eKtab
EN ع
سبع عجاف
اقرأ عينة مجانية

سبع عجاف

بقلم سعد آل سالم

صفحة 1

الإهداء

إلـى وطن نـحلم به ويـحلم بنا..

وطن يصافحنا، فنغدو بأكفنا حوله درع أمان

صفحة 2

مدخل

أقفلت خط الهاتف، بعد أن أنهيت نقاشاً حاداً دار بيني وبين أحد الزملاء في الصحيفة، والمعروف بقربه من رئيس التحرير، في الحقيقة أنه بدا ممتعضا من طريقتي في التعامل مع مسؤولي التحرير، وإصراري الدائم على إدراج الأخبار والمقالات التي أعدها، ومن عدم تفهمي للسياسة العامة للصحيفة، وعدم تقديري للخطوط الحمراء المفروضة عليها من الأعلى حسب قوله، بدوري لم أكن لأستسيغ مثل هذه الأعذار، ويزعجني أن أسمعها من أي زميل لي في محيط الإعلام، فإن لم يكن للإعلامي استقلالية وحرية في مهنته، دون فرض أراء ووصايا عليه قد تكون مضللة للقراء، فإني أرى الاستقالة والتنحي أفضل من خداع الناس عبر مهنة تعتبر السلطة الرابعة في أي دولة. ليس من خلال نشر المعرفة والتنوير فقط بل في تشكيل الرأي والإفصاح عن المعلومات والحقائق وتمثيل الشعب لدى الحكومة وإظهار وجه الأمم لنظيراتها.

إن ما وجدته في الأشهر الماضية من مضايقات من إدارة التحرير في الصحيفة، تمثلت في حجب الكثير من التحقيقات الميدانية التي وقفت عليها بنفسي، واللقاءات والأخبار التي تعبر عن نبض الشارع، وترديدهم نفس الحجة من تجاوز للخطوط الحمراء، والتي لا أعرف لها معنى عندهم سوى أنها تغييب لصوت المواطن وتحجيم للعين الكاشفة لفساد وتسلط بعض المسئولين، جعلني ذلك أفقد الكثير من علاقاتي داخل الصحيفة وأعيش حالة نفسية سيئة.

ففكرت بمراجعة العيادة النفسية عند صديقي مازن فقد أجد عنده حلولاً للخروج من هذه الحالة المرهقة. إنه يشعرني بالارتياح لمجرد الحديث معه.

حين دخلت عيادته هبّ واقفاً للترحيب الحار، فرغم تواصلنا عبر رسائل الجوال بعد كل خبر أو تحقيق ينشر لي، إلا أن أشهراً طويلة مرت لم نلتق فيها، بدأنا الحديث عن ذكريات جمعتنا بالسابق وعن أحوالنا الآن، ورغم اندماجي معه في ذلك إلا أن صوتاً خافتاً مسترسلاً لا أكاد أتبين كنهه تسرب إلى أذني من داخل غرفة الكشف واستوقفني، انشغلت به قليلاً ثم ما لبثت أن أحسست بالحرج، وسألت صاحبي إن كنت أعيق عمله؟.

ابتسم الدكتور مازن وأخبرني أن الصوت لأحد مراجعي عيادته وأنه الآن في جلسة ضمن برنامج علاجي له لا يستدعي تواجده بجواره وسيغادر بعد دقائق قليلة.

عدنا لنواصل أحاديثنا وأثناء ذلك هدأ الصوت، وخرج المراجع من الغرفة وأقبل نحونا في طريقه للمغادرة، ألقى التحية و سلّم ذاكرة كمبيوترية "فلاش ميموري" كانت في يده للدكتور وهو يسأل: كم سيكون رقمها؟!.

ليجيبه الدكتور بأنه لا زال في البداية وعليه أن يستمر، فهذه الذاكرة رقم ثلاثة وثلاثين، و التفت نحوي ليعرفه علي كإعلامي وصديق، تبادلنا الابتسامات وتصافحنا قبل أن يدير ظهره للخروج بعد أن أكد عليه الدكتور ضرورة التزامه بجلسة الغد.

لم استطع أن أقاوم الفضول الذي اعتراني عن حالة المراجع وعن ما تحتويه هذه الذاكرة؟ ربما هو فضول الصحفي.

أجابني مازن قائلًا:

هذا المراجع يعيش حالة نفسية تعيقه عن التأقلم مع محيطه الاجتماعي منذ خروجه من السجن، الذي قضى به محكومية صدرت ضده، وهذه نتيجة طبيعية قد يتعرض لها أي سجين مثله، خصوصاً إذا عرفنا أن السجناء لا يعرضون على مختص نفسي يهيئهم نفسياً قبل الخروج من السجن، فليتك يا صديقي تكتب عن ذلك وتنبه لضرورته.

أنهى كلامه بذكر تلك الضرورة ورغم أهيمتها إلا أنه لم يكن في إجابته ما يشبع فضولي حول ما تحويه تلك الذاكرة بالضبط، وعدت لأسأله عن ذلك بالتحديد متخلياً عن أي شعور بالحرج قد يكون رافق السؤال الأول؛ ليجيبني بأن المراجع يحمل الكثير من الذكريات والأحداث العالقة في ذهنه، والتي مرت عليه أثناء سجنه، و حين قصدني فإني بدوري حاولت أن أضع له برنامجاً علاجياً من خلال استحضار الذاكرة بشكل يومي بعد أن يكون مسترخياً على السرير، وحين يغرق في ذكريات الماضي أتركه يتحدث بالتفاصيل الدقيقة وأكتفي بتسجيلها في هذه الذاكرة، ليكون بذلك قد فرّغ شيئا مما بداخله، ولأعرف أيضاً مسببات المتاعب الحالية من خلال معرفة الظروف التي مرّ بها. كان يوسف كمن أخرج من لجة بحر تلاطمت أمواجه، يريد أن يقول كل شيء ولا يدري من أين يبدأ، وبعد حديث مطول،، استطعت أن أساعده في وضع محاور عديدة لسنوات وأيام سجنه ووعدني أن يحضّر لكل محور قبل الجلسة،، حتى انطلق مع الأيام وصار يذكر حتى التفاصيل الجميلة نسبياً ني تجربته.

(اووووه،،، جميل جدا يا دكتور) أقولها وثمّة أفكار تدور برأسي حول ما سمعته توحي بأن ما بداخل هذه المذكرات سيكون بمثابة الكنز لي، وقد يقودني لمعرفة الكثير من الحقائق داخل السجون.

وبكل هدوء ووضوح أوضحت ذلك له، وطلبت أن يتيح لي فرصة الاستماع إليها بل رجوته كثيراً بأن يساعدني من أجل ذلك.

هو بدوره لم يكن لديه معارضة لطلبي، ولكنه أرجع الأمر لصاحبها، فهو من يستطيع السماح لي بذلك، ووعدني أنه سيستأذنه وسيشرح له أهدافي من ذلك عند زيارته غداً قبل أن يضحك وهو يقول لي:

_ قبل قليل كنت تشتكي من الخطوط الحمراء في صحيفتكم وها أنت تطلب مذكرات قد يكون ما بداخلها خطوط تحمل كل الألوان وتقطع رزقك، كما قلت لي بأن زملاءك يتهمونك بأنك بتحقيقاتك تريد أن تقطع رزقهم لو تنشر.

_ يا دكتور: الرزق من الله سبحانه وليس في يد رئيس التحرير أو غيره قَطْعه، ولكن مشكلتي مثل ما شرحت لك يا صديقي أنني لم أستطع أن أعمل - كأغلبية زملائي - وفق إطار معين للصحافة، مع أنه أسهل لي بكثير من حيث الجهد وتوفر المواد، وبداخلي ما يجعلني مصراً على أن أكون صوتاً حقيقياً لقضايا الناس الشائكة ولهذا تعبت وقادني ذلك –كما تعلم- للمجيء إليك.

_ أتفهمك جيدا يا صديقي ولا تقلق فحالتك ليست مرضية بل حالة طبيعية لأصحاب المهنة الإعلامية الذين لا يرضيهم رؤية الظلم والفساد في مجتمع تكثر فيه تلك الأوحال بينما لا يغطي الإعلام ذلك وهو بمقدوره. ومن ناحية الذاكرة الرقمية أعدك أن أتكلم مع يوسف وأحاول إقناعه بذلك عند زيارته القادمة..

بالنسبة لي فقد تحول الأمر إلى عدم اكتراث لما أتيت من أجله هنا، وأصبح كل همي الآن منصب حول موافقة صاحب الذاكرة الرقمية. استأذنت مازن بعد أن اتفقنا على أن تجمعنا جلسات أخرى سواء في العيادة أو خارجها، ودعته وغادرت.

اليوم هو اليوم الخامس بعد لقائي بمازن، لا أريد أن أحرجه باتصالي للسؤال عن مأربي وفي نفس الوقت توجست خيفة بأن يكون قد نسي الأمر.

وبينما أنا في طريق العودة للمنزل من العمل، تجاوبت بحماس مع اتصال وردني من الدكتور الذي طلب مني الحضور للعيادة، فانطلقت إليه على الفور.

كان الدكتور مازن ويوسف ينتظراني، ولم يحتج الأمر لوقت طويل كي أفهم أن طلبي أجيب، بعد أن تحدث الدكتور حوله قليلا، وترك ليوسف المجال ليتحدث.

قال يوسف: أخبرني الدكتور عن رغبتك وأهدافك من الاستماع إلى مذكراتي الصوتية، ولم أجد عذراً لرفض طلبك، ولكن أريد أن تعذر لي تحفظي على بعض منها والتي لا أرغب أن يسمعها الآخرون، وعليه فقد أخبرت الدكتور أن المذكرة التي سأضع عليها علامة حمراء ليست متاحة لك للاستماع إليها.

لم يكن ذلك الشرط ليلغي الشعور بالفرح الذي أعيشه، رغم أنه خلق لدي فضولاً قوياً لمحتواها، شكرت لهما إتاحة هذه الفرصة، وأخبرتهما أنني سأسعى لأن أفرغ ما تحتويه كل ذاكرة لأضعه في زاويتي كسلسة مقالات..

علق يوسف متبسما:

ظننتك ستسمعها وترى إن كان فيها ما يستحق الكتابة عنه. صمت قليلا ثم تابع ضاحكا: فقد لا تجد فيها ما يفيدك، فليست سوى أحداث، قصص، سوالف، مرت بي وأحاول هنا أن أستعيد لحظاتها لتظهر على شكل بوح أستدعي عبره تلك الأحداث التي عشتها، وكلماتي فيها أقل من أن تصفها كما عشتها، وما أعرفه أنكم ككتاب تبحثون عن الكلمات المنمقة والمصطلحات الصعبة والاستدلالات بأقوال بعض المفكرين الغربيين لكي تستعرضوا ثقافتكم أمام قرائكم، و لن تجد ما يجعلك بهذه الصورة أمام قرائك، فكل ما سجلته عن تلك اللحظات التي عشتها عبرت عنها بعفويه وببساطة.

كنت أستمع لما يقول مبتسما، مستغربا تلك النظرة لديه عن كتاب صحافتنا قبل أن ينتبه ويقول كالمستدرك:

_ أتمنى أن لا يغضبك كلامي فأنا لم أقصد فيه الإساءة، ولكن أتذكر الكثير من الكتاب الذين كنت اقرأ لهم في السجن ولم أجد طيلة تلك السنين في حروفهم شيئا يشعرني بأنهم يعيشون معنا في نفس المجتمع، وبالصراحة أنت شخصيا -وهذا قصور مني - لم أقرأ لك خلال تلك الفترة، ولم يمر عليّ مقال تحت اسمك.

تحدثت لأخبره أن كلامه لم يكن فيه إساءة ولم يثر غضبي أبدا بل أحترم وجهة نظره وإن كنت استغربها، وأيضا أخبرته أنني حديث عهد بالصحافة وبكتابة المقال، وأن أكثر ما دفعني و أثار حماستي للمذكرات ليس حبا في كسب شعبية أو لأنال إعجاب القراء، بل لأن أكشف بها ما يغيب عنا من أسرار خلف القضبان، لذلك سأضعها بصدقها وعفويتها أمام القارئ دون أن أحاول تغيير لفظ أو وصف، فقد أنزع بذلك منها روح المكان والحالة.

أصبحت العيادة وجهتي يوميا بعد نهاية فترة عملي، لعلي أحصل على ذاكرة ذلك اليوم، وكان اليوم الذي لا أجد فيه يوسف قد حضر، أو أن الذاكرة قد علمت بالأحمر يوما غير جيد بالنسبة لي. وهذه الحالة بقيت عليها طوال الأشهر القليلة الماضية والتي استطعت معها الحصول على سبعين ذاكرة صوتية.

في البدء حرصت على الحضور يوميا وكنت أتساءل في حال تخلف يوسف عن الحضور، بعد ذلك هدأت وتيرة الانضباط التام في المواعيد من قبل الطرفين لكن الاهتمام لم يهدأ أبدا.

فقد كنت مستمتعا كثيرا بعملية التفريغ الورقي لكل ذاكرة رقمية، حرصت على قراءتها مراراً رفقة التسجيل الصوتي ومن ثم لوحدها لأتأكد من عدم تفريطي بكلمة هنا أو حدثا هناك، ثم خصصت لها ملفاً وضعته في زاوية آمنه في مكتبتي.

كنت كلما أنهيت إحدى تلك المذكرات زادتني حماسة لمعرفة ما بعدها، وانتظار اكتمالها أمامي لعلّي أبدأ بعدها النشر تحت عنوان "حكايا يوسف".

وبكل أمانة فإنه كان حكّاء جيداً، يجيد سرد القصص و يبدع كثيرا في الوصف، له صوت هادئ ونبرة حزينة، وأحيانًا تأتأة لم تكن لتفض عنفوان السرد لديه. لذلك فقط كنت إلى جانب استماعي المهني. أتلذذ بسماع قصة. بغض النظر عن الحزن أو الفرح الذي بداخلها، وإنما كنت أسير المفاجآت.

غياب يوسف عن العيادة لم يكن كالمعتاد هذه المرة، ورغم عدم انضباطنا في مواعيدنا مؤخراً إلا أنه مضى أكثر من شهر و هو لم يحضر بعد أو يتصل بالعيادة، مما جعلني أشعر بقلق بسيط على مصير الحكاية وعليه أيضا، ولا أخفي بأني اعتدت عليه وألفت صوته وحكاياته.

طلبت من صديقي الدكتور مازن أن يتصل به ليطمئننا عن أحواله وسر غيابه، ولكن مازن أخبرني أنه قد حاول ذلك ووجد أن جميع هواتفه المسجلة بالملف مقطوعة عن الخدمة، وليس في اليد عمل شيء سوى الانتظار فقد يكون حضوره قريباً، ولا أذيع سراً فقد رفض الدكتور منحي أي معلومة خاصة تمكنني من السعي بطريقتي الخاصة للوصول إليه موضحاً بأن ذلك انتهاك لخصوصيات المريض وأخلاق المهنة.

استمر اختفاء يوسف ما أثار الاستغراب وأحياناً السخط من جانبي، ثم القلق نوعا ما. قبل أن يتلاشى كل ذلك شيئا فشيئا مع طول مدة غيابه و مع مشاغل وهموم الحياة اليومية التي تزاحمني أكثر من غيري كما يعلق الدكتور مازن ساخرا ً، كوني أعيش هموم الناس لأضيفها إلى همومي بسبب طبيعة عملي. ولم ينته تصادمي مع مسؤولي الصحيفة قبل أن أصل لحل يرضي ضميري بنشر المواد التي أعرف بأنها ستمنع في صحيفة الكترونية كنت قد أنشأتها من أجل أن تكون الملجأ لي ولغيري ممن يعانون نفس حالتي مع الصحافة، وتكون المواد بأسماء مستعارة لكي لا نقع في إشكالية مع المؤسسة الصحفية التي نعمل بعقود معها.

مرت السنوات سريعا وأقفلت صحيفتي الالكترونية لضائقة مالية مررت بها، وتركت عملي في الصحافة بعد أن وجدت الصحيفة أن بقائي محرج لهم ولم يكن لي قبول في أي صحيفة أخرى، فكل المسؤولين في الصحف تربطهم صاحبة الجلالة بروابط وثيقة، وقد أخبرني أحد الأصدقاء وهو يحاول أن يبرر لي مواقف رئيس التحرير والبقية من الزملاء في الصحف الأخرى بقوله أن هناك توجيهات قد وصلت إليهم أجبرتهم على إبعادك ولذلك يجدون أنفسهم مجبرين على الاعتذار منك وهم في حرج لعدم استطاعتهم البوح لك بذلك.

وبعد حوالي ست سنوات وبينما أنا أدوّن تغريدة على حسابي في تويتر من خلال أحد الأوسمة الذي أنشأه أحد المغردين يدعو من خلاله للاعتدال والوسطية والوقوف معا ضد دعاة التشدد والتطرف، و ما أن أنهيت كتابتها دون أن تمر على رقيب يجيزها أو محرر يعدل فيها، لتصل للعالم أجمع خلال ثانية واحدة وصلني رد من الدكتور مازن كتب فيه (يا صديقي مع تغريدتك الأخيرة هذه، لا أعلم لمَ حضر يوسف.! ارفع الحصار عن حكاياته.!)

اتصلت به على الفور لأجد بأننا مع ذلك الاتصال نعود بالذاكرة للوراء ونسترجع يوسف وحكاياته.

كنت متوجهاً لمكتبتي، وجدت الملف لازال مكانه بعد كل هذه السنين صامداً كحكايات يوسف بداخله، ولم ننه الاتصال إلا بعد أن وعدته بنشرها في كتاب ووعدني ببعض الإضافات التي يعرفها من خلال أحاديثه مع يوسف أو من خلال قراءته الخاصة لحالة يوسف وأشباهه مما هو متاح له نشره من بعد أن أوضحت له ضرورة ذلك من أجل إفادة القراء.

صفحة 3

مذكرة 1 : ذلك الممر الضيق

يمضي اليوم مملاً وثقيلاً على السجين، فلا يجد متنفساً يقضي فيه وقته سوى ذلك الممر الضيق بين الغرف، والذي غالباً ما يكون مزدحماً بالمدخنين و يغطي نفثهم كامل المكان، ويخيل إليك وأنت تمشي كأنك وسط حريق، وما هي سوى الآلام المشتعلة في الصدور، يحاولون إطفاءها بسجائرهم، ويشعرون بتلاشيها مع زفيرهم بأن نارها خمدت ولم يبقَ سوى ندوبها المتمثلة في دخانها الباهت.

أتذكر موقف سلمان بخصوص التدخين عندما كان جالساً مع مجموعة من كبار السن - وهو شخصية محبوبة للجميع بسبب عفويته الجميلة التي يعامل الناس من خلالها- حينما طلبوا منه أن يتوقف عن التدخين من باب النصح، فكان رده تلقائياً: يعني ما تبوني أدخن مرّة! فقالوا له: نعم. قال: يعني أصير (حرمة عجوز)! ضحك الشيبان منه، وردَّوا عليه: الله يسامحك! يعني حنا مثل الحريم!.

لا أعلم لماذا اختار سلمان مصطلح العجوز في رده العفوي، والذي كان يريد أن يعبِّر به عن أن تركه للتدخين سيكون بمثابة عدم أهميته في الحياة! وامتعاض الشيبان من رده ربما يدل على غضبهم من انتقاص حق المرأة حتى في كبر سنِّها,، وهي التي بمثابة الأم والجدة، وهذا عائد -ربما- إلى أن البعض في المجتمعات التقليدية ينظرون للمرأة أحيانًا نظرة أقل من مكانتها كمربية للأجيال.

حين التفت ناحية الباب وجدته – كعادته - (راشد) واقفاً رافعاً يديه يسأل الله أن يخرجه من هذا المكان، وكلما اقتربت منه أسمعه يتمتم بالأدعية، وحاله حال الكثيرين ممن تم الزج بهم في هذا السجن بلا أي ذنب. كنت أتساءل وقتها: لماذا لا يجلس في المسجد ويدعو الله في مصلاه! أم أنه يعتقد بأن اقترابه من الباب ومحاولته النظر للسماء يشعره أنه أكثر قرباً من الله.

لاشك أن الجميع هنا يبتهلون لله بقرب الفرج مع كل وقت وفي كل حين، فلا أحد منهم يريد البقاء في هذه العنابر سواء من كان مذنباً أو غير مذنب، فكلما ضاقت الدنيا على الإنسان لجأ إلى ربه؛ ليخفف عليه ما به.

في الجانب الآخر يخرج عامل آسيوي من إحدى الغرف حاملا كيساً من القمامة وبيده مكنسته التي ينظف بها الغرف، فهو وأبناء جلدته وبعض من الجنسيات الأخرى الوحيدون القادرون على الاستفادة من سجنهم، فكل غرفة تتعاقد مع أحدهم مقابل مبلغ شهري، و يدفع لهم أصحاب الغرف مبلغاً لتنظيف الممر ودورات المياه. فإن لم يفعلوا ذلك وجدنا أنفسنا بين كومة من الأوساخ، فلا أحد يهتم بالمكان سوانا، فالسجَّانون من خلف الأبواب لا يدخلون إلا إن كانوا يريدون أن يخرجوا أحداً للعقاب!

كنت عندما أنظر إلى السقف وأراه حاجبا لاأشعة الشمس بشكل تام، يضيق صدري، وأجدني أتابع ارتطام الدخان بجداره ليعود ثانية إلى الأسفل بعد أن فقد الأمل في الخروج، حتى مروحة شفط الهواء التي مُنعت في هذا المكان؛ من أجل ألّا يتحرر الدخان أيضاً ويظل حبيس الحيز!

صفحة 4

مذكرة 2 : أدراج الرياح

ما أنهيت سوى فصل جامعي واحد، وما يلوح لي في الأفق تباشير عن إمكانية الحصول على شهادة جامعية كما كنت أحلم وتحلم أسرتي،، تمرُّ عليَّ لحظاتٌ بائسة ومرّة في دقائق الهدأة وقت القيلولة، ,أتذكر فيها فترة سكني في حي الجامعة في المنطقة الغربية، الحي الذي كان مزدحماً بالطلاب المنتشرين في كل أرجائه وأزقته المتهالكة والموحشة، يستأجرون شققاً فقيرة ومبانٍ بعضها آيلٌ للسقوط، ولكن بما أنه المكان الوحيد الذي باستطاعة الطلاب أن يسكنوا فيه ويذهبوا للجامعة منه مشياً على أقدامهم، فلم يكن لهم بد من العيش فيه في ظل عدم تمكنهم من شراء سيارات، وعدم توفر سكن جامعي للطلاب.

كنا جميعاً هناك أمام اختبار يومي لتجاوز حاجز الموت، وهو الطريق السريعة ذات الأربعة مسارات، الفاصلة بين الحي والجامعة، وكانت مشاهد الدهس الشنيع هي الأكثر ألماً لنا بين الحين والآخر، لطالب قد يكون في طريقه لحضور محاضراته أو العودة منها ولا يستطيع أن يكمل طريقه، فالسيارات تمر بسرعة جنونية و لربما أخذته معها لترميه جثة هامدة، وأمام هذا المنظر المحبط المؤلم جدا يواصل الجميع السير والمسيرة؛ بحثاً عن العلم، هناك جسر خشبي واحد ولكنه بعيد جداً، ولو كان هناك جسور أخرى تنتشر على طول الطريق لغاب عن أعيننا هول ما نراه.

أثناء تلك الأيام كنت أتنقل بين الشقق لزيارة الأصدقاء، ولا أستطيع أن أستقر في مكان واحد خصوصاً وأن أبناء منطقتنا يتواجدون بكثرة في الحي حالهم كحال البقية القادمين من أغلب مدن الأطراف؛ من أجل مواصلة تعليمهم الجامعي.

ذهب كل شيء أدراج الرياح ,وها أنا أتنقل ولكن بين غرف هذا العنبر المتقابلة، وأذرع هذا الممر الضيق دون أن أدري إلى متى.

الإنسان يتأقلم مع واقعه مهما كان ذلك الواقع مؤلماً، ودائماً ما أوصي نفسي بالصبر، ولكن قد يكون الصبر أحياناً ليس خياراً، بل واقعاً تفرضه علينا الحياة، فلا يكون أمامنا سواه.

آه! ليتني أعرف من هو صاحب فكرة السجون في هذا العالم، وهل يعقل أن تبقى بهذه الطريقة في الألفية الجديدة، ألم يستطع الإنسان أن يطورها أو يوجِد بدائل أخرى لا تحرم الإنسان من حريته أو تعطل حياته وأحلامه في هذا الزمان؟

عندما أرى شابًّا هنا لا يعرف كيف يمسك بالسيجارة في يده، يمشي بجانب مروِّج مخدرات، أَحْزَنُ كثيراً، مؤلم أن تكون في مكان يجبرك على البقاء مع من ليس في مجالسته سوى الضرر في غالب الأحيان.

صفحة 5

مذكرة 3 : لا يسمحون للحظات المرح والفرح أن تسلل أسوار السجن!

(يا لله.. يا مطلوب يا سامع الداعي.. يا سامع الداعي.. ولا خاب طلابه ) يرتفع صوت الشباب المتواجدين بالعنبر بهذه الكلمات، مشكِّلين نوعاً من الرقصات الشعبية يسمى فن الرزفة، وذلك في آخر الممر بعد أن أخذوا لهم قسطاً من الراحة بعد وجبة الغداء,، لم يمنعهم ضيق النفس والمكان من أن يحاولوا بث الطرب بين جنبات جدران المكان؛ ليساعدهم على جلب السعادة لأرواحهم؛ من أجل أن تبقى حية وكأنها تمارس رياضتها بالغناء.

في إحدى المرات خرجت مسرعاً لألتحق بهم، كي أستطيع أن أعيش لحظات من الأُنس والسعادة مع أحد صفي رقصة الرزفة المتقابلين، التي تذكرني بأيام الأفراح والمناسبات التي كنا نعيشها في مواسم الأعياد وليالي الأعراس، والتي تشكل وسماً يوحي بطريقة أدائها على قوة التماسك والتلاحم والقوة ,، وربما أن حياة الناس في السابق هي من أنتجتها بهذا الشكل، حينما كان الجميع يعيشون وسط دائرة واحدة متماسكة.

لم أكد أصل وألتحق بأحد الصفين الراقصة إلا وفصيل من العسكر يدخل بشكل مفاجئ مرعب من باب العنبر الوحيد، ويتجه بسرعة نحونا لإنهاء الوضع، ومن ثم معاقبتنا عليه. لم يتركونا نحيا بطريقتنا سوى دقائق قليلة، كانت هي الفاصلة بين سماعهم لنا ووصولهم إلينا,، ينفضُّ الصفان، و حتما لن تثنينا عقوبتهم عن معاودة ذلك غداً، فهذه الوصلة الطربية القصيرة جداً تستحق منا أن نتحمل ما يحدث لنا بسببها، فهي بمثابة غذاء للروح. كأنك وأنت تشاهد الجميع في حالة تشبه الهستيريا من شدة حماسهم وارتفاع أرجلهم وارتطامها بالأرض مع ترديدهم بألحانٍ جماعية:

يامل قلب تجره بالهوى نوره

جرت حبال على مطوية الجالي

ترى حالة من الجمال والمتعة التي يعيشونها مع ترديدهم هذا البيت وغيره، ويعيشون معها قصص حبهم وعشقهم وأمنياتهم للقاء الأحباب والخلان، والعيش بالقرب منهم. والانتقال من ضعن لآخر لأجلهم.

الرزفات الشعبية تحاكي المجتمع بقصائد شعرائه، ولا تزال أغلب تلك القصائد القديمة جداً تعيش معنا حتى اليوم ويحب الجميع ترديدها، فهي تروي حكاية الإنسان والمكان، وتسطِّر معها تاريخ الأجداد، ولا تخلو أبياتها من الحكمة، وأبيات العشق العذري بنقاء و عفة زمن وناس قائليها.

صفحة 6

مذكرة 4 : مآزق النوم

ليس من الصعب خلق بيئة نظيفة في السجون ولكن القذارة جزء من رغبة السجّان في تعذيبك.

لم أتوقع يومًا بأنني سأنام على سرير من ثلاثة طوابق، ولسوء حظي أو لسخريته وجدت نفسي بالأعلى، هناك حيث الطابق الثالث، وعلي أن أصعد للنوم متسلقاً أطراف السرير المربوطة بحبال وقطع قماش من قبل المساجين السابقين؛ ليكون متماسكاً، فهو من تصميمهم، و بعد التعود عليه لم يعد اهتزازه يخيفني عند طلوعي أو تحركي فوقه، فوضعي أفضل من حال البقية المتكدسين بأحضان بعضهم بعضاً في مساحات الغرف الأخرى الفارغة إلا من ازدحام أجسادهم، أو في الجزء المتبقي من غرفتنا، فلم يكن هنا سوى هذه الأسرة المتراصة في طرف الغرفة,، وخصني صديق لي بالمكان ؛ لأكون مستقلاً بمساحة نومي عن الأشخاص الستة المتواجدين فيها، لا أدري في أي السنين شيّدت، وكيف أدخلوا هذه القطع الحديدية التي تقوم عليها، ولِمَ بقيت إلى الآن دون مصادرتها.

حين أتوسط السرير محاولا النوم أو الاسترخاء أبدو كأني في أرجوحة مع كل اهتزازةٍ حينما يتسلق أحدهم أو يمسك أطراف السرير، أصبح قريباً من سقف غرفتي، ومن هذه المروحة التي ربما تكون هي أقدم الموجودات هنا، فصوت صريرها لا يفارق أذني،، وأنحني جيداً عند النزول؛ خوفاً من الارتطام بها.

ألفُّ غترتي على وجهي عندما أريد النوم؛ فنفسي لن تقبل أن أضع وجهي على هذه الوسادة الممزقة ذات الرائحة النتنة، والتي أصبحت تحوي جميع الألوان الباهتة والداكنة لشدة وساختها، وكذلك اللحاف بنفس حالتها ورائحتها التي تشبه صديد الدم. كما كنت ألفُّ ساعدي على عيني أيضا؛ ليمنع عني ضوء مصابيح الغرفة المضاءة دوماً، والتي تحرمنا من الالتقاء أبدا بعتمة الليل.

كتبت بيتًا شعريًّا كنت أحفظه على الجدار الملاصق لسريري بالأعلى:

الصقر ما تغير طول عمره صقر

مسكنه فوق هامات الشواهق وحيد

وربما كنت بهذا البيت أريد تحفيز نفسي، ولكن في الحقيقة لا أعتقد أن صقراً ولا حتى بغلاً يستطيع أن يعيش في هذا المكان الموبوء، فقط هو الإنسان التعيس المجبر على العيش هنا.

مع هذه اللحظات الهادئة هذا المساء في العنبر، والتي خرجت عما اعتدنا عليه سأضع رأسي للنوم وسأحبس فكري معي، لعلني أنام بهدوء قبل أن يعيد الضجيج دورته اليومية.

صفحة 7

مذكرة 5 : ازدحام السجون ضرب من ضروب التعذيب ايضاً

يا الله! كيف يحصل هذا! فمع كل يوم جديد يزداد العدد في هذا العنبر، أرى خمسة أشخاص يقفون بجوار الحارس بانتظار فتح الباب لهم؛ ليتمكنوا من الدخول، رغم أن الغرف ضاقت بمن فيها، ولكن كل يوم ونحن بهذا الحال والأعداد في ازدياد.

أنا على ثقة أن أوضاع السجناء داخل العنابر لم تخضع لدراسة قط، يكفي أنني إلى الآن لم أرَ أحداً يدخل ليتفقد حال المساجين، أو ليسألهم عن أوضاعهم ومتطلباتهم، كل ما أشاهده من تواجد للسجّانين هنا يكون لحضورهم عند ملاحظتهم ما يوجب العقوبة للنزيل حسب رؤيتهم، وليس اتباعاً لقانون مدون يعرّف السجين ما له وما عليه من خلال قراءته والإلمام به.

كان الخمسة من الجنسية اليمنية التي يكثر تواجدها في العنابر؛ بسبب القرب الجغرافي والحدود المشتركة,، تتنوع قضاياهم وتختلف، ولكن غالباً ما تكون إما بسبب القات، أو العبور دون وثائق سفر أو تأشيرة؛ للبحث عن فرص عمل؛ بسبب تدني الأوضاع المعيشية عندهم.

لم أرَ أحدهم يطالب بلقاء مندوب لسفارة بلاده مع أن منهم من يشتكي من جور الحكم عليه، أو من فترة بقائه طويلاً في السجن بلا محاكمة.

بينما تجد في المقابل بأن أي نزيل من الجنسية الفلبينية على سبيل المثال لا يكاد يصل للسجن حتى تجد مندوباً من سفارتهم حاضراً لتفقد أوضاعه؛ وللوقوف بجانبه والاطمئنان عليه ومتابعة مجريات قضيته، ولا يطول به التواجد في السجن إلا إن كان مداناً في قضية كبيرة وثابتة، ولذلك تجدهم أقل الجاليات تواجداً، وإن رأيتهم فلن تجدهم يشتكون من الظلم.

هكذا تستحق الحكومات الاحترام من شعوبها،، عندما تحترم مواطنيها في كافة أوضاعهم حتى في السجون، كنت أنظر لحكومة الفلبين نظرة عادية، ولكن بعد مشاهدتي لما تقوم به مع مواطنيها بت أحترم حكومتهم كثيراً.

كنت قد رويت ذلك لأحد اليمنيين المتواجدين هنا في قضية تهريب، والذي لا يزال ينتظر دوره في الترحيل بعد أن قضى محكوميته من السجن، وقال لي:

_ يا صاحبي، اليمن السعيد أصبح تعيساً؛ بسبب نظام فاسد عبث به وجوَّع أبناءه وشرَّدهم، حتى إن بعض من تراهم هنا يجدون في هذا المكان راحة لهم أكثر من العيش في بلادهم، فلا مسكن لديهم ولا فرص عمل يستطيعون معها توفير أبسط متطلبات الحياة من مأكل ومشرب.

ولم يستطع أن يخفي عبراته واختناقه بها وهو يحدثني عن قصته ومكانة عائلته الاجتماعية في السابق، وكيف أن الحال تردَّى به، حتى اضطر أن يرضخ لوساوس الشيطان وأن يحضر معه كمية من الحشيش؛ ليجني منها مالاً، كان يحدثني ودموع الحسرة تسابقه:

_ بسبب الفقر والعوز بعت البلاد يا يوسف التي مات من أجل كسبها أجدادي، وتعب لإعمارها والدي، ولكنني لم أستطع مع قلة الماء فيها أن أزرعها، فاضطررت لبيعها، والآن (ما عاد شِي معي ) سوى بيت فيه والدتي المسنة وبقية أفراد أسرتي، ولا مصدر رزق يأكلون منه ويشربون، وإن أردنا العمل فالدنيا فساد وواسطات ومحسوبيات، والناس بهذه الحال جميعاً،، وخلها على ربك يا يوسف، (وأنت باقي تبغى سفارتنا تسأل عنا؟!)، هم يعرفون كل شيء هنا وهناك، ولكن الفقر والتجويع والإذلال سياسة تجعلهم في شقائنا مرتاحين، وأنت تقول لي: أني فعلت غلط وحرام، نعم صدقت و أنا أشهد أني نادم على فعلي، فلا إسلامنا يجيزها ولا عروبتنا ترضاها، ولكن الحاجة هي من أوصلتني لهذه المرحلة من الضعف، وإن شاء الله أنها الأولى والأخيرة، عسى الله أن يغفر لنا جميعاً.

كنت متأثراً حين حدثني بحنقه وبلهجته اليمنية ذات الإيقاع الموسيقي الجميل، ولم أستطع أن أقول له شيئاً أكثر من أن أطبطب على كتفه,، على أمل أن اليمن سيكون بأفضل حال في القادم القريب بيد أبنائه إن أرادوا ذلك، فلن يصنع الأوطان ويعيد أمجادها ويرقى بها سوى أبنائها.

قلت له:

_ يا صاحبي، إن كانت الحدود تفصلنا فالقلوب والدم العربي والنخوة الإسلامية تجمعنا، فعز اليمن عزنا جميعاً، وأنت وغيرك من الشباب هنا لو كانت مساعيكم في إصلاح البلاد بدل الطمع والسعي في المحظور أو إلقاء النفس للتهلكة والسجون لتغير الوضع، وإن سجنتم عليها فسجن كرامة بدلاً من سجن عار، وإن متم في سبيل الحرية فعيش بدونها قمة الإذلال والإهانة. الكثير من البلدان العربية –وللأسف- حالها كحالكم، ودموعك أمسحها، ودعنا نغني (لمن كل هذي القناديل تضوي لمن... أمي اليمن)..

ابتسمنا، وغنيناها سوياً قبل أن أتركه؛ عائداً لغرفتي.

صفحة 8

مذكرة 6 : يؤلمني سجن كبار السن !

ألا يمكن البحث عن بدائل أكثر إنسانية؟

يجلس رجل مسن في إحدى زوايا صالة العنبر متلثماً بغترته البيضاء؛ لتحول بينه وبين رائحة الدخان، لم يبقَ ظاهراً من وجهه سوى عينيه من الأعلى، وأطراف لحيته البيضاء من الأسفل، يحضر كل يوم لمتابعة نشرة الأخبار، يكون و مجموعة معه من السجناء مندمجين مع النشرة، لا يملون أبداً من تكرار مشاهد استقبال وتوديع المسؤولين لضيوفهم والتي يعرضها التلفاز يومياً وتأخذ نصيب الأسد من نشرات الأخبار، ولا أعرف ماذا تعني لهم تلك اللقطات ولماذا يهتمون بها وأي متعة أو فائدة يجدونها! هل هو العمر المديد الذي أدمن العادة والروتين!؟. أم هو اقتناص للحظات حرية تفرزها أجواء السفر وديكورات المطارات الصقيلة!

ولعلي أميل إلى أنه تتبع لمغادرة وعودة مسؤول يملك وحده حق سجننا واعتاقنا.

داخل السجن ليس هناك فرق في التعامل بين الصغير والكبير، فالمكان يجمع كل اللغات والأشكال والثقافات، فليس للإنسان هنا إلا أن يؤقلم نفسه ويصبِّرها، متحملاً كل ما يراه أمامه وكل ما يعايشه في يومه.

أتساءل: مع رؤيتي لهذا المسن، لِمَ لا يكون هناك مراعاة لأوضاع النزلاء، بحيث يكون للمدخنين (صالات) تخصهم، ويكون لكبار السن وغير المدخنين مكان يمنع فيه التدخين.

السجن يجب أن يكون تأديباً وتهذيباً وليس إهانة وتدميراً للمستقبل، فكل ما أراه لا يمكن أن يجني منه الإنسان ثمرة للصلاح، فالحابل يختلط بالنابل، والأوضاع النفسية لا يمكن أن تستقر في وسطٍ موبوء كهذا.

أليس بإمكان إدارة السجون أن تخصص عنابر لكل فئة بحسب السن أو نوع القضية، أو باختبار من أحد الأخصائيين قبل توجيه النزيل للعنبر، لمعرفة المكان الذي يناسبه.

كل هذه التساؤلات تمر على ذهني سريعاً، وكذلك أسمعها بشكل شبه يومي من المتواجدين معي، ونحن نتشاكى من سوء الحال لبعضنا، وكأن أي منا قادر على حل هذه المشاكل، أو أن هنا من يسمعنا أويعيرنا اهتماماً.

خرج المسن بخطوات متثاقلة وبطيئة من الصالة بعد أن اتكأ على جدار بجانبه؛ ليساعده في النهوض، فقد أخذ منه الكبر ما أخذ وقادته الأيام إلى قدره، يا له من شعور مؤلم يجعل الدنيا معتمة بوجهك، وتضيق معه نفسك، شعور تعيشه مع رؤية رجل مسن قد غطَّى البياض لحيته، مع دماثة أخلاق في تعامله مع الكل، في مكان كهذا لا يوجد فيه سوى الكثير من الذل والإهانة؛ لما قد يراه أو يسمعه من مسجون سفيه، أو سجَّان ليس فيه شيمة أو خلق من أخلاق الأحرار.

صفحة 9

مذكرة 7 : حينما لا تطفأ مصابيح أحلامك

أن تعيش قصة حب ثم يخطفك السجّان ليحرمك منه، تلك أكبر الكوارث لمن هم في عمري.

مرّ وقت طويل لم أستوعب خلاله أسباب وجودي مع هذا الخليط من البشر وكأنني أعيش وسط حلم مرعب،، هل يعقل أن يكون شخص مسالم ومحبّ للخير في هذا المكان!، وإن حدث هل سيطول به المكوث؟، أم أن العدالة ستكون سيدة الحسم لإخراجه مما وقع عليه؟.

لا أزال في بداية أحلامي، لم أحتفل بعيد ميلادي العشرين بعد، يا الله.. كم هي الأحلام تتبعثر أمام الإنسان عندما يجد نفسه في طريق غير الذي رسمه لنفسه وخطط له، في حين كان قد بنى أحلامه وحاول المشي في درب تحقيقها.

بكل تأكيد، إن وجود الكثيرين ممن هم في نفس عمري وأصغر مني قد يهوِّن عليَّ الشيء الكثير، ولكن لن ترجع لي أحلامي المسلوبة ولن يرجع عمري المتوقف، الحياة داخل هذا المكان لا يجب أن تحتسب من أعمارنا؛ لأنها لا تتجدد ولا نرى فيها شمساً مع صباح كل يوم جديد، ولا قمراً ننادمه في مساءاتنا,، كل ما هنالك عشر غرف، وصالة هي في الأصل غرفتان مفتوحتان على بعضهما، وممر، وأضواء مصابيح لا تنطفئ مع هدأة الليل أو احتياجات النوم العميق.

لم أكن أتوقع يوماً بأنني أستطيع النوم دون أن أطفئ المصابيح، أو أنام وأنا أسمع أصواتاً تقطع عليَّ انسيابية نومي، واليوم ها أنا أنام بين العشرات وعلى إزعاج مستمر في الصباح والمساء ما بين مساجين وسجَّانين.

عندما أرى خليل - وهو يصغرني بسنة ونصف تقريباً- نائماً أمامي، والبراءة مرسومة في تفاصيل وجهه الشاحب، ونحالة جسمه التي تجعله كما الطفل فوق سريره، أحس حينها بأني كبير، فأنظر إليه بشفقة وكأنني أكبره بسنوات، أو كأن جسمي أكبر منه، رغم تساوينا في ضآلة وصغر أجسامنا، ولا أعرف مَنْ منا يستحق الشفقة.

سأحاول أن أتيقن واقعي وأن أعيش قَدَرِي كما هو، فلربما يطول بي المقام، أو يقدر لي أمر آخر يرسم طريقاً للانعتاق، وأستطيع حينها العودة للبيت وتوزيع الهدايا التي جلبتها لأسرتي والتي سرعان ما سرقت مني فرحة اصطياد لحظتها النادرة المختبئة في عيون وملامح كل فرد فيهم، عندها سأخبرهم بما تبقى في ذاكرتي من قصص، رغم أن ما رأيته في الأيام الماضية هنا كفيل بأن ينسيني ملامح أهلي، فما بالك بذكريات أيام وأيام في المدينة الساحلية.

لم تغب عن بالي (منال)، وحديثنا في أول لقاء عند باب منزلها قبل مجيء الحافلة التي تقلها إلى مدرستها، كنت أعيش مغرماً مع تلك اللحظات كل صباح، وكانت تبعث فيَّ الأمل وتنكه طعم الحياة.

رغم خوفنا من أن يرانا والدها أو أحد من الجيران، إلا أن براءتنا كانت تقتل ذلك الخوف، الحب يجعل الخوف كائناً هلامياً يتلاشى في اللا مكان واللازمان للعاشقين، فكنا نعرف أن قلوبنا تحمل الحب الصادق والصافي، وتضع أمامنا حدوداً لا يمكن أن نتجاوزها؛ لذلك كنا نلتقي رغم كل المعوقات، وكانت تلك الدقائق القليلة تجعلنا نحلِّق في السماء بأشواقنا المليئة بالعشق البريء، صورتها عندما ترتسم أمام وجهي بثغرها الصغير وعينيها المقرونتين، وغمازتين تسم خديها عند ابتسامتها وكأنها مغناطيس يجرني نحوها، لأقبلها لا شعورياً، وأشم أنفاسها وعطرها الهادئ قبل أن أودعها وأنظر إليها من بعيد وهي تركب الحافلة، كانت خطواتها رقصة فرح تكاد تطير بها من على الأرض، وتطير بي لألحق محاضراتي، وقد تشبعت بلحظات كفيلة بأن تجعلني أرى نفسي أسعد من في الكون، وأذهب للجامعة وأنا أردد بيني وبين نفسي أغنية تلو الأخرى، يرتفع صوتي بشيء منها قبل أن أعود لأتمتمها ثانية؛ لكي لا يسمعني أحد ويظنني جننت، أو يسألني عن سر نشوتي الصباحية.

لا أزال هنا مبتسماً حتى الآن رغم كل شيء، ولن أجعل أحداً يسرق ابتسامتي مني مهما فعل، فهي سلاحي الوحيد الذي أحمله معي منذ الصغر؛ لأواجه به كل عقبات الحياة، وعاهدت نفسي على بقائها مهما حصل.

صفحة 10

مذكرة 4 : أكره تلك الأبواب المباغتة

مفجع وأنت سادر في همك أن تفاجأ بدخول أبيك أو أخيك كسجين جديد!

في منتصف ليلة من الليالي رأيت (أبا حاتم) الذي تجاوز السبعين من عمره يتجه إلى المسجد ليصلي، ثم يتلو ما تيسر من القرآن، وبعدها يرفع يديه إلى السماء داعياً ومبتهلاً إلى الله، كل ما أعرفه عنه بأنه موقوف هنا في نفس قضيتنا، والتي لا يزال يدخل علينا بسببها وجوه جديدة كل يوم، رغم أننا تجاوزنا الشهر الأول، ولكن لا تزال الأمور على ما هي عليه، ولا نعرف لوضعنا طريقاً نبني عليه توقعاتنا.

شكّل عددنا في هذه القضية الأكثرية في العنبر والعنابر المجاورة صغاراً وكباراً، أعرف بعضاً منهم قبل السجن إما صديقاً أو قريباً، أما الأغلبية فتعرفت عليهم للمرة الأولى، ولكن بحكم أن القضية واحدة والمصير متقارب أصبحنا خلال هذه الفترة القصيرة مترابطين ومتلاحمين فيما بيننا، وأصبحنا نعيش الألفة سريعاً، وكأننا عائلة واحدة تقطن منزلاً واحداً، لا شك أن الظلم يجمّع أكثر من الفرح!

أعيننا تراقب مباغتات الباب باستمرار؛ انتظاراً لقادمين جدد، فتجد هناك من يتفاجأ بدخول والده، والآخر يرى أن أخاه يقاد إليه داخل العنبر، ومع هذه الحالة كنت قلقاً أن أفجع بقدوم والدي، وأدعو الله بأن تتوقف الأمور عند هذا الحدّ، ففي الخارج هناك من يتمنى أن يسجن الجميع ليس لجرم ارتكبوه، ولكن لحقد وضغائن في صدورهم لمسناها بوضوح عند من حقق معنا، أصبحنا نعيش مع هذه الأحداث أياماً وليالٍ مرعبة مما نراه، ومن مستقبل غامض ينتظرنا ولا نعرف ما هي النهايات.

هنا بجواري أصدقاء لي وأقارب، ولكل منا قصته التي تختلف عن الأخرى، من لحظة إلقاء القبض عليه حتى وصوله إلى هنا.

وكان أصحاب القضايا الأخرى متعاطفين معنا بقوة سواء من أبناء المنطقة أو من خارجها، وكذلك الموقوفين من الإخوة العرب بغالبيتهم اليمنية، فآثار التعذيب على أجسادنا عند الوصول، وكذلك كثرة تواجد الصغار في السن ومجموعة من كبار السن جعلهم يتأسون علينا، وحين يسمعون قصص القادمين من التحقيق يشعرون أن الوضع مزرٍ وفيه ظلم كبير، كان حديثهم وتحفيز البعض منهم لنا بطيب الكلمة والمعاملة الحسنة تساعدنا ألا ينقطع عن أعيننا الجانب الإنساني النبيل في البشر مقابل كم كبير من الظلم والقسوة عانيناه في هذه الفترة، ولأن الجوانب المضيئة قادرة على أن تضيء عتمة الوحشية والظلم؛ فإن هذا التعامل منهم ساعدنا على أن نستمر بالعيش كما نحن في السابق، ونتعامل مع البشر بأخلاق يمتاز بها أغلب من يقطن هذه الأرض، تعتمد في مجملها على أخلاق العروبة والدين الحنيف، وهي ما تربينا عليه، ويحاول إنسان هذه الأرض أن يبقى متمسكاً بها رغم كثرة الناس واختلاف طرق الحياة، حتماً هناك من سيبتعد عن الإطار الأخلاقي العام للمجتمع، والذي ليس ملائكياً بكل تأكيد، وبه من العادات ما يتوجب تغييره، ولكنه مليء بالقيم النبيلة الكفيلة بأن تجعل من هذا المجتمع قبلة يتعايش في وسطه الجميع.