eKtab
EN ع
صانع الدمى
اقرأ عينة مجانية

صانع الدمى

بقلم حمزة بوقري

صفحة 1

إهداء

إلى والدتي العزيزة رحمها الله، ووالدي العزيز...

أنتما مصدر فخري...

أحبكما...

صفحة 2

الكثير من اللحظات السعيدة

تسكن تفاصيل البدايات..

صفحة 3

ليلة سعيدة

هييه!!..

أنتَ.. ماذا بك؟.. اسمعني!.. أنصت إليّ كي تفهمني..

إنّي انتظرت طويلًا هذه اللّحظة. اللّحظة التي نكون فيها معًا وأخاطبك وجهًا لوجه. لا تقل شيئًا. اصمت. كان عندك الوقت كلّه للحديث. الآن جاء وقتي، وعليك السكوت والاستماع فقط.

كنتَ مختلفًا قبل الآن. مازلتُ أتذكر كيف كنت تأخذني إلى حديقة الحيوانات القريبة من منـزلنا عندما كنتُ صغيرًا. تعلمُ أنّي أحب مشاهدة الحيوانات، خاصة الأسد، ملك الغابة. قلتَ لي ذات مرة إنّ هذا يعني أني سأصبحُ شجاعًا عندما أكبر. تتذكّر ذلك؟ هل تعتقد أنّي شجاع الآن؟ ما رأيك؟ قل لي ما رأيك وأنا أخبرك الآن بكل ما حبسته داخل صدري من مشاعر نحوك؟ صدقًا أخبرني، لأني سأخبرك أني أفتقد تلك الأيام كما أفتقد وجود أمّي معنا.. هل تتذكر أمّي ياأبـي؟ وهل مازلت تتذكر تلك الأيام؟؟

وقتذاك كنت أشعر بقوة العلاقة بيننا.. بين والد وولده. أجمل علاقة.

أوووه... إني دومًا أستعيدُ كل ذكرياتي معك خاصة عندما كنتُ في المرحلة الابتدائية. ذكريات كالأحلام.

صفحة 4

مع مرور الأيام، وفي المرحلة المتوسطة، بدأت كل مشاكلك مع أمي، وازدادت في المرحلة الثانوية شجاراتكما يومًا بعد يوم كأنها لن تنتهي، ولم تنته. هي تشتكي وتلوم، وأنت خارج المنـزل بعيد عنا. فاض بكما الكيل، ولذا كان الانفصال هو الحل الوحيد لكما، ولكن ليس لي.

أحيانًا أود أن أصرخ في وجهك "أنتَ ياأحمق، ياقاسي القلب.. أنا لازلتُ هنا". تتجاهلني منذ فترة طويلة. لاحظتُ ذلك.

ولكن وقتك انتهى الآن، وهذا وقتي. أقف أمامك أخاطبك وجهًا لوجه.

أنا الآن في الثانية والعشرين من عمري. أظن أنك لا تعلم ذلك. لا.. أنا متأكّد من أنّك لا تعلم. وكيف تعلم وأنت نسيتَ أن يوم ميلادي كان الأسبوع الماضي؟ وليس اليوم هذا فحسب! بل جميع أيام ميلادي في السنوات السابقة! عندي أنا، هذا ليس مهمًّا، فالنسيان طبعك، لكن بعد أن رأيتك تحتفل مع زوجتك الجديدة بيوم ميلادها البارحة وهي تقول لك "كم فاجأتني ياحبيبي" وكلّ تلك السعادة بادية ومصبوغة على وجهك المجعّد كأنّها أصباغ رخيصة على وجه مهرج، تيقنتُ أن المسألة ليست كما ظننتُ قبلًا: أنّك تنسى كثيرًا.. لا.. في الحقيقة، أنتَ لم تعد تهتم بـي البتة.

لا أدرِي إن كان ما أقوله لك الآن سيشكّل أيّ فرق عندك. أعلمُ جيّدًا أنّي لا أكرهك ياأبـي لكن حبـي لك قلّ مع الزمن.. أنا آسف لأنّي تحدّثتُ معك هكذا.. جزءٌ مني مازال يحترمك ويُقدّرك حتى وإن لم يظهر ذلك لك. أنت السبب، لم تعطني الفرصة!

أنا أحبّك ياأبـي.. فقط أحتاج إلى وجودك في حياتي أكثر.. أريد أن أشعر بأبوّتك وأنّك تعاملني كما يعامل الآباء أبناءهم، وتسألني أين كنتُ البارحة؟ وكيف أصبحتُ اليوم؟ وكيف دراستي؟ وهكذا.. هل يمكنك أن تلبـي طلبـي هذا؟.. أرجوك.

حسنًا.. أعتقد أنه يجب أن أذهب الآن إلى غرفتي وأتركك، قبل أن تستيقظ من نومك. أراك في الصباح. ليلة سعيدة.

صفحة 5

التاسعة إلا ثلث

الساعة تشير إلى الثامنة والنصف. محطة القطار ممتلئة كعادتها كل صباح وكل حين. أعيُن الناس تتثاءب. آثار الإرهاق بادية على الوجوه. لا جديد.

كم ساعة الصباح هذه ثقيلة عليّ. أستيقظ حوالي السابعة والنصف، آخذ حمّامًا دافئًا خاصةً في هذا الوقت من العام- نوفمبر- في هذا الوقت تشعر أنّ فصل الشتاء قد حان فعلًا. بعد ذلك أتناول إفطارًا خفيفًا يتكوّن من" الكورن فلكس" والحليب البارد. أشرب نصف كأس من عصير البرتقال. بعدئذ أرتدي ملابسي وأحمل في يدي حقيبة اللاب توب مغادرًا المنـزل إلى أقرب محطة قطار، محطة فيكتوريا الشهيرة في لندن، حيث ترى كثيرًا من الموظّفين يتناولون إفطارهم على عجل، أو يقرؤون صحيفتهم إلى حين وصول القطار، أو يشربون قهوتهم الصباحيّة ويقرؤون ويدخّنون سيجارتهم بلذة في" الكافيه" الملاصق للمحطة.

أصل إلى المحطة تقريبًا بين الساعة الثامنة والربع والثامنة والنصف. أحبّ أن آخذ احتياطي، فربما يتأخّر القطار ما يتسبّب بتأخري عن العمل! وهذا أمر قررتُ من يوم أن عُيّنت في هذه الشركة أن لا أفعله أبدًا. يكفي ما حصل في وظيفتي السابقة عندما كنتُ على حافة الطرد والإبعاد بسبب كل الغيابات التي غبتها.

مشكلاتي تلك الفترة مع هيلين كانت قد وصلت القمّة، طفحت، وطفح معها الكيل، كيلها وكيلي. بعد الطلاق، قدّمتُ استقالتي إلى رئيسي وقبِلها على الفور. الملعون!

وباستقالتي، يبدو أني استقلتُ من الحياة الاجتماعية. اجتماعي مع الأصدقاء بدأ يقل، وذلك ليس لأني لستُ حيوانًا اجتماعيًّا- كما كان أستاذ مادة الإدارة الاستراتيجية يطلق عليّ أيام المرحلة الجامعيّة- بل لأني اكتشفت أن أغلب علاقات الصداقة التي نشأت، تكوّنت عندما كنتُ وهيلين معًا. أصبح من الصعب رؤيتهم بعد طلاقنا والاحتكاك بهم كما بالماضي، على الأقل لي!

كنتُ العربيّ الوحيد بينهم. أسكن لندن من أيام دراستي. منذ أن كنتُ في الثامنة عشرة. درست في الجامعة وعملت بدوام جزئيّ. ثم أكملت دراسة الماجستير على نفقة عمّي الوحيد الذي يعيش في باريس! ثم حصلتُ على وظيفة والتحقت بها مقرّرًا العيش في لندن والزواج والاستقرار فيها. والديّ متوفيان. عندي أخت وحيدة تكبرني بثلاث سنين تعيش في كندا مع زوجها الطبيب، لذا لم تكن عندي عائلة إلا هيلين والأصدقاء، وأمّا عمّي الذي في باريس فأراه في الأعياد، وأختي أراها كل كذا سنة، ولذا كانت فترة ما بعد الطلاق صعبة عليّ بعض الشيء بسبب الوحدة وأسباب أخرى.

فقط الوحيد الذي كنتُ أقابله بين الحين والآخر، جون لاعب الخفة والخدع السحرية. أعدّه صديقي الوحيد.. أو الحقيقي إن أردت الصراحة.. وهو الذي ساعدني في الحصول على هذه الوظيفة الثانية.. وكتعبير عن امتناني أهديته مجموعة منوّعة من موسيقى الموسيقار العالمي ياني، الذي يحبّه كثيرًا، وتحبّه هيلين، وهذا سبب وجيه أيضًا لإهدائه المجموعة أو إن شئت الدقة، للتخلص منها.

الساعة تشير إلى التاسعة إلا ثلث، موعد وصول القطار الصباحي، حيث أركبه كل يوم للذهاب إلى عملي الذي يبدأ الساعة التاسعة والنصف. مدة رحلة القطار تقارب النصف ساعة، حيث أصل إلى المحطة التي أريدها، ثم أسير على قدميّ ما يقارب العشر دقائق، فأصل قبل بدء دوامي بعشر دقائق، تزيد أو تنقص، لكنّها كافية جدًّا لأن يراني مديري بصورة الموظف المجتهد أو المواظب.

لا أشعر بالاستيقاظ والنشاط إلا في رحلة القطار، حيث أسمع موسيقاي المفضلة من الآيبود الذي أحمله دائمًا، وأتابع أو أبدأ قراءة رواية جديدة. الآن لي في الشركة ما يقارب السبعة شهور، وأنا على هذا الحال، قرأت خلالها خمس عشرة رواية منوّعة بين هزليّة ومرعبة ودراميّة.

في السابق كانت الرواية الواحدة تأخذ مني ما يقارب الشهر لإتمامها! وذلك ليس لأني قارئ سيئ أو لا أملك الوقت الكافي. السبب أني كنتُ أقرأ في الحمّام فقط! ولا أملك أدنى فكرة أو تفسير لذلك، وفي الحقيقة ذلك غير مهم. ما يهمّ الآن أني تغيرت، بتّ الآن أقرأ في الحمّام والقطار أيضًا.

ذلك الصباح لم يكن مميّزًا عن باقي الصباحات الأخرى. بل كان عاديًّا. فطوري وقطاري، وحقيبة اللاب توب، ومجموعة قصص قصيرة لروولد دال، الأديب الإنجليزي، الذي تحوّل إلى كتابة قصص للأطفال ونجح في ذلك، وأصبح مشهورًا بكتبه الموجّهة إلى المراهقين والأطفال. ما لا يعرفه كثيرون أنه كتب عدة قصص للبالغين من أروع ما كُتب في هذا المجال. بدأت قراءة مجموعته بداية ذلك الأسبوع. وضعت سماعات الآيبود في أذني وفتحتُ الكتاب للشروع في قراءة قصة جديدة. كان اسم القصة "الساعة الثالثة"، بدايتها شدّتني قليلًا. بين الحين والآخر أُنـزل الكتاب وألقي نظرة على الناس من حولي كعادتي. رأيتُ فتاة واقفة. يبدو أنهّا لم تجد مقعدًا شاغرًا لها. نظرتُ حولي.. نعم.. لا كرسي شاغر.

صفحة 6

تبدو في الخامسة والعشرين من عمرها، لكن أتوقّع أنها بين السابعة والعشرين والتاسعة والعشرين. جميلة. جمالها من النوع الهادئ. وهذا الذي أفضله. لا أحبّ الجمال الصارخ الذي يدعوك للنظر إليه كأنه يعلن عن وجوده، كأنه يقول "أنا هنا... انظر إليّ". جمالها من النوع البسيط، الذي تتمتع بالنظر إليه خلسة بين الحين والآخر، لأنّك لا تودّ أن تلفت الانتباه إلى أنك تنظر إلى أحدهم. متوسطة الطول، كتفاها صغيران، عيونها كبيرة وساحرة. شعرها أسود منسدل على جانبـي رأسها وعلى أعلى كتفيها. تحمل حقيبة حمراء، تنتعل حذاء طويلًا (بوتًا) لونه بني. يبدو أنها أنيقة. يجذبني دومًا هذا النوع من النساء.

فكّرتُ أن أعرض عليها مقعدي، ولكن حقيقة أنّ مازال هناك تسعُ محطات حتى أصل، كانت كافية أن أغير فكرتي. أريد أن أكمل قراءة القصة، خاصّة أنّها شدتني، ويبدو أني سأكمل قراءتها عندما أصل إلى الشركة لكنّها شدّتني أكثر. ماذا أفعل؟.. هل أقوم من مكاني وأعرض عليها مقعدي لتجلس؟ أم أومئ لها بعيني أو أشير لها بيدي؟ المشكلة.. أنها لا تنظر إلى ناحيتي.. يبدو أنها مستغرقة في الاستماع إلى الموسيقى المنبعثة من الآيبود الخاص بها.. والنظر إلى نقطة غير مرئية في ذاك القطار الصباحي.. في الأخير نـزلت هي من القطار بعد خمس محطات. عند نـزولها أنـزلت كتابـي ونظرتُ إليها النظرة الأخيرة.

صباح اليوم التالي- في القطار- الساعة تشير إلى التاسعة إلا ربع. أقرأ قصة الأمس "الساعة الثالثة "كانت رائعة جدًّا، فيها فلسفة عميقة، أسلوب الكاتب سلس وبسيط على غير عادته في قصصه. القصّة تتكلم عن الوقت، وعن علاقة الإنسان بالساعة، أو يدور حول مفهوم الوقت في حياتنا، وكيف أننا أصبحنا محدودين بأوقاتنا وأزماننا، وأننا دومًا لا نعطي لأنفسنا الوقت الكافي.

ذاك الصباح.. لمحتُ الفتاة نفسها التي رأيتها واقفة في اليوم السابق، لكنّها هذه المرّة تجلس على أحد المقاعد، تأكّدت أنها هي بالنظر إليها عدّة مرات. تحمل نفس الحقيبة، وترتدي (البوت) البني نفسه، لكن" جاكتها" اليوم مختلف، لونه رصاصيّ فاتح، طويل بعض الشيء يصل إلى نصف ساقيها، ما يعطيها بعض الجاذبية. أود أن أراها كيف تبدو وهي تقف. كنتُ أنـزل كتابـي كل محطة نمرّ بها حتى أرى في أي محطة ستنـزل، وكيف تبدو وهي واقفة؟ نـزلت أخيرًا، يبدو أنها محطة اليوم السابق نفسها.. فكّرتُ وقتذاك هل سأراها في اليوم الآتي أيضًا؟

صباح جديد. الشمس تسطع على غير عادتها في هذا الوقت. خرجت مبكرًا من المنـزل على غير عادتي. وصلتُ محطة القطار الساعة الثامنة والربع. انتظرتُ القطار لمدة عشرين دقيقة، ولكن كنتُ مستيقظا ونشيطًا. أفكر.. هل سأراها اليوم أيضًا؟.

الشيء الجميل والغير متوقع، أني رأيتها تقف بجانبـي انتظارًا للقطار قبل تحركه بخمس دقائق. كانت تقفُ على يميني. الناس كُثر. سأحاول أن أجلس بجانبها هذه المرّة، وهذا ما حدث.

كانت ترتدي المعطف الرصاصي نفسه، ولكن هذه المرة البوت كان أسودا، ويبدو أنه جديد وكأنها قد اشترته البارحة. هل لو تحدثتُ معها وقلت لها "أتوقع أنّ حذاءك جديد"، ستستغرب من هذا الشخص الغريب وستفكر أنه مجنون؟

جلستُ بجانبها. فكرتُ.. سأحاول أن أريها نفسي اليوم أكثر، لعلها تحفظ شكلي. ربما المرّة القادمة ستتحدّث معي أو تتذكرني!

صفحة 7

لمحتها تلتفتُ إليّ عدة مرات. اكتشفتُ أنها تنظر إلى الكتاب الذي أقرأه، يبدو أنها قرأته أو قرأت لمؤلفه من قبل. لم تتكلم معي أو تسألني، ولم أستغل هذه الفرصة كي أقول لها أي شيء حتى نـزلت من القطار.

الأجمل ما حدث صبيحة اليوم التالي، الساعة تشير إلى التاسعة إلا ثلث. ذاك اليوم لم ألمحها عندما كنتُ أنتظر القطار. دخلتُ القطار ووجدتُها تجلس وبجانبها كرسيين فارغين، يبدو أنها دخلت القطار من باب آخر. قررتُ الجلوس بجانبها. تقدّمتُ نحوها. نظرت إلي بعينيها الساحرتين وابتسمتْ. ابتسمتُ لها بدوري، كانت ابتسامتي متأخّرة بعض الشيء، فلم أتوقع أن تبتسم لي، مع أني كنتُ أتمنى هذا داخلي. يبدو أنها تتذكرني، وما فعلته من قبل أتى بهذه النتيجة. حييتها بصباح الخير، ردت علي وهي تبتسم أيضًا. من صوتها تأكدتُ أنها امرأة، وليست فتاة صغيرة. أحسستُ بالتشوق أكثر كي أتحدث معها ولكن لم أقل لها ذاك اليوم غير أن الجو رائع هذه الأيام. هزت رأسها مؤيدة، ولم تقل أي شيء ولم أزد على ما قلت، حتى نـزلت من القطار. بعد ذلك فتحتُ كتابـي وشرعتُ في قراءة قصة جديدة، ولكني سرعان ما أقفلت الكتاب، جاءتني فكرة أن أكتب قصة بعنوان الساعة التاسعة إلا ثلث. جلستُ أفكر بتفاصيل القصة، ونويتُ أن أبدأ في كتابتها عندما أصل إلى الشركة.

الساعة تشير إلى الثامنة والنصف. صباح جديد مختلف. لم أشرب عصير البرتقال كما تعوّدت كل يوم. فضّلتُ شرب قهوة صباحية مع سيجارتي الأولى في مقهى ملاصق لمحطة فيكتوريا.

أفكّر بالقصة التي أكتبها، في اليوم السابق كتبتُ ومسحت، وغيّرت، وعدلت. جاءتني كذا فكرة. فكّرت أن أجعل القصة تتمحور حول فتاة القطار، وبذلك ستكون قصة حقيقية، وبالطبع سأضيف بعض التفاصيل الجميلة، الخيالية.. لا مانع، وسأكتب لها نهاية سعيدة!، قررتُ أن أجعل الفتاة بطلة القصة، وسأصفها وصفًا دقيقًا، لأني أراها دومًا في مخيلتي، خاصةً إن أغمضتُ عيني. بانتهاء هذا اليوم سينقضي أسبوع مختلف في حياتي. ولذا عزمتُ على أن أسألها ذاك الصباح الجميل المتفائل، عن اسمها، وعن عملها. لأنها كما تبدو لي ليست طالبة جامعية. ربما تعمل في مجال قريب من تخصصي، هكذا قد نتناقش عن عملنا في القطار. ربما سأسألها الخروج معي يومًا والالتقاء في مطعم أو مسرحيّة موسيقيّة أو أي مكان. أو ربما سأسألها أن نلتقي في اليوم نفسه، لم لا؟

أحتاج إلى أن أغيّر من أسلوب حياتي. في السابق كنتُ أكره الروتين، وربما لهذا السبب تزوّجتُ هيلين. فهي مجنونة كليةً. في يوم يكون مزاجها رائقًا فتمنحني أكثر مما أطلب. في اليوم التالي يتغيّر مزاجها أو يتدهور- لا فرق- وتغدو كائنًا لا يطاق، وفي حالاتها تلك كنتُ دومًا أتساءل لم تزوجتها، ولم خرقتُ عيني بإصبعي؟

الآن اعتدت الروتين لفترة ليست بالقصيرة. يبدو لي أني شبتُ قبل أواني. ذاك الأسبوع شعرتُ أن هناك شيئًا ما أنتظره كل يوم، وأن كل يوم هو بداية جديدة لي. شعرتُ- بحقّ- أنّ أيامي تجدّدت معها. مع فتاة القطار.

ولذا كنتُ مصمّمًا أن أسألها عن اسمها ثم سؤالها الخروج معي، لعل وعسى، فمن المحتمل أن ليس عندها صديق أو غير متزوجة، فتوافق. نعم أعلم أنه أمر غريب أن أسألها الخروج بعد التقائنا في القطار مصادفةً، ولكن لم لا؟ سأجرب حظي.

وقفتُ بين الناس، منتظرًا القطار، ومتشوق لرؤيتها. ركبتُ القطار وجلست، ووضعتُ كتابـي على فخذي وورقًا أبيض لتكملة القصة. وضعت سماعتي الآي بود. وأخذتُ جولة سريعة بعيني بين الجالسين، ولكني لم أرها. دققتُ مرة أخرى، لم تكن موجودة. تحرك القطار، ولم أجدها حتى بين الواقفين.

وصلتُ إلى الشركة، وشرعتُ في إكمال كتابة القصة. آخ، يبدو أني لن أراها في نهاية الأسبوع كما تمنيت. حسنًا، سأحاول الأسبوع المقبل.

الساعة تشير إلى التاسعة والربع. اللعنة!. اليوم بداية الأسبوع وأنا للتو استيقظت! كيف حدث هذا؟ وكيف لم أستيقظ على صوت المنبه كل هذه المدة. سأتأخر جدًّا على الدوام. فكرتُ قليلًا وقررت أن لا أذهب. سأتصل متعللًا أني مريض! وسيقبل مديري عذري على الأرجح، فأنا لم أتغيب قط. هذه أول مرة.

خرجتُ في عطلة نهاية الأسبوع إلى السينما فقط، مع جون. كانت قصة الفيلم تدور حول كوكب صدم الأرض، فجرى طوفان كبير أغرق الجميع. ياللتعاسة. لا أستسيغ هذه القصص عادةً، بعكس جون الذي مدح حبكة الفيلم لمدة طويلة حتى ظننتُ أنه سيقول أود لو أعيش ما حصل في الفيلم على أرض الواقع!

في اليوم التالي كنتُ في محطة القطار الساعة الثامنة والنصف. أنتظر القطار كعادتي. ربما سأراها اليوم. أحضِّر ما سأقول للمرة الأخيرة. انتظرت وانتظرت، وركبت القطار، ووصلت الشركة، ولم تأتِ... وهذا ما حصل أيضًا في اليوم الذي تلاه واليوم الذي تلاه، وكل الأسبوع!

انصرم الأسبوع ولم تأت، ولم تظهر. يبدو أنها اختفت، ولن أراها مرة أخرى.

يا لي من أحمق.. لمَ لمْ أسألها قبلًا؟!، لم انتظرتُ عدّة أيام كي أحضِّر ما أقول لها؟! الآن أشعر بالندم.

صفحة 8

في كل يوم مضى ذاك الأسبوع، شعرت بالندم والتعاسة. أصبحتُ أحضر إلى محطة القطار مبكرًا، فلا أتناول إفطاري في البيت كعادتي. لعل وعسى أن أراها تأخذ قطارًا آخر. أنتظر عند بوابة المحطة لعلي أراها تدخل، أنتظر حتى اللحظة الأخيرة وأسرع إلى القطار كي لا يفوتني.

ذهني شارد طوال الوقت. لم أقرأ إلا قصّة واحدة فقط! وأمّا قصّتي فلم أكملها، وصلت إلى النهاية السعيدة وتوقفت. كل مرة أغيرها أو أعدلها. يبدو أن السبب لأن نهاية قصتي الحقيقية لم تكتب لها النهاية التي تمنيت.

لمَ لمْ أسألها عن طبيعة عملها؟! ربما تعمل في شركة مشهورة أو غير مشهورة- لا فرق- لكني كان بمقدرتي ان أسألها عن عنوان الشركة، وأذهب إليها وأنتظرها أو سأقول لها أني كنتُ مارًّا بالمصادفة، فتذكرتُ أنها تعمل هنا، أو سأخترع أي حجة لألتقيها مرة أخرى.

في هذا الوقت لا يبقى لي إلا الندم.. أتساءل في نفسي "لم أنا مهتم بها كل هذا الاهتمام؟"، لا بد أن انجذابـي هذا له تفسير نفسي، وإجابة مقنعة. أحب أن أحلل ردّات فعلي، وشعوري بين الحين والحين، ولكني أكره أن أمنطق أفعالي دائمًا، وأجعل لها تفسيرًا واضحًا. الغموض جزء من شخصيتي. هذا ما أشعر به دائمًا. وربما لأن الغموض منذ البداية التف حول هذه الفتاة في عقلي، لذلك أجد نفسي منجذبًا إليها.

ما حدث في هذين الأسبوعين، أعتقد أنّه سيغيرني في الأيام المقبلة. سأحاول أن أخرج من القوقعة التي سكنتها الشهور الماضية، سأخرج مع صديقي جون أكثر. سأتواصل مع أصدقاء هيلين. سأحاول أن أخرج مع أصدقاء العمل، مع أني تجنبتهم لفترة طويلة.. ربما يجب أن أعطي لنفسي الفرصة لإعادة اكتشاف نفسي.. سأذهب إلى السينما كل أسبوع، ولن أدع اختيار الفيلم لجون فقط.. سأعامل نفسي بمودة ومحبة واهتمام أكبر.. وأمّا ما حصل مع فتاة القطار.. فقد تعلّمتُ أن لا أتردد بعد الآن، إن أردتُ شيئًا، سأبادر بفعله.. هكذا يجب أن أكون.. سأكمل قراءة القصص والروايات.. سأحاول أن أكتب قصصًا قصيرة.. وسأكمل القصّة التي بدأتُ بكتابتها، القصّة التي سمّيتها التاسعة إلا ثلث، وسأجعلُ خاتمتها حزينة.. نعم حزينة.. فليست كل النهايات سعيدة.. أليس كذلك؟

الساعة تشير إلى الثامنة والنصف وخمس دقائق.. أحمل حقيبة اللاب توب، واضعًا سماعتي الآيبود في أذني.. أنتظر قطار الصباح الذي سأركبه للتوجّه إلى عملي.

كم ساعة الصباح هذه ثقيلة عليّ.. أعيُن الناس تتثاءب، كأن لياليهم يقضونها فقط في السهر، وأمّا النوم، فآخر ما يفكرون به..

مرّت خمس دقائق، جاء القطار، إنّها التاسعة إلا ثلث. ركبتُ القطار.. اخترتُ مقعدًا، ومن حسن حظي فتاة جميلة جلست أمامي، نظرتُ إليها وابتسمت.. ابتسمت لي.. حييتها بصباح الخير، ردت عليّ التحية بابتسامة أكبر.. بداية متفائلة ليوم جديد.

أخرجتُ كتابـي ووضعته على فخذي، وأخرجتُ بعض الأوراق البيضاء التي أستخدمها مسودة لكتاباتي. أريدُ أن أكتب قصة جديدة هذه المرة، ربما تكونُ عن ماضي مع هيلين، ويكون لها عدة معانٍ مرتبطة بنفسي أو نفسيتي تلك الفترة. وأمّا قصتي الأولى فقد انتهيتُ منها، ومع أني كنتُ أرغب وقتذاك باختيار خاتمة سعيدة لها إلا أني وجدتُ أني راضٍ عنها، وأكثر اقتناعًا، بمجرد انتهائي من كتابتها بالنهاية الحزينة.

فجأة دخلت.. لمحتها.. دقات قلبـي تسارعت وكأني في مارثون للجري، وللتوّ وصلت النهاية.. إنها هي.. هكذا حدثتُ نفسي.. دققتُ في ملامحها.. إنها هي نفسها.. فتاة القطار!

ما العمل الآن ياترى؟!.. أفكاري تلخبطت وتبعثرت.. هي الآن واقفة، ترتدي نفس المعطف الرصاصي، وتنتعل الحذاء البني العالي.. تنظرُ إلي.. يفترُ ثغرها عن ابتسامة كبيرة.. تأتي نحوي، مسرعة في مشيتها.. أخذتُ أجمع أغراضي، ووضعتُ أوراق الكتابة في حقيبة اللاب توب. جلست بجانبـي في مقعد كان خاليًا.. قالت لي:

- صباح الخير..

رددتُ مستجمعًا ثقتي بنفسي:

- صباح الخير..

- هل افتقدتني؟؟.. قالتها ثم ضحكت بأدب..

يبدو أنها جريئة بعض الشيء، فلم أتوقع سؤالها المباغت هذا.. إذن فهي تعرف أني لاحظتها جدًّا ذاك الأسبوع، بل وأحست أني افتقدتها.. ربما هي افتقدتني أيضًا.. تبدو مرهقة قليلًا.. يبدو أنها كانت مريضة ولهذا تغيبت.

- افتقدتك.. نعم. (وكي لا يبدو جوابـي غير مقنع من جهة أو متهور من جهة أخرى أضفت).. لأني كنتُ أراك كل صباح.. هل أنتِ بخير؟

رأيتُ في يدها رباطًا للشعر، جمعت شعرها، ثم ربطته وقالت:

- نعم.. نعم.. أنا بخير.. كنتُ فقط في عطلة.. قضيتها في فرنسا عند جدتي.. كانت عطلة قصيرة للأسف.. لكني استمتعتُ جدًّا.

- اها.. أنت فرنسية إذن؟

- لا.. لا.. أبـي بريطاني وأنا كذلك.. هذه جدتي من جهة أمي.

- اها.. اها.. فهمت.. (قلتها وأنا أبتسم).

تلا ذلك لحظة صمت.. فكرتُ.. يجب أن أقول لها كل ما نويتُ أن أقوله من قبل.. الآن هو الوقت المناسب كي أسألها الخروج أو رقمها.. إذن سأسألها عن عملها.. جاءتني فكرة.. قلتُ:

- بالمناسبة.. ما اسمك؟.. إنه من الغريب أن أقول لك إني افتقدتك ولا أعرف اسمك. أليس كذلك؟

ابتسمت بخجل.. يبدو أنها نسيت أنها لا تعرف اسمي.

- اسمي.. جين.. المعذرة.

وفتحت حقيبتها الحمراء، وأخرجت بطاقة من محفظتها، ومدتها لي، وقالت:

- وهذه بطاقتي.

تناولتُ البطاقة، وفتحتُ محفظتي على الفور وأخرجتُ بطاقتي أيضًا.

- جينيفر سميث- جين هو اختصار لجينيفر-.. يبدو أنه اسم انجليزي جدًا لي. (قلتها وأنا أبتسم).

ضحكت بشدة.. فهمتُ أنها ليست المرة الأولى التي تسمع فيها هذا التعليق.

- نعم.. صحيح.. هذه ليست المرّة الأولى التي أسمع فيها هذا التعليق.

- وهذا ما ظننته.

ابتسمتُ، ثم ناولتها بطاقتي، وقرأت.. فجأة خُيل لي أنها نطت من مقعدها، وأطلقت صرخة مفاجأة تعبيرًا عن دهشتها أو شعورها بالمفاجأة. ثم وضعت يدها على فمها. ونظرت إلي وقالت:

- المعذرة.. المعذرة.. إنه شيء مفاجئ.. لم أتوقع. سكتت قليلًا ثم نظرت ناحية الشباك، ثم قالت:

- حقًا.. إنه عالم صغير!!

تحمستُ قليلًا.. فكرت.. هل اسمي معروف لها.. أو ربما تعرف أحدًا من عائلتي أو صديق لي؟ ربما عمي في فرنسا؟

- نعم إن العالم صغير.. لمَ؟

بعد تردد قصير.. قالت لي:

- هل تعرف ريتشي.. أو ريتشارد هارسون؟

- نعم أعرفه حق المعرفة بالطبع.. إنه مديري في الشركة التي أعمل بها. فوجئت من سؤالها عن ريتشي.

- حقًا إن العالم صغير.. أتعرف؟.. إنه خطيبـي.. واليوم كنتُ أنوي أن أذهب إلى مقر عمله كي نخرج للغداء معًا، لقد اشتقتُ له طيلة الأسبوع الماضي.. ولذا سأجعل ذلك مفاجأة.. أرجوك لا تقل له!

- !!!!!!!!!!!!!!!!.

- لن تخبرهُ.. أليس كذلك؟

- ...................

- لا تخبره.. وسأراكم قبل نهاية الدوام.

-....................

اللعنة!!.. اللعنة!!.. اللعنة!!.. يبدو أنني سأعيد كتابة قصتي الأولى.. وسأختار لها هذه المرة نهاية أخرى.. الآن.. والآن فقط.. أشعر أن النهاية الحزينة.. والتي اخترتها.. كانت في الحقيقة.. نهاية سعيدة.

صفحة 9

أمي

أخبرني صديقي ذات ليلة عن المشكلة التي وقعت بينه وبين والدته، وكيف بدأت بمناقشة اشتدت وقال لها كلامًا جارحًا وخرج صافقًا الباب خلفه بقوة. كان يبلع ريقه بصعوبة وهو يحكيني. الندم واضح على وجهه. كنا في المقهى القريب من منـزلي.

راضي من أعز أصدقائي قبل أن يكون زميلي في العمل، فنحن نعمل في شركة واحدة تحت إدارة واحدة. تعود الصداقة إلى أيام المرحلة المتوسطة، ولذا فليست هذه المرة الأولى التي يطلعني راضي على ما يجول في خاطره أو ما يفكر به، وهي أيضًا ليست المرة الأولى التي يخبرني فيها عن مشاكله مع والدته. الفرق هذه المرة أني كنتُ متفاجئًا جدًّا من حديثه وقصّته، ولذا قلتُ له بشيء من الحدّة:

- يا راضي! كلّ هذا قلته لأمك؟!

- نعم... هذا ما قلته.

- الله يهديك... أولًا...

- يا محمد، أنا ما أبغا نصايح دحين...

اعتدلتُ في جلستي، وسحبتُ نفسًا عميقًا، ورميت لي الشيشة إلى جانبـي، وقلت:

- لا... لازم تسمع... هذه ليست نصايح... أنا أعتقد أن والدتك ما كانت تقصد أن تنرفزك بهذه الطريقة، ياراضي أمك امرأة، وتعرف كلام الأمهات!

- صحيح، لكن...

- الله يهديك.. لابد أن تكلمها وتتسامح منها..

أطلق تنهيدة، وعدل جلسته، وقال كأنه يهمس:

- أكيد... أكيد سأكلمها.

رجعتُ بنفسي إلى الوراء قليلًا كي أُسند ظهري إلى الحائط. أحسستُ بالدوخة فجأة. يبدو أن النفس الأخير هو السبب. بدأت أفكاري تأخذني إلى الوراء قليلًا، إلى ما قبل أربع سنين.

لاحظ راضي شرودي، وربما دمعة تجمعت في عيني، سألني بحذر "بإيش تفكر؟؟". هو يعلم أني أفكر بوالدتي.

جذبت لي الشيشة وسحبتُ نفسًا بهدوء، ثم جعلته على صدري وظللتُ ممسكًا به.

- يا راضي... أتذكر المرة التي تلقينا فيها خبر إصابة والدتي بالسرطان... كنتً لا أفهم شيئًا، وكأني كنتُ في المرحلة الابتدائية! جاهل بهذا المرض ومعناه. مع أنني كنتُ في المرحلة الجامعية، بالغ راشد، وشعر ذقني يملأ وجهي!

في البداية، قالوا هذا ورم حميد، وبعد عدة تحليلات أخرى، وأسبوعين من الانتظار، قالوا هذا ورم خبيث!، ولا داعي للقلق أو الخوف. فكرتُ لحظتئذ "ولم الخوف والقلق أساسًا؟، هذا ورم وسيزول بعملية جراحية إن استدعى الأمر، وينتهي". أتذكر كيف كانت أمّي تبكي بشدة بعد تلقيها الخبر، والدي وخالاتي حولها يذكروها بأن ما أصابها هو قدر الله، وأن إصابتها لا تعني الموت، بل كما قال الدكتور هي محظوظة أنها اكتشفت تلك الإصابة مبكرًا، ويمكن علاج ما حدث.

صفحة 10

أمي... إنسانة قوية... مؤمنة... أتذكرها كيف كانت تمشي كل يوم في أرجاء البيت ممسكة سبحتها، تسبح الله، وتستغفر، وتصلي على النبـي صلى الله عليه وسلم بالآلاف.

جلسات العلاج الكيماوي، كانت شديدةً عليها أول مرة ككل مرة تلت... أجرت عملية استئصال، تحسنت قليلًا مع أنها تغيرت كثيراُ... شعرها تساقط... يدها اليسرى انتفخت مع الوقت... بقع سوداء ظهرت على عروق يدها سببها الكيماوي.

بعد ستة أشهر أصبحت تكح كثيرًا، وعندما ذهب بها الوالد إلى المستشفى، جاءت الصاعقة، الورم عاد وانتشر في مناطق أخرى. وبدأت المسكينة مرحلة العلاج من جديد، وكلما تتحسن، يعود الورم بشكل أقوى وكأنه يتربص بها، حتى ظهر في الرئة والعظم، والعمود الفقري.

أتذكر تلك الليلة، عندما ذهبتُ إلى المستشفى لزيارتها... الجميع حضر ليلتذاك، حتى من لم يزرها مسبقًا حضر... الجميع مشغولون... يتحدثون ويتهامسون، يصلّون ويقرؤون القرآن، وهي مربوطة بالأجهزة الطبية، تتنفس بصعوبة، وكأنها مغمى عليها... تصحو حينًا فتتكلم بدون أن تفتح عينيها "بأختنق..."، لم ندع أحدًا يدخل عليها إلا أخواتها وإخوانها ونحن أولادها، وبالطبع الممرضات والأطباء. تصحو بعد فترة، وكان الأطباء قد دخلوا الغرفة يعاينون الأجهزة، قالت لوالدي وهي مغمضة العينين "إيش يقول الدكتور؟... أنا أشوف الورم وصل إلى قلبـي"، ومع أنها لا تفهم لغة الأجهزة إلا أن كلامها كان صحيحًا، وأبـي يرد عليها "لا... لا... كل شيء بخير، الحمد لله إنتِ بخير".

أبـي... آه... هو أكثر إنسان تعب وعانى بصمت وتحمل وتألم. رضي الله عنك ياوالدي الطيب.

في تلك اللحظة، عندما رأيتُ كيف كانت أمي تتألم، وأنا أعلم كم عانت خلال الثلاث سنين الماضية، أحسستُ بالعجز الكامل، رأيتُ عجزي، لا أعلم ماذا أقول أو أفعل، كل ما فعلته أني فتحتُ القرآن، وقرأت يس وعدة سور، وجلست أدعو. لحظتها، تمنيتُ أن أسلم عليها، أقول لها "يا أمي أنا ولدك محمد، أنا جنبك"، أمي ترتاح عندما تعلم أن أحدًا بجانبها يقرأ عليها الآيات، ولكنها غائبة عن الوعي، تمنيت لحظتها أن تموت، كي ترتاح من كل هذا الألم. لم أفكر أنها ستبتعد عنا وتغيب عن حياتنا، لم أفكر أني سأفتقد ابتسامتها العذبة كما سأفتقد كل شيء فيها. كل ما فكرت به أن ترتاح من هذا الألم، حتى لو كان الخيار الوحيد هو وفاتها.

رجعتُ البيت مع أخي الصغير وابن خالتي، في اليوم التالي استيقظنا وأكلنا معًا. وجدتُ عدّة اتصالات من أختي التي كانت في المستشفى ورسالة منها على جوالي تقول "تعال الآن، أمي تعبانة"، قدت سيارتي مسرعًا إلى المستشفى، وقبل دخولي غرفتها رأيت خالتي تمشي أمام الغرفة حزينة، لم أعر ذلك اهتمامًا فهي وكلنا كذلك تلك الأيام. وقبل أن أدخل، خرج خالي من الغرفة، فجئت أسلم عليه كالعادة، إلا أنه فتح ذراعيه لي ولأخي الصغير، عندما رأيت وجهه ودموعه الغزيرة، فهمت، وبكيت، وبكيت.

دخلتُ مسرعًا كي أنظر إليها، كانوا الممرضات يلفون شاشًا أبيضًا حوليها... هاهي ذي، مغمضة عينيها... تبدو نحيفة، وكأنها مرتفعة تنظر إلينا... إلى أسفل منها.

مسحتُ دمعة فرت من عيني، ونظرتُ إلى صديقي راضي، كان وجهه متأثرًا، لمحته يمسح دموعه من تحت نظارته الطبية عندما قال "الله يرحمها، ويجعل مثواها الجنة".

أخذتُ براد الشاي، وصببت في كأسي وكأس راضي بعد أن وضعت داخلهما بضع وريقات من الحبق. قلبت مكعبات السكر حتى ذابت. قدمت له كأسه. ارتشفتُ قليلًا من كأسي، وتوجهت إلى راضي، ونظرت إليه. ابتسمت. قلت له بسكينة:

- حكاني خالي نبيل قصة حكاها له والده جرت في أيامه. يقول "عندما كنتُ شابًا، كان هناك رجلٌ من أهل مكة... صالح... زاهد... يعيش حياة هانئة مع والديه... يطلب العلم، ويسهر على خدمتهما في الليل والنهار... كان هذا الشاب الصالح يحلم دومًا ويتمنى أن يلتقي بسيدنا الخضر عليه السلام كما التقى به كثيرٌ من الصالحين. كان يدعو بذلك كثيرًا في صلواته وخلواته... وفي يوم، وبعد صلاة الفجر في الحرم المكي، والرجل في طريقه إلى الخروج، أمسكه شخص من يده، فنظر بفزع، فوجد رجلًا كبيرًا في السن، يشع نور من وجهه. نظر إليه الرجل الكبير وسأله "ماذا تريد من الخضر؟"، ففهم الشاب الصالح أن هذا الشيخ الكبير هو الخضر عليه السلام، فقال له مبتسمًا "أريده... أن يدعو لي". نظر إليه الرجل الكبير مليًّا وقال "اصدقني القول... أ والداك أحياء؟"، فرد الشاب "نعم"، فسكت الرجل الكبير بعض الوقت، ثم قال للشاب بحنان وهو ينظر إلى عينيه "أتطلب الدعاء من الخضر، وعندك الخضران؟!". عندئذ اشتدت زحمة الخارجين من الحرم، واختفى الرجل الكبير فجأة كما ظهر فجأة، وعاد الشاب إلى منـزله وإلى والديه مأخوذا بكلام الخضر وكله لهفة وشوق بعد أن فهم الرسالة.

يا راضي، لن أقول لك الآن، أني أتمنى أن تعود الحياة إلى أمي وترجع من جديد بيننا في البيت كي أبرّها وأسعدها وأراها. مع أن هذا شعوري، لكني أعلم أن أمي لن تعود، وأنا أقول الحمد لله أنها الآن في وضع أفضل وأحسن مما كانت فيه.

ولكني أقول شيئًا واحداُ، إني أتمنى فقط.. أن أرى أمي في المنام.. أريدُ أن أراها دائمًا.. ولو في المنام..

أفهمتَ القصة ياصديقي الغالي؟