: لا أدري لماذا يقللون من شأنهم مع أنهم منبع الحضارة وهم قوم مسالمون لم تلوثهم المدن حتى وإن عاشوا فيها، وراح يحكي عن الأصل مبتعداً عما آل إليه الوضع بعد آلاف السنين عندما دخلت أقوام أخرى من الجزيرة العربية واستوطنت بجوار ممالكهم السالفة وتسيدت الحياة·· كنا في بداية العطلة الصيفية فأخبرني بأنه سيزور أعمامه هناك ويعود، وأنه لن ينساني أبداً وكرر عليَ بأنه سيتزوجني على عناد خالي الذي لا يرى أكثر من موطىء قدمه على الأرض، وشعرت بأنه سعيد لأنه سيمضي إلى الأهوار في هذا الوقت بالذات حيث يأتي أكثر من مليوني طير من أقاصي الدنيا ويتعايش مع الطيور الأصلية، وراح يحكي عن ألوان الطيور وعاداتها وعدّد لي بعض أسمائها، ومنها البجع والبط الصيني والغاق والكوشرة والدبش والخضيري والنقوط والمنتشي والسرندة والسنونو واللقلق والشاهين والصقر، وقال عن الخضيري بأنه طير ذكي جداً يعرف كيف يراوغ الصياد ويفلت منه فلا يقع بسهولة في شباك الصيد، وإذا وقع فإن الصياد يذبحه سريعاً لكي لا يموت، لأن الخضيري دون بقية الطيور يشعر بالحزن العميق ويموت قهراً إذا وقع فريسة الصيد·
كان ذلك آخر لقاء بيني وبين ريحان، ثم اختفى ولم أعرف عنه أي شيء، حتى نجية آثرت الابتعاد عني وقالت بأن امها أوصتها أن تبتعد عن المشاكل، وأخيراً عندما أمسكت بيدها بقوة ولم أدعها تفلت مني قالت بأن عمها الذي يسكن في الأهوار أشار عليه بالبقاء في قريته في الجبايش، تلك القرية التي قال لي ريحان عنها ذات مرة بأنها قرية الماء والأسماك والطيور ومشاتل الرز وبيوتها مبنية من القصب والبردي وعائمة فوق سطح الماء، ولعله الآن يصنع الحصران والبواري ويربي الجاموس مهنة أجداده·
أمي من جانبها حرّمت شراء القيمر من أمه، وضيّقت علي الخروج إلا للمدرسة، ودائماً مع هند وصابرين وإذا كان لابد من الخروج لأغراض أخرى أكون برفقة أمي، إلا أنني أجد دائماً طريقة ما للخروج لعلي أرى ريحان أو أسمع خبراً عنه، فربما يكون قد عاد سراً ودار في الطرقات بحثاً عني، وكم من مرة دخلت المقبرة الإنكليزية وانتظرته عند قبر المس بيل، لكنني لم أره أبداً، وظل ريحان مستقراً في رأسي لفترة طويلة، أتذكره كلما تذوقت القيمر أو أكلت الريحان ذا الرائحة الشذية أو استمعت إلى الأغنية المعروفة (يا نبعة الريحان)، وبمرور السنين اضمحلت صورته وبهتت ملامحه، ثم، لم يعد له وجود في رأسي إلا بشكل خاطف يمر مثل طيف سريع لشاب جميل كان اسمه ريحان، واعتبرت علاقتي به نوعاً من أنواع الطيش لصبية لم يتكور نهداها بعد·
عندما بلغ محمود الرابعة عشرة من العمر وكنا ما نزال نعيش في بيتنا القديم مع جدتي مسعودة، دخل سجن الإصلاحية لمدة عام بسبب سرقته دراجة من محل عبود القريب من البيت، لم تزره أمي أبداً لكن جدتي مسعودة كانت كل شهر تعد له الطعام والحلوى وتذهب من الصباح الباكر لرؤيته، وعندما انتهت مدة محكوميته خرج من الإصلاحية ترافقه فرقة موسيقة أجّرتها جدتي لتأتي به إلى البيت كما لو أنه تخرج من الجامعة، لم يواصل محمود دراسته بل عمل في مهن رخيصة، بائع سجائر على أبواب السينما، صانع في ورشة نجارة، عامل في مصنع للأحذية، ثم عمل مع تاجر في مزاد للسجاد في شارع النهر، ومن هذا المزاد إلى السجن مباشرة، فقد سرق مبلغاً كبيراً من صاحب المحل انتهى به إلى خمس سنوات في سجن الباب المعظم، وبعد هذه الفعلة اشتعلت المعارك بين أمي وجدتي التي ماتزال تكرر عبارة السجن للرجال، واقتنعت أمي بأن البقاء مع جدتي لا يناسبنا خصوصاً وأننا شابات تتمنى لنا في المستقبل زيجات ناجحة من شأن محمود أن يُفسدها بأفعاله الشنيعة، وأقسمت أن تغادر البيت وتترك جدتي متشفية بها: السجن للرجال ها؟ بناتي لا يشرفهن مثل هذا الأخ الحرامي·
استأجرت أمي بيتاً في السيدية على أطراف بغداد وعلى مسافة ليست بعيدة من بيت عمي نعمان وهو الأخ غير الشقيق لأبي برغم أنها لا تكن له وداً، وقد كانت العلاقة بين أبي وعمي الأكبر سناً منه فاترة لأسباب أجهلها في ذلك الوقت لكن علمت فيما بعد من أمي أن جدتي مسعودة هي التي وسّعت وعمّقت الهوّة بينهما لمجرد أن عمي نعمان هو ابن من امرأة ثانية قبل أن تتزوج جدتي من جدي ·· لكن أمي قالت: مهما يكن فإن العم مثل الأب ونحن نساء بلا ظلال تحمينا في هذا الزمن الصعب وربما سنحتاج إليه ولو شكلياً·
**
ركضت الأيام بسرعة كأنها عجلات آلة هادرة لا تتوقف، أمي تعمل طيلة ساعات النهار بالخياطة والتطريز، خصصت غرفة واسعة عزلتها عن بقية الغرف، لها باب قريب من الباب الخارجي للبيت، واشترت ماكنة خياطة إضافية حديثة الطراز نوع براذر مُبقية على الماكنة القديمة (أم الرِجل) تتدرب عليها هند وصابرين أو يصبح العمل عليها لابد منه عندما تنقطع الكهرباء·· التطريز على القماش استهوى صابرين فبرعت فيه، أما هند فقد أحبت صنع الأحزمة والأشرطة المشغولة بالخرز وعمل البُلك لتزيين صدور الفساتين أو تطريز الفراشات التي ترسمها أمي، ولازمتها أثناء العمل عادة سماع نجاة الصغيرة، تدس الشريط في المسجل وتروح أصابعها تعمل بنشاط، قالت لها أمي مرة : ألا تملين؟ لقد حفظنا أغاني نجاة كلها، أسمعينا صوتاً آخر، أم كلثوم مثلاً، فكان جواب هند: صوت نجاة فيه دفء وعذوبة بينما صوت أم كلثوم ذكوري وفيه صراخ أكثر من اللازم، وشعرتُ كأن هند اقترفت إثماً فصرختُ بها: كيف تقولين ذلك عن كوكب الشرق؟ فتجاهلتني، بينما لم تعلق أمي واكتفت بالنظر مستنكرة رأي هند وضاغطة على العجلة لتهدر بقوة كأن أمي تريد أن تخفي صوت نجاة الصغيرة رداً على ما سمعته من هند بحق السيدة·· ولا تخلو جلساتنا من طرافة، فعندما ينتهي شريط نجاة الصغيرة تسألنا صابرين: هل سمعتن آخر نكتة؟ ويأتي الجواب جماعياً: لا، فتقول: امرأة طلبت من زوجها أن يذهب إلى السوق ويشتري كيلو باميا لكي تطبخ مرقة بامية مع الرز، الزوج وأثناء ما كان يعبر الشارع دهسته سيارة فمات فوراً، الجارة جاءت لتواسي الزوجة المنكوبة فسألتها: كيف مات أبو الجهال؟ ردت الزوجة: راح يشتري باميا فدهسته سيارة مسرعة، سألت الجارة ثانية: وماذا ستفعلين؟ قالت الزوجة: أمري لله سأطبخ فاصوليا·· تسبقنا صابرين إلى الضحك فنضحك معها بأصوات عالية، ثم تسألنا: ما هو الشيء الذي له رأسان في اتجاهين مختلفين من جسده وليس له وجه ولا أطراف؟ ونروح نبحث في زوايا رؤوسنا علّنا نعثر على الإجابة وحين نعجز نطلب منها أن تجيبنا، لكنها تماطل وتقول إذا لم نتوصل إلى الإجابة قبل استراحة الغداء فستعلن عن ذلك الشيء الذي حيرنا فعلاً، وتقول لها أمي لا تشغلينا بحزوراتك قولي وفضّيها، فتضحك ونتعلق بشفتيها ثم تقول: أنا أيضاً لا أعرفه، وتقهقه عالياً، وقبل أن نأخذ استراحة تدندن أمي بصوت خفيض يضيع مع دوران العجلة، فننصت إليها ونطالبها بالغناء بصوت أعلى فترفع قدمها عن العجلة وتُسمعنا، دائماً تختار مقاطع من أغاني عفيفة اسكندر، تلك الأغاني التي ساعدت أمي للرد على أبي الذي تزوجته بعد قصة حب معروفة بين الأقارب لم يحفظ لها أبي ديمومة استمرارها، وأمي كثيرة الشبه بعفيفة اسكندر أيام زهوها، بيضاء طويلة القامة صافية البشرة، ربما لهذا السبب عشقت أغاني عفيفة اسكندر وظلت تردد أغانيها من حين لآخر طيلة السنوات التي عشتها معها··صوت أمي شجي وحنون،وحينما تغني تخرج الكلمات من أعماقها كما لو أنها تعيد أبي إلى الحياة وتعاتبه، مثلما كانت تفعل عندما يطفح الكيل بها وترد على إهماله بالغناء دون أن تلتفت إليه كما لو أنها تغني لنفسها في غرفة موصدة، وأبي من ناحيته يرد بطريقته الخاصة، كل كلمة تخرج من بين شفاه أمي تعيدني إلي تلك المماحكات بينهما التي تبدؤها أمي بالغناء:
صدّكت بيك وأمّنت عندك دليلي وبيه خنت
سلوتك بالشدة جنت تتسلى هسه بليّاي
أوف شلون بغرامك
يفهم أبي أنه المقصود فيضحك، وعندما تعرف أمي بأن رسالتها قد وصلت فإنها تكمل الغناء:
كسره اكسرتني بلا جبر واسكيتني مر الصبر
بيا وجه باجر تعتذر لله بافعالك هاي
أوف شلون بغرامك
ابتسامات أبي تتواصل وأحياناً يقهقه، أو يقول لها: كان يجب أن تصبحي مطربة، ربما ستعتزل عفيفة اسكندر وتصبحين أنتِ أيقونة بغداد·
**
قبل أن تفتتح أمي محلها في شارع النهر كانت تجمع المُنتج كل شهر أو شهرين وتبيعه للسيد مختار الذيب بعد أن كانت توزعه على عدد من المحال التجارية، لم أكن قد رأيت السيد مختار الذيب من قبل، تقول أمي عنه إنه رجل صاحب ضمير يقدّر البضاعة الجيدة أفضل من بقية التجار·· مختار الذيب سيكون شخصية مهمة في أوراقي هذه بعد قصتي مع نجم الذيب·
حتى ذلك الوقت، قبل أن أرى نجم الذيب لم تكن مهنة الخياطة قد استهوتني، أجلس بالقرب من أمي وأختيّ فقط للتسلية، أسمع حكايات أمي التي عجزت عن إخضاعي لمهنتها التي تدر ذهباً كما تقول، إلا بعدما تحفزت حواسي وتفتحت على أول حب حقيقي لم أجد ما يوصلني إليه سوى مهنة أمي·· كنت دائماً أشعر بأنني ملكة غير متوجة وسيأتي من يضع التاج على رأسي ويتوجني على عرش قلبه ويسكنني فسيح جناته، أنام وإياه على سرير عريض له مقابض من فضة وفرشته من القماش الناعم، تنزل عليه من السقف (نصف كُلّة) حريرية شفافة، ولا تنام تحته طفلة خارجة من بطون العفاريت·