صفحة 1
(1)
أمرهم غريب؛ يغرسون حقنهم المنوِّمة في رحم الوريد، يطعنون بطن ذراعي بقسوة وكأنه خُلق من حديد، يفرّغون سمّ النشوة ثم ينتشون الحقن بقلوب ميتة وكأنهم ينتشون مسماراً من جدار عنيد.. ينتشونها ويبتسمون معجبين بمهاراتهم المميزة، ومُهلّلين لصمْتيَ العجيب.
عليّ أن أشكرهم بابتسامة عريضة، وإلا سيغضبون، وما أدراك ما غضبهم! يخدرونني ليختلسوا صحوتي، ليغسلوا دماغي ويروضوه، ثم يفتحون التلفاز ليختبروا تأثير مخدرهم باطلاعي على مستجدّات الأمور. أشيح بوجهي لأهرب من تلك الصور ولأحمي قلبي من رعاة البقر. أغمض بصري، أغلق سمعي، أظنّ لبرهة أني انتصرت على رغباتهم. فجأة أشعر ببرودة تلاطف جسدي، تقتحم عقلي، تحاوره، تضاجعه، وتنتصر. يتبدل حالي بلمح البصر، أستسلم تماماً. أطلق بصري بل ألصقه بشاشة التلفاز، وأتركهم يعبثون بمشاعري، بكرامتي، بكل شيء يسكنني، والأدهى من ذلك أرى نفسي أصفق بحماس لأي خبر.. لأتفه خبر.. لأحقر خبر!
وإذا ما ذهب مفعول المخدر، وعاد دماغي لمواصلة مهامه، أو تفاعل مع الحدث بعيون ناقدة أو تجرأت فأفصحت عن رأي بصراحة تقوم قيامتي.. يثورون، يجنون، يُعسكرون أمامي ككتيبة من الأشباح ويتسابقون لاغتصاب حريتي وقمعها. لا يثقلون عليّ كثيراً، أبداً لا يثقلون! فقط يكتفونني بقميص الجنون، يقيدون أقدامي بسلاسل تزن أكثر من وزني، ويقيدون أطرافي بسرير متحضر، ويشرعون بدغدغة جسدي بالكهرباء. يشبعون غريزتهم ويزجّون بي في زنزانة انفرادية لا تتسع لدِيك حبش هزيل.
ومع ذلك يصرّون على إسماعي نشرات الأخبار، كأنهم يتعمدون خلق ذريعة لتأديب جسدي، وأراهن أنهم يتعمدون، فهم يعرفون أن أخبارهم تؤرقني، توقظني، وتجعل دمي يغلي في عروقه كالحمم.
وأية أخبار؟ أخبار هرمة مللت سماعها، ضجرت من عناوينها المتكررة وتفاصيلها الممقتة. دائماً نفس الأخبار، أخبار القرن الماضي تعيد نفسها من جديد، تغيرت التكنولوجيا في بث الأخبار، تغير المذيعون، إلا أن الخبر بقي على ما هو عليه، لا يتغير. عناوين مفجعة تتكرر باستمرار، كلها تدور حول مسرحية هزلية طال مُشاهدتها، بطولة أرض قيل إنها بلا شعب! أرض اغتصبت منذ عشرات السنين ولا زالت حتى اللحظة.
صفحة 2
عفواً، أخطأت! حررّها بعضهم بالكلام، وطئوا ترابها بالأحلام، صلّوا في أولى القبلتين وكلاب الصيد نيام، جوّعوا السمك ليطعموه لحم الاحتلال، مات السمك من الجوع، ومتنا نحن من ثرثرتهم وشعاراتهم البراقة، شعارات شوّهوا بها جمال وجوهنا وطُهر قلوبنا، جعلونا أكلة لحوم البشر، أكلة العظام وأسناناً ضعيفة، لطيفة، هشة لا تقوى على طحن حبات الزبيب.
يا لهم من رجال! قلبوا العالم ضدنا، أهلكونا بالكلام، أغرقونا بالأوهام، ضيّعوا حقوقنا، أرضنا، قمحنا، زيتوننا، بحرنا، وجعلونا متسولين بعد أن كانت بيوتنا منبعاً للطعام. تراهم فيطفح وجهك بالحمرة وتشعر بشيء غريب يدور في أمعائك كالإعصار، يُشعرك بلذة في التقيؤ، وغالباً ما تتقيأ. وجوه ضاحكة إذا ما صافحوا يد رجل أشقر أو أبرص، وعابسة إذا ما اقتحمت أعينهم وجه رجل من طينتهم. رجل لا ذنب له غير أن شعره أسود، ووجه بني مطحون حرقته شمس الذّل والشقاء. ولو تنازلوا عن أنفتهم وصافحوه، فكأنهم يقدمون له العزاء أو يشتمونه دون أن تتحرك شفاههم. وجوه محنطة، مجمّدة تخلو من أي تعبير.
وأية وجوه؟ وجوهٌ احتلت شاشات التلفاز منذ كانت شابة ولا زلت أراها حتى اللحظة، الفرق أنها أصبحت هرمة ومتجعدة، يكتسحها التعب، ليس من مرارة تذوقوا طعمها، أو فقر عشش في بيوتهم أو حرمان، بل نتيجة طول أيامهم الحُبلى براحة البال، وهل البائس وحده يصاب بنوبة قلبية أجزم أنِّ السعيد مرشح لنفس الحال.
يا ويحهم! أسماؤهم تتكرر ليل نهار، رجال أبديون لا يتغيرون، ألصقوا مؤخراتهم المترهلة بمقاعد القرار، وقالوا لماشيتهم في وضح النهار: نحن منزلون، عدّوا لنا بعشرات السنين. أصوات متخمة مللنا سماعها، شعارات براقة أصمت آذاننا، سياسات موحدة تطبخ أفكارها في مطبخ معروف، معروف جداً، وعلى الشعوب المخدرة أن تأكل مما يقدم لها من وجبات مُهينة، مُذلة مُجبرة لا مُخيّرة، فيبقى الخبر محتفظاً بشكله ومضمونه:
"شجبت الجامعة العربية المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق المصلين في المسجد الأقصى"، "استنكرت الدول العربية العملية الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين ووصفتها بالإرهابية"، "قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بطرد عائلات بدوية تقطن في بئر السبع"، "هدمت قوات الاحتلال ثلاثة منازل في القدس الشرقية بحجة عدم الترخيص"، "صرّح متحدث باسم البيت الأبيض عن ضرورة وقف العنف في الشرق الأوسط"، "صرّح متحدث باسم الاتحاد الأوروبي أن السلام هو الحل الوحيد لفض النزاعات بين الإسرائيليين والفلسطينيين"، "قامت قوات الاحتلال بنصب بؤر استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة"، "قامت مجموعة من المستوطنين بخلع المئات من أشجار الزيتون".
صفحة 3
منذ أن رأى بصري النور وأنا أسمع نفس الأخبار والنتيجة الحتمية البقاء للأقوى. أصبحت القوة موزعة بشكل هرمي متسلسل وفقاً لقانون الغاب؛ الأسماك الضعيفة تخشى أسماك القرش، الدودة تخشى العصفور، العصفور يخشى الصقر، الصقر يخشى النسر، النسر يخشى الصياد، الصياد يخشى حماة الطبيعة، الصغير يخشى الكبير، الضعيف يخشى القوي، إذن البقاء للأقوى. الأقوى يُرسِل ويُملي، يحكُم ويسجن، يجلد ويهدد، ويفعل ما يشاء كونه فوق القانون، والضعيف يستقبل وينفذ وليس من حقه أن يعترض، وإذا اعترض فهناك سياط تنتفض، وشتائم تنهمر، ووسائل بطش لا حدود لها ولا حَصْر.
أحياناً تكون أحكامنا خاطئة، خاطئة جداً. لو تكاثفت خيوط العنكبوت أُجزم أنها ستُقيّد ملك الغابة، ولو هجمت عشر ديدان على عصفور لاستسلم العصفور، ولو هجم عشرة عصافير على صقر لهرب الصقر، ولو هجم خمسة صقور على نسر لمات النسر، ولو هجم ثلاثة نسور على الصياد لندم على اللحظة التي أحلّ بها صيد النسور. فالكثرة غلبت الشجاعة! ليست أيّة كثرة، نوعية الكثرة تهمّ جداً. لو كانت كثرة بلا عقل مستيقظ يقودها، وبلا ضمير حيّ ينصفها، وبلا قلب شجاع يحميها، فهي كزبد البحر لا وزن ولا قيمة لها.
الصغير يكبر مع تقدم الزمان، والضعيف يحظى بالقوة لو سعى إليها، والقوي يمكن أن يُلاحق ويُحاسب لو تجاوز قوانين الإنسانية، فلا أحد فوق القانون إلا الميت والمجنون، وتلك الزرقاء الخبيثة التي تتلاعب برؤوس من لا عقل لهم!
أرى كل شيء قابلاً للتغيير إلا الخبر. خبر مأساتنا، ضياعنا، شتاتنا. خبر ترابنا الأحمر الرطب، وعينان دامعتان ترقبانه عن مسافة لا تُقاس أبداً، ولا تقوى على الوصول.
أمقُتُ نفسي أحياناً، أمقُتها عندما ينتفخ رحمها ببذرة المرارة فتنجب اكتئاباً. يُخيّل إليَّ عندها أنه يوجد خطأ ما في فهم فلسفة الحياة، إن كان للحياة في بقعتنا فلسفة أصلاً. أنهال عليها بالأسئلة محاولاً انتزاع إجابة لأقمع فضول ما يشغل ذهني على مدار الزمان والمكان. أسألها أسئلة عقيمة، عميقة، ضعيفة، غبية، مدركاً أنني لن أحصل على إجابة منطقية تُثلج صدري العليل، ولكني أسأل على أية حال. أسأل فيتلذذ اللسان في نطق الحروف، ويُمقت القلب من الإصغاء لعفويتي: لماذا لا تتساوى القوة عند الجميع؟ لماذا يصر الضعيف على ضعفه؟ لماذا يسرف القوي في استخدام قوته؟ مَن قسَّم القوة؟ لماذا شعبنا هو الضحية دائماً؟ لماذا الجسد العربي مصاب بالشلل الدماغي؟ لماذا يملك زعماؤنا الذهب الأسود ولا يملكون العقل، بينما يملك الأغراب العقل وبذكائهم يسرقون ذهبنا؟ لماذا يُنصر الظالم؟ لماذا كان عليّ العيش في غرفة أشبه بقن الدجاج، وغيري ينعمون بالقصور؟ لماذا جُعلت لاجئاً؟ إلى متى ستظل السكين المتثلمة تحزّ أعناقنا والعالم صامت؟ متى سأغادر هذه المصحة الحمقاء، ومتى سيتوقف أولئك الساديون عن حقني؟ أسئلة لا نهاية لها تفتقد دوماً الإجابة الشافية.
صفحة 4
أنا على يقين أن هناك خطأ يجب أن يُعالج ليصلح وضعنا، ونرتقي إلى درجة البشر. لكن لا أدري أين يكمن هذا الخطأ، ومن المسؤول عنه. هل يكمن في حكامنا الأشاوس؟ أم في قدرنا العنيد الذي يمارس دوره علينا بلا رحمة؟ أم في صمتنا واستسلامنا وبيع جماجمنا لتجار الكلام؟ أين تكمن قوتنا؟
لكل كائن حي سلاح، لا أستثني كائناً، الأفعى سلاحها السم، والعقرب والنحلة والبعوض كذلك الأمر. الليث سلاحه الأنياب الحادة. الغزال سلاحه الخفة والسرعة. الطيور سلاحها المخالب والأجنحة. كل كائن حي أعطاه الخالق سلاحاً، فما هو سلاحنا نحن كبشر؟
إذا كان العقل- الذي ميزنا به الله عن البهائم- هو سلاحنا، فيا له من شر سلاح! لأن عقولنا قادتنا إلى الضياع، قادتنا إلى حفر قبر إنسانيتنا بأيدينا مخيّرين لا مُجبرين، قادتنا إلى صنع أسلحة الدمار الشامل، وإبادة الحياة بالذرة، قادتنا إلى تلويث الكون وإفساد الأرض والأجواء، قادتنا إلى قتل أنفسنا بأيدينا فتحولت أجسادنا إلى حقل للتجارب.
ما يزيد جنوني أن أولئك المجرمين الذين كرّسوا حياتهم لصنع أسلحة الدمار الشامل؛ مبيدة البشر والحجر، يلفظون أنفاسهم الأخيرة بكلمات اعتذار للبشرية نادمين على ما صنعته أيديهم. تضحكني كلماتهم وقت الهرم، وجوههم المتجعدة تثير شهوتي في البصق عليها. يضحكني اعتذارهم بشكل هستيري، وكوني أعتبر نفسي من فصيلة البشر، ولي الحق في الكلام، أقول لهم: سحقاً لكم لما صنعته أيديكم الدامية، ابحثوا في قبوركم عن مصرف مخبول يصرف لكم شيكات الاعتذار أو عن إله فاسد يقبل الرشوة فيقبل ندمكم أو اعتذاركم، أما أنا فلن أغفر لكم حوبتكم في تدمير هذا الكون.
أتساءل: لماذا وصل الحال بالبشرية إلى هذا الحد الفظيع؟ لماذا لا نسمع إلا الأخبار الممقتة في كل مكان؟ أخبارنا تدل على فشل الساسة في صنع عالم يسوده الحب والمساواة والسلام والتسامح، يفشلون في استخدام منطق مستقيم، فيلجأون إلى القوة ويفرطون في استخدامها.
أسألهم بصوت مسموع: من يستخدم القوة؟ هيا أجيبوني! هل قلتم الحيوان؟ معذرة أيها السادة صناع القرار؛ أجزم أن آذانكم معطوبة لا تلتقط ما يقال من كلام، أمصرّونَ أنتم أنني قلت الحيوان؟ إذن كما تتمنون لن أخيِّب ظنكم، الحيوان هو من يلجأ إلى القوة، أتدرون لماذا؟ ببساطة لأنه حيوان. هيا جهزوا قيودكم الفولاذية وزنازينكم المظلمة لتزجِّوا عظامي بها، هيا انتزعوا حساء النكد ورغيف الذل عن مائدتي فلم يعد طعامكم يشبع صمتي، هيا شغٍّلوا القضاة وحيكوا التهم فأنا مجنون والمجنون أبداً لا يُدان.
صفحة 5
مهلاً! مهلاً! بقي ثمة شيء لم أقله بعد، أترغبون في سماعه؟ هل قلتم نعم؟
غيرت رأي لم أعد أرغب في قوله فقط؛ لأنكم تريدون سماعه. لحظة! لحظة! غيرت رأيي مجدداً، سأقوله.. اللعنة! ما لي أرى وجوهكم قد شحُبت! ألهذا الحد تخافون الكلام؟ لا تخافوا، سأضع كاتم صوت حتى لا يسمع كلامي غيركم.
آه! نسيت أن آذانكم معطوبة لا تصلح للاستخدام، إذن ما جدوى الكلام؟ يا للغرابة! أسمع أحدكم يطلب مني الكلام، أهو من زمرتكم أم إنه وجه جديد لا يزال يحلم بتغيير الكون، أجزم أنه كذلك. غداً سيُغسل دماغه بمسحوق النذالة، ويفقد رجولته، ويصبح مثلكم مجرد دمية يحركها الدولار. كلكم في بادئ الأمر تعِدون الماشية بعشب أخضر، وماء نقي، وزريبة كريمة، وعندما يمر أسبوع على تسلمكم مفاتيح الرئاسة تتحولون فجأة إلى وحوش ضارية، وأول أعدائكم هم من انتخبوكم وجعلوكم زعماء عليهم، هذا إذا تم الانتخاب أصلاً.
لا أدري لماذا أعذب نفسي بالتساؤلات وبمسائل أهلكت أمثالي منذ زمن بعيد، فكان الإعدام مصيرهم أو الجنون.
الأفضل أن أوضِّب سريري. سريري؟ هل قلت سريري؟ أي سرير؟ يبدو أن الصدمات الكهربائية أذهبت عقلي، لا ليست الصدمات، هي الحقن، نعم الحقن. لا ليست الحقن، هي الوحدة، نعم الوحدة تجعل المرء فيلسوفاً أو مجنوناً، تناسبني الثانية أكثر، فالفيلسوف في هذا الزمن مدان ومحكوم عليه بالإعدام.
ما أسوأ أن يتخلى عنك البشر وقت الشدائد، أن يتركوك وحيداً في غابة تسيطر عليها وحوش ضارية، خائنة، لا صديق لها.
حتى أنت تركتني وحيداً، ليتك كنت معي الآن. لا! هذه أمنية أنانية، أنانية جداً. لقد ارتحت من هذه الدنيا الظالم أهلها، ارتحت وأرحت نفسك من رؤية مصائب تهز الأبدان، على الأقل رحلت عنا وفي ذاكرتك صور مقبولة نوعاً ما. عفواً هل قلت مقبولة؟ أتراجع، لا أظن أنك رأيت شيئاً أسعدك منذ مهدك حتى لحدك.
وكيف أعرف؟
لعلّك رأيت ما يسعدك.
أكاد أجن، وكأني أعيش في أقبية مظلمة نتنة، بل الأقبية أرحم من جدران هذه الحجرة اللعينة، فهناك لن أسمع شخيراً على الأقل. اللعنة! أظن أن هذه الأجساد المنتشرة في أركان هذا الإسطبل مستسلمة تماماً لما فرضه عليهم أولئك الساديون، لم يعد لديهم إرادة لتحدي الحقن المنومة، بل لم يعد لهم رغبة في مواصلة الحياة. سأحاول أن أوقظ أحدهم لعلّه يتحدث إلي، فالحديث ينسيني همي وينسيهم الجنون.
صفحة 6
"أنت استيقظ، أرجوك انهض! سأحدثك قصة علي بابا والواحد وعشرين حرامي...". لا جدوى من مناشدته، أراهن لو أطلقت مدفعاً قرب مسامعه فلن يستيقظ كزعماء العرب.
سأحاول مع غيره.
-"أنت استيقظ، أود التحدث إليك. لدي ما هو أفضل من النوم، سأروي لك حكاية ليلى والخنزير البري". عبثاً أحاول، لو حملته وألقيت به خارج أسياج هذه المصحة فلن يدرك أنه حرٌّ.
سأحاول مع مجنون غيره.
-"أنت استيقظ، سأروي لك حكاية قُتلتُ يوم قُتلتْ دجاجة الحاج منصور، هيا انهض! النوم لن يطيل عمرك أو يقصّره". وكأني أحدِّث ميتًا مخمورًا.
سأحاول مع غيره.
-"سعيد انهض، انهض يا سعيد، إن كان آخر العمر موتًا، فما أهمية النوم؟ هيا انفض غبار البؤس عن قلبك وانهض. هل نسيت أنني أطعمتك وأنت جائع؟ وأثلجت حنجرتك بماء الينابيع وأنت ظمآن؟ ردّ إليّ الجميل وانهض، أود أن أحدثك قصتي"... وكأني أتحدَّث مع أصم. "انهض يا سعيد، أنسيت أني أفضل مستمع لخطبك؟"
سعيد يغطّ في سبات أعمق من عميق، ينتظر قدوم سنة لا تاريخ لها، شهر لا أيام له، يوم لا ساعات له، ساعة لا دقائق لها، دقيقة لا ثوان لها، ثانية لا بداية لها، يخترق العواصف الهوجاء، والحدود، والجبال، والوديان، والأنهار، والمحيطات، يتجاوز معسكر الغيوم وقواعد النجوم والكواكب السابحات، يبحث عن الوحي ليملي عليه كلمات خطابه الجديد ليلقيه في هيئة الأمم من أجل استعادة كرامته.
رغم أن النوم يخلو من أية منفعة، إلا أني أحتاج إليه لأريح عقلي قليلاً، لكن كيف أهنأ بفتات نوم وقوافل الذكريات تهزمني؟ كيف تغمض لي عين، وكل ذكرى شوكة عنيدة تلسع قلبي وتكويه بلا رحمة؟ اللعنة! لدي كلام كثير يجثم على صدري، كما كانت تجثم الصخرة فوق صدر بلال، لكن لا أجد أحداً يجيد الاستماع. يا لها من ليلة ظلماء كروح معاناتي! صماء كأذن العالم، بكماء كأفواه زعاماتنا العربية أمام جثمان قضيتنا ومطالب الشعوب!
كم تحتاج روحي لأجد من أتحدَّث معه غير جدران هذه المصحة، أن أرى وجوهاً جديدة غير وجوه هؤلاء المخدرين، وأولئك الساديين. أحتاج لقدوم مجنون جديد يسمعني من باب الخجل والحياء لا من باب التعاطف والاهتمام. لا! لا أريد مجنوناً آخر، أنا بحاجة إلى روح متنورة مستيقظة وأذن سليمة تصغي لما يكتسح قلبي من آهات وحكايات.
صفحة 7
آه يا رب! كل شيء هنا غريب، غريب جداً. المكان ليس مكاني، هؤلاء النيام ليسوا أصدقائي، هذا السرير ليس سريري، حتى الملاءة ليست ملاءتي. ملاءتي دوماً مغبرّة بتراب المخيم، تفوح منها رائحة خشب البلوط المحروق وشذا دلال. كم أشتاق إلى تلك الرائحة! وكم أتلهّف لعناق دلال!
آه يا وجع قلبي! كأن قدمي انزلقت إلى مصيدة رمال متحركة، تبتلعني رويداً رويداً دون رحمة. أرفع يديّ فلا يراني أحد، أصرخ بملء حنجرتي، فلا يسمعني أحد.
أعرف الآن لماذا يصاب الناس بالجنون؛ هو التفكير!
التفكير يقتل النفس الحائرة، يذبحها ويشويها بجحيم الضياع. ليتهم تفهّموا مأساتي وأنصفوني. ليتهم يعرفون أن الإحساس ليس جنوناً، أن الحب ليس جنوناً، أن الطيبة ليست جنوناً، أن الوفاء ليس جنوناً. ليتهم يرون غيرهم من التائهين في عالم الظلم بعيون بصيرة لا عيون عمياء. ليتهم يمنحونني دقيقة واحدة لأعبِّر لهم عن سبب تصرفاتي. لكنهم يا ويحهم! عكَّروا صَفْوَ حياتي بعنادهم، ألبسوني ثوب الجنون وزجّوا بي وراء قضبان الذل لأتصفح بقايا مأساتي بروح أسيرة حزينة، روح قتلتها الوحدة وشتتها الحرمان، فلم تعد تقوى على الصبر أو الاحتمال.
الصبر؟
هل قلت الصبر؟ أهو لغة الأقوياء أم لغة الضعفاء؟ لا يهم، يقولون للصبر حدود. لماذا لا يدركون أن صبري قد نفد، أم أن اسمي يشجعهم على الاستمرار؟
يا ناس، يحتاج الجريح إلى يد تضمد جراحه، لا يد ملتهبة تزيده ألماً. يا ناس، يكفيني سوط العذاب يلسع جسدي بإخلاص دون توقف، يكفيني موت أحبتي وفراق فلذة كبدي. الكل متسلط عليّ وكأني دمية رخيصة وقعت بين فكيّ تمساح...
أيتها الجدران اللعينة، هل تتفهمين مأساتي؟ هل تسمعين ما سمعه الأصم ولم يستطع أحدهم سماعه؟ هل تدركين أن وراءك يُصلب إنسان جريح ويحتاج أن يشم هواءً نقياً؟ أجزم أنك لا تختلفين عنهم، أنت مثلهم صماء بكماء عمياء. سجّانة أنت مثلهم، تقفين كصخرة سمجة فوق صدري، تنتصبين حولي لتحجبي عني شعاع الشمس وضوء القمر، تنتصبين بحقد وكراهية وتغتصبين حريتي.
أيتها الجدران اللعينة، أنت ظالمة مثلهم، تشاركينهم الخيانة، تسترين جرائمهم، وتحاك المؤامرات بين أضلعك. أكرهك أيتها الجدران الخائنة، وأكره قضبانك القذرة. سحقاً لك ولمن شيّدك أول مرة. وراءك يختبئ عالمي الذي حرمت منه ظلماً وبهتاناً، وراءك يختبئ ماضيّ وحاضري ومستقبلي. وراءك يختبئ ولدي. ليتك تتنازلين عن كبريائك الأجوف وتنشقين لتفتحي لي طريقاً يوصلني إلى أضرحة أحبتي. ليتك تمتلكين ذرة من الإحساس فتفتحي لي نافذة أهرب منها إلى الحياة. أتذكرين موسى وحكايته مع البحر؟ لقد خرّ البحر خشوعاً وشق له طريقاً لينقذه من قبضة فرعون، فلماذا لا تمدي يدك إليّ وتنقذيني من الموت؟ أجزم أنك لن تفعلي شيئاً. أنت سادية تستمتعين بتعذيبي، وتطبقين على أنفاسي دون رحمة. أنت مثل أسيادك تماماً؛ هم يأسرون حريتي ويقولون: نسقيك المر حتى تعرف الحلو، ونضربك بالحقن حتى تتفاءل، وأنت تغتصبين حريتي وتقولين إنك هنا لحماية جسدي من البرد وحر الشمس.
يضحكني كلامهم وكلامك أكثر. عن أيّ تفاؤل يتحدثون وحريتي مغتصبة؟ عن أيّ تفاؤل يتحدثون وكل أحبتي أُجبروا على الرحيل؟ ربما للتفاؤل عندهم مفهوم آخر... ثم من اشتكى لك حر الشمس أو برد الشتاء؟ أنا أعشق البرد والحر؛ لأنهما ميزان العدل، لأن للبرد خصال رائعة وللحر خصال أروع، لأن البرد يخدر جروحي، والحر يدفئ روحي، مَن أنت حتى تمنعين عني ميزان الحياة؟
أنت الملام يا أبي، ليتك لم تفكر بإنجابي. ألم تكن تدري أن العالم الذي جلبتني إليه عالم مكتظ بالظلم والفساد؟ أم هل كانت شهوتك أقوى من أي إدراك لأية حقيقة؟
أبي! هل تذكرني؟ أجزم أنك نسيتني. سأذكِّرك من أكون: أنا من أفنيت عمري أنسج خيمة بخيوط جمعتها من كل النفايات لتأوي جسدي، وبعد أن انتهيت جاء أحدهم وفتق ما نسجت بلمح البصر وبرود أعصاب.
أنا من زرع ولم يحصد، بل زرعت ورداً وحصدت أشواكاً. زرعت حباً وحصدت كرهاً. أنا من أضحك الناس، فأبكوني. أنا صابر يا أبي، صابر... صابر. وكأنك كنت تعرف ما سألاقي في هذه الدنيا ولذلك ألصقت هذا الاسم الذليل على جبيني.
صفحة 8
(2)
ألومك يا أبي أحياناً، وأشفق عليك أكثر. أنت مسكين مثلي رغم اختلاف الهموم. ذهبت ضحية للمرض، شُلّ جسدك، وانحنت قامتك، وفقدت بصرك، إلى أن أصبحت جثة تذرف العين لها دمعاً، ويخفق القلب لها ألماً، ويرتعش الجسد منها خوفاً. تركتني وحيداً أناطح الأمواج الصاخبة بفقري، وأنشد الآهات من شدة حزني. أردتَ الموت فنِلته، وأنا ما زلت أعزف سيمفونية وداعك على أوتار من لهب. أحرقت أناملي تلك الأوتار.. منذ وفاتك أعلنت البلية شرها، وقدحت زناد ظلمها. أصبحت موطئ الأقدام ومرمى الكلام. أصادق الألم فما لي غيره. أحب الظلام ففيه أجد فتات نفسي.
أتذكرك جيداً وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة، معلناً نهاية قصتك البائسة في هذه الدنيا. أتذكّر وصاياك العظيمة جيداً رغم أنني لا أطبقها: "المصائب محك الرجال". أتساءل: أيّ رجال؟ داستنا أقدام الذل حتى عصرت أمعاءنا، وذبحت كرامتنا ومرغتها بالوحل، ونقول المصائب محك الرجال.
هراء! هراء! هل يجب أن يتذوق المرء الذل حتى يسمى رجلاً؟ هل يجب أن نضرب، نعذّب، يُبصق في وجوهنا حتى نكون رجالاً؟ هل يجب أن نمضي حياتنا نتألم ونمتص المصائب حتى نكون رجالاً؟ ليتك كنت معي لترى أيّة مصائب تحتل جسدي وذهني، لتنازلت بفخر عن رجولتك!
بعت شبابك لتعلمني. تعلمت يا أبي، بل شربت العلم بملعقة كبيرة. طهوت صفحات الكتب، والتهمت حروفها بشغف. سهرت الليالي الطويلة حتى أنهيت دراستي بدرجة تفوق وامتياز، والنتيجة لا وظيفة أستر بها فقري، لا شقة تسر العين، لا زوجة تشاطرني الحياة بحلوها ومرّها. لا مستقبل يلوح بالأفق.
بذّرت نقودك، وأقلقت نفسك بمستقبلي دون فائدة. الوظيفة لا تحتاج إلى امتياز جامعي، بل تحتاج إلى نسب معروف أو واسطة أصحاب السيوف والألوف! الشقة تحتاج نقوداً بعدد من تبقى من شعر رأسي، وما أكثر ما تبقى. والزوجة تحتاج إلى مهر تعجيزي؛ مهر يكلف أمثالي العمل الشاق طوال حياته؛ حتى يجمعه وعلى الأرجح لن يجمعه إلا إذا عمل تاجراً يروِّج المخدرات. لم يعد الزواج فريضة وبناء، بل أصبح تجارة رابحة لا يقدر عليها أصحاب الدخل المحدود.
صفحة 9
لا تقلق يا أبي! كنت محظوظاً فتزوجت بمعجزة؛ أما غيري فاستعاضوا عن الزواج بالسهر مع بائعات الهوى، فما جمعوه من مال لا يكفي مهر عروس، وما بلغوه من العمر لا يشجع الفتيات على الارتباط بهم، فكان حضن بائعات الهوى أدفأ وأقرب إلى إمكانياتهم.
آه يا أبي! حلمت كثيراً بمستقبلي فتحطمت أحلامك على صخرة اللئام. ظننت أن تخرّجي من الجامعة بتفوق سيفتح لي باب الرزق على مصراعيه، وسيجلب لي السعادة المفقودة. هراء! تبين لي أن تخرّجي من الجامعة بتفوق هو بداية البؤس والهلاك، وليس ما حاولت أن تقنعني به. ليتك وافقتني على فكرتي حين اقترحت عليك أن أعمل عامل تنظيفات في وكالة الغوث. على الأقل لكنت قد ضمنت مستقبلاً زاهراً. أخذتك العزة بنفسك وركب العناد رأسك ورفضت بشدة فرصتي في تحسين وضعي. اتهمتني بالجنون. ليتك ترى وضع من ضربوا كلام الناس بعرض الحائط وحضنوا تلك الوظيفة. إنهم يعيشون برخاء، حياتهم مستورة. أحسدهم على ذكائهم، لأنهم فهموا ما لم أفهمه وتفهمه. كنت قلقاً من كلام الناس؛ أما هم فقد أدركوا أن كلام الناس لن يطعمهم لو جاعوا، ولن يبلل حناجرهم لو ظمئوا، ولن يستر عوراتهم لو تعروا.
أتدري يا أبي؟ مثلك كمثل من يرتدي بذلة فاخرة ويلبس تحتها ثياباً ممزقة متعفنة تفوح منها رائحة النتانة، وهو كمن يرتدي بذلة ممزقة ويلبس تحتها ثياباً نظيفة تفوح منها رائحة المسك. الأول له بيت جدرانه جميلة تثير إعجاب الناظر، أما وراء الجدران فيعتكف فقر مدقع وعفن مثير للاشمئزاز، مجرد جحر يخلو من أي طعام أو شراب. والثاني كمن جدران بيته متسخة ومثيرة للاشمئزاز، أما وراء الجدران فأثاث فخم، وكماليات ثمينة ومطبخ فيه كل ما تشتهي الأنفس من طعام وشراب. أقلقتك المظاهر والنتيجة فشل واكتئاب.
آه يا أبي! جاءتك المنية لتصطحبك معها في رحلة أبدية لعالم لا نعلم عنه إلا القليل. رحلت وتركتني وحيداً أدفع عقلي وجسدي وروحي كضريبة لأخطائك.
أتعلم ما حدث لي بعد وفاتك؟ شعرت بدوار سحق رجولتي وطرحني أرضاً لأعانق الظلام. انطلق صراخي يملأ المخيم فزعاً، صرخة تختنق في قلبي، وأخرى يعانقها الظلام ويرددها الصدى، إلى أن اختلست الغيبوبة صحوتي. التف الجيران حولي، مستغربين غموض الصورة. منتظرين إجابة من جثة قد تتكلم أو من جدار قد يخبرهم من الميت أنا أم أنت؟
صفحة 10
استيقظت. أخبرتهم أنني قد صحوت، لكنّ جثتك ستظل مأسورة إلى أبد الآبدين. حزن جيراننا، تزاحمت الدموع في عيونهم. لم يكونوا يبكون على فراقك، بل على ضعفي! أخبرتهم أنك الميت، فاشتد بكاؤهم أكثر. كنت في غيبوبة من أمري، أحاول أن أفهم الموقف، لم أستطع، ولم يستطع الجيران معي صبراً. حاولت إنكار حقيقة موتك لكنّ وضوح الصورة كان أعظم. حاولت إقناعهم بنومك العميق، تألّموا من إجابتي أكثر، وأصرّوا على أني ملحد يتذمر. طلبوا مني مغادرة الحجرة إلى أن يأتي الصباح بنوره، رفضت فأصرّوا. أدركوا قوة عنادي، تركوني وانصرفوا.
لم أتركك لحظة. أمضيت تلك الليلة أحدثك عن آلامي وأحزاني، محاولاً الحصول على إجابة لسؤال كاد يحطمني: "أين ذهب أخي أسامه؟". لم تتكلم، ولم أيأس. بقيت مستمراً في سؤالي إلى أن تجور خباء الليل، ومع ظهور أول ضوء للصباح احتشد الجيران أمام حجرتنا ليقدموا العزاء وليدفنوا جثتك.
أبى حظك السيئ أبى أن يفارقك. كان الثلج يتساقط بغزارة في هبات كبيرة وثقيلة، وكانت السماء مُعكرة المزاج. لم أفاجأ بذلك الحظ اللعين الذي لا يصيب إلا أمثالنا من الفقراء المنكوبين حتى في موتنا.
لم أكن مستعجلاً لدفنك. أردت أن أبقيك معي في الحجرة، لكن الشيوخ قالوا: "إكرام الميت دفنه". بدؤوا يغسلون جثتك. اقتربت منك، شُق بصرك فأغمضه أحدهم وقال: "اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهدييّن واخلفه في عقبه في الغابرين...". انتهوا من تغسيل جثمانك. طلب أحدهم مني أن أودعك، ففعلت. كنت مرتبكاً، حزيناً، منهاراً. لم أستطع تقبل فكرة رحيلك بسهولة.
ارتميت فوق جثتك أبكي وأشد شعري متوسلاً إليك أن تعود. سمع عجوزٌ- لا أعرفه- كلماتي فأقبل إليّ مسرعاً ووكزني بعكازه وطلب مني أن أتوقف عن كلماتي لأنها كفر. قلت له إنك كل شيء لديّ. ازداد غضباً وطلب مني أن أوحّد الله وألا أبكي كالنساء. قلت إن البكاء يخفف الألم، وإن الرجال يبكون حتى الأشداء منهم. رمقني بنظرة ساخرة، وقال: "بل أشباه الرجال وليس الرجال".
تجاهلته تماماً، وأخذت أُناجي جثتك دون كلام وأبكي بصمت. فجأة وجدت جسدي يرتفع عن الأرض ورأسي يلاصق السقف، وكأن السماء امتصتني بعد أن جذبتني إليها. أصابني الهلع فنظرت للأسفل لأرى من ذلك الخارق الذي رفعني عن جثمانك وكأني ريشة عصفور. رأيت نضالاً؛ ذاك الشاب طويل القامة، مفتول العضل، ضخم الشارب، غليظ الوجه، كثيف الشعر. استشطت غضباً وصحت طالباً منه أن ينزلني. أنزلَني بغلظة وقال مهدداً: "إياك والتصرف كالأطفال". نظرت إليه بعينين خائفتين وهززت رأسي بالموافقة.