صفحة 1
كتاب الكتب - سِفر الألف
لعلّ كلمات (شبيب طاهر الغياث)، سادس رواة المخطوط، هي خير مدخل لروايتي هذه؛ ففي ختام الصفحات التي كتبها إليّ لخّص جهده وجهود مَنْ سبقه من الرواة بعبارة بليغة أشبه ما تكون بحكمة:
- (إنها محاولات تبدو كأنها لا تمتُّ إلى متن الراووق بصلة، بيد أن مرور الزمن وحده هو الكفيل بإدخال تلك المحاولات في ذلك المتن)·
لقد تمّ العثور على أهم أوراق (السيد نور)؛ وبذلك اكتمل متن جديد للمخطوط، متن غريب هو مزيج من حكايات شفهية - ما زال رواة (السيرة المطلقيّة) المحترفون في (محافظة الأسلاف) يقصّونها على أنغام الرباب - ونصوص عرفانية، وكتابات أدبية ذات طابع تراثي بحت·
ستة أقسام يكمل بعضها بعضاً - فضلاً عن قسم سابع هو (هذا) الذي تتشكّل حروفه وكلماته تحت عينيّ القارئ - أفرغتُ ثلاثة (كاسيتات) منها بخط يدي على الورق، وثلاثة أخرى، مكتوبة بخطوط أصحابها أنفسهم، ها هي أمامي على سطح مكتبي في غرفة (الأُرسي) في الطبقة الثانية من بيتي القديم القابع في نهاية زقاق تكاد شناشيل بيوته المتقابلة تتعانق تحت شريط ضيّق من السماء تشابكتْ خلاله أسلاك الكهرباء والهاتف وحبال الغسيل وهوائيات أجهزة (التلفاز) المرفوعة كرايات استسلام فوق - ولا أقول تحت - بصر أي راوٍ لا يزال يستمدّ من وتر ربابه المرهف القدرة على المكابرة والصمود في سرد الحكايات!
لقد أسدلتُ الستائر دون مدينة (الأسلاف)، مدينة البشر والإسمنت والحجر، لأفتح بمداد قلمي آلاف الستائر والنوافذ على مدينة (الأسلاف) الأخرى، مدينة الحروف والكلمات، المدينة التي أعاد تشييدها حرفاً حرفاً وكلمة كلمة وسطراً سطراً هؤلاء الرواة الستة: ثلاثة منهم شيّدوها بأصوات ورثتْ أحزان سلسلة رواة تناقلوا الحرفة شفهياً أباً عن جد - حتى أن عينيّ واحد منهم اغرورقتا، لحظة التسجيل، بالدموع وهو يسرد حادثة مضتْ عليها عشرات الأعوام! - والثلاثة الآخرون شيدوها كتابياً: الرابع منهم بالريشة، والخامس بقلم (القوبيا)، والسادس بالحبر، وها أنذا سابعهم أترك للقارئ مهمة اكتشاف ما سأقوم به خلال الصفحات القادمة!
تراني أعمل خارج متن (الراووق)؟
لا ضير في ذلك؛ ففي كلمات (شبيب طاهر الغياث) سأجد العزاء، تاركاً للمطبعة - لا للزمن هذه المرة - مهمة إدخال ما أكتب في ذلك المتن؛ فلولا سريان مدادي في هذه المفردات لن يكون لهذه الرواية وجود· وعلى كل حال أيسعني سوى الاعتراف بأن كتابة رواية ما ليستْ، في واقع الأمر، إلا ضرباً من حب الذات؟ يحب الروائي أن يتجلّى في مرآة الوجود؛ فيبدأ في خلق شخصياته الروائية، وهنا يتلكأ قلمي لحظات قبل أن يخط على بياض هذه الصفحة اسم ورقاء؛ فبرغم تعدد الخيوط التي قادتني إلى هذه الرواية يبقى ذلك الخيط الذي شدّني إلى ورقاء أكثرها انسجاماً مع لحمة هذه الرواية وسداها؛ فالكتب وحدها قادتني إلى ورقاء!
ثمة قول اعتاد صديقي الشاعر ترديده: وهو أن العثور عليّ في مدينة مثل مدينة (الأسلاف)، التي تكاد تضيق بقاطنيها، ليس بالأمر العسير؛ إذ يكفي المرء تتبع مكتبات المدينة الموزعة في شتى شوارعها وأزقتها للعثور عليّ في واحدة منها!
ذلك هو الصواب عينه؛ فمن يماثلني حباً وتعلقاً بتلك المكتبات؟ لقد قضيتُ فيها اوقاتاً، على مدى أعوام من عمري، لو استطعت إحصاءها لكان مجموعها كبيراً لا يضاهيه سوى مجموع الأوقات التي أقضيها بين جدران غرفة (الأرسي) هذه، وأنا منهمك في كتابة رواياتي·
لقد عرفتها واحدةً واحدةً، ورافقتُ نموّ بعضها وهي لا تتخطى بضعة كتب يعرضها صاحبها على الرصيف - حيث كان في وسعي، حينما تبلغ أزمة إفلاسي الأزلي الأبدي ذروتها، دسّ بعض كتبي بينها - إلى نصب أول كشك خشبي - فأضحى في وسعي اقتناء الكتب دَيناً، فضلاً عن كوب شاي ساخن يجلبه لي صاحب الكشك بنفسه - انتهاءً بامتلاك مكتبة؛ إذ استبدل صاحبها قنينة مشروب غازي بكوب الشاي القديم، متقبلاً برحابة صدر مناوراتي الدورية التي لا أقوم بها عادة إلا في الأسبوع الأخير من الشهر، والتي تتخللها أنصاف جمل، يحمّر وجهي معها ويصفّر، تنتهي باستدانة بضعة دنانير تجد سبيلها، من جرار المكتب العامر بأكداس النقود، إلى جيبي الخالي دائماً···
إنها مكتبات قد تكون صغيرة دون لافتة، لا تشغل أكثر من زاوية أو أسفل سلّم إحدى العمارات، أو تكون كبيرة ذات واجهة واسعة تحمل أسماء رجال عريقين في (تجارة) الكتب، أو تكون (متنقلة) تتمثل بحقيبة بائع متجول حافلة بكل (ما لذّ وطاب) من الكتب بطبيعة الحال!
مكتبات انحدرتُ إليها بوساطة سلالم رطبة لأزجي ساعات بين رفوف الكتب، سامعاً خفق خطى السابلة في الأعلى، لا يؤنسني في وحدتي سوى جرذان مذعورة تمرق من بين الأصابع على غير توقع لتختفي وهي تصيئ، مكتبات ارتقيت إليها سلالم، تتعقبني المدينة بضجتها المتصاعدة مع الغبار والدخان، مكتبات شعرتُ، وأنا في سراديبها، باهتزاز الأرض بفعل هدير المطابع، ومكتبات أشرفتُ من نوافذها على عشرات المآذن وهي تدوّي مجتمعة باسم الله·
إنها مكتبات قد تتباين فقراً وغنىً، أناقة وقدماً، لكنها تنسجم في أمر واحد هو تلك الرائحة الحميمة، رائحة الورق وحبر المطابع التي ما أكاد أشمها حتى أحني رأسي إجلالاً؛ فوراء كل كتاب ثمة الكثير من الحرمان والجوع والصبر والجَلَد الذي بُذل ليرى ذلك الكتاب النور·
هكذا مضيتُ في التنقل بين تلك المكتبات عاماً بعد عام لأنتهي، في آخر الأمر، بمكتبة المتحف، وكأن تلك المكتبات كانت أشبه بـ(المقامات) التي يرتقي إليها (السالك) في طريق التصوف - وما الكتب التي كنت أقع عليها فيها إلا (الأحوال) التي تنزل بالقلب كلمع البرق فتورثني القبض والبسط أو الخوف والرجاء - ليحصل لي (الكشف) في مكتبة المتحف حيث رفعتْ ورقاء بحبها حجاب الظلمة عن قلبي: فاطلعتُ على كل أسرار (الراووق) ومعانيه!
التقيتها أول ما التقيتها في القاعة (النورية)، ضبطتها منفردة بنفسها، تستعرض ملابسها في واحدة من تلك المرايا الطويلة الضيقة التي تزدان بها الجدران· بدتْ مستغرقة في تأمل أناقتها أكثر من جمالها؛ فشحّة الضوء هناك لا تسمح بالتدقيق في ملامح الوجه، تقوم بحركات ووضعيات إلى مختلف الجوانب· وحينما التقت نظراتنا في المرآة استدارتْ نحوي مفغورة الفم ذعراً - اعترفت لي فيما بعد بأنها حسبتني لحظتئذ شبحاً، وهو ظن يسوّغه الجو شبه المعتم المفعم برائحة البخور والحنّاء، كما يثيره اقتران تلك القاعة باسم (السيد نور) من أصداء - لكنها سرعان ما تداركتِ الأمر؛ فابتسمت خجلى، مغطية فمها بمنديل صغير كانت تحمله في يدها، وتخطتني مطرقة الرأس، فسارعتُ إلى سؤالها عن الطريق المؤدي إلى المكتبة؟ وحينما التفتتْ نحوي مستوضحة، لم أجد مفراً من أن أسوّغ سؤالي بأنني ضيّعتُ طريقي، وأضفتُ وقد أعدتني بارتباكها:
صفحة 2
- يبدو أن تغييرات عديدة جرت منذ قيامي بآخر زيارة إلى المتحف قبل أعوام؛ فثمة أجنحة جديدة أقيمت، وأجنحة أُخرى أُزيلت، فضلاً عن تحوير ممرات وسلالم تؤدي إلى اتجاهات لم أكن أمرّ بها في الماضي!
فأجابتني مبتسمة:
- ذلك هو دأب الأستاذ (بدر فرهود الطارش)؛ لا يمر عليه عام إلا وأجرى عشرات التحويرات على شتى مرافق المتحف!
وسارعتْ تضيف موقفة إيّاي عند حدي:
- اتبعني·
وتقدمتني واضعة بذلك حداً لرفع الكلفة معها، تاركة لعينيّ حرية تملّي ذلك الجمال المتجسد في هيئة أنثى تشع الفتنة من كل جزء منها· وقادتني في رحلة صامتة تمنيتُ لو تستمر إلى الأبد، لكنها انتهت في المكتبة؛ فافترق أحدنا عن الآخر لأهرع إلى أدراج البطاقات نابشاً فيها، حتى إذا ما سجلت عنوان الكتاب الذي كنت أنوي استعارته، ورقم تسلسله، فوجئتُ بـورقاء مرة أخرى: كانت تقف خلف الحاجز الخشبي المقوس، يؤطر نصفَها العلويَّ، الظاهرَ فوق السجل الخاص بالاستعارة، مستطيلُ باب في الخلف تلوح من خلاله خزانات الكتب الحديدية المتراصفة تحت أضواء كهربائية باهتة، وثمة أيدي طلبة وأساتذة ومثقفين تمتد إليها لتتسلم من يدها الكتب، وحين وجدتْ يدي سبيلها بين تلك الأيدي مددتها إليها كالضارع وأنا أهمس مداعباً:
- رحماك يا (أفروديت)!
- نعم؟!
تساءلتْ مستنكرة وهي ترفع رأسها نافضة شعرها الأسود إلى الوراء بحركة خاصة ساحرة· ورنتْ إليّ بنظرة قاسية من عينين لوزيتين أبرزَ الكحلُ اصفرارَ حدقتيهما الساطعتين، نظرة سرعان ما غاضت عنهما القسوة لتخلّف وراءها ألفة عزوتها يومذاك - متوهماً - إلى ذلك اللقاء الغريب في القاعة (النورية)· وعادت تخفضهما نحو السجل لتجيبني، وثمة ظل ابتسامة لاح على شفتيها اللتين تعلوهما طبقة (روج) خفيفة:
- ولم لا يكون اسمي (عشتار)؟
كان سؤالاً جريئاً ومفاجئاً لم أتوقعه منها؛ إذ إنه فتح لي باب المداعبة على مصراعيه؛ فاغتنمت الفرصة دون تردد:
- ولكن··· أية (عشتار) تعنين؟ ابنة (سين) أم ابنة (آنو)؟
فأجابتني كالمتحدية، وقد انفرج فمها عن ابتسامة عريضة كشفتْ التواءً جميلاً في إحدى أسنانها:
- ابنة الأول بطبيعة الحال!
وهكذا تجنبت الفخ؛ فابنة الثاني كان يعني كونها آلهة الحب، فلم أملك إلا أن أردد:
- جنّبنا الله شر الحرب!
يا إلهي!··· جميلة؟ ومثقفة؟ ذلك فوق ما كنت أتوقع؛ إذ لم أدر ما الذي جعل الثقافة لديّ تقترن بالخشونة والصلابة!··· لعل سر ذلك يعود إلى ظني أن عالم الثقافة يقتصر على الرجال دون النساء!
كان جمالها هادئاً، يتوغل في الروح على مهل ليجعل من الصعب على من يراها أول مرة نسيانها· والحق أن مواصلة زياراتي لمكتبة المتحف، منذ ذلك اليوم، لم تكن من أجل الكتب فحسب؛ بل من أجل أن أتملى تلك العذوبة المتجسدة في ملابس بسيطة لا تخلو من أناقة - عرفتُ فيما بعد أنها كانت تخيطها بنفسها - كانت لها طريقة خاصة في الانحناء على السجل، تجعل خصلات شعرها تتهدل حاجبة بياض وجهها، وثمة حلية ذهبية على شكل مصحف تتدلى قرب يدها وهي تعشي البصر بوهجها الخاطف· وكانت لها طريقة خاصة بقول: (نعم) تشفعها بانتفاضتها تلك من رأسها· وكنت كلما وقفتُ قربها، لا يفصلني عنها سوى عرض الحاجز الخشبي، أحدس بعبير يفوح منها ليس بالعطر الصناعي بل هو أقرب ما يكون إلى خليط من دفء وحنان يمتزجان على شكل رائحة تنعش الروح قبل حاسة الشم!
كنت أتأملها حين تستغرق في الكتابة في سجلها، محركة شفتيها مع حركة قبضتها البيضاء المضمومة على القلم إضمامة القلب على نبضه· كانت لها يدان جميلتان وثمة منديل ورقي وردي اللون في الغالب مكور في أحداهما·
تحت يد ورقاء تلك نمتْ فكرة هذه الرواية من محض كلمة (الراووق) التي دونتها في سجلها يوم استعرتُ نسخة خطية من المخطوط، انتهاءً بهذه الصفحات التي ستكون يد ورقاء أول يد تتصفحها، بعد يدي، قبل أن نلقم بها أحشاء المطبعة·
يومذاك تساءلتْ مبتسمة وهي تسلمني الملف الضخم الذي يضم بين دفتيه أوراق المخطوط:
- ما جدوى العودة إلى مخطوط سبق لك أن استنفدتَ موضوعه في رواية تحمل الاسم نفسه؟!
لحظتئذ غالبتُ بصعوبة شعوراً مبهماً بالفخر لكونها عرفتني (روائياً) وليس محض (مستعير كتب)، لكنه لم يكن أكثر من شعور عابر سرعان ما تلاشى حين تذكرتُ أن عملها موظفة في المكتبة يقتضيها معرفة مثل هذه الأمور، فأجبتها مداعباً كدأبي معها:
- عديه حنيناً للحبيب الأول!
صفحة 3
فتساءلتْ مستنكرة:
- أي حبيب أول وقد سبقتْ روايتك تلك مجموعة شعرية وثلاث روايات فضلاً عن مجموعة قصص قصيرة؟!
وعاد ذلك الشعور بالفخر يداعب غروي دون لبس؛ فقد بدا من الواضح أنني بإزاء متابعة - لعلها معجبة! - لمؤلفاتي مجتمعة؛ فأجبتها متهرباً من ذكر السبب الوحيد الذي دفعني لاستعارة المخطوط:
- لكنها أول رواية كتبتها عن مدينة (الأسلاف)·
والحق أن مدير المتحف (بدر فرهود الطارش) هو الذي كان يقف وراء هذا الأمر؛ فقد كان من حسن حظي أن بات مغرماً بروايتي (الراووق) التي كانت السبب المباشر لتوثق علاقة أحدنا بالآخر؛ فقبلها لم تكن معرفتنا تتخطى تبادل تحيات عابرة كنا نصطنع خلالها البرود واللامبالاة، وكل منا - لكوننا شخصين مشهورين في نطاق المدينة! - ينتظر أن يبدأ الآخر بالتنازل ضامناً بذلك لنفسه المرتبة الأولى من الأهمية، وقد اضطرتني الظروف إلى أن أبدأ بذلك؛ فاتصلت به ذات يوم هاتفياً، فإذا بنبرة صوته في السماعة تشي بدهشته من ذلك الاتصال، فسارعتُ إلى إخباره بأنني مقبل على تنفيذ مشروع روائي قد أخرج منه بأكثر من رواية، فقاطعني متمنياً لي بإيجاز النجاح مفصحاً بصمته المفاجئ عن أن الأمر لا يعنيه مما اضطرني إلى أن أوضح له، بأكثر الطرق لباقة، أن موضوع ذلك المشروع الروائي على شيء من الحساسية؛ ذلك لأنني سأتتبع به أناساً من مدينة (الأسلاف) لا يزال بعضهم أحياء، واحتفظت لنفسي بسر كونه الوحيد الذي كان لا بد لي من استئذانه من هؤلاء (الناس) قبل المضي في مشروعي إلى غايته، لكنه، بذكائه الذي عُرف به، كان قد أدرك من فوره دوافعي؛ فقد تدفقتْ حيوية مفاجئة في صوته، فصاح بشكل اضطرني إلى إبعاد السماعة قليلاً عن أذني:
- حسن·· حسن·· الآن عرفتُ سر اتصالك هذا؛ إذ يبدو أنك ستدخل شخصي المتواضع في روايتك تلك؛ مما يدفع بك بالتالي إلى نفض الغبار عن الأحداث القديمة وبضمنها بطبيعة الحال تلك الشائعة التي رافقت مولدي، والتي عززتها زرقة عينيّ···
فقاطعته وقد هالتني صراحته:
- اطمئن يا أستاذ؛ ذلك لأنني لم أتخطَ بعد الأعوام التي سبقت ولادتك - أي زمن المرحوم والدك - وعلى كل حال سأكون حريصاً على عدم المساس بالمشاعر، فضلاً عن أنني، وتحسباً من أي إحراج، سأطلق أسماء مستعارة على الأشخاص الذين قد يؤدي ذكرهم صراحة إلى حصول تبعات·· خذ صاحبك (شبيب طاهر الغياث) مثلاً؛ فقد أسميته باسم (وثيج لازم)·
فصاح بعدما صرّت في السماعة ضحكته:
- (شبيب طاهر)·· (وثيج لازم)·· فعيل فاعل·· أنهما على الوزن نفسه!·· اسمع·· من المؤكد أن فعيل فاعل·· أعني (شبيب طاهر) سيُجنّ إنْ ذكرتَ اسمه الحقيقي في روايتك·· وقد (يعملها) فيطالبك بدفع تعويض، ليس بالنقود، بل بأفظع صور (الفصل) عشائرية؛ وهي التعويض بثلاث بنات (جدميه) و(تلويه) و(مجفوته)·· نعم·· قد يطبق ذلك حرفياً؛ ذلك لأنه رجل صعب المراس، أما عن نفسي··
وصمت لحظات قبل أن يتابع بمنتهى الجدية:
-·· اطمئن؛ فأنا، كما لا شك أنك سمعتَ عني، آخر من يقلقه التشهير وكشف الأسرار وما شابه من أمور تدفع بعض الروائيين إلى حماية أنفسهم بالادعاء، في الصفحات الأول من رواياتهم، أن كل ما يرد فيها من أسماء وأحداث من صنع الخيال·· اطلقْ لقلمك الحرية كلها في ما يتعلق بي بادئاً بذكر اسمي الحقيقي واسم أبي·· دعْ (بدر فرهود الطارش) - وهو كما ترى اسم غير شاعري قد يثير النفور - يتحرك خلال كلماتك دون قناع؛ فأنا رجل أعشقُ حقائق التاريخ، فأطلقني في روايتك بعلاتي وجنوني وسوء السمعة التي رافقتْ مولدي دون ذنب مني، وبغيرها من أمور لا اشتريها بفلس أحمر، لا بل بدينار أزرق - فالفلس اختفى من التداول الآن - دعني أرَ نفسي كما جُبلتُ عليها، وامنحني وهم الإحساس بالخلود؛ فكل ما دون ذلك زائل وقبض ريح!
وحققتُ ما أراده؛ فأظهرتُ أباه (فرهود) على حقيقته· وفي النسخة التي أهديتها إليه من (الراووق) بعد طبعها كتبتُ كما أتذكر جيداً: (إلى الأستاذ بدر فرهود الطارش·· دون رتوش أو·· حياء!) وهو إهداء أضحكه حتى امتلأت عيناه بالدموع·
منذ ذلك اليوم تعززتْ علاقتنا، وتطورت تحياتنا العابرة إلى زيارات من قبلي كنتُ أقوم بها إلى غرفته في المتحف حيث ما من مرة طالعني فيها بعينيه الزرقاوين من خلف مكتبه إلا كرر عبارة عتاب غدتْ كاللازمة:
ـ كان عليكَ، يوم اتصلتَ بي هاتفياً، أن تخبرني باختيارك مخطوط (الراووق) موضوعاً لروايتك عوضاً عن طلب الإذن والأسماء المستعارة وما أشبه؛ لأنني حينها كنتُ سأكشف لك أموراً على جانب كبير من الخطورة والأهمية تتعلق بأسرار مخطوط (الراووق)!
وقد حاولتُ أكثر من مرة استدراجه ليكشف لي تلك الأسرار، لكنه كان يتهرب بلباقة منوهاً بطريقة، كانت تترك غصة في قلبي، أنني فوّتُ على نفسي فرصة لا تعوّض، حتى إذا ما طبعتُ رواية (قبل أن يحلّق الباشق) التي أُتابع فيها مصائر معظم شخصيات روايتي السابقة، فوجئتُ بـ(بدر فرهود الطارش) يزورني في بيتي راجياً إياي، لحظة فتحي الباب له، ألا أعامله بـ(الرسميات)؛ فكل ما قدم من أجله هو أن يرى هذا البيت الذي شهدتْ جدرانه (ولادة) أكثر من رواية عن مدينة (الأسلاف)·
وأضاف وهو يجيل حوله نظرات عطشى:
- وهو بيت سمعت عن عراقة طرازه الكثير حتى أنني أفكر في صنع نموذج له سيحتل، مع نماذج بيوت أخرى تمثّل أطوار فن العمارة في مدينتنا، واحداً من أهم أجنحة المتحف المستحدثة·
فطمأنته إلى أن كوني أعيش وحدي لا يقتضي الالتزام بأية رسميات، فاتخذ من كلامي ذاك (جواز مرور) دفع به إلى أن يتقدمني خلال الردهة القصيرة التي يطل عليها باب (الديوخانة) المهملة منذ أعوام· واستدرنا يساراً داخلين الحوش حيث كانت العصافير في ذروة صخبها بين أغصان السدرة الهرمة التي توجت شمس العصر ذروتها بوهجها·
صفحة 4
كان بدر، أثناء تجوالنا، لا يكف عن الثرثرة مطرياً أصالة ما يرى، مجيلاً نظراته في شتى الاتجاهات، لكنه صمت حين أخذت ساعة (الليوان) الجدارية تدق معلنة الوقت· ووقف متأملاً فاغر الفم صور أفراد الأسرة الموتى والراحلين وهي تزين جدران (الليوان) في وضعيات أزلية حنّطتها عليها عدسات مصورين مجهولين قد يكونون بدورهم التحقوا بمصيرهم المحتوم· وكانت تكتكة الساعة وحركة بندولها التلقائية تزيدان الشعور بالوحشة، حتى أن (بدر) كف عن الكلام ونحن نرتقي درجات السلم نحو الطبقة الثانية لنحط الرحال في آخر الأمر في غرفة (الأرسي) التي تعلو واجهة البيت حيث شمل بدر محتوياتها بنظرة طويلة تلكأ بها على رفوف الكتب التي تحف بالجدران· وتفحص بشغف تلك التماثيل الخشبية الصغيرة التي لم يمنحني الكسل فرصة إنجازها منذ سنوات· وحام حول مكتبي العتيق الذي تناثرت فوقه الأوراق وأقلام الرصاص، وأزاح جهاز الهاتف جانباً ليلتقط من تحت المصباح المنضدي نسخة من كتاب (محافظة الأسلاف في ماضيها وحاضرها) تأليف صديقه (شبيب طاهر الغياث)·
- لولا متابعتي الشخصية لهذا الكتاب، الذي صدر ضمن منشورات المتحف، لكان من المستحيل أن يطبع بمثل هذه الأناقة والجودة وبحجم كبير وبغلافين سميك وورقي·
ذلك كان ما قاله بعد صمت طويل وهو يعبث بصفحات ذلك الكتاب· ولم ينسَ إزاحة الستارة الزرقاء جانباً ملقياً نظرة عابرة على شناشيل بيوت الزقاق المتقابلة وهو يقول:
- موضع مثالي لكتابة روايات عن مدينة (الأسلاف)·
وأضاف وقد جلس على طرف سريري الخشبي المحاذي للكرسيّ الدوار:
- الآن عرفتُ سر إصرارك العنيد على مواصلة كتاباتك؛ ذلك لأنك وحيد!
أجبته وأنا أجلس على الكرسي مديراً إياه في اتجاهه:
- ما الكتابة إلا تنفيس عن كرب الوحدة!
فتساءل وهو يومئ برأسه نحو باب الغرفة متابعاً فكرته:
- وتلك الصور المعلقة في الأسفل، لمَ لمْ تكتب عن أصحابها رواية؟
- وهل خلتْ رواية من رواياتي منهم؟
فتأملني لحظات كأنه يحاول أن يفقه مغزى كلامي، وحينما عجز عاد يطرح أحد أسئلته المباغتة:
- وصورتك؟ لِمَ لم أرها بينها؟
فأجبت وأنا أبتسم:
- لا يستحسن أن تزين الجدران إلاّ بصور الموتى والغائبين!
وعاد يتأملني من جديد وقد أزعجه بعض الشيء كلامي الغامض هذا، لكن ذلك لم يمنعه من أن يُثني على روايتي الأخيرة التي كان قد أنهى قراءتها قبل يوم، مؤكداً أنني وقعت على موضوع سأعود إليه أكثر من مرة في روايات لاحقة· وعلّق في محاولة واضحة لمجاراتي في ذلك (الضرب الملغز) من الكلام:
-·· وذلك يعود إلى شعور مبهم ينتاب كل مبدع ينشد الكمال في عمله؛ وهو الشعور بوجود (نقص) لا سبيل له إلى تلافيه، خذني أنا مثلاً: فبرغم أنني قضيتُ نصف قرن في إنشاء المتحف، بادئاً بأقدم العصور انتهاءً بالوقت الحاضر، لكن شعوراً ملحاً يملؤني بوجود (نقص) في عملي ذاك، (نقص) يجعل مرافق المتحف العديدة لا تكسب مغزاها الحقيقي إلا بوجود مرفق أخير، وهنا تكمن معضلتي الحقيقية؛ فما يجعلني عاجزاً عن إنجاز ذلك المرفق هو يقيني بأنه يجب ألا يشبه المرافق القديمة، بل·· بل··· كيف أعبّر؟ بل إنه يحتويها كلها!
وثبّتَ عينيه على وجهي متأملاً إياي بنظرة ملحة حاول بها أن يفهمني ما عجزتْ كلماته عن إيصاله·
والغريب في الأمر أنني وجدتُ مخطوط (الراووق) يخطر في ذهني وأنا أسمع كلمات بدر؛ فـ(النقص) بدوره بقي سمة ملازمة له، وقد يكون هو السبب الحقيقي لاتخاذ ذلك المخطوط هذه البنية المفتوحة التي بقيتْ تنمو حتى الوقت الحاضر· وعلى كل حال أيسعني أن أتجاهل أن المتحف والمخطوط ما هما في واقع الأمر إلا وجهان لتاريخ (الأسلاف) مكانياً وزمنياً؟
صفحة 5
وحينما صارحتُ (بدر) بأفكاري تلك سارع في النهوض ليلتقط كتاب (محافظة الأسلاف في ماضيها وحاضرها) وعاد يجلس في موضعه ليتصفحه، حتى إذا ما وقع على الصفحة المنشودة انحنى فوقها وقد ضيّق عينيه شأن من اعتاد القراءة من خلال عدستي نظارة، ليقرأ بعسر العبارة الآتية:
- (مثلما كان المخطوط أشبه بحجر أُلقي في بركة الزمن، فأخذت الدوائر في الاتساع بمرور الأعوام، كانت القلعة هي البؤرة التي نمت عنها مدينة الأسلاف على مدى قرون)·
وعلّق وقد أطبق الكتاب متأمّلاً إياي بنظرة انتصار:
- أخشى أنك يا أستاذ تردد أقوال شبيب بشكل من الأشكال؛ والدليل على ذلك كون كتابه هو الوحيد الموضوع في متناول يدك!
إنها ملاحظة على قسوتها لم تزعجني كثيراً؛ فقد بات من تقاليد المدينة إجلال شبيب طاهر الغياث ملقبين إياه بـ(عبقري الأسلاف)، هذا اللقب الذي استحقه عن جدارة؛ فبرغم أنه لم يتخرج في جامعة ما - فتحصيله الدراسي لم يتخط تلك الدروس التي أخذها خلال فترة قصيرة على يد (ممدوح أفندي)، أول معلم شامي في تاريخ المدينة، فضلاً عن دورات في تنظيم المكتبات اجتازها فيما بعد لا من أجل أن يستفيد منها قدر أن يستند إلى شهاداتها وهو يترقى في سلكه الوظيفي في مكتبة المتحف ليغدو في آخر الأمر أميناً لها - وبرغم أنه لم يؤلف سوى كتابه المذكور سلفاً، بيد أنه ما من طالب (ماجستير) أو (دكتوراه) من أبناء المدينة لم يستعن به في كل ما يمت إلى التصوف والتاريخ بصلة، حتى غدا ذلك الأمر طرفة اعتاد مثقفونا تداولها عن كون شبيب يقف خلف كل سطر خطته أقلام حملة تلك الأطروحات برغم خلو فهارسها من أي ذكر لاسمه!
- قد أكون أردد أقوال شبيب، لا ضير في ذلك؛ فلولا أهمية دوره في تاريخ المدينة أكنتُ أجعل منه باسم وثيج لازم واحداً من أهم شخصيات روايتيّ الأخيرتين؟
أجبتُ مسلّماً بالأمر الواقع، فعلق بدر بنبرة لا تخلو من حسد:
- لقد كرّستَ له أغلب صفحات تينك الروايتين - ولاسيما (الراووق) - متتبعاً دقائق حياته منذ ليلة مولده حتى إسهامه في أحداث ثورة العشرين!
وسارع يضيف، محاولاً تلافي فلتة لسانه، مكرراً عبارة العتاب التي بقي يلاحقني بها على مدى أعوام:
- كان عليك، يوم اتصلتَ بي هاتفياً قبل الشروع في مشروعك الروائي عن الأسلاف، أن تخبرني باختيار مخطوط (الراووق) موضوعاً لروايتك·
ولم تكن بي حاجة، هذه المرة، إلى استدراجه ليكشف لي الأسرار المتعلقة بذلك المخطوط؛ فها هي الظروف وقد وضعته في موقف لا بد له معه من المضي في الإفصاح عن معنى (لغزه) ذاك، وذلك ما حدث فعلاً؛ فبعد لحظات تردد وإحجام حسم أمره في النهاية قائلاً:
- اسمع·· سأكشف لك سراً·· أو بالأحرى سأخبرك بوجود سر، تاركاً لصاحب الشأن كشف دقائقه إنْ راق له الأمر بطبيعة الحال!
وتابع وهو ينقر على غلاف كتاب (محافظة الأسلاف):
- أنت تعلم بالتأكيد، شأن مثقفي البلدة كلهم، أن (شبيب) قضى أعواماً عديدة في تحقيق مخطوط (الراووق)··
فقاطعته وقد فاض بي الفضول:
- لكن ما يدهشني هو سر امتناعه عن طبع ذلك المخطوط بعدما أكمل تحقيقه!
- ذلك لأنه اكتشف متأخراً أنه يحقق نصاً داخله الكثير من الزيف والتحريف، بل إنه يخلو من أهم الفصول التي كتبها (السيد نور) والتي كانت النواة التي نما حولها المخطوط!
- ماذا تقول؟!
صحتُ وقد نسيت نفسي؛ فأحداث المخطوط كانت قد غدت ضرباً من المسلّمات التي يستحيل أن يتطرق إليها الشك، فأجابني بدر وهو يبتسم عن أسنان سوّد الدخان منابتها:
- كما قلت لك· وقد بلغ ذلك التحريف والتزييف حداً من الشيوع بات من العسير فضحه؛ ذلك لأنه تحول بمرور الزمن إلى حقائق راسخة دفعتْ بك، مثلاً، إلى اعتمادها في كتابة روايتيك ولاسيما (الراووق)!
- وما هي تلك الحقائق التي حرّفتْ وزيّفتْ إلى هذا الحد؟
وعاد بدر يتلجلج في كلامه، ليقول في آخر الأمر في محاولة مكشوفة لتلافي فلتة لسانه الثانية:
- سيبقى شبيب هو الأجدر بكشف تلك الحقائق إنْ استطعتَ إقناعه·· بالمناسبة·· إنه لا يقلّ عني إعجاباً بروايتك، بل إنه تمنى عليك لو أنك سميّتَ (وثيج لازم) باسمه الحقيقي·· قال لي بدهائه المعروف: كان على الروائي ألا يخشى ذكر الأسماء الحقيقية لأناس لم تشب ماضيهم شائبة مادام قد عمد إلى ذلك مع (ناس) - وهي مفردة يعنيني أنا بها بطبيعة الحال! - لهم ماضٍ (مصخّم)!
صفحة 6
وألقى بدر برأسه إلى الوراء وقد أخذ يقهقه، حتى إذا ما استطاع السيطرة على نفسه أضاف وهو يمسح بظاهر يده الدموع عن عينيه:
- وبذلك تستطيع أن تطمئن إلى أنك نجوت من (الفصل) والنساء الثلاث!
واستدرك وهو ينهض معيداً الكتاب إلى موضعه:
- ولكن إعجابه بك مشوب بشيء من الحسد؛ ذلك لأنك نجحتَ في ما فشل فيه هو؛ فمنذ عقود من السنين وهو يطمح إلى كتابة رواية عن تاريخ مدينة الأسلاف!
لعل في وسعي الآن أن أحدد ذلك اليوم بداية لانبثاق فكرة هذه الرواية لدي؛ فقد كشف لي بدر فرهود الطارش جملة أمور من المؤكد أنها ستثير شهية أي روائي يستميت من أجل إنجاز عمل استثنائي!
وعلى مدى أسابيع أخذتْ تلك الفكرة في الاختمار؛ فزياراتي المتكررة للمتحف حرّكتْ جملة أمور بلورت في آخر الأمر هذه الصفحات·
كنت أختلس الساعات من عملي مدرّساً للفن في مدرسة يبقى درس (الرسم) آخر ما يشغل طلابها، تاركاً لصديقي الشاعر مهمة استثمار دروسي الشاغرة لتدريس مادة اللغة العربية التي يعشقها عشقاً، معتمداً في ذلك على (سماحة) مدير لا يألو جهداً للتخلص مني، فأسارع إلى القفز إلى أول سيارة تحملني نحو (تل الأربعين) حيث تكون ورقاء في انتظاري بابتسامتها المعهودة·
- (الراووق) أيضا؟
تبادرني بالسؤال، وحليتها الذهبية تتألق فوق صدرها· وفي قاعة المطالعة أجلس في مواجهة النافذة الجنوبية، حيث أشرف على ذلك الجانب من المدنية، مفكراً بغرفة (الأرسي) التي تنتظرني (هناك) في أقصى الجنوب· لكنني سرعان ما أنغمر في قراءة المخطوط مسجلاً في دفتري بعض الملاحظات·
هكذا تكررتْ استعارتي لـ(الراووق) أسابيع متعاقبة؛ إذ إن تعليمات مكتبة المتحف كانت تمنع (منعاً باتاً) إخراج المخطوطات منها·
بدا من الواضح أن شبيب طاهر الغياث كان قد بذل جهوداً هائلة في تحقيق المخطوط، بل أستطيع أن أزعم أنه كاد يكون قد ألّف نسخة جديدة من عشرات النسخ المتباينة شكلاً ومضموناً· لكنني لم أفاجأ بجديد في ما قرأتُ؛ فعلى الرغم من أن (شبيب) استطاع أن يخرج بنص يكاد يخلو من أي إسقاط أو تشويه أو تكرار، لكن جوهر (الراووق) لم يكن يخرج عما تآلفنا على قراءته في عشرات النسخ الخطية الشائعة عنه، وهذا أمر كان أبعد من أن يفلح في دفعي إلى خوض تجربة كتابية سبق لي أن استنفدتُ موضوعها، بيد أن بدر فرهود الطارش بتلميحاته المبهمة عن وجود (أسرار) وأحداث (محظورة) تتعلق بالمخطوط استطاع أن يشحذ خيالي، حتى إذا ما قادني إلى بيت شبيب أضحى وجود هذه الرواية أمراً لا مفر منه!
لقد بدا كأن (القدر) - الذي سبق له أن دفع بعض القيّمين إلى الإضافة إلى المخطوط بحجة تجلّي (السيد نور) لهم بشكل من الأشكال - عاد يكرر الأمر نفسه وكأنه لم يربط بين شبيب طاهر الغياث وبدر فرهود الطارش بتلك الصداقة إلا من أجل غاية وحيدة لا تتعدى إحياء مضمون (الراووق) من خلال روايتي هذه!
بيد أن المشكلة هي أنني آخر من يؤمن بـ(القدر) ولاسيما في هذا الأمر؛ ذلك لأنني - بحكم إلمامي بدقائق تاريخ المدينة - خير من يعرف الظروف الاستثنائية التي جمعت الرجلين - على بغض أحدهما للآخر - بتلك الصداقة التي غدت فيما بعد مضرب الأمثال: فعقب الأحداث الدامية التي عصفتْ بمدينة (الأسلاف) أثناء (ثورة العشرين) - والتي كان من أهم ضحاياها فزع الطارش، أبرز الممالئين للإنكليز - ألقي القبض على العديد من الرجال الذين أسهموا في (العصيان) - كما ورد في التقارير الرسمية - أو حرضوا عليه· وكان شبيب طاهر الغياث من بين المقبوض عليهم، وذلك أمر أثار عطف الجميع عليه؛ إذ إنه كان لا يزال فتيّاً في العشرين من عمره، فضلاً عن أنه كان (عرّيساً)؛ فقد تزوج في صيف تلك الأحداث الساخنة·
لم تكد تمضي شهور حتى أستجيب شكلياً لبعض مطالب (الثوار)؛ فأعلن عن انبثاق كيان دولة نصب على عرشها ملك، وأطلق سراح بعض المسجونين والمنفيين، ولاسيما من لم يتورط منهم بفعل جنائي·
وهكذا عاد شبيب طاهر الغياث إلى المدينة محاطاً بهالة من التبجيل والاحترام ليجد في انتظاره كتب ممدوح أفندي وقد ملأت حجرة زفافه - إذ إنه كان لا يزال يعيش في بيت والديه - وكان ممدوح أفندي - لسان حال ثوّار المدينة - قد صدر الأمر بنفيه، فأوصى بكتبه إلى شبيب· قال يوم اُقتيد إلى السيارة التي حملته تحت بنادق (الشبانة) إلى مصيره المجهول:
- لن أجد من يستحقها خيراً من تلميذي النجيب شبيب؛ فهو وحده يعرف قيمتها: فعلى الرغم من أنه كان قد تخطى الخامسة عشرة من عمره حين شرعتُ في تعليمه القراءة والكتابة، لكنه استطاع، في ظرف فترة قصيرة، أن يقرأ (ألف ليلة وليلة) على مدى أيام متعاقبة كاد يفقد خلالها البصر!
وأبى شبيب إلا أن يبقى عند حسن ظن معلمه القديم؛ فمنذ ذلك اليوم غدتْ تلك الكتب موضع اهتمامه الدائم، لا يمل قراءة بعضها أكثر من مرة، مبدياً أساه حين يقف عاجزاً أمام الكتب المطبوعة بالفرنسية، ليردد قولاً غدا شائعاً على الألسن فيما بعد:
- لو أن ثورة العشرين كانت قد أُرجئت بضعة أعوام لكنتُ قد تعلمتُ الفرنسية أيضاً!
صفحة 7
وبقي مرور الزمن يزيد (شبيب) تعلقاً بكتبه تلك، غير مدرك أن مضي عشرين عاماً على إطلاق سراحه سيفرز مواقف جديدة لم تكن بالحسبان: فقد تشعبتْ أسرته ونمت بولادة الأطفال وترعرعهم، ونشبت حرب عالمية ثانية جعلت الحصول على لقمة الخبز المخلوطة بمسحوق نوى التمر ونشارة الخشب ليس بالأمر اليسير؛ فأخذت زوجة شبيب ترمق تلك الكتب بنظرة عداء مكشوف، بل غدت تجرؤ على مجابهة زوجها بقولها:
- حينما تزوجتك لم أكن أعرف أنك خلال أشهر ستجلب لي (ضرّة) تتمثل بهذه الكتب!
وصادف في تلك الفترة أن عاد بدر فرهود الطارش من بغداد بعد اغتراب دام أعواماً، فشرع من فوره في تأسيس مشروعه الذي لم يلاق مشروع مثله الاستهجان والاستنكار؛ فبرغم أن العوز دفع أسراً كثيرة إلى الحضيض، فأخذت تمتهن الشحاذة، لكن (بدر) كان يُسرف في تبذير النقود على شراء كل ما يمت إلى تاريخ مدينة (الأسلاف) بصلة من أجل أن يؤسس المتحف· وكان يجابه كلمات الامتعاض بقوله:
- ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، سيأتي اليوم الذي ستشكرونني فيه على ما أقوم به من أجلكم!
كان بدر منذ ذلك الزمن قد منّى نفسه بالحصول على كتب ممدوح أفندي، كان يقول لمن يدرك أنه سيوصل كلامه إلى شبيب:
- ليس من حق الرجل الاحتفاظ بتلك الكتب؛ ذلك لأنها جزء مهم من تراث المدينة·
وحين لم يجد أذناً صاغية جازف في لقاء شبيب شخصياً برغم تحذير الكثيرين إياه منه، وصارحه برغبته في شراء تلك الكتب لقاء المبلغ الذي يرضيه، لكن (شبيب) لم يتنازل بالرد عليه، بل اكتفى بأن لسعه بنظرة احتقار - إذ أنّى لشاب في الخامسة والعشرين من عمره مثل بدر يحيط أصله وثروته الكثير من الشكوك والهمس، والأنكى من ذلك أن الجميع يطلقون عليه لقب (المدلل)، أنى له أن يُجابه رجلاً مثله أسهم في أحداث ثورة العشرين؟! - لكن (بدر) لم ينهزم، واكتفى بتغيير (تكتيكه)؛ فأخذ يجنّد مبعوثين يتمثلون بأقارب شبيب وجيرانه ليؤثروا على زوجته في ذلك، مرسخاً في الأذهان، منذ تلك الأيام، طابع العناد الذي عُرف به؛ ذلك لأنه حين يستقر رأيه على أمر ما لا بد من تنفيذه!
وهكذا صُعق شبيب طاهر الغياث، حين عودته في أحد الأيام إلى بيته، بخلو إحدى خزانات مكتبته من الكتب· وقبل أن يعمد إلى سؤال أطفاله عن أمهم جاءته صفقة ثوب تعلن عن موضعها، فارتقى السلم بكل رويّة وهدوء برغم أنه كان يغلي غضباً· وواجه زوجته فوق السطح، وثمة قطع ملابس مبلولة تخفق بينهما على حبل الغسيل:
- اسمعي يا امرأة·· برغم أنني لم أتورط معك في مشادة حقيقية يتخللها الضرب والصفع على مدى عشرين عاماً مرّ على زواجنا، لكن تأكدي أنني سأطلّقك اليوم إن لم تعرفي سر امتهاني لكرامتي بملاحقتك بهذا الشكل المهين إلى السطح!
فالتقطت (المرأة) من (الطشت) المركون بين قدميها ثوباً بالغتْ في عصره إلى حد التمزق، حتى إذا ما صفقته في الهواء، وألقته على الحبل، أخذت تتمتم بكلمات غير مترابطة:
- ما العمل؟ فالأطفال عرايا وجوعى·· وهناك الحرب·· والطحين المغشوش لا يوزع إلا بالتموين····
فقاطعها شبيب ببرود جعل المرأة تجفل:
- أهو بدر فرهود الطارش؟
فعادت تواصل نواحها:
- ومن المؤكد أن الكتب لا تؤكل·· فهناك الشاي·· والسكر··· والزيت····
وأسرّ شبيب لنفسه وقد أخذ جسده يرتجف غضباً:
- إنه (المدلل) إذن!
صفحة 8
وبسط كفه تحت ذقن امرأته التي اكتفت بأن رمقته بنظرة خاطفة، لتسارع إلى دس أصابعها البليلة بين ثدييها الهزيلين، لتستل مجموعة أوراق نقدية مطوية على بعضها، انقضّ عليها شبيب لينطلق بعدها هابطاً كل درجتين بوثبة واحدة·
غادر البيت متخذاً سبيله شمالاً نحو (تل الأربعين) حيث يمكث بدر فرهود الطارش على مدى ساعات النهار والليل؛ فبرغم أن (بدر) كان يملك ( بيوتاً!) وليس بيتاً واحداً في المدينة، لكنه كان يلازم القلعة القائمة فوق (تل الأربعين) باستمرار: يقود مهندسين و(أسطوات) وعمالاً، موجهاً إياهم لتنفيذ مشاريعه التي كانت لا تزال غامضة، تستدعي السخط والإدانة أكثر من الرضا والارتياح·
وكان بدر، قبل لقائه الحاسم ذاك (شبيب طاهر الغياث) بمدة وجيزة، قد عاد من بغداد بسمعة سيئة لا يحسد عليها؛ فعقب انتهاء (ثورة العشرين) غدا بدر محط رعاية خفية من قبل (الصاحب) الكابتن (فوكس وايت) أول مساعد حاكم عسكري لمدينة (الأسلاف)· وكان (الصاحب) قد وقع، في أثناء أحداث الثورة، في قبضة الثوار مع عشرات من (الشبانة) الأرمن والهنود من(سيك) و(كركه)· وحين أطلق سراحه أستدعي إلى بغداد ليحتل منصباً رفيعاً كان يتيح له أن يحيط (بدر) من هناك بـ(رعايته) التي أحيت من جديد ذلك الهمس عن مولد بدر، وسر زرقة عينيه مثل عيني (الصاحب)، و(معجزة) ولادته لأبيه فرهود الطارش الذي كان قد ثبت عقمه عقب زيجتين سبقتا زواجه الأخير!
وقد بلغت تلك (الرعاية) ذروتها حين حُمل بدر - وهو في العاشرة من عمره - إلى بغداد ليقضي خمسة عشر عاماً في أرقى مدارسها، بل وصل الأمر به أنه غدا قاب قوسين من (بعثة آثارية) وجهتها (لندن)، وقد صار ذلك الأمر حقيقة واقعة حين توجه بدر إلى البصرة على أمل أن يبحر من هناك إلى بريطانيا· بيد أن بعثته تلك لم تتخط أرصفة ميناء (المعقل)؛ فقد اختارت الدول الأوربية - كما اعتاد بدر أن يكرر بأسى - ذلك الوقت لتعلن حربها العالمية اللعينة، وائدةً بذلك طموحات بدر إلى الأبد؛ ذلك لأنه عاد إلى بغداد ليكتشف أنها لم تعد المكان الملائم له؛ فـ(فوكس وايت) كان قد رُقي إلى رتبة أعلى وأُلحق بإحدى الجبهات، فقفل بدر راجعاً إلى مدينة الأسلاف تسبقه سمعته السيئة تلك التي عززتها أكثر ثروة هائلة كان قد ورثها عن (أبيه!) المرحوم فرهود الطارش ووظيفة (فُصّلت على مقاسه تماماً)؛ فبرغم حرمانه من بعثته الآثارية تلك، لكن (جهة ما) كانت قد هيأت له منصب (مدير متحف الأسلاف)، وهو منصب وجد فيه دون شك شيئاً من العزاء - إذ إنه كان قد ورث عن عرق ما عشق الآثار! - لكنه لم يكن في واقع الأمر إلا أشبه بمنصب فخري؛ فالمتحف المنشود لم يتجاوز ركاماً من منحوتات آثارية من تماثيل وجداريات وجرار وأختام أسطوانية، وما أشبه من قطع كانت تعود إلى (الصاحب) نفسه، فضلاً عن قطع أُضيفت إليها بموجب قانون صدر آنذاك يقضي بضم قسم من الآثار المكتشفة إلى متحف المنطقة·
كانت تلك القطع مهملة، منذ أعوام عديدة، في صناديق مبعثرة وتحت سقائف مرتجلة، كانت قد أُقيمت كيفما اتفق، وسط القلعة التي كانت تحمل هذا الاسم تجاوزاً؛ ذلك لأن الأحداث الدامية وأعمال التخريب التي نشبت أثناء (ثورة العشرين)، فضلاً عن مرور الزمن، لم يبق من القلعة إلا على أسوارها الأربعة وبوابتها الجنوبية القائمة وسط مفتولين·
لكن بدر فرهود الطارش وجد في ذلك (المنصب الفخري) خير متنفّس ليبرهن لأهل المدينة أن سوء سمعته الذي يصمونه به لا يقلقه كثيراً - بل يشاع أنه في لحظات سكره وعربدته كان يتباهى بأصله (النورماندي) قائلاً إنه لا بد من شيء من (النغولة) ليقدح زناد الفن والإبداع! - كان يقول إن كل شيء زائل باستثناء الفن والإبداع!·· وكان يعقب قوله مدعياً أنه سيحيي تاريخ مدينتهم بعمل أغرب متحف في العالم· وكان يجد في أمواله الطائلة - عشرات العقارات والأسواق والبساتين والأراضي - خير معين ليبرهن على ادعائه: يحرك بوساطة أكداس النقود سلسلة رجال تتلخص مهمتهم باقتناء أي شيء يمت إلى تاريخ المدينة بصلة، وكانت النتيجة خليطاً لا يصدق: (الشرطنامة) التي جعلت من فزع الطارش وكيلاً على مشيخة البواشق عقب اغتيال الشيخ عاصي بدس السم في قهوته، و(شارات وكالة المشيخة) مع ختم الحمولة (الصغير) وختم الوكالة (الكبير)، وساعة فزع الذهبية، ومسبحته الكهرب ذات البلابل الذهبية ونارجيلته المزدانة برقائق فضية، والمدفع العثماني القديم الذي أنهى حصار الفلاحين لقلعة فزع الطارش، وأول جهاز تلغراف في المدينة، ودلال المضيف وهاونه النحاسي وفناجينه، و(طربزون) الدرويش، و(القدّوم) الذي قُتل به فزع الطارش، و(فونغراف) مانع الشيخ عاصي وكتبه وأعداد متسلسلة من مجلة (لغة العرب)، وأول سيارة شغّلها يعقوب التاجر اليهودي بين بغداد ومدينة (الأسلاف)، وسيارة (الشوفرليت) العائدة لـ(الصاحب)، و(غرامافون) مقهى (الرافدين) مع النراجيل وأوعية الشاي، والخزانة الحديدية التي حاول الثوار كسرها عقب اجتيازهم للسراي، مع مختلف البنادق والمسدسات والسيوف والخناجر والقامات، فضلاً عن أول علم عراقي رُفع على سارية السراي· ولم ينسَ حتى مخلفات الإداريين الذين تتابعوا على المدينة: كتب داود أفندي، كرسي (الصاحب) بمسنديه المخمليين··· وغيرها من أشياء لا تعد ولا تحصى·
آنذاك كان بدر - كما اعتاد أن يقول عن نفسه - يمر بالمرحلة الأولى من المراحل الثلاث المعهودة في تكوين المتاحف: وهي مرحلة (الجمع)· وفي انتظار الوصول إلى المرحلتين الأخريين: (الاختيار) و(العرض) كان بدر يحاول أن ينسّق ذلك الجمع العشوائي لآلاف الأشياء - التي قد تكون المتاحف آخر موضع لبعضها - وذلك بتنظيم سجلات جعلها، على النقيض من العينات المبعثرة كيفما اتفق، غاية في الدقة والتنظيم: تسجيل أسماء العيّنات، ووصفها بإيجاز، مستعملاً في التسجيل ثلاث وحدات من الأرقام: ذكر السنة التي أُضيفت فيها مجموعة من العيّنات، ورقم الإضافة المخصص للمجموعة التي حصل عليها في تلك السنة، وأخيراً رقم كل عيّنة في المجموعة المضافة، دون أن ينسى ذكر أوصاف مختصرة للعيّنات، واسم المصدر الذي حصل على العيّنات منه وعنوانه، مع ذكر طريقة الحصول عليها سواء أكانت شراءً أم إهداءً أم جمعاً·
وكان يعمل من كل سجل نسختين: واحدة يتركها في القلعة، لغرض الرجوع إليها حين محاولة العثور على عيّنة ما، والأخرى يحتفظ بها في البيت تحسباً من ضياع نسخة القلعة· ويوم استطاع الحصول على أول مجموعة من كتب شبيب طاهر الغياث فتح سجلاً جديداً - بنسختين بطبيعة الحال - ليدوّن في أول صفحة منه قائمة بعناوين تلك الكتب وهو يكاد يرقص على كرسيه طرباً· لكنه، وقبل أن يُنهي تسجيل آخر عنوان، فوجئ بشبيب يقتحم عليه غرفته هاتفاً به بازدراء:
- خذ·· يا أستاذ·· بدر!
ورمى شبيب بالأوراق النقدية التي كانت قد تبللت بعرق كفه فوق السجلّ المفتوح بين يدي بدر الذي ومضتْ عيناه الزرقاوان بنظرة غضب لم تدم سوى لحظة واحدة اختفت بعدها عيناه بين غضون أجفانه وهو يصرّ بضحكة مجاملة، وقد أدرك أنه بإزاء رجل لن يجدي الغضب معه فتيلاً، ووثب من خلف منضدته ليقول، وهو ينقضّ بأصابعه على الأوراق النقدية:
- لمَ الغضب يا أستاذ شبيب؟
صفحة 9
- أستاذ؟!
تساءل شبيب مستنكراً، وقد خفّض عينيه، متأملاً دشداشته و(كالتيه)، متلمساً بأنامله الطاقية التي تعلو رأسه· فتابع بدر الهجوم، وقد اكتشف من فوره نقطة الضعف في خصمه؛ إذ إنه كان يعدّ كل من يقف في طريق طموحه في إنشاء المتحف المنتظر خصماً:
- نعم·· مؤكد أستاذ·· بل إنك تفضل أساتذة المدينة كلهم ثقافة ومعرفة؛ فمن يضاهيك في عدد ما قرأتَ من كتب؟ ولكن ما العمل؟ فنحن في بلد تُقيّم الثقافة فيه بالسترة والبنطال وربطة العنق لا بما في الرأس!
بهت شبيب بإزاء هذا الإطراء غير المتوقع؛ فقد اعتاد أن تكون (ثقافته) تلك مصدر انتقاد الآخرين·
ومضى بدر قدماً نحو غايته:
- وسأجعل منك أستاذاً بالرغم من أنوف الأستاذة مجتمعين·· أتسمع؟ أما هذا المبلغ البسيط··
وانقض بدر على كف شبيب ليدس فيها الأوراق النقدية، مطبقاً عليها أصابعه وهو يقول:
-·· فاحسبه قسطاً مدفوعاً من مرتبك القادم!
أخذ بعدها يزيّن له الأمر مؤكداً أنه حرّ في الاحتفاظ بكتبه في بيته، بل في وسعه إعادة المجموعة التي أخذها منه·
-·· كل ما هنالك هو أنني سأستعير·· نعم·· إنها مفردة موفقة·· احسب أنني أخذت كتبك على سبيل (الاستعارة) من أجل تكوين مكتبة للمتحف ستغدو أنت أميناً لها في يوم من الأيام!
فتساءل شبيب دهشاً:
- أمين مكتبة؟
- نعم يا أستاذ·· ومنْ غيرك يصلح لوظيفة من هذا النوع؟ أما الشهادات·· فدعنا منها·· سأبعث بك إلى عشرات الدورات بل المئات إن تطلب الأمر·· بل·· بل سأشتري لك الشهادة·· نعم·· فحتى الشهادات تُشترى!
فلم يملك شبيب إلا أن يتساءل مستنكراً من جديد:
- ولكن أين هي المكتبة التي ستجعلني أميناً لها؟!
فأجابه بدر وهو ينقر بسبابته على جبينه:
- المكتبة والمتحف موجودان هنا في رأسي، أما وجودهما هناك··
وأردف وهو يومئ نحو باب الغرفة المفتوح على ساحة القلعة الغاصّة بمئات التماثيل والقطع الآثارية والعيّنات الأُخرى المبعثرة كيفما اتفق تحت ضوء الشمس:
-·· فمسألة وقت!
وهو وقت طال كثيراً، واستوعب أعمار أجيال قبل أن ينتصب بناء المتحف فوق (تل الأربعين)· لكن المكتبة - أو بالأحرى تلك الخزانات الخشبية التي اُستبدلت بها فيما بعد خزانات حديدية - بقيت النواة التي تكوّن منها المتحف؛ فلإدراك بدر باستحالة التعامل مع الكتب تعامله مع العيّنات الآثارية الأُخرى التي كان يكتفي بترقيمها وإدخالها مع مواصفاتها في سجلاته ذات النسختين، لتخزن العينات نفسها كيفما اتفق، كان لا بد له - بعد حصوله على كتب شبيب - من أن يولي المكتبة الأهمية القصوى: فحين الانتهاء من بناء أولى القاعات احتلت تلك الخزانات الصدارة فيها، لكنها سرعان ما نُقلت إلى جناح آخر تم بناؤه· وهكذا بقيت المكتبة تنتقل من موقع إلى آخر بحسب تطور الأبنية وتشابكها، لكنها بقيت في جميع المراحل تحتل الموقع الأفضل والأكثر علواً·
وكان بدر يسوّغ حرصه ذاك بقوله:
- المكتبة تمثّل العقل؛ فيجب أن توضع في أفضل القاعات وأعلاها، شأن موقع الرأس في جسد الإنسان!
ولم تستقر المكتبة في موضعها النهائي إلا حينما تم تشييد المرفق الأخير· وكانت محتويات المكتبة قد نمت واتسعت وتعددت بما أضاف إليها بدر من آلاف الكتب والمخطوطات على امتداد سنوات طوال بالشكل الذي كان لا بد من أن تحتل ذلك المرفق بكامله· وعلى كل حال يبقى ذلك المرفق هو أصغر مرافق المتحف؛ فعلى الرغم من أن تلك الأبنية والطبقات كانت تُشيّد على فترات متباعدة بحسب مزاج بدر المشفوع بخليط من عبقرية وجنون، لكنها كانت تُختزل كلما ارتقت عالياً تبعاً للحكمة التي ابتكرها بدر:
صفحة 10
- الاختزال طابع المستقبل؛ وذلك ما يجب أن يسم المتحف بميسمه: فبعدما كانت جماجم الإنسان القديم وعظامه تعد ضرباً من العينات الآثارية، أضحى في استطاعة كتاب الآن أن يختصر آلاف الأشياء، وسيأتي اليوم الذي قد يستعاض فيه بابتكار ما عن مكتبات كاملة!
وهكذا ارتفعت، فوق أسوار القلعة القديمة، أبنية خرسانية تبدو من القرب على شيء من البشاعة والتنافر: أبنية تتلاقى وتتفرع عن بعضها بخطوط غير منسجمة تبدو كأنها تنبع دون سابق تخطيط، فتبعث على الدوار والرهبة - ولاسيما حين تُضاء ليلاً بأضواء الكشافات الساطعة - لكنها تلوح من بعيد متسقة، ذات بناء متدرج يشمخ فوق أعلى عمارات المدينة: يكفي المرء في أي موضع كان الالتفات نحوه ليشخصه ماثلاً لعينيه في زرقة السماء!
في البداية احتلت الطبقة الأرضية، المحصورة بين أسوار القلعة الأربعة، مرافق المتحف الإدارية والفنية: من مختبر لتصليح العينات وتنظيفها ومعالجتها كيميائياً قبل عرضها، إلى مستودعات لحفظ العيّنات، وغرفة التصوير الشمسي، فضلاً عن غرفة بدر نفسه، وغرف موظفيه وغرفة للحراس· وبدأ البناء الحقيقي للمتحف في الطبقة الأولى التي تعلو تلك الطبقة الأرضية حيث رمم المفتول الشرقي القديم، وحُوّر ليغدو بمثابة المدخل: إذ ما يكاد الزائر يرتقي درجات سلمه اللولبي حتى يجد نفسه داخلاً أولى قاعات العرض·
كانت غاية بدر تتركز في تصميم أماكن العرض الخاصة بتاريخ نشوء مدينة (الأسلاف) وتطويرها من محض قلعة فجّرتِ الصراع بين (السيد نور) و(مطلق)، إلى المدينة الحالية التي لا تكف عن الاتساع والنمو، تاركاً لعشرات المهندسين والمعماريين والفنيين المختصين بشؤون المتاحف، تصميم الأجنحة الأخرى على طراز الأنماط السائدة في المتاحف التقليدية·
كانت الفكرة، في بادئ الأمر، غاية في البساطة والوضوح وهي أن تقود أحداث (السيرة المطلقية) الزائر نحو المكتبة· ومما يسّر تحقيق ذلك كون المتحف لم يبنَ دفعة واحدة، بل نما وتطور على امتداد عقود من السنين بقيت الأجنحة خلالها تقام ويُلحق بعضها ببعض عن طريق ممرات وسلالم وشرفات أخذت تزداد تعقداً وتشابكاً بمرور الزمن·
كانت القاعات تتلاحق عارضة العينات الآثارية بحسب الطرق المألوفة: إذ تبدأ بأقدم مخلفات البشرية، صعوداً إلى المكتبة، حيث القاعات المعزولة عن كل ما يمت إلى الخارج بصلة - من صوت أو ضوء - تعزز لدى الزائر حالة استغراق تلقائية مع تلك العينات المتفاوتة قيمة وحجماً: عينات دقيقة معروضة في صناديق زجاجية، جماجم وعظام بشرية، سلاسل فقرية، جرار فخارية، قطع خزفية، أختام إسطوانية، حلي وأحجار كريمة، مسلات توشح هياكلها الحجرية كتابات مسمارية هندسية الخطوط، وتماثيل ضخمة، ثيران مجنّحة تزيدها الأضواء الكاشفة المسلطة عليها مهابةً ورهبةً، وجداريات تمتد بطول أكثر من قاعة، جسّد عليها نحاتون مجهولون مناظر الصيد والقنص والحروب، وتقديم القرابين، ومباركة الآلهة والكهنة للملوك والأمراء والقوّاد·
وفجأة - وهي مفردة يشدد على أهميتها بدر - يجد الزائر نفسه بفعل مصادفة - كأن يزيح ستارة جانباً، أو يرتقي درجتين، أو يلج باباً مشرعاً بين جداريتين، أو يهبط بضع درجات تبدو كأنها تؤدي إلى قبو - يجد نفسه داخلاً قاعة تناقض القاعات السابقة كلها، قاعة تتوزع فيها ديكورات ونماذج متقنة الصنع تجسد إحدى مراحل نمو مدينة (الأسلاف) وتطورها، ومن خلال واجهة زجاجية تشغل جداراً كاملاً يرى المدينة نفسها وهي تنمو وتتسع تبعاً لصعوده واتساع مجال رؤيته، حتى إذا انتهى بالمكتبة رأى، من خلال عشرات النوافذ، المدينة كلها من جهاتها الأربع حتى حدودها القصية·
وإمعاناً من بدر في تعميق وقع المفاجأة تلك جعل المنافذ المؤدية إلى تلك القاعات متعددة تعدداً كان يؤدي بالزائر إلى أن يمر بتلك القاعات بتسلسل مختلف في كل زيارة، إذ إن انحراف سيره قليلاً إلى اليمين أو اليسار، أو ارتقاءه بضع درجات أو هبوطه بضع درجات كان يؤدي به إلى أن يدخل في كل مرة قاعة أخرى، بل إنه كان يحدث أحياناً أن يمر بقاعة معينة أكثر من مرة دون رغبة منه!!
لكن تلك المنافذ، في تعددها، وتلك السلالم، في هبوطها أو صعودها، كانت تقود في آخر الأمر نحو المكتبة حيث تبدأ من هناك سلالم الهبوط، وهي - على النقيض من سلالم الصعود - مرتبة ترتيباً صارماً معززاً بأسهم وإرشادات تقود الزائر في هبوطه نحو قاعات أثثها بدر بمخلّفات أبرز رجال العشيرة والإداريين الذين تعاقبوا على إدارة (الأسلاف)، محيطاً إياها بديكورات ولوحات ومؤثرات صوتية تبرز أهم سمات المدينة في القرن العشرين، حتى إذا ما هبط الزائر درجات سلم المفتول الغربي خارجاً من المتحف طرف بعينيه دهشة، وهو يرى المدينة نفسها منبسطة أمامه على مدى البصر، كأنه صحا من حلم!
كان بدر يعزو سر الاختلاف بين سلالم الصعود - في تشابكها وتعقدها - وبين سلالم الهبوط - في وضوحها وترتيبها - إلى طبيعة أحداث (السيرة) التي استرشد بها في إقامة متحفه: فالاهتداء إلى مراحل تكوّن مخطوط (الراووق) ونموه يختلف في تعقده وغموضه عن المراحل التي أعقبت اكتمال ذلك المخطوط، وانسجاماً منه مع هذه الفكرة كان قد جعل كل قاعة تحمل اسم أبرز من ألّف أحداث السيرة، وهم (عبد الله البصير) و(مدلول اليتيم) و(عذيب العاشق) و(السيد نور) و(ذاكر القيم)، وأخيراً (شبيب طاهر الغياث)·
ست مراحل ضائعة وسط متاهة مئات المرافق والأروقة والممرات والسلالم، كان بدر يفتخر بأنها وليدة عبقريته، أقام خمساً منها على محيط المتحف لتشرف كل واحدة منها، من خلال واجهة زجاجية، على المدينة نفسها· وكانت القاعة (النورية) هي الوحيدة المنغلقة على نفسها في عمق المتحف؛ فلكونها تمثل المرحلة (المعضلة) من تاريخ نمو (الراووق) كانت شبه مظلمة، تتراقص فيها ظلال الزوار التائهين في مرورهم العابر نحو القاعات الأخرى؛ إذ لا يوجد فيها ما يبعث على البهجة قدر ما يبعث على الرهبة والخوف والتأمل: فقد كان سقفها مجوّفا مثل باطن قبة يضفي عليها هيئة ضريح تكتنفه الأسرار والغموض؛ وثمة مزيج من رائحة البخور والحنّاء يفوح منها على الدوام· وكانت تكثر فيها المنحنيات والزوايا والأقواس المسنودة إلى أعمدة دقيقة، تزين جدرانها المرايا الطويلة الضيقة التي تعكس المزيد من الظلام، وثمة كتابات بيض - هي فقرات مستلّة من تلك الورقة اليتيمة التي اكتشفت من أوراق (السيد نور) - على خلفيات زرق تحيط بها التزويقات والزخارف الهندسية والنباتية· وكانت هناك أسطورة أُشيعت عن تلك القاعة عززتها بضع (زيجات)، مفادها أن لقاء حبيبين فيها (مصادفة) أكثر من مرة كان كفيلاً بأن ينتهي بهما إلى زواج مؤكد؛ وذلك ما جعل تلك القاعة ملتقى عشاق المدينة الخائبين!
وكانت المرحلة السادسة المتمثلة بالمكتبة تختلف عن بقية المراحل بكونها تُركت لتدل بنفسها على مغزاها؛ إذ إن (بدر) اعتاد أن يؤكد وجود أغلب أوراق (الراووق) مبعثرة بين آلاف المخطوطات في انتظار اليد التي تستلها من موضعها نافضة عنها الغبار!
أما القاعات الأربع الباقية فقد أعاد بدر فيها إحياء تاريخ (مدينة الأسلاف) وأولاها القاعة (البصيرية)، حيث الديكورات تجسد فيها معالم المرحلة الأولى لنشوء المدينة، يعززها صوت (قصخون) مزوّد برباب يجلس عادة في أبرز مكان، مهمته - لقاء مرتب شهري - تتلخص بأن يسرد على أسماع كبار الزوار أحداث القسم الأول من (السيرة المطلقية)، ذلك القسم الذي ألّفه (عبد الله البصير)·