صفحة 1
ولدت في منطقة القصيم في قرية تاريخها عظيم، تقع شمال مدنية بريدة، إنها قرية (ش) بشوارعها الضيقة ومنازلها الصغيرة الطينية، ومزارعها الواسعة بحقول النخيل المترامية الأطراف، وعلى سعف النخيل تتراكم الأتربة دلالة على حياة جافة هناك، ولدت في تلك القرية التي تشتهر بتشددها الديني، هنالك كانت أوجه الناس غريبة تمتلئ شحوباً واستغراباً، ولكن كانت قلوب الناس بيضاء لا تفكر سوى متى يحين وقت قطف ثمر النخيل ··
·· كان أبي يمشي تحت أشعة الشمس الحارقة، متنقلاً بين النخيل، متأملاً كل نخلة غرسها بيده، يمشي وقد اكتسى لونه الأبيض بشحوب فصل الصيف، كانت أصابع يديه متقشرة فيها انفراج غريب عند سبابته، وكانت أصابع قدميه الحافيتين متلاصقة بصورة تبعث التناقض بينها وبين أصابع اليدين، ووجهه العذب الصافي الجميل الرقيق شديد الاحمرار متورم الخدين كثيف الحاجبين، تعجبني هيبته وهو يتنقل بين حقول النخيل·· كان أبي فيلسوفاً عظيماً صاحب أفكار خارقة ونظريات عجيبة، وعلى الرغم من كل ذلك كان أبي بسيطاً لم تحصل له فرصة ليصبح موظفاً بسبب تركه المدرسة مبكراً، لكنه عوض ذلك بالقراءة، فلم أصادف طيلة حياتي إنساناً يعشق القراءة كأبي ··
·· وكانت أمي الممتلئة بثوبها الأحمر الداكن، وعينيها الغائرتين في وجهها، وأنفها المنتصب بكل شموخ، تكنس البيت الصغير المتواضع بيدها اليسرى، وتستعمل اليد الأخرى لتمشيط شعرها المتجعد، وتستخدم لسانها للشكوى والتأفف من حياتنا، فقد كنا نعيش سوياً في منزل مكون من ثلاث حجرات، وكان أثاث بيتنا كله لا يزيد على وسائد في غرفة الجلوس متشققة من قماش مهترىء، وعلى سرير كنت أحيانا أتقاسمه مع أبي وأمي في غرفة النوم التي توجد بها خزانة ملابسنا جميعاً، كنا نعيش في هذا المنزل الذي تملكه إحدى العوائل البرجوازية في قرية (ش)، تلك القرية التي تجد في كل زقاق منها مأساة قد تكون معروفة للناس، والأحرى أنها تختفي عن أنظار الناس من خلال مأساة أخرى·· فالحياة هناك مجموعة مآس كئيبة تحاول أن تعيش لأجل الغد، وللأسف لا يلتفت إليها أحد ·· ·
·· آه يا طفولتي؛ كل شيء لا يزال شامخاً منتصباً في ذاكرتي، حتى إني الآن ابن الأربعين خريفاً لو أغمضت جفنيّ فسوف أرى بكل وضوح تلك الذكريات، ولن يغيب عن بالي عندما كنت صغير جدا أتأمل في أمي وهي تزيد الماء كثيراً على القهوة، لأن الماء من البئر بلا مقابل، أما القهوة فتحتاج للمال! كانت تفعل ذلك وتبربر قائلة : لعنة الله على من جعلني زوجة لهذا الكسول! لعنة الله على الفقر!، كنت خلف باب المطبخ أسمعها بكل وضوح وهي تردد : لعنة الله على الفقر·، ومع ترديد هذه الجملة أيقنت أننا فقراء! فقراء بل أيقنت في يوم ما أننا نفاية من تلك النفايات التي ترمى في الطرقات، نحن نفاية الحياة الاجتماعية؛ حياة البرجوازيين، حياة الماديين!
·· بدأت أنظم الشعر قبل سن العاشرة، وكانت أول قصيدة كتبتها تقول مقدمتها :
يا وطني ··
نحن لسنا فقراء ··!
لأننا نحبك يا وطني،
فنحن أغنى الأغنياء ··
·· هكذا منذ كنت طفلاً وحب الوطن، على الرغم من فقرنا، هو أساس حياتي، فقد كان حب الوطن عندي وما يزال غير كثير من الناس، فحب الوطن يعني حب ثقافته، حب عاداته، حب تاريخه؛ فهذا الوطن العظيم الكبير المترامي الأطراف أعرفه جيداً، إني أعرف وطني، أعرفه أكثر من نفسي، ويعرفني وطني معرفة تامة ·
·· أذكر أني ذهبت مسرعاً لأبي الشامخ وقرأت علية تلك الأبيات، فابتسم ووضع يده الندية على شعري، وقربني منه وضمني فنسيت كل شيء، نسيت الألم والخوف والفقر، فقد اجتمع كل شيء حتى الوطن رأيته منتصباً مجيداً في قلب أبي العظيم·· بعد أيام وبينما كنت جالس أمام النافذة أراقب غروب الشمس وأشعتها التي تتدلى خلف الأفق، ذلك الغروب السحري الذي يصنع ضوء خلايا ينعكس بريقه على النخيل المترامي، ناداني أبي وأعطاني كتاباً قائلاً لي :
- أحب الشعر يا وليد، أحب الشعر يا ولدي فسيحبك عندما تحبه دائماً، والحب يكون بقراءته بتأمل وتركيز وصفاء روح وعقل، وقبل كل شيء بحب ··
·· أخذت الكتاب وإذ به ديوان الشاعر إبراهيم ناجي، إنه أول كتاب أهداني إياه مخلوق، مسكته بيدي بل بقلبي الذي عشق القراءة، وفكرت بالذهاب صوب الحقول حتى أقلب الديوان وأقرأه بروحي وقلبي، لكن أبي طلب مني الجلوس وأن أقرأ له بصوتي الطفولي قصيدة الحياة··
صفحة 2
جلست يوماً حين حل المساء
وقد مضى يومي بلا مؤنسِ
أريح أقداماً وهت من عياء
وأرقب العالم من مجلسي!
أرقبه! يا كدّ هذا الرقيب
في طيّب الكون وفي باطله
وما يبالي ذا الخصمُ العجيب
بناظر يرقب في ساحله
سيان ما أجهلُ أو أعلم
من غامضِ الليلِ ولغزِ النهار
سيستمرُّ المسرح الأعظمُ
روايةً طالت وأين الستار
عييتُ بالدنيا وأسرارِها
وما احتيالي في صموت الرمال!
أنشدُ في رائع أنوارِها
رشداً فما أغنمُ إلا الضلال!
أغمضتُ عيني دونها خائفاً
مبتغياً لي رحمةً في الظلام
فصاح بي صائحها هاتفاً
كأنما يوقظني من منام :
أنت امرءٌ ترزح تحت الضنى
لم يبقِ منك الدهر إلا عناد!
وكل ما تبصرهُ من سنا
يهزأ بالجذوة خلف الرماد!
وكل ما تبصرهُ من قوى
تدوي دوي الريحِ عند الهبوب
يسخر من مبتئس قد ثوى
يرنو إلى الدنيا بعين الغروب!
أنظر إلى شتى معاني الجمال
منبثة في الأرض أو في السماء
ألا ترى في كل هذا الجلال
غير نذيرٍ طالعٍ بالفناء!
كم غادة بين الصبا والشباب
تأنق الصانع في صنعها
تخطرُ والأنظار تحدو الركاب
ولفظة الإعجاب في سمعها!
صفحة 3
وربما سار إلى جنبها
مدلَّه ليس يبالي الرقيب
يمشي شديد العجب في قربها
إذ راح يوليها ذراع الحبيب!
وأنظر إلى سيارة كالأجل
تخطفُ خطفاً لا تبالي الزحام
هذا الردى الجاري اختراع الرجل
هل بعد صنع الموت شيءٌ يُرام!
وأنظر إلى هذا القوي الجسد
الباتر العزم الشديد الكفاح!
قد أقبل الليل فحيّ الجسد
في رجل يدأبُ منذ الصباح
أجبتُ : يا دنياي من تخدعين!؟
إني امرؤ ضاق بهذا الخداع
مزقتِ عن عيشي هنيّ السنين
لأنني مزقتُ عنكِ القناع!
إن الجمال الساحر الفتانا
يا ويحه حين تغير الغصون
ويعبثُ الدهر بحلو الجنى
وتستر الصبغةُ إثم السنين!
وهذه السيارة العاتية
وربّها الجبارُ كالبرقِ سار
ما هي إلا شُعلٌ فانية
نصيبها مثلُ شعاع النهار!
وارحمتاه للقوي الصبور
يقضي الليالي في كفاحٍ سخيف
وكيف لا أبكي لكدح الفقير
أقصى مناه أن ينال الرغيف!
كم صِحتُ إذا أبصرت هذا الجهاد
ومبسم الذلة فوق الجباة
يا حسرتاه مما يلاقي العباد
أكل هذا في سبيل الحياة؟!
وفي سبيل الزاد والمأكل
نملأ صدر الأرضِ إعوالا
كم يسخر النجم بنا مِن عل
وكم يرانا اللهُ أطفالا!
يا رب غفرانك إنا صغار
ندب في الدنيا دبيب الغرور
نسحب في الأرض ذيول الصغار
والشيبُ تأديب لنا والقبور!
صفحة 4
·· اعتدل أبي في جلسته وبدأ يستعد للتحدث، كان القمر معلقاً يتأرجح بين حقول النخيل :
- عظيم أنت يا ناجي، عظيم بهذا الشعر الحقيقي، أتعلم يا طفلي لقد ظلم الشعر في هذا الزمان، لقد ظلم هنا فما أحقر الحياة وما أبشعها عندما ينكر الناس الأدب، والشعر يا ولدي هو عامود الأدب، ينكرونه لأنهم ينسبونه لغير أهله، ولغير أولئك الأشخاص الذين يعيشون لأجله ·· أتعلم كيف ظلم الشعر هنا؟ ظلم لأن الشعر الحقيقي، الشعر الذي تربت عليه العرب، شعر الأولين، الشعر الذي يكتب بلغة العرب الحقيقية قد تلاشى، وأصبح الشعر شيئاً غريباً غير مفهوم؛ لأنه يعتمد على العامية التي ينحصر فهمها في مناطق معينة، إن الشعر الحقيقي هو شعر الفصحى؛ لذا لقد ظلم الشعر هنا يا ولدي··
بعد أن أنهى أبي حديثة العذب الصافي، الذي لم أحب وأؤمن بشيء كمثله، ذهبت إلى غرفة النوم، جلست برهة من الزمن عند النافذة المفتوحة التي تطل على الآلاف من أشجار النخيل المترامية، التي بتجمعها تمثل البرجوازية الصغيرة في القرية، كنت أسرح ببصري وأتأمل في تلك القرية النائمة نوماً عميقاً، كان القمر يشكل ضوءاً كاملاً متناغماً مع تأملاتي، كانت أضواؤه تخترق الليل والنخيل؛ فتكون شعاعاً خلاباً يجعل التأمل يزداد ويغرق قلبي في الصمت الكئيب، وتطوف أفكاري محاولة انتشال قلبي من الغرق، كل ذلك يحدث وعيناي تتأملان تلك الآلاف من النخيل·· أحسست أن هنالك شيئاً يحاول أخذي إلى مكان آخر، وإذ بالهواء العليل القادم من تلك البساتين العديدة يحاول اختطافي معه، حيث شعرت تدريجياً أني أسير مكبلاً بالأغلال الهوائية! وفجأة وأنا ابن عشر سنوات بدأ يزحف إلى قلبي قلق وخوف كبيران جداً، كنت صغيراً جداً بل لأبعد وصف من كلمة صغير، وكنت أيضاً بسيطاً جداً على ظهر هذه الأرض، أحسست بخوف وألم من الغد، كنت أخاف من أن أعيش بلا أبي؛ فقد كان أبي كل حياتي وكل سعادتي، لقد علمني أبي كل شيء في حياتي، لقد علمني حتى وهو بعيد ·· علمني أبي أن الإنسان هو المصير!
صفحة 5
المصير·· إنه الحجر الذي وضع أمام كل البشر، فمصير الإنسان أن يعيش حتى يخلق الذكريات، فكل لحظة تمر في حياته تعني ذكرى تشكلت في ماضيه، فكيف هو الإنسان عندما يكون وحيداً مثلي، وحيد لا توجد في داخله سوى ذكريات، ذكريات حفرتها السنوات التي عاشها سابقاً، لابد أن يأتي يوم ما ويخرج كل ما علق في داخله وينفجر انفجاراً دامياً مروعاً، إنه في ذلك اليوم لا يخاطب البشر فقط بل يخاطب الأرض والسماء، الأحياء والأموات، يخاطب الحجر والبحر، يخاطب كل شيء موجود على هذه الأرض ··
ذكريات حياتي، ذكريات طفولتي التي أنثرها على الأوراق حتى أخاطب قلوب البشر، عندما عزمت على كتابة قصة حياتي تساءلت: هل أريد أن تدمع عيون البشر؟هل أرغب بالحزن أن يسيطر على قارئها؟ وتساءلت أيضاً : هل أستطيع أن أجعل من قصتي حدثاً يومض كالنجوم في عالم الحياة الاجتماعية؟ تساءلت كثيراً وترددت أكثر، فعندما بلغت سن الأربعين بدأ الاستفهام الكبير يسيطر على عقلي: هل أكتب قصتي التي تملأ النفس حزناً، أو قد تملؤها شموخاً وكبرياء؛ أو قد تجعلها قلقة خائفة من الغد، ومن حقيقة أن كل شيء له مصير وهو الزوال! عشت التساؤل والاستفهام بكل معانيهما وصورهما، كتبت وأحرقت وها أنا أكتب عازماً ألا أحرق شيئاً، فقط أكتب قصة رجل عمره قد تجاوز الأربعين خريفا، رجل أربعيني كان لابد أن يكتب، على رغم معرفتي أني بكتابة قصتي سأخسر أناساً كثر في حياتي، ولكن يجب أن أكتب لأن الكتابة في واقعي تعني حصول الهدوء الروحاني والاستقرار النفسي اللذين أحتاجهما·· كان لابد أن أكتب··
·· تبدأ ذكريات طفولتي في نحو السابعة من عمري، لا أدري لم لا أذكر شيئاً قبل ذلك العمر؛ قد يكون السبب عدم وجود ما يستحق أن يظل في ذاكرتي أو أن يشكل أثراً مهماً في طفولتي، ولكن منذ بلغت سن السابعة وأنا أرى كل تفاصيل حياتي، وأرى كل الأحداث جيداً، ولا يغيب عن بالي أي حدث، وكأن تلك الأحداث قد وقعت قبل لحظه من الآن! فمنذ سن السابعة شعرت بنمو متسارع نمو عقلاني أكثر منه جسدياً، نمو في الأفكار وفي رؤية الوجود، أحياناً أقول إن هذا العمر هو المرحلة التي من بعدها تبقى الذكريات محفورة ومنتصبة في ذاكرة الإنسان، وأحياناً أشعر، وهو الأقرب لي، أن سبب بقاء ذكرياتي بعد سن السابعة هي تلك الحادثة التي هزت مشاعري وجعلتني أستيقظ من أحلام الطفولة، تلك الحادثة التي أقلقت فكري وجعلتني أخاف من كل شيء سوى من أبي العظيم ··
·· في ذلك اليوم من أيام الصيف الحارة عدت مبكراً من المدرسة، دخلت المنزل وإذ بي أسمع بداية مناقشة حادة بين أبي وأمي، وكانت أول كلمات التقطتها أذناي، صوت أمي تصرخ بشدة في وجه أبي قائلة:
- طلقني يا محمد، طلقني، لا أريد أن أظل معك! لا يوجد أي ارتباط! لا يوجد أي شيء يربطني بك! أبي الذي أجبرني على الزواج منك لأنك ابن عمي، قد مات لقد مات! لذلك طلقني لا أريدك!
·· كنت أستمع إلى كلمات أمي أو إلى كلمات تلك المرأة الغريبة عني! تلك المرأة التي لا أعرفها ولا أعرف لماذا تعيش هنا! كنت أستمع، طفل صغير كان يسمع كلمات من امرأة يقال إنها أمه! كنت أستمع وعيناي تبكيان بل تنزفان ألماً وحسرة وخوفاً وتصرخان من أعماق الروح قائلتين : لماذا أنتِ كذلك يا أمي! وبينما دموعي تتناثر على خداي، على خديّ طفل إذ بأبي العظيم، أبي الذي كنت ومازلت أراه ألطف مخلوق وأسمى من كل الآخرين الذين أراهم ورأيتهم ليلاً ونهاراً! لقد كان أبي في كل حادثة، وفي كل موقف، يبرهن على صدق ما أشعر به وما أؤمن به تجاهه، وإذ به يتحدث رداً على كلمات تلك المرأة قائلاً :
- لا يوجد أي رابط! كيف ذلك!؟ وطفلكِ وليد أليس هو أعظم رابط! اسمعيني يا منيرة، بل اسمعيني يا زوجتي يا أم وليد؛ لقد صبرت كثيراً لأجل هذا الطفل، وسأظل أصبر لأجله وأيضا لحبي لكِ، أتفهمين أحبكِ، أحبكِ أكثر من أي شيء، وأعلم أن هذا الحب بعيداً عن قلبكِ تجاهي، ولكن يجب أن أصبر لأجل وليد، يجب ألا ينهدم هذا المنزل ··
قال كذلك أبي وخرج من غرفة النوم مسرعاً، ولم يتوقف إلا عندما رآني ودموعي تصرخ صراخاً مريراً على خديّ، فضمني بقوة فأحسست بمعنى الحنان الذي سُلب من واقعي وأنا طفل، سُلب من قلب أمي تجاهي! مسك يديّ وكعادته بعد عودتي من المدرسة اصطحبني متنقلاً معه بين حقول النخيل، كانت تلك الساعات التي أعيشها فقط أنا وأبي والنخيل المترامي من حولنا هي من شكلت في عقلي الكثير من الأفكار والقيم، كان أبي في تلك النزهة يعلمني ويثقفني، ولن تغيب كلماته التي ما زالت ترن في وجودي بعد تلك الحادثة، فقد كنت تعيساً جداً، وكان اليأس يقتحم كل ذرة في محيطي، ولسبب أعرفه جيداً كنت أريد أن أكذب عليه! ألا أبين له تعاستي وخوفي، كنت أرغب بإخفاء وكتم ذلك الشعور المرير الممتلئ ألماً وخوفاً، كنت أفعل ذلك لأجل زرع الفرح في قلب أبي، الذي حينما أتذكره الآن فأنا أنسى كل ما هو شرير ونجس وقاس وحقير في هذه الحياة، بل إن كل شيء يتغير ويصبح أكثر طيبة وجمالاً ويغدو الناس أكثر بهاء ومحبة، فقط عندما أتذكر أبي، لقد أحببته أكثر من أي شيء آخر في طفولتي ··
·· وقفت مع أبي عند تلك النخلة التي غرسها يوم ولادتي وأسماها باسمي، جلس أبي مستنداً بظهره، كانت عيناه السوداوان تنظران دائماً نحو مكان بعيد، مليئتين بحزن عميق يتلاشى بابتسامته اللطيفة المحببة لقلبي، وشفتاه المرتعشتان تتدليان كأنها رُطب تمر تهب عليها الريح، وحاجباه الكثيفان يستقران داخل عينيه، أمرني أن أجلس بجانبه، وبدأ يتحدث قائلاً :
- الحب يعني غياب الحرية، فنحن يا ولدي عندما نحب نتجرد من حريتنا، ونجعل طرفاً آخر يمتلكنا ويتحكم في حريتنا، إن المحب هو كمن يحاول إمساك الهواء؛ فهو مهما حاول وظل؛ سيظل غير قادر على إمساكه والقبض عليه، لأنه هواء والحب كذلك يا طفلي، محاولة يائسة منا لأن نشعر بالحياة وبجمالها، فنحن كثيراً ما نُحب لأننا نبحث عن أنفسنا في هذا الوجود، إننا نحاول أن نجد أنفسنا ونحن في الحقيقة، ومن منظور العقل، نبيع ونتخلى عن حريتنا بطلب الحب! وهذا ما يحصل لي مع أمك لأني أحبها؛ فأنا كورقة في مهب الريح تتقاذفها الرياح من مكان إلى آخر؛ وهي أي الورقة لا تئن ولا تشكو ولا تفعل أي شيء سوى أن تظل وفية! الحب هو الوفاء يا ولدي··
هو كذلك أبي الفيلسوف العظيم، لقد كنت أتأمل عينيه، وكنت أشعر أنه لا يخاطبني حينما يقول : يا ولدي بل يخاطب تلك الآلاف من النخيل التي غرستها أنامله العظيمة، إلى تلك النخيل التي أحبها وعاش يتأملها وهي تكبر وتكبر·· لقد علمني أبي، قبل كل الصراعات والمعارك التي حصلت في تاريخ البشرية أجمع، علمني الحب، علمني الوفاء، علمني أن لا حياة كريمة من دون الحب والوفاء، علمني أنه إذا وجد الحب والوفاء في مكان وزمان ما فإنه ستعم الخيرات والبركات، فقط بوجود الارتباط القوي بين الحب والوفاء ·· ألا فلتعلموا أطفالكم الحب والوفاء قبل كل شيء ··
صفحة 6
·· قام أبي من مكانه وبدأنا نمشي بين حقول النخيل، نمشي بين تلك النخيل التي تعني الماضي والحاضر، وكذلك المستقبل لنا نحن أبناء تلك الديار، كان أبي مستغرقاً في تأملاته، ذلك اليوم ما يزال يغور عميقاً جداً في ذاكرتي، كانت السماء صافية، وكان عمال الحقول يتأملون في نخيلهم وقد بدأ التمر يحمر، كنت أرى فقراً يشع من بين سعف النخيل الذي يتمايل شمالاً ويميناً، وعلى الرغم من كل تلك الحركة التي تطوف أمام ناظري، كنت أجد أن تلك الحياة تشكو فقراً عظيماً، كان كل إنسان يتأمل بلا صوت، وكنت أحسبني الطفل الوحيد الذي يوجد في ذلك المكان وذلك الزمان، وفجأة صرت خائفاً، أحسست بيدي من غير إرادة تتمسك بجسد أبي، كان هنالك ألم حار جداً يخرج من كل شيء، من الأرض التي غُطيت بأشجار النخيل، ومن الغبار المتراكم على سعف النخيل، كان الألم يزحف آتياً من الشوارع بين الأبنية الطينية، كان الألم يتباهى بفتكه في وجوه الناس، ويجتمع كل ذلك الألم ويتحول إلى خوف شديد، إلى خوف من الغد، يجتمع في صدري فتراني أتشبث بجسد أبي أكثر فأكثر، وفجأة وقف أبي وقبلني فتلاشى كل ما أحسست به··
·· أكملنا مسيرنا إلى أن انتهت من حولنا حقول النخيل؛ فأصبحنا أمام أرض مستوية يطفح على سطحها الملح الذي تشتهر به قريتي، كان الاستواء إلى حد مد البصر، فجأة توقف أبي في مكانه، كان كل شيء صامتاً، السكون هو الوجود، هو المحيط الذي نوجد به أنا وأبي، رفع رأسه وتقدم خطوة وما يزال الرأس مرتفعاً صوب السماء، وبدأ يتحدث قائلاً :
-الله رب كل شيء، الذي إن عظمت ذنوبنا لأننا بشر نخطىء ولسنا منزهين من ارتكاب الخطأ فهو يرحمنا ويغفر لنا، مع الله يا ولدي نعيش في أمن وسعادة وروحانية، مع حب الله يا طفلي تصبح الليالي السوداء ليالي بيضاء نقية، أنظر إلى تلك الأرض الفسيحة المنبسطة التي لا حد لها، فأبصارنا لا تستطيع رؤية حدودها، رحمة الله يا ولدي أعظم اتساعاً من كل شيء في هذه الأرض، بل من كل شيء في هذا الكون، لأننا مع الله يجب أن نُحب الناس، وأن نظل أوفياء لمن أحببناهم، لأن الله معنا يجب أن يكون الوفاء مصيرنا، ويكون الوفاء قبل كل شيء مع الذات، مع ذواتنا، مع أرواحنا التي تحيا لأن الله زرع فيها الحياة، الله كريم ينزل كل ليله إلى السماء الدنيا، وينادي هل من طالب فيعطيه ما طلبه، هل من مستغيث فيغيثه، عند الله تتلاشى كل المعاني والكلمات، فهو الرحمن الرحيم، القدوس السلام المؤمن العزيز الكبير البارئ الوهاب الرازق الفتاح العليم الرؤوف السميع، عند الله وعند أسمائه وصفاته يتلاشى كل ألم وحزن، وكل خيانة وكل جرح، عند الله تسمو أنفسنا وتتعالى أرواحنا لأننا مع الله··
كان يتحدث أبي بطريقة موسوعية، بطريقة خاصة تجعل من كل كلماته كالأهرام شامخة في ذاكرتي، وبينما هو يتحدث عن الله كنت أعيش التناقض، تناقض طفل، فقد كان تصوير الله عند أبي مختلفاً عنه عند أمي تماماً، فالله عند أبي رؤوف ودود يواسي الضعيف، ينصر الفقير ويساعد المحتاج، أما عند أمي فالله قاهر يعذب يدمر و يغضب ولا يرحم المخطىء أبداً، وكنت بين هذا وذلك أعيش التناقض، أحسست في طفولتي أن هنالك إلهين! إله أبي وإله أمي، وبعدما كبرت عرفت يقيناً أنه إله واحد، ولكن هنالك أشخاص يبحثون عن مصالحهم بتسخير صفات الله التي تناسب جريان مصالحهم؛ لأجل حصول المنفعة الحاضرة! ومن هؤلاء الأشخاص للأسف كانت أمي!
عدنا متوجهين للمنزل، كانت الشمس تعلن الهروب إلى نصف الكرة الأرضية الآخر، فبدأت أصوات الأذان ترتفع من كل جهة، تلك الأصوات التي تدخل إلى سمعي الآن، وأنا رجل أربعيني، كصوت غريب موحش يجعلني أحتار أكثر وأكثر، بينما كانت تلك الأصوات أجمل وأحلى ما سمعته عندما كان أبي يمشي بجانبي، في ذلك اليوم كنت أتأمل عيني أبي وأرى فيهما الألم والخوف والجرح وكنت أتساءل: لماذا أبي حزين ومتألم دائماً؟ هل هو يحلم بحياة أفضل من تلك التي يحياها وهذا سبب شقائه، أم وجود أمي التي لا تبادله الحب والوفاء، أم ماذا؟ كنت مؤمناً أن سبب شقائه وألمه هو حبه الكبير لأمي، فالرجل يموت ألف مرة من امرأة لا تبادله الحب والوفاء، وكنت لا أرغب برؤية هذا الألم في وجه أبي، الذي هو الحب العظيم بالنسبة لي، فبدأت أثناء مسيرنا أدعو على أمي بالموت! لقد كنت لأجل أبي أدعو عليها بالموت! وكنت أثناء ذلك أعيش في اضطراب في العواطف والمشاعر؛ فحبي العميق لأبي وبأنه شيء مقدس لا يجوز نكران حبه وواقعي بأن تلك المرأة التي أدعو عليها هي أمي يعذبني ويزيدني ألماً في مشاعري، وبينما أنا غارق في اضطراب وتصادم المشاعر، توقف أبي الذي علمني كل شيء، علمني كيف أكتب، ولمن أكتب، ومتى أكتب، وكيف أناقش، توقف فجأة وبدأ يتأمل قطة صغيرة تتراقص على نفاية من النفايات المرمية في جانب الطريق :
- لا فرق بين الإنسان والحيوان!
قال كذلك أبي الذي سيظل خالداً في حياتي، تعجبت من كلامه، فما قاله يخالف ما تعلمته في المدرسة، فالإنسان مُنح العقل والشهوة، والحيوان خُلقت فيه الشهوة بلا عقل يزنها، قلت لأبي متعجباً مستفهماً :
- كيف ذلك؟!
صفحة 7
نظر إليّ ووضع يده الغالية على شعري وقال:
- يا ولدي الفرق الكامن بين الحيوان والإنسان هو العقل، وللأسف أغلب البشر لا عقول لهم! فلو وجد العقل لديهم لما انتشر الظلم والفساد والكذب والنفاق، ولما وجدت خيانة المشاعر وعدم الوفاء، وهم مؤمنون أن هذه الدنيا فانية ولن يبقى لنا غير وفائنا وأخلاقنا الجميلة، أفهمت يا طفلي! هم أشبة بالحيوانات لأن شهواتهم سيطرت على عقولهم، انتبه أن تكون حيواناً يا ولدي! حرر نفسك، حررها من كل عيب ونقيصة، من كل جرثومة تحاول قتل الشيء الجميل فيك، تحرر يا ولدي وكن شريفاً ··
- كيف يصبح الإنسان شريفاً؟
قلت كذلك وكنت موقناً أني أتحدث مع أعظم إنسان يعيش الآن!
- عندما يعترف شخص ما بأنه اقترف خطأً فهذا يعني أنه حرر نفسه من هذا الخطأ وأصبح شريفاً ··
قال كذلك وسكت برهة من الزمن، جلس على الأرض التي أحبها وأحبته، جلس على ذلك الطين الذي سقاه بماء قلبه وبحبه ووفائه لها، وأردف يقول :
- كن وفياً، فالوفاء هو العدالة يا ولدي، فمن يريد أن يكون عادلاً مع نفسه ينبغي عليه أن يكون وفياً، وأن يكون الوفاء واقعه ومستقبله، كن وفياً تعش سعيداً حتى وإن رآك الناس غير ذلك، كن وفياً بالتعبير عن وفائك لمن تحب قبل حصول الموقف الذي يجبرك على الوفاء، أعلن وفاءك للأرض وللسماء وللناس وللشجر والبحر وللنخيل، لا تنس يا ولدي أن تكون وفياً للنخيل، كن وفياً يا ولدي؛ فعندما تصادف إنسانا يخطىء عليك لا تقابل خطأه بخطأ آخر بل كن وفياً للإنسان، فالإنسان ضعيف لا يعيش بلا أخطاء، كن وفياً له يا ولدي وابتسم له، وتذكر أن الوفاء ألزم للمحب منه للمحبوب، وأنت مُحب لهذا الإنسان، لهذه الأرض؛ لذا يجب أن تكون وفياً لها، كن وفياً فالوفاء عامود الحب ·· ·
عندما أكتب عن ماذا أكتب؟ إني لا أكتب عن نفسي فقط وإنما أكتب عن تلك البيئة الغريبة المتناقضة التي يعيش فيها الإنسان السعودي! أكتب الحقيقة متجردة من غير تزييف أو مراء! أما الحقيقة فهي حقيقة واحده لا وجود لغيرها، والمثقف أو من يحمل الضمير الحي ينبغي عليه أن يحمل الحقيقة ويدافع عنها بقلبه، بقلمه، بثقافته، بأدبه، بمناقشاته، بآرائه، وبكل ما يملك من أسلحة يحملها في وجه القوه! والقوة هنا حقيرة تريد أن تطفىء نور الحقيقة عبر الكلمات الرنانة والجمل البديعة، جمل الكذب والتزييف والخداع! أما الحقيقة فهي حكاية قاتمة من تلك الحكايات المظلمة الأليمة، التي كثيراً ما تحدث هنا أو هنالك في وطني دون أن يعيرها أحد أي انتباه، وكأنها ألغاز خُلقت حتى تظل مخفية تحت أشعة شمس الوطن! حكاية تحدث في تلك الحياة الصاخبة المتفجرة والمتخمة بالمادة، تلك الحياة التي لا تنام أبداً، فكيف تنام وسط معمعة الحياة المادية، وسط التفكير بالذات قبل العامة، وسط المصالح التي قد تبيح كل شيء، متبعة من قاعدة مكيافلي: (الغاية تبرر الوسيلة)، مبدأ يصرح لها كل شيء، إنها قصة وحكاية لا بد أن يأتي زمن ما وتكتب حتى يدمع القلب، وتترقرق العينان، وتختفي الغشاوة، ويتفتح العقل، وتطرح الأسئلة، ويتلاشى الوهم الذي أوجدناه نحن! إنها قصة الفقراء والبائسين والمهانين والمعذبين، قصة ذلك التمايز الخطير بين طبقات المجتمع، ذلك التمايز الذي هو سبب شقاء كل طبقات المجتمع بلا استثناء، بل هو سبب المآسي التي لن تنتهي أبداً إلا بوجود قانون كالحديد صلب، لا يفرق بين أحد مهما كان هذا الأحد! لذلك عندما ينادى بالإصلاحات في سائر القوانين والأنظمة وكذلك المناهج بلا استثناء، لا ينبغي الخوف منها ونبذها، بل يجب تفنيدها، الرديء نرفضه مع تبيان أسباب الرفض، والجيد منها نقبله وندعمه بكل الوسائل الممكنة؛ لأن تلك الإصلاحات في المجالات كافة سوف تؤسس قوانين حقيقية، قوانين تبني العقول وتحيي الضمائر الميتة، وما أحوجنا نحن لذلك!
·· لم تكن طفولتي غير ذلك، قصة من تلك القصص المأساوية، والمأساة تتعاظم يوماً بعد يوم، هل أستطيع أنا ابن الأربعين أن أنسى أو أتناسى ذلك اليوم الخالد من ذكريات طفولتي يوم ناداني أبي لغرفته، كان الليل في منتصفه، قربني منه وبدأ يروي لي قصصاً عن الماضي بصوت خفيف ولحن مميز، كان يفعل ذلك وعيناه الصغيرتان تتأملانني كما لو كانتا تمنحانني الطاقة التي تجعلني أحب الحياة دائماً، كان أبي يقص وكنت أحسبني في حفلة موسيقية لا أمل منها أبداً، وكلما استرسل في قصة شدني للأخرى، وكلما ملكني فرح عظيم يذهب النوم عن عينيّ، وبسبب تلك الذكريات كنت عندما أشاهد التلفاز والأب يحكي قصة لطفله وينام طفله، كنت أتساءل : لماذا لم أنم من قصص أبي!؟ وبعد سنوات عرفت السبب: ذلك لأن أبي غير كل الآباء·· بعد أن أنهى أبي قصة تلك الليلة بدأ يضمني بحنان أقوى وأعظم من ذي قبل، ثم رفعني للسرير وجعلني أمامه، فبدأت أتأمل أبي بتركيز شديد، أتأمل شفتيه اللتين بهما يقبلني، أتأمل شعره الحريري، أتأمل وجنتيه الحنونتين، أتأمل حركات يديه المتقشرتين، أتأمل عينيه وآه من عينيه الحزينتين، بدأت فجأة تتدحرج عبراته الثملة على وجهه المثقل بهموم الدنيا، فيمسح تلك العبرات عن وجنتيه بمنديله ويضعه داخل مخبئه، ويمد يديه ويضعهما على كتفيّ، ويتأملني بطريقة لم أعهدها سابقاً فتبدأ الكلمات تخرج متراقصة حزينة من بين شفتيه :
- أبقَ عزيزاً، أبقَ عزيزاً، كرامتك فوق كل شيء مدى الحياة، لا تمد يدك طالباً عفواً مستجدياً قرداً! مهما كان ومهما هو ذلك الإنسان! في وسعك يا ولدي أن تكون ذليلاً لهذا القرد الغبي، ولكن ستندم طوال حياتك، إنه شرير، نجس، خبيث، حقير من يريد إهانتك، إني آمرك يا ولدي أن تبقى عزيزاً بكل سلام، عش يا ولدي مسالماً الناس، ابتعد عن خلق أعداء لك، فهذا أهم أسباب النجاح: الحياة بلا أعداء حقيقيين، كن طيباً يا طفلي مع الناس، ولكن كن شديداً عنيداً، اسمع لما يقوله الغير، أرخ حواسك لهم، تأمل كثيراً وتذكر وفكر أكثر، واربط الأفكار ولا تتحدث بشيء إلا بعدما تفكر وتتأمل كثيراً، يا ولدي لا تهرب أبداً من الحياة واجهها بكل قوة، بكل ذكاء، كن ليناً حتى لا تكسر مجاديفك، تأمل دائماً في تساقط الأوراق، ماذا يعني ذلك؟! الأكيد أنه يعني للعامة دنو فصل الشتاء وحلول فصل الخريف، ولكن ماذا يعني ذلك للإنسان المتأمل الذي يفكر عميقاً بكل شيء يراه؟ إنه يعني يا طفلي أن كل شيء مهما اشتد عوده وقسا وقوي، سيزول حتماً، لأجل ذلك انتبه وضع أمام عينيك : لا شيء خالداً سوى الأفكار العظيمة ·· · انتبه يا طفلي ··
قال كذلك أبي، ذلك الجبل الشامخ الذي لم ينصفه القدر، قال كذلك وأغمض عينيه استعداداً لنوم تلك الليلة، أما أنا ذلك الطفل صاحب العشر سنوات لم أكن أدرك شيئاً أبداً!
صفحة 8
للأسف لم أكن أدرك! لم أكن أدرك أن تلك الكلمات آخر ما سوف أسمعه من أبي، لم أكن أدرك أن بلوغي سن العشر سنوات يعني اختفاء أبي بلا رجعة! لم أكن أدرك أن تلك القصة التي كانت عن غاندي، وكيف استطاع تحرير الهند من الاستعمار البريطاني بالحب، هي آخر قصة أسمعها من لسان أبي! لم أكن أدرك أن تلك الإغماضة لعينيّ أبي هي الإغماضة التي لا يتلوها أي استيقاظ دنيوي! لم أكن أدرك أن تلك الكلمات و النصائح التي قالها أبي ليلة الجمعة؛ وهو يمسك بيديه كتفيّ هي وصية رجل يحتضر! لم أكن أدرك أن آخر كلمة أسمعها من لسانه كانت : طفلي، لم أكن أدرك أي شيء لأني طفل! لم أكن أفهم أي شيء لأني طفل! لم أكن أعلم أي شيء إلا عندما استيقظت على ازدحام وأصوات وصراخ! لو كنت أعلم ذلك! لو كنت أدرك أن ملك الموت كان ثالثنا في تلك الليلة، لو كنت أعلم أنها آخر ساعات أعيشها مع أبي لما أغمضت جفنيّ بل لجلست أتأمله وأتأمله وأتحسس كل جزء منه، ولجلست أُقبل قدميه ورأسه، أُقبل كل جزء منه حتى آخر لحظة، ولكن للأسف لم أكن أدرك ذلك!
·· كان منزلنا الصغير مزدحماً بالناس، أولئك الناس لا يعرف بعضهم بعضاً، إنهم غرباء، لا يوجد أي رابط حقيقي بينهم، وحده أبي كان يحب كل شيء، لا يوجد في داخله إلا ذلك الحب الشريف النظيف للإنسانية جمعاء، وحده أبي كان يحب حباً صادقاً، كان يحب الأرض والسماء، الليل والنهار، وحده أبي كان يزرع الأمان في قلوب من يرونه، أما أولئك الناس فقد خفت منهم، خفت من كثرتهم، كرهتهم وكرهت أمي التي لم أرى دموعها في تلك اللحظات، ذهبت باحثاً عن أبي! أين أنت يا أبي؟! ذهبت مسرعاً لجدتي عيناي تقول لها : أين أبي أين هو؟! أين وضعتموه؟! كانت الإجابة ماثلة ومنتصبة في نظراتها : لقد مات، لقد ذهب بلا عوده! عندما رأيت تلك الإجابة ماثلة في عينيها تأكدت فعلاً أن أبي قد مات، قد ذهب ولن يعود، تمنيت في تلك اللحظة أن أظل بعيداً عن هذا الوجود، وألا أسمع أي شيء سوى كلمات أبي، وألا أفعل أي شيء غير أن أضغط بيديّ على قدميه، تمنيت أن أكون بعيداً عن الناس في مكان لا صوت فيه ولا نحيب، لا شيء هنالك، بعيداً عن رائحة حقول النخيل، بعيداً جدا وأظل أتأمل الحياة الحزينة الطافية على شاطئ حياتي وواقعي ·· ·
·· جلست هنالك في المكان البعيد عن أنظار البشر، والزمان البعيد عن كل الأوقات، جلست هنالك أبكي لعل الله يرحمني ويجعلني أعود فأرى أبي كما لو أنه لم يمت! مرت ساعات وأنا بعيد، بعدها رجعت للمنزل أنادي : أين وضعتم أبي، أحتاج أبي أنا، أين هو أبي؟! وفجأة صرخت أمي قائلة: إنه في المقبرة، كنا نبحث عنك لقد دفنوه! صرخت: لماذا، لماذا دفنتموه قبل أن أراه، قبل أن أقبل قدميه، قبل أن أشم رائحته، لماذا لماذا؟! توجهت بسرعة للمقبرة، هنالك ذهبت، هنالك وقفت، هنالك تأملت، هنالك بكيت، هنالك تألمت، هنالك لم أكن أفهم شيئاً، كان في جيبي تمرة أعطاني إياها أبي في الليلة الماضية، تمرة أخرجتها وبدأت أحفر القبر! ووضعتها داخل القبر! أحسست بأن أبي جائع! وكذلك كنت أعرف حبه الشديد للتمر! كنت أكذب على ذاتي، كنت أتخيل أنه نائم في البر كما يحب هو ذلك! لقد كنت مجرد طفل يتألم!
·· قمت من على القبر وبدأت أدور وأدور في مكاني، جلست أتأمل في ذلك العالم الحقير، ذلك الوجود الذي يحيط بي، أتأمل والقبور من حولي، طفل والقبور عن شماله ويمينه، طفل وأمامه قبر أبيه، طفل كنت أنا، جلست أتأمل ذلك العالم بكل تركيز، أيقنت وأنا طفل في مقبرة وحولي آلاف القبور، آلاف الرجال، آلاف النساء، آلاف الأغنياء، آلاف الفقراء، أو لنقل عشرات الأغنياء وآلاف آلاف الفقراء، ألوف وألوف من كل جنس ونوع، أيقنت هنالك بأن وجود الإنسان على هذا الكوكب أكبر تفاهة!كنت أتأمل هذا الحقير المدعو: العالم! وإذ بصوت قادم لا أدري هل أحد الأموات قد عادت له الحياة حتى يصرخ في روحي قائلاً :
- كفى! كفى صياحاً! كفى بكاء! كفى دموعاً! كفى يا طفلي كفى!أمسك تلابيب نفسك! ارحم روحك! لا بد لكل إنسان أن يموت، حتى النخيل تموت! حتى النخيل تموت ·· ·
·· هربت مسرعاً للمنزل، كانت أمي تقرقر مع إحدى النساء، أما جدتي فكانت سارحة نحو مكان ما لعلها تتساءل: متى يحين دوري! تركتهم جميعاً، توجهت مسرعاً لا أدري ماذا كانت إرادتي تريدني أن أفعل، فقد هربت بشكل سريع صوب ذلك المكان الذي آمنت أنه أجمل وأهم مكان أحبه أبي، توجهت مسرعاً نحو تلك الأرفف وبدأت، وأنا ابن العشر سنوات، أتأمل تلك الأرفف الممتلئة بالكتب، أتأملها وكأني أتأمل أبي العظيم، أيقنت وأنا أمام تلك الكتب أنه لم يبق لي سواها، ولن يحبني سواها، ولن يهتم بي غيرها، بدأت أتحسس تلك الكتب وكأني أتحسس قلب أبي، بدأت دموعي تتساقط، خرجت مسرعاً لأمي، قلت لها : كتب أبي لي · ردت قائلة : خذها وإذا لم ترغب بها فسأحرقها!! كرهتها!! لأنها عاشت اثنتي عشرة سنة مع أبي ولم تعرف معنى حبه لهذه الأوراق! كرهتها وكرهت المجتمع الذي سيظل لا يدرك قيمة ومعنى حب الإنسان للقراءة والكتب، كرهت المجتمع الذي يريد أن يظل عاشق القلم، عاشق الأوراق، عاشق الأدب، يحيا فقره وخوفه واضطرابه؛ لأننا في مجتمع لا يفهم ولا يدرك قيمة حب القلم!
·· في آخر يوم من عدتها قالت لي أمي :
- سأتزوج يا وليد وأنت ستعيش عند جدتك، فهذا المنزل ليس ملكنا، يجب تسليمه لمالك المزرعة!
·· سكت متأملاً كلماتها، كنت أريد وأرغب بأن أقول لها : أرجوكِ لا تتزوجي، سأعمل سأحفر الصخر حتى أكسوكِ وأطعمكِ، سأعمل كل شيء لكن أرجوكِ لا تتزوجي! ولكني لم أستطع إخراج ما كان يعيش في قلبي، كيف أقول لها ذلك وهي من قالت لأبي : طلقني!! كيف أطلب منها البقاء معي وأنا لا أرى أي فعل منها يحسسني بحبها لي! كيف! تركتها ولم أرد على ما قالته، فقد كنت موقناً قبل أن تتحدث بأنها ستتركني وحيداً كما كانت من قبل ··
صفحة 9
·· بعد تسعة أشهر من وفاة أبي تزوجت أمي، أما يوم زواجها فقد كان يوم قتلي وقتل مشاعري كاملة تجاهها!أحياناً أقول إن لها الحق؛ فهي تريد رجل يسترها ويساعدها ويحميها، ومرات أخرى أقول لا حق لها أبداً بأن تتزوج، فلن يمنحها أي رجل قلباً ومشاعر وحباً وأحاسيس كما فعل أبي! قُتلت مشاعري في الثاني والعشرين من شهر أغسطس، عندما لمحت أمي ورجلاً آخر لا أعرفه ولا يعرفني، رجل يقال إنه زوجها يمسكها بيديه، رأيت في تلك اللحظة أن شيئاً لم أكن أحبه، بل كنت أحب بقاءه بجانبي لا أكثر من ذلك، في تلك اللحظة رأيت ذلك الشيء يخرب، يتسخ، يتلوث، يتعفن! لقد رأيت أمي وهي تبيع قلب أبي الذي لو كان على قيد الحياة لما باع قلبها مع أي امرأة أخرى! في ذلك اليوم الذي قتلت فيه مشاعري كاملة تجاه أمي، هربت مسرعاً وكتبت في مذكراتي:
أمي حملتني تسعة أشهر، أرضعتني زمناً، عملتِ أشياء كثيرة أوجبها عليكِ الخالق، قد تكونين سهرت على تمريضي! ضربتني كثيراً، اتهمتني أكثر وأكثر من أي شيء أخر! عملت أشياء وأشياء لأني طفلكِ، ولكن اسمحي لي إعلان التخلي عن كل ما عملتيه وما قدمته لي! اسمحي لي أن أكتب : من هذا اليوم أنحل آخر حبل يربطنا سوياً! أتعلمين لماذا؟! لأنكِ لا تدركين معنى الوفاء! انسي طفلكِ حتى لو مر بقلبكِ صدفة! انسيني فأنا مجرد إنسان يعيش واقعه بلا أب وبلا أم، إنسان يعيش فقط ذكرى أب خالد ··
·· ذهبت للعيش عند جدتي في غرفة مظلمة كئيبة، كنت أستيقظ على رائحة قذرة، وجدران ملطخة بألوان غريبة لا تمت للحياة بصلة، وأحياناً تراني أستيقظ على صوت فأرة تحاول أكل جزء من المقعد الخشبي المهترىء، غرفة توجد بها نافذة تطل على خرابة، هذه الخرابة جعلتني بالفعل أمقت الحياة التي أحياها، في الماضي وأثناء حياة أبي إذا رغبت بالتأمل فهو من خلال النافذة المطلة على حقول النخيل، ولكن ها هنا عند جدتي إذا احتجت التأمل فيجب إغماض عيني؛ لأن لا شيء هنا يرسل بتأملاتي إلى أماكن بعيدة! وضعت كتب أبي داخل خزانة الملابس محاولاً إبعادها عن الفئران! كنت في كل يوم أقبلها وأضمها وأنظفها، وأخذ كتاباً وأجلس أقرأ، وفي الأغلب لا أفهم مما أقرأ شيئاً، لا أفهم عما يكتب جان بول سارتر، ولا أدرك أي مصطلح يستخدمه، ولا أفهم ماذا يرغب فيدور دوستويفسكي أن يقول، ولا أعلم عما يفكر ألبير كاميه عندما كتب الإنسان المتمرد، كل ما كنت أفهمه جيداً كلمات أبي وهو يردد: اقرأ، أقرأ كثيراً ولا تتضايق يا ولدي عندما لا تفهم ما تقرأه، المهم أن تستمر بالقراءة، وستجد نفسك وقد فهمت كثيراً، المهم اقرأ ولا تتوقف عن القراءة ··
·· عشت عند جدتي حتى عمر الثامنة عشرة، كنت أعيش أفظع درجات الحرمان من كل شيء، كانت عمتي المراهقة التي تدعي التدين والتقوى كثيراً ما تضربني، بل كانت تتفنن في تعذيبي! أذكر مره كان بيتنا مزدحماً بالأطفال فبدأت عمتي توزع الحلوى التي جلبتها جدتي، حلوى من جميع الأصناف، جلست أنتظر إعطائي ولكن لا حياة لمن تنادي! ذهبت لها بكل طفولة طالبا كما غيري ولكنها رفضت إعطائي شيئاً، بل إنها وبكل حقارة وغل وحسد بدأت بأظافرها الحديدية تضغط على رأسي! وأذكر أن مخدتي قد امتلأت دماً في ذلك اليوم! عندما أخبرت جدتي لم تفعل أي شيء، بل إنها قالت : الأكيد أنك عملت شيئاً أجبرها على عقابك! بعد تلك الحادثة صرت أخاف من عمتي، وأحاول ألا أتصادف معها، ومن شدة خوفي كنت أعتقد أن كل البشر رجالاً ونساء يخافون منها ويخشونها! لأجل ذلك كنت عند عودتي من المدرسة أخرج بسرعة للحقول، متجولاً ومتذكراً ذكريات أبي وحبه لي، في أثناء جولاتي بين الحقول كنت أتسلق النخيل خفية وأسرق الرطب! كنت أفعل ذلك للحصول على كمية أستطيع بيعها لأجل المال! لم أكن أحتاج المال للأكل أو لكي أشتري ثوباً آخر غير الثوب الوحيد الذي أملكه، بل لأجل أن أشتري كتاباً، كنت أسرق! فقد طلبت من جدتي مبلغاً من المال ولكنها رفضت، فاتخذت خطوة سرقة الرطب وجمعها حتى تكون كافية لمقايضة العامل العربي، الذي يوجد عنده الكتاب، وكنت لا أسرق سوى السكري حيث إنه الأغلى!
·· عشقت القراءة بجنون فبعد موت أبي لم يكن لي سوى الكتاب صديق يواسي وحشتي ويؤنس وحدتي، كنت أقرأ الليل طوله وعرضه، مع القراءة والتغلغل في هذه الكتب اكتشفت، رغم كل شيء، رغم اختلاف الأماكن وتباين الأزمنة، واختلاف الأشخاص· أن القصة تدور حول شيء واحد لا يتغير أبداً وهو: قصة أناس فقراء يمتصهم الأغنياء، والأغنياء في طفولتي هم أمي وجدتي وعمتي؛ فكل من ظلمني كنت أراه غنياً لأن الغنى ارتبط في مخيلتي بالقوة! هؤلاء الأغنياء أكثر سعادة وأوفر حظاً في حياة كريمة من الفقراء! اكتشفت أنه في النهاية ينقلب الحال فيتلاشى الغني الذي ملىء قلبه حقداً وكراهية للفقير، عندئذ ينتصر الفقير انتصاراً مجيداً، كنت أتساءل: متى أنتصر على جدتي وعمتي وكذلك أمي، بل متى أنتصر على الوجود بأكمله! وبأكمله تعني الانتصار على المرأة! فكل امرأة مرت في طفولتي كانت تثبت لي أن المرأة أحقر مخلوق وجد على الأرض! فلا أمي تعرف معنى الأمومة، ولا هي سألت عني بعد زواجها، فقد انتقلت إلى مدينة قريبة من قريتنا اسمها الرس، أما جدتي فبسببها كنت أعيش التناقض، فقد فهمت من أحد أصدقائي في المدرسة أن جدته لأبيه تحبه بعكس جدته لأمه! أما أنا فجدتي من أمي لم أرها أبداً، وجدتي لأبي التي أعيش عندها أشعر كثيراً أنها لا تحبني ولا أعلم لماذا! كنت أتساءل دائماً : لما أعيش بينهم كالمنبوذ؟! لا أحد يحبني قط سوى أبي ··
·· ومع كل يوم يمضي تأكدت أن ذكرياتي المغروسة في ذاتي، التي تركت أثراً أليماً في حياتي، وكان هذا الأثر كالإبرة التي تؤلم الجسد كل حين·· تلك الذكريات التي أضفت على حياتي التي قضيتها بين أبي وأمي وجدتي، أقصد ذكريات طفولتي البائسة، أضفت عليها لوناً ممتزجاً بين البياض والسواد وكان الأبيض بسبب طفولة عشتها بجانب أبي، أما الأسود فكان بوجود أمي وجدتي في حياتي! فعند جدتي وبوجود تلك العمة اللعينة، التي فكرت يوماً ما بقتلها، أصبحت الحياة لي في تلك الفترة وكأنها تنمو وتزداد كآبه وألماً، وتتشكل على أشكال لا أعرفها ولا أدرك المعنى الحقيقي لها، كنت لا أظن المستقبل سيكون أفضل مما هو كائن الآن! في تلك الأجواء الغريبة، أجواء الحقد والحسد والظلم واليتم، في تلك الأيام التي عشتها عند جدتي من مراحل حياتي الرئيسية، كانت تلك الليالي وما تحمله لي من ألم وخوف ودموع، هي من شكلت فيَّ حبي العظيم للإنسانية وبداية تكون فلسفة اسمها الإنسان أولاً، وكنت أرى في تلك الفترة أن الإنسان يعني الرجل فقط! أما النساء فقد كنت في طفولتي لا أرى أن هذا الوصف ينطبق عليهن! وأذكر أني كتبت في مذكراتي وأنا ابن الرابعة عشرة:
صفحة 10
إني أبحث عن الإنسان
في قلب رجل كله أمان
في مكان ما وزمان
أبحث أنا عن الإنسان ··
·· كنت أعيش في غبار من التعاسة والحزن حاولت الإفلات من قيودها، بالانكباب على القراءة أكثر وأكثر وبشكل أعمق، كذلك أصبحت أتأمل أكثر من ذي قبل، ومع كل يوم يمر زادت تلك التعاسة، وأصبحت واقعاً وليس غباراً يذهب ويعود! في أثناء ذلك صار واقعي منحصراً بين كتب وأوراق ومذكرات، منغمساً بل غارقاً بالفعل في عالم الكتب، فعند بلوغي سن السادسة عشرة، بلغ مخزوني الثقافي ونظرتي للعالم وللبشر كمستودع مُلء بأجود أنواع التمر، وتكدست فيه أشياء شتى، والغبار يلتصق بكل تمره هنالك! ومع ذلك لم أكن أملك القدرة على ترتيب كل تلك الأشياء وصياغتها على شكل مشروع ثقافي، فقد كنت أرى بوضوح مع كل كتاب أقرأه الفرق البارز بين الحياة التي أحياها هنا والحياة في الخارج، خارج قريتي، بعيداً عن النخيل!كنت أرى في تلك الحياة التي أعيشها منذ مات أبي فقراً عظيماً في العواطف والمشاعر، كنت لا أحس بأحد ولا أشعر بوجود أي كائن يمثل نموذج الحنان الأسري، كانت الإنسانية في ذلك الزمان كئيبة مملة تحمل في جنباتها أكبر معنى للحقارة، كنت أصم أذني عن سماع تلك الإنسانية، التي كانت لا تعني لي سوى واقع أليم بوجودي مع جدتي وعمتي!
·· ومع الأيام، وبسبب تعلقي الكبير بالقراءة، بدأ يطفو على سطحي نوع غريب من الخوف، أنه ذلك الخوف الذي لا أستطيع معرفته أو أن أحدد من أين هو، وكيف هو وإلى متى يكون! كثيراً ما أشعر بموت نفسي ويأس قادم يجعلني أموت على الرغم أني حي، كان ذلك الخوف يزداد من كوني فقدت من أحببته ومن أحبني وهو أبي، فصرت أخاف من فقد أي شيء أحبه وأتعلق به، فقد عشقت الكتب بشكل جنوني وصرت أتساءل كثيراً : هل تموت الكتب وتختفي كالبشر! لقد زرعت تلك الكتب في داخلي حقيقة جلية، وهي أني لست وحيداً على ظهر هذه الأرض، وأن هنالك على مقربة مني كتباً يقص فيها قصص حياتنا إنسان يحمل هموم الإنسان·· كانت تلك السنوات بين عمر الخامسة عشرة والسابعة عشرة، أكثر مراحل حياتي تأملاً وفهماً للحياة وهدوء روحاني، كنت أتأمل بشكل كبير هذا الوجود الذي أعيش فيه ويعيش فيّ! وبينما أنا أرقب جميع تلك الأشياء المحيطة في وجودي، من عدم حب جدتي لي وكره عمتي المتزايد يوماً بعد يوم لي، وموت أبي، وعدم اهتمام أمي أو سؤالها عني، ولدت في ذاتي أفكاراً جديدة تمتلئ ألغازاً، ولكنها تظل أفكاراً مهمة للاستمرار في الحياة، بدأت هذه الأفكار تتطور وتتخذ أشكالاً جديدة، وبدأ التفكير بمستقبل وطني ومصير شعبه العظيم أمام كل التحديات، التي تواجهه من قريب أو بعيد، من عدو أو صديق، هو شغلي الشاغل! كنت لأجل الوطن ألتهم الأوراق التهاماً، كنت لأجل الوطن أسرق الرطب حتى أشتري كتاباً! كنت لأجل الوطن أكذب على جدتي ولا أبين لها أني أقرأ! كنت لأجل الوطن أفكر ليلاً ونهاراً، هذا التفكير العميق أدى بي إلى معرفة فريدريك نيتشه، أعرفه جيداً حتى بدأت أثق به، إلى أن استولت فكرة غريبة في مخيلتي، فبدأت أشعر أني صاحب رسالة، وأن لي فضلاً وميزة معينة لا أعرفها ولا أدركها، ولكنها موجودة، ميزة بين جميع من أراهم أو أعيش بينهم! بسبب تلك الفكرة بدأ ينمو في ذاتي صراع آخر، صراع بين أن أعيش كإنسان اجتماعي أصادق، ألعب وأضحك، أعيش الحياة، وبين ما يجب عليّ عمله وفعله وقوله كصاحب رسالة!
·· عشت نحو ثلاث سنوات مع نيتشه وكتبه مع هكذا تكلم زرادشت، العلم الجذل، هذا الإنسان، ميلاد التراجيديا، تأملات في غير أوانها، أمور إنسانيه إنسانية إلى أقصى حد، الضجر، بمعزل عن الخير والشر، أصل نشأة الأخلاق، أفول الأصنام، عدو المسيح، كنت آكل تلك الكتب أكلاً بلا شبع، و أعيد قراءتها مرة ومرتين وثلاث مرات ولا أمل منها! لقد كنت أقرأ له بقلبي وبروحي بل بكل ذرة من ذرات جسدي، كان نيتشه وما زال أستاذي الأول في الفلسفة، مع نيتشه تعلمت أن أكون مراسلاً وليس كاتباً، مراسلاً أنقل أخبار الناس، عواطف الناس، قصص الناس، حكايات الناس، آلام الناس، أوجاع الناس، فلسفة الناس، تعلمت أن أظل مراسلاً ينقل الأخبار من الناس للناس فقط! مع نيتشه عرفت متى وأين وكيف ولمن أتفلسف، مع نيتشه أدركت لم خُلق الحسد والحقد والظلم، حتى ينجح الإنسان المؤمن بقدراته، مع نيتشه تعلمت لماذا خُلق الأغبياء! حتى يبرز العظماء والأذكياء، مع نيتشه فهمت الحياة بشكل آخر، فهمت أن المرأة سبب فشل أو نجاح الإنسان لا أكثر من ذلك! مع نيتشه بدأت أعرف أدوات الفلسفة، بدأت أتفلسف وكتبت مره متفلسفاً :
إنك لا تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك أن تكون!!
·· إنك تستطيع أن تتظاهر بالذكاء كما تحب وكما تشاء، ولكنك لا تستطيع أن تكون ذكياً إلا إذا أريد لك ذلك! إنك لا شيء! تريد وتريد وكل شيء محسوم وأريد لك! إنك تستطيع أن تتظاهر بأنك محترم أمام أصدقائك، أمام أهلك، أمام أعدائك، أمام منافسيك، ولكنك مهما حاولت وحاولت لن تستطيع أن تتظاهر بالاحترام أمام ذاتك؛ لأنها الوحيدة القادرة على فضح كذبك وادعائك المزيف؛ لأنها تعرف جيداً ما يدور في داخلك أيها المتظاهر، أيها الكذاب، أيها المتغابي للناس! إنك تستطيع أن تخلق لك إمبراطورية يعشقها الناس وتعشقها الأوطان، ولكنك أيها المتظاهر لا تستطيع أن تجعل من تلك الإمبراطورية التي خدعت بها الناس، صغيرهم وكبيرهم، لا تستطيع أن تجعلها كائنة أمام ذاتك؛ لأنها تعرف أنك تكذب! إنك تريد أن تصبح كذا وكذا، تريد أن تكون الفاهم الذكي القادر على إدراك كل شيء، ولكنك مهما أردت ومهما كان خيالك واسعاً في مجال الإدراك؛ فلن تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك! إنه لكثير من البشر هم الرموز، هم المثل العليا، هم الأذكياء والناجحون والفاهمون لكل شيء، هم كذلك في أعين الناس، لكن الحقيقة التي لا يدركها أحد إدراكاً ثاقباً: أن أولئك الأذكياء المدركين لكل شيء هم أغبى الأغبياء، وأن إدراكهم لذكائهم ونجاحهم المصطنع لم يأت إلا من خلال فكرة غبية؛ وهي أن الكاذب عند تكرار كذبته تأتي له لحظة ويشعر أنه أصدق الصادقين، وأن تلك الحادثة أو المجد المختلق لم يكن من صنع الخيال وإنما هو كائن بذاته! أن أولئك الذين يدعون أنهم المثل العليا في المجتمع والمثل العليا لثقافاتهم هم كذابون، فقد كذبوا وصدقوا كذبتهم مع تكرارها المستمر! إنك تستطيع بكل بساطة أن تتظاهر بأنك غني جداً ولكنك مهما حاولت لن تقدر أن تكون كذلك؛ لأنك بكل بساطة لا تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك أن تكون لا كما أردت لنفسك! إننا نعيش ونريد كذا وكذا، والحقيقة أن كل شيء مراد لنا ومنته، ونحن نؤدي دور ممثل أريد له كذا، ومهمته أن يؤدي دوراً معيناً أي أنه أريد له كذلك ولم يكن هو كذلك أبداً! إننا نُخلق لنؤدي دور ذلك الممثل الذي يؤدي الدور المناط به داخل الفقرة! إن حياتنا ما هي إلا فقرة داخل مسلسل قد يطول أو يقصر! إننا نؤدي الأدوار إجباراً لا اختياراً! هل نحن نريد أن نكون مظلومين أو ظالمين! لا أظن ذلك وإنما نريد أن نكون مسالمين سعداء، لكن الحقيقة أنه أريد لنا ذلك ونحن نؤدي ذلك الدور المناط بنا! إننا أشبه بذلك الماء الذي يُعمل له مجرى معين، وإذا رغب بالتمرد فمصيره التشتت الذي يعني الفناء ·· فهل أحد منا يتمرد أم لا؟! ··