eKtab
EN ع
ريترو
اقرأ عينة مجانية

ريترو

بقلم فرحات فرحات

صفحة 1
1
 
جريدة الإتحاد
 
"شيخ كوفطان: خفيدك فرخات بيكرا جريدة الاتخاد "
 
لم أتبيّن أبعاد هذه التّهمة حين واجهني بها جدي المرحوم قفطان حلبي وأنا ما زلت فتى يافعاً في الخامسة عشرة من عمري. كنت طالباً في الصّفّ التّاسع في الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة في حيفا. كان الباص يقلّنا، زملائي وأنا كلّ صباحٍ إلى المدينة لتلقّي العلم في مدارسها الثّانويّة، وللدقّة، إلى مدرستين: المدرسة الثّانويّة البلديّة أ والكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة. وبما أنّ الكليّة كانت مدرسة خاصّة، فقد كانت انتقائيّة وفرضت شروط قبول صعبة أدّت بمعظم طلاّب قريتي إلى الالتحاق بالمدرسة البلديّة. قال لي أبي يومها محذّراً: لا تلتفت للسّياسة، وكأنّني أفهم ما معنى السّياسة، هذه مدرسة جيّدة، تعلّم واستفد. بعدها بقليل بدأت أفهم ما عناه أبي، فمدرسة البلديّة تابعة للنّظام بينما الكليّة تتبنّى مشروعاً وطنيّاً قوميّاً ممّا أدّى بمعظم أهالي الطّلاب في قريتي إلى أن يمشوا الحيط الحيط ويا رب السترة..
 
- مش فاهم شي يا جدّي!
 
قاطعني أبي بلهجة ندم محاولاً تحمّل المسؤوليّة :
 
- الذّنب مش ذنبه، أنا اللّي بطلب منو يشتري لي كل يوم جريدة الاتحاد شو بدّك يعني إقرأ جريدة اليوم ؟ ( جريدة سلطويّة كانت تصدر في حينه)
 
قال جدّي مازحاً :
 
- وشو الفرق ؟ كلها جرايد
 
- لا يا عمي الفرق كبير – قالها أبي بجديّة بالغة وكأنّه أمام هيئة محلّفين
 
- يا جماعة، أجا لعندي اليوم على المجلس واحد من الشاباك يشكيلي على فرحات إنو بيقرا جريدة الاتحاد في الباص وهو راجع على البيت من المدرسة.
 
كان جدّي قفطان، مختاراً لقرية دالية الكرمل، ومن ثمّ، اُنتخب رئيساً للمجلس المحلّيّ لفترة زمنيّة طويلة حتّى وافته المنيّة إثر مرض عضال . كنت أحبّه وأخشاه في آن، ولذا احترت في أمره . كانت له شخصيّة أخـّاذة . وجهه أبيض حادّ المعالم، عيناه لامعتان في وجهه، يغمز هذا ويداعب ذاك، بحضوره القويّ والكاريزما الطّاغية. أنيق المظهر بلباسه العربيّ المتمثّل بقمباز الروزا والحطّة البيضاء التي تعلوها عمامة مستديرة أشبه بالطّربوش، بيضاء اللّون. كان مهووساً بالنّظافة، أنيقاً، لا يخرج من بيته قبل أن يرشّ على ذقنه ولباسه عطراً فاخراً. ورغم أنه كان أميّاً إلاّ أنّه بحدسه وفطرته استطاع أن يدير شؤون البلدة بحكمة ودراية عاليتين. وبسبب مواقفه الوطنيّة المتمثّلة في رفض التّجنيد الإجباريّ، فقد عانى ما عاناه من المؤسّسة الصّهيونيّة الّتي دأبت على محاربته طيلة سنوات عمله السّياسيّ.
 
- يا سلام شو هالجرم الكبير - قالها أبي بسخريّة وتذمّر.
 
- فعلاً أمر سخيف بس الجماعه ماخذين الموضوع بشكل جدي - قالها جدّي وهو يغمزني بعينه ليطمئنني .
 
- مين اللي أجا لعندك يا جدي ؟ شو يعني الشاباك ؟ أسأل ببراءة صبيّ لا يعلم وأنا أنظر إلى أبي تارة وإلى جدّي تارةً أخرى .
 
- إترك الموضوع ولا تشغل بالك، اذهب وقل لأمّك أن تحضّر وجبة الغداء فجدّك لا يزورنا كلّ يوم .
 
يبدو، ولم أكن أعلم ذلك حينها، أنّ قراءة الاتحاد قبل أشهر قليلة من حرب حزيران عام 1967 كانت بمثابة مغامرة كبرى قد تسوق بالمرء إلى متاهات من سين وجيم وربّما أكثر من ذلك . على أيّ حال " زمطت بريشي " كما يقول المثل العامي لصغر سني . أما جدّي، فقد اهتمّ أن يوصيني عند خروجه من بيتنا متعمّدا ألاّ يسمعه أبي بأن أمتنع عن شراء جريدة الاتحاد حتّى لا أفتح عيون الواشين عليّ " فأولاد الحرام كثار " كما قال .
صفحة 2
2
 
باسترما أم إلياس
 
أمّ إلياس كانت امرأة عجوزا، أدارت كشكاً في باحة الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة. فيه من الساندويشات ما لذّ وطاب. كنا نتهافت عليها في الاستراحة الأولى، أي بعد درسين من بدء التّعليم، فتستقبلنا ببشاشة وبأمومة واضحتين. مكانها صغير ليس بعيداً عن مكاتب الإدارة. كانت تُعدّ للطلاّب كلّ صباح ساندويشات اللّبنة، الحمص والبسترما . لطالما تسابقنا عند قرع الجرس بالنّزول هرولةً إليها لنكون أوّل المشترين.
 
أم إلياس لم تبخل يوماً على أحد وإذا لم تتوفّر كميّة النّقود اللاّزمة للشّراء كانت تقول للطّالب " معلش يا حبيبي خود بتدفعلي بعدين".
 
أذكر أم إلياس ولا أنساها لأنّي أحببت ساندويشات البسترما إلى أبعد الحدود . والسّبب يعود إلى أنّ هذا النّوع من الطّعام لم يكن معروفاً لديّ قبل وصولي إلى حيفا لتلقّي العلم . كابن لقرية في أواخر السّتّينات، أقتصر طعامنا على ما يأكله الفلاّحون عادةً، من عدس وبرغل وبقوليّات، وأطباق النّواشف كما نقول، هذا، بالإضافة إلى القليل من اللّحوم والأسماك. البسترما لم تكن معروفة أصلاً ولم تسـّوق في قرانا أو على الأقل هكذا يخيّل إليّ .
 
كانت أم إلياس بارعةً في تحضير السّاندويشات إذ كانت تضع عليها قليلاً من الحمص والمخلّلات ثم تلفّها بمنديل ورقيّ أبيض يجعل لعابك يسيل قبل وصولها إليك.
 
أليس غريباً أن أبدأ حكايتي عن الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة بالحديث عن كشك أم الياس ؟ عندما أفكّر في الأمر قليلاً أدرك السّبب . أم الياس هي الإنسانة الوحيدة الّتي لم تبعث في نفسي الخوف أو القلق من المجهول . كانت بالنّسبة لي، بطاقة الدّخول إلى عالم غريب لم أستطع في البداية حلّ رموزه وكانت كما قلت ملاذنا، نركض إليها لنختبئ كلّ ساعتين من عبء الدّراسة دون أن توبّخنا أو تحمـّلنا هموم الدّنيا .
 
وبالرّغم من مرور الأعوام إلاّ أنّني ما زلت وفيّاً لذكرى أم إلياس ولساندويشات الباسترما . وبين الفينة والأخرى، وحين أريد أن أعدّ لنفسي شطائر الباسترما مع الخضروات، لا أضيف إليها أيّ طعم آخر، حرصاً منّي على عدم نزعِ مذاقها وفاءً لذكرى أم إلياس .
صفحة 3
3
 
لهجات
 
لم أدرك أوّل الأمر تبعة التّعلّم في حيفا . حسبت أنّ المسألة متعة سفر ورحلة تمتّد لأربع سنوات، أستقـلّ فيها الباص أو سيّارة الأجرة ثمّ أعود آخر النّهار إلى البيت دون عناء. والحقيقة أنّني لم أكن متخوّفاً من مدى تحصيلي العلميّ، فقد كنت من أوائل الطّلبة في القرية حتّى نهاية الصّفّ الثّامن، وكنت، في كلّ عام أحصل على جوائز في مسابقات أسبوع الصّحّة الّتي نظّمتها المدرسة بالتّعاون مع المجلس المحليّ. وكم كانت فرحتي عارمة حين كان جدّي، رئيس المجلس، يقدّم لي الجائزة: قلم حبر من حديد، رماديّ اللّون له كبسة تضغط إلى الشّمال ثمّ إلى الأسفل. والفوز بالنسبة لي، لم يكن قلم الحبر، بقدر اعتزازي بما سيقوله جدّي في الدّيوان لضيوفه، من أقاربه وأنسبائه، عندما أزوره وأقف قبالة الباب، علـّه يلحظني فيأمرني بالدّخول، ويحدّثهم عنّي، ولا أنصرف قبل أن يقدّم لي قطعة بقلاوة بمذاق الجنة .
 
ما شغل بالي أوّل ذي بدء، اختلاف اللّهجات. وبالرّغم من أنّنا اعتدنا في القرية على لهجة أهل المدينة، لأنّ معظم معلّمينا وفي مقدّمتهم المدير الأستاذ " أبو جورج " كانوا من سكّان حيفا، إلاّ أنّ الأمر بقي عاملاً ذا تأثير كبير في تصنيف الطّلّاب الطّبقيّ والاجتماعيّ . لم أنس أبداً كيف سخر منّي طلاّب الصّفّ السّابع عندما كنّا " نعيّد " عيد الاستقلال لدولة إسرائيل. فقد كنّا كحركة كشفيّة نمشي على وقع الصّنوج والطّبول وننهي الاحتفال بعرض هرميّ مكوّن من سلّم بشريّ حيث يقف الطّالب العلوي على كتف زميله مؤدّياً تحيّة شبه عسكريّة. لا أخفيكم سرّاً فقد كنت هذا الطّالب نظراً لصغر قامتي يومها، ووزني الخفيف . وما أن اعتليت كتف زميلي في أحد التّدريبات الّتي سبقت العرض، حتّى سقطـتُ أرضاً على ساحة، نصفها تراب ونصفها صخور متجذّرة بالأرض، وكان المدير " أبو جورج " حاضراً فهرع إليّ قائلاً: " شو يا رجا "، وكان يناديني باسم أبي، " راح أوأحك " ؟. لم أفلت طيلة العام من غلاظة أصدقائي، الّذين ما انفكّوا طيلة السّنة من سخريتهم: " شو يا رجا راح أوأحك ؟ " .
صفحة 4
أوّل ما ضايقني في الكليّة اختلاف اللّهجات. اللّهجة هي بطاقة الهُويّة، الواشي الذي يفضح سرّك أمام الآخرين ويضعك في موضع الأقليّة. كانت لنا تسمية وإن كانت تبدو حياديّة، إلاّ أنّها ضمّت في طيّاتها مواقف أقل ما يـُقال فيها استعلاء وفوقية. كنا " أولاد القرى " وبما أن قسماً من أولاد المدينة لم يجيدوا نطق القاف فقد كنا مراراً "أولاد الكرى" أوما شابه. والقاف ليس الحرف الوحيد الذي لم يستطع قسم منهم نطقه فكان للضاد نصيباً خاصة بين الفتيات حيث كنَّ في درس اللّغة العربيّة يبدّلـن الضّاد بالدّال وأصبح المضاف إليه "مداف إليه "!. ويا لتعاسة الأستاذ حنّا أبو حنّا وخيبته: يا أستاذ، اللّغة العربيّة لغة الضّاد، الضّاد، ولكن، هيهات، فتعود إحداهنّ بعد دقائق معدودة وكأنّها تريد إغاظته أكثر قائلة: مدااف مع مدِّ الألف تشديداً على موقفها المتحفّظ من الضّاد .
 
إذن، اللّهجة كانت المفتاح للوصول أو الفشل، للقبول أو الرّفض. كيف نتعامل مع لهجتنا القرويّة المتوّجة بحرف القاف ؟ هل نبدّلها حتّى نكون جزءاً من القطيع ؟ حتّى يقبل بنا الآخرون ؟. وعلى فرض أنّنا بدّلناها، هل نستطيع إتقانها فتنصهر هويّتنا وكينونتنا مع المجموعة ؟ أسئلة، شغلت بالنا كثيراً ولم نجد ما يرضينا ويرضي أنفسنا الضّائعة التّائهة. لا بدّ أن نقبل الواقع، بل أكثر من ذلك، لا بدّ أن نفرض وجودنا وواقعنا على الآخرين وليكن ما يكون.
 
المسألة إذن مسألة وجود. وحين "ينفضح الطّابق " ويعلم الجميع من أنت، تهون المشكلة عليك وعلى الآخرين وعندها، لا حاجة للتّستّر وإخفاء حرف القاف أو البحث والتنبيش عن كلمات تخلو من هذا الحرف اللّعين .
 
كان مبنى المدرسة متواضعاً نسبيّاً حيث تكـوّن من ثلاثة أو أربعة طوابق، مستطيل الشكل، وأمامه ساحة معبّدة تمتدّ على طوله شكّلت فيما شكّلت مساحة للذّهاب والإياب وقت الفرص، كما وأنّها كانت ملعباً لكرة القدم في دروس الرّياضة. السّاحة هي مركز الحدث، فيها تتعزّز الصّداقات أو تنهار، فيها تـُحاك المؤامرات ضد بعض الطّلاب أو تـُدبّر المقالب ضدّ المعلّمين وفيها أيضا تلتقي العيون فتحمرّ الخدود وتعلو بسمة خجولة وجوه الصّبايا.
صفحة 5
4
 
ساعة
 
أربع سنوات متتالية كان عليّ أن أسمع صوت السّاعة برتابة قاتلة – تيك تاك تيك تاك –، ولـّدت لديّ "تراوما" ما زالت تنخر في عظمي حتّى الآن. ومن مخلّفات هذه "التراوما" أنّني لا ألبس ساعة ولا أطيقها على يدي . لقد حاولت مراراً وبعد مرور أعوام عدّة أن ألبس ساعه، لأنّني قرأت في مكان ما، ولا أستطيع أن أحدّد جديّة هذا الكلام، أنّ الفتيات ينظرن إلى الرّجل من خلال ثلاثة أشياء: السّاعة التي يلبسها، الحذاء الذي ينتعله وشيء ثالث لم أعد أذكره. بالرغم من هذا، باءت محاولتي بالفشل ولست نادماً على ذلك. ولو وقف الأمر عند صوت السّاعة لكنت قد سلـّمت واسترحت ولكن، كان عليّ أن أصوّب دقّاتها عند السّادسة صباحاً كلّ يوم. فما أن تبدأ هذه اللّعينة بالرّنين حتّى أقفز مذعوراً وكأنّني عامل إطفاء سمع للتوّ جرس الإنذار يعلن شبوب حريق هائل، فقام على عجل لإخماده.
 
لو سألتموني ماذا تكره، أقول لكم صوت السّاعة والنّهوض باكرا. لا أدري كيف أنّي لم أستطع بعد هذه السّنين الطّويلة التّخلّص من هذا العذاب. ينتابني صداع لمجردّ التّفكير بأنّه يتوجّب عليّ النّهوض باكراً بسبب سفرة طويلة أو عمل مبكر يجب القيام به. لكلّ شخص منا ساعة بيولوجيّة تحدّد له مواعيد نومه وصحوه وقدرته على مغادرة الفراش رأساً أو بعد دقائق طويلة من التّململ والتّثاؤب.
 
لم تكن أمّي علي دراية بساعتي البيولوجيّة، فعليّ أن أهيّئ نفسي لأخذ وجبة الفطور كي " ألحق " الباص. ليست أمّي وحدها التي كانت تحثّني على الإسراع، فجارنا " أبو رجا " الّذي أراد بكلّ قوّة أن يتابع ابنه الدّراسة، كان يرجوني بحرارة أن أعرّج عليهم كلّ صباح حتّى ينضمّ ابنه البكر إليّ في رحلة العلم والمعرفة رغماً عنه، فقد كان الصبيّ مولعاً بالموسيقى وبالعزف على العود بعيداً كلّ البعد عن هموم التّاريخ والكيمياء واللّوغريتمات.
 
أمّا أنا، فقد كنت أصلُ المدرسة حاملاً معي تعبي وتذمّري قائلاً لصديقي زهير: لماذا لا يبدأ النّهار السّاعة العاشرة صباحاً؟!
صفحة 6
5
 
كيف لم أصبح مطرباً
 
في ظهر أحد الأيام الصّيفية، وأنا ما زلت في العاشرة من عمري، تقرّر مصيري، أو بالأحرى، ما لن أكونه أبداً. لم تكن لديّ إمكانية الاستئناف على هذا القرار فقد كان نهائيّاً وقطعيّاً.
 
وضعتْ أمي الطّعام على طبليّة ( طاولة قصيرة الأرجل ) وافترشنا الأرض حولها لتناول وجبة الغذاء. كان كلّ شيء في مكانه وأولّ الأشياء، راديو الترانزستور الصّغير. انتهت نشرة الأخبار الّتي كان يحرص أبي على سماعها من إذاعة لندن على خير أو ربما على شر، من يدري، بينما كان يرقبني كحارس أمين حرصاً منه على تناولي الطّعام، لأنّني لا أتناول إلا النّزر القليل منه ويحثّني على متابعة الأكل وأنا أتلكّأ في مهمتي .
 
ما زلت أذكر كيف كان يلحقني راكضاً وملعقة العسل في يده لإطعامي. وكم كنت أتضايق عندما ينجح في مهمّته لأنّ العسل كان يسبب التقرص في لساني ويكاد يخنقني بسبب اعتراضي ورفضي .
 
- كول يا ولد شوف صحابك قدك على مرتين – يقولها أبي بمرارة تارة وبضحكة تارة أخرى، ساخراً منّي كلّما تذكّر صوري المدرسيّة بين زملائي. والحقيقة، أنّه كان على حقّ في سخريته، فقد كنت أستعين برجمة من الحجارة للوقوف عليها، لكي أعادل طولهم . والغرابة في الموضوع أنّ جميع أصدقائي، بمحض الصّدفة أو ربما عن قصد، كانوا فارعي الطّول.
 
الراديو ما زال مفتوحاً وأسرتي السعيدة لم تنته من تناول الطعام بعد: "سيداتي سادتي، نقدّم لكم الآن أغنية لعبد الوهاب " ويبدأ موسيقار الجيل بالغناء وأبدأ بمرافقته بدوري دون استئذان بكلّ ما أوتيت من قوة وشجن. لم أتوقّع من أبي تصفيقاً لأدائي لكنّني لم أتوقّع أيضاً تلك الصّفعة المدويّة الّتي أخرستني في الحال.
 
توقّفنا عن الطّعام وتوقّفتُ عن الغناء، أمّا عبد الوهاب فلم يأبه لما حصل وكأنّه فهم أنّ الأمر ليس شخصيّاً، حيث تقاطعت عبراتي بآهاته المتعالية.
 
لماذا فعل أبي ذلك، هل خاف أن يخسرني ؟ أن يصبح أبنه مغنّياً لا سمح الله؟
 
هل يـُعقل أن لا يكون ابنه يوماً ما، طبيباً أو محامياً أو مهندساً، هذا الثّالوث المقدّس في عرف العقليّة العربيّة آنذاك ؟
 
مطرب؟ مشخصاتي؟ أرتيست ؟ .. ابني ؟
 
سامحك الله يا أبي . كيف فقد العالم العربيّ بصفعة منك مطرباً لامعا..!
صفحة 7
6
 
عمـّي عطا
 
كنتُ في العاشرة من عمري عندما توفي. جاء الخبر سريعاً كالبرق فعصف بنا وجرفنا كتسونامي إلى قعر الكآبة والحزن . كان معنا قبل يوم من وفاته. مكث ساعات طويلة يلاعبنا ويداعبنا، ثمّ أمسكَ بيدي وأخذني إلى داره الّتي لم ينته بناؤها بعد بجوار بيتنا. شرح لي بتأنّ وصبر شديدين ما يودّ فعله، وكيف سيقسّم الغرف وناقشني وكأنّني كبير المهندسين. هكذا كان عمّي، يحدّث الصّغير والكبير على حدّ سواء. يومها، قال لأبي بعد أن سهر عندنا: سآخذ الأولاد معي للمبيت عندنا.
 
- بعدك ما شبعت منهم ؟ قالها أبي دون أن يبدي أيّ اعتراض لذهابنا معه.
 
كان عمّي في الخامسة والثلاثين، مطلقاً، وله ثلاث بنات يسكن وإيّاهنّ في بيت جدّي. كان البيت فسيح الأطراف، تتوسّطه ساحة هي مزيج من الصّخر الوعريّ المالس والباطون، وعلى جانب السّاحة ثلاث غرف بالإضافة إلى العلـّية وهي غرفة جدّي. أمّا العليّة فلها قصّة أخرى سآتي على ذكرها لاحقاً. في الجانب الآخر من السّاحة، بيت قديم هو مزيج من الباطون والطيّن وقد وُلدتُ فيه وعشت طفولتي الأولى، وإلى جانبه أيضاً مكان لأعمال النّجارة بالإضافة إلى ماكنة لتعبئة البطّاريّات الكبيرة الّتي كانوا يستعملونها لإشغال الرّاديوهات وأدوات أخرى لا أدري كنهها بالضبط.
 
ليلتها قال لجدّتي:
 
- شوفي ياما شو اشتريتلك، صحون ما بتنكسر.
 
ضحكت جدّتي، وقد كانت تعلم مدى مبالغته في وصف الاشياء:
 
- شو هالحكي في شي قزاز ما بينكسر ياما ؟
 
- يعني مش مصدقه، بدك تشوفي ؟ طيّب راح فرجيكي.
 
أمسك عمّي دزينة من الصّحون موضوعة فوق بعضها البعض وأفلتها أرضاً فتطايرت قطع الزّجاج وتطايرت معها ضحكاتنا وضحك هو الآخر دون أن يبدي أيّ انزعاج. حملني ليلتها على كتفه ثم لعبنا المصارعة ومكاسرة الأيدي حتى غلبنا النّعاس وأفقنا على صبيحة يوم مشئوم غيـّر حياتنا إلى غير رجعة.
صفحة 8
أحببته بشغف الأطفال العفويّ كثيراً. كان يعرف كيف يصل إلى قلوب النّاس بطلعته البهيّة، وبعينيه العسليّتين وبجبهته العريضة. لا أعتقد أنّ أحداً رآه يوما في الشّارع دون بسمته المعهودة وهي مرسومة على وجهه. قابل الناس، كلّ النّاس، بابتسامة حقيقيّة وبتحيّة صادقة، وقد بادله النّاس المحبّة والاحترام. باختصار، كان عمّي "معشراني" إلى أبعد الحدود ممّا جعل دائرة أصدقائه تتّسع الأمر الذي أضاق ذرع جدّي معتقدا أنّ ذلك يحول دون قيامه بواجباته العمليّة والمهنيّة وبأنّه " داير على طق الحنك".
 
عمّي عطا كان إنساناً موهوباً وجريئاً في التّعبير عن موهبته. فقد رسم على القماش رسومات عدة بالألوان. لا زلت أذكر لوحة بعينها دون غيرها، وقفتُ أمامها طويلاً، يبدو فيها صيّاد يحمل بندقيّته وإلى جواره كلبان في حضن الطّبيعة.
 
لماذا وقفت طويلاً أمام هذه اللّوحة ؟ أظنّني أعرف السّبب. فعندما كان عمّي في السّادسة عشرة من عمره، اعترضه اثنان من قاطعي الطّرق وكان معه كلبه الأمين " بطـّاح " فتعارك هو مع أحدهم بينما قام بطاح بالهجوم على الآخر وهكذا بقدرة قادر استطاعا أن يتغلبا على هذين اللّصين وأن يصلا البيت بسلام.
 
في ذلك الوقت لم يكن للفنّ مكان في الحياة العامّة، وربّما راح البعض إلى أبعد من ذلك وأعتبره ضرباً من الجنون . لذا اكتفى عمّي برسم الصّور وتعليقها على حائط البيت وسط تذمّر جدّي وانتقاده اللاّذع لهذا " الخوَث". لم يكن عمّي يأبه كثيراً لكلام جدّي، فقد كان الأخير سريع الغضب، نزقاً بعض الشيء، إلاّ أنّه بالمقابل، كان صاحب نكتة وبخاصّة مع مجموعة أصدقائه من الصيادين الّذين لم يتغيبوا يوماً عن جلساتهم في العليّة الّتي عبقت بدخان سجائر" اللف العربي " وأطباق القهوة " الطالعة نازلة ". أمّا أنا، فلي حساب مفتوح إلى الأبد، مع هذه العلـّية. كنت حسب ما حدثتني أمّي مراراً، لم أتجاوز بعد ثمانية أشهر حين حدث ذلك الأمر الرّهيب . يومها، طلب جدّي من عمّتي أن تأتيه بشيء إلى عليّته، فما كان منّي، وأنا الطّفل الرّضيع، إلاّ ان تبعتها صاعداً الدّرج، درجة تلو الأخرى زحفاً على بطني حتى وصلت الدّرجة الأخيرة. كان المكان عالياًوالدّرج دون سياج، وما أن وصلت إلى الأعلى، حتى وقعت من علوّ يتجاوز خمسة أو ستة أمتار. قالت لي أمي إن الله ستر، فقد وقعتُ قرب ثور مربوط في ساحة الدار له قرون كبيرة، ومن " حظي " أني وقعتُ على طبق من القش الملوي ممّا خفّف بعض الشيء من فداحة الضّربة. غطّت الدّماء رأسي وأخذوني محمولا على الأيدي وهم يركضون بي إلى " رنويك David runwick، 
صفحة 9
الممرّض الإنجليزي الوحيد الموجود في القرية. كان هذا الرّجل ضابطاً في الجيش الإنجليزي، تزوّج من سليمة، فتاة عربيّة مسيحيّة من البلاد واستقرّ عندنا. وقد شفاني الله بحسن دعوات جدّتي وأمّي ولم تفلت يومها عمّتي من " علقة " ساخنة تلقتها من أبي .
 
قلت إنّ عمّي كان موهوباً، بل متعدّد المواهب. فقد كان الكهربائيّ الوحيد في بلد يخلو من الكهرباء. لا أدري إن كان كهربائيّا معتمداً لكنّي أعرف أنّ لا شيء كان عصيّاً عليه. كانت القرية في تلك الأيام على وشك إيصالها بشبكة الكهرباء والنّاس يترقّبون بأمل وفرح كبيرين هذا الحدث. وحتّى يحصل ذلك كانت البيوت تجهّز نفسها للارتباط بالشبكة القطريّة.
 
في تلك الأثناء كان في البلدة جهازا تلفزيون لا يستقبلان إلا محطّة أو اثنتين وعلى الغالب محطّة واحدة، هي المحطّة اللبنانيّة للإرسال. توزّع هذان الجهازان في مقهيين، واحد في ساحة البلدة بجوار دار السّينما وهما ملك لشخص واحد والمقهى الآخر لا يبعد كثيراً لكنّه كان " مختصّاً " أكثر بلعب الورق وطاولة الشّيش بيش . في المساء، كان الرّجال يتوافدون إلى المقهى حيث يكتظّ المكان الّذي لا يتّسع لأكثر من خمسين رجلاً لمشاهدة المصارعة الحرّة أو فرقة زغلول الدّامور الزجليّة. في إحدى تلك الأمسيات اصطحبني أبي لمشاهدة المصارعة الحرّة للأخوين سعادة اللّذين حظيا بشعبيّة عالية وتشجيع كبيرين. رائحة البيرة " نيشر " كانت تعمّ المكان، وهي "الطلب"، أو إذا شئتم، ثمن التّذكرة لدخول المكان . جلست بجانب أبي على كرسيّ صغير أتنفّس رغماً عنّي روائح الكحول المنبعثة في ترقّب كبير لابتداء المعركة الّتي سيخوضها الأخوان سعادة .
 
وتبدأ المعركة ويبدأ معها هتاف الرجال وتشجيعهم . وفي عزِّ المعمعة يتعطّل الإرسال وتمتلئ الشّاشة بنقاط سوداء يظهر فيها أحياناً أشباح رجال يتحركون .
 
- وين عطا يا جماعة ؟ منشان الله جيبوه يشوف شو الخراب.
 
ويبدأ الرّجال كفرقة كورال: وين عطا، نادوا على عطا.
 
يأتي عمّي بعد فترة وجيزة ويصعد فوراً على سطح المقهى لإصلاح العطل. يبدأ بتحريك الأنتين شمالاً وجنوبا،ً شرقاً وغربا،ً سائلاً مع كل حركة: هيك مليح ؟ وبعد ربع ساعة أو أكثر يـُوفق في إعادة البث وينزل وسط تصفيق الرّجال وشكرهم.
 
- هاتولوا بيرة
 
شعرتُ بسعادة عارمة، تقدمتُ منه ورميت نفسي في حضنه.
 
بعد وفاته، غمرني حزن كبير، أمّا أبي فقد خبّأ راديو الترانزستور في الليوك، (خزانة توضع فيها الوسائد والفرش) لأكثر من سنة إشارة لحزننا على فقدانه.
صفحة 10
7
 
تعيين
 
في مرحلة ما، أردت أن أكون معلّماً، أي، أستاذ مدرسة، شأني شأن كثير من الشّباب العرب. فهذه المهنة، على الرّغم من دخلها المحدود، إلاّ أنّها توفّر للعامل فيها، كما اعتقدتُ، كثيراً من الوقت والرّاحة وفيها، على ما ظننتُ، قسط كبير نسبياً من الاحترام والقبول الاجتماعيّ. أقنعت نفسي حينها، أنّني وزوجتي كمعلمين، نستطيع بناء أسرة من راتبينا وضمان مستقبلنا . رغم ذلك ساورتني الشّكوك كثيراً في مقدرتي مزاولة هذه المهنة، فأنا عصبيّ المزاج، لا أطيق الأغبياء ولا أحبّ الشّرح كثيراً، هذا بالإضافة إلى حساسيّة في معدتي جعلتني في مرحلة متقدّمة من حياتي أعاني القرحة، وعليه فإنّ هذه المهنة قد تزيد الطّين بلّة. في تلك الأيام التحقت بكليّة العلوم السّياسيّة والفلسفة مع علمي المسبق، أنّها لن تؤهّلني لمهنة التّدريس. بعدها، انتقلت إلى كليّة العلوم الاجتماعيّة مما يعني أنّي بوعيّ أو بغير وعيّ، لم أنو البقاء في هذه المهنة لفترة طويلة. على كل حال، للضرورة أحكام، وأن تكون معلّماً خير من أن لا تكون، فهذه المهنة تتيح لك أكثر من غيرها إمكانية متابعة التعليم الجامعي.
 
تلك الفترة الغابرة كانت تعاني نقصاً حادّاً في المعلمين. لم تشترط الوزارة في حينه أن يكون المرشّح خرّيجاً من دار المعلّمين، فيكفي أن يكون المتقدّم صاحب شهادة بجروت ومن بعدها تتكفّل الوزاة بدورات تعليميّة، تتبعها امتحانات تكميليّة لتأهيل المعلّم وتثبيته. روى لي يومها أحد المعلّمين القدامى وقد كان مراقباً في أحد هذه الامتحانات التكميليّة، أنّ أحدهم طلب مساعدته في إعراب كلمة ما فقال له بخبث: أكتب بسرعة قبل أن يرانا أحد – من أخوات "قـدَّ" - . " وعلى قد عينك متشوف بلاوي " هكذا كان الحال .
 
طلبني المدير لمقابلته وأعلمني أنه قدّم جميع أوراقي للوزارة للمصادقة عليها بهدف تعييني معلّماً في المدرسة الابتدائيّة الإعداديّة. ثمّ أمرني أن أبدأ مزاولة عملي وأنه سأتقاضى مرتّبي ليس بشكل شهريّ، وإنمّا، تبعاً للسّاعات الّتي سأعلّمها لغاية وصول التّعيين.