eKtab
EN ع
صفحات مطوية من التاريخ
اقرأ عينة مجانية

صفحات مطوية من التاريخ

بقلم عيسى إبراهيم اللوباني

صفحة 1

الحاج أمين الحسيني يصف مقابلته مع هتلر وموسوليني

في البداية يقول الحاج أمين الحسيني بأنه اختار التحالف مع دول المحور لا مع الحلفاء، لأن تعاونه مع الحلفاء يعني ضياع فلسطين، ولأن الشعب في فلسطين لم يكن قادراً على مقاومة الأطماع البريطانية الصهيونية وحيداً، وكان لا بد له من البحث عن دعم، دعم من هو أقوى من عدوه. وكانت انتصارات المحور لا تدع محلاً للشك في نهاية الحرب. ويقول المفتي بأنه لم يكن يريد أن يبقى بلا عمل حتى النصر النهائي والخضوع لرغبات المنتصرين، كنت أريد أن يحمل العرب السلاح إلى جانب المحور. ومن أجل هذا الهدف يقول المفتي بأنه ذهب إلى دول المحور بحثاً عن التأييد لقضية بلاده، وبهذه الصفة قابل الدوتشي والفوهرر.

مقابلة موسوليني

يقول الحاج أمين: كنت أعلم قبل وصولي روما أن مهمتي لن تكون سهلة فيها، وأن صعوبات كثيرة تنتظرني وأولها وأصعبها ألا أسمح لهم بالظن أن وجودي يمكن أن ينفعهم بشيء. فلم يغب عن بالي يوماً أن إيطاليا تحتل ليبيا وتحاول القضاء على كل ثورة يقوم بها شعبها، كما أنها تطمح في احتلال تونس.

يقول – بعد أن اتصلت بالسلطات الإيطالية حددنا موعداً لزيارة موسوليني. وفي اليوم الموعود جاء موظفو المراسم إلى فندق إكسيليسيور؛ وجدت نفسي في السيارة التي تحملني إلى موسوليني جنباً إلى جنب مع الإيطاليين الذين قتلوا عمر المختار، ولكن أمام المسؤوليات الكبيرة لابد لنا من أن نواجه الواقع وأن نتصرف.

استقبلني في مدخل قصر فينيسا – الشهير بشرفته التي كان يخطب منها الدوتشي بجموع الإيطاليين الذين كانوا يأتون للاستماع إليه – استقبلني البارون (انفوزو) نائب وزير الخارجية نظراً لغياب وزير الخارجية الكونت شيانو في زيارة رسمية إلى برلين.

كان موسوليني ينتظرني في باب مكتبه الواسع وكأنه قاعة محاضرات، استقبلني بسرور ظاهر، كان مظهره ومشيته يبعثان في الشعور أني جئت أحيي أحد أولئك القادة الرومان وكأنه بعث بزي إيطالي. كان رأسه المرتفع وخيلاؤه تظهر قوة قلبه وكانت عيناه تدفعاني للتفكير بنابليون وأنطونيوس، وبعض حركات يديه في باغنيني كانت طبيعته الحازمة القوية تقربه من نابليون، إذا تحدث عن التاريخ الروماني بدا بليغاً وظهر إعجابه بروما التاريخية وإمبراطوريتها والأمل الذي يعيش عليه بأن يكون باني إيطاليا الجديدة. إيطاليا الغازية، كان يذهب بعيداً في خياله، ولم يكن صعباً علي فهم مطامعه التي يخفيها بكثير من اللباقة والدبلوماسية.

كان صوته يبدي عاطفة حسية وكان بريق عينيه الذي يلتمع في نظراته يكشف عن حدس السياسي الذكي وحلم الإنسان العاطفي. أنطونيوس على شواطئ مصر. كانت شخصيته تظهر اتزاناً بين رجل الدولة والفنان، كان فن عزفه على الكمان ظاهراً في حركات يديه وقد قيل بأنه كان عازفاً ممتازاً.

كان يرى أن مهمته هي إنهاء الميوعة الإيطالية وأن يبني ما تهدم خلال قرون، كان معجباً بغاريبالدي محرر إيطاليا وموحدها، وكان يقدر أن شرف إتمام رسالته يتمثل في إحياء المجد الروماني، وقال لي وهو يشد على يدي: أحييك باسم الشعب الإيطالي وحكومته وباسمي أنا، ثم رافقني حتى مكتبه فجلس كل منا على مقعد أمام الآخر وبقي البارون أنفونزو – جرياً على عادة موسوليني مع معاونيه في الزيارات الرسمية واقفاً.

وبعد أن هنأني سألني عن الطريق التي اتبعت حتى وصولي إلى البلقان. كان الحديث يدور بالفرنسية التي يتقنها إلى جانب لغات عديدة أخرى. لقد أدهشني بمعرفته لتاريخ ومشاكل الشرق الأوسط، كان يستمع إلي - يقول المفتي- بانتباه شديد فشرحت له مواقفنا دون أن أترك أي التباس يمكن أن يؤدي في المستقبل إلى سوء تفاهم. فلقد عزمت من المقابلة الأولى على توضيح كل شيء وما كان بودي أن أعيد مع المحور الأخطاء التي ارتكبناها مع الحلفاء. وكنت أعلم أن هتلر يكن احتراماً خاصاً لموسوليني وعلمت أن هذا الأخير كان يعارض في حرب ضد الاتحاد السوفييتي. وكم تساءلت عن أسباب عدم اقتناع الفوهرر بذلك.

صفحة 2

لقد أوحى إلي في هذه المقابلة الأولى رغم طموحه إلا أنه رجل لا ينسى الواقع، وكان حسه العملي يمكنه من التمييز بين الواقع والوهم. كانت أفكاره نتيجة تفكير طويل مبني على الحساب – منطق واقعي يومي بإستراتيجيته، ولقد أوحى إلي أيضاً أنه إنسان موهوب بذكاء عملي لا تغيب عنه العملية في مهمته التي كانت تري لتحقيق مثل أعلى، أعني إعادة بناء الإمبراطورية الرومانية.

شرحت له بوضوح مطالب العرب بالاستقلال والوحدة ورفض كل أشكال الاستعمار، من الاستعمار المباشر حتى الحماية والانتداب والقواعد العسكرية. ولقد تبينت من خلال ملامحه أنه لم يكن ينتظر كل هذا الموقف الصارم مني.

قلت له: إن هدفنا الأول هو إنقاذ فلسطين من المؤامرة العالمية وأن نلغي مرة واحدة مفهوم الوطن القومي اليهودي على أرضنا. وهذا ما يملي علينا الكفاح ضد الوطن القومي اليهودي وليس التعصب كما يذهب البعض. إنه الحق في أرضنا ووطنا كما هو حق كل الشعوب. والعلاقات في هذا الوطن كانت دائماً أخوية بين المسلمين والمسيحيين وتعاونوا جميعاً في سبيل وطنهم.

أجابني: أعرف ذلك وإن ما أعلمه عن العرب وخاصة عن الدين الإسلامي هو كثير، لقد درست القرآن والتاريخ الإسلامي والتسامح الذي يحمله الإسلام محلاً أسمى، ولكن هؤلاء وأشار إلى الكونت أنفوزو لا يعلمون شيئاً.

وهنا تساءلت في نفسي – ترى هل يستصغر معاونيه أم أنه لا يحترمهم؟ واستمر قائلاً (إن مطالبكم تحظى باحترامنا واهتمامنا. إننا راغبون في مساعدتكم على تحقيقها ونحن على استعداد للاعتراف بأمانيكم. أما عن الوطن القومي اليهودي فلكم الحق في كفاحه ومقاومته. إننا ندعم هذا الكفاح ونقف إلى جانبكم.

لقد حاول الـ 46000 (ستة وأربعون ألفاً) من اليهود المقيمون في إيطاليا والذين لا تتجاوز نسبتهم 1 من 1000 من السكان السيطرة علينا. إنهم رغم تمتعهم بحقوق المواطن التي أعطاهم إياها شعبنا لم يعطوا أي دليل على تعلقهم بهذا الشعب. كل منهم جاسوس، إنهم يقومون بالدعاية ضد إيطاليا ويساندون أعداءها، إنهم طابور خامس بيننا. وسنتخذ الموقف الذي يستحقه موقفهم منا.

وأضاف في نهاية حديثه: أنتم أصدقاؤنا حلفاء بلاد المحور في هذه الحرب التي ستبدل كثيراً في مستقبلنا ومستقبلكم. إننا نتعاون معكم تعاوناً مبنياً على الثقة والتعاون المتبادل. إنني بهذه الروح أرحب بكم بيننا. لقد وصلتم في الوقت الذي تحوز به منطقة الشرق الأوسط اهتماماً كبيراً وأنا من ناحيتي أهتم بذلك اهتماماً كبيراً وأنا سعيد برؤيتكم بيننا، وعندما تذهبوا إلى ألمانيا أرجو أن تنبهوا الفوهرر إلى أهمية الشرق الأوسط وخاصة قناة السويس إنها عنق الإمبراطورية البريطانية، هناك نستطيع خنقها وإلى الأبد، إن جبهة الشرق الأوسط هي التي تساهم في النصر الذي يبدل مصير الحرب.

فهمت من كلامه أنه يعتمد علي كي أقنع الفوهرر بعدم جدوى الحملة التي يعدها ضد روسيا، وكان يعلل موسوليني حجته بإظهار الاستراتيجية الكلاسيكية الروسية التي تتلخص في جر جيوش الاحتلال إلى الثلج والجليد والسهول فتعمد إلى إفنائها بعد ذلك في هجوم معاكس. ولمح في الحديث إلى نابليون وشارل الثاني عشر ملك السويد اللذين وقعا في الفخ. صحبني الدوتشي إلى باب القاعة وهو يكرر تهانيه ويلح على البارون أنفوزو بتلبية طلباتي أثناء إقامتي في إيطاليا، وأكد لي الكونت أنه سينفذ أوامر زعيمه بدقة وأنه سيضع نفسه تحت تصرفي. فطلبت إليه بعد الشكر أن يسهل لي شكليات السفر اللازمة إلى رحلة أقوم بها لبرلين في أسرع ما يمكن. فسألني قائلاً دون أن يخفي دهشته: منذ الآن؟ ولماذا لا تقيمون بيننا؟ فأجبته لابد من السفر وسأعود لروما عندما تتهيأ الفرصة.

وبدلاً من أن نذهب إلى الفندق رافقني الموظفون إلى فيلا عظيمة في ضواحي روما هي فيلا سكارلاني التي وضعتها الحكومة الإيطالية تحت تصرفي، وقد وجدت أن حقائبي سبقتني إليها.

ولم أقم في هذه الفيلا غير يومين قبل سفري إلى برلين نقلت على إثرها إلى قصر آخر هو (فيلا كولونا) الكائنة في جبل مونتي ماريو المشرف على روما.

ويستأنف المفتي حديثه فيقول:

خرجت من مقابلتي الأولى مع موسوليني ممتناً. لقد أيد الدوتشي الأماني العربية في الاستقلال والسيادة قائلاً: باسم الحكومة الإيطالية أجيب رغباتكم بالاعتراف بأمانيكم الحقة وبمساعدتكم بتحقيقها مع حكومة الرايخ التي تتبنى –على ما أعتقد – نفس الموقف.

صفحة 3

إلى برلين

يقول المفتي: «ثاني يوم قابلت فيه موسوليني استقبلت في فيلا سكارلاني السفير الألماني فون ماكنزن يصحبه الكونت بسماك المستشار في السفارة الألمانية في روما وتحدثنا عن تفاصيل الزيارة التي نويت القيام بها إلى ألمانيا».

وفي 8 تشرين الثاني 1941 تركت روما بالقطار قاصداً برلين، وفي التاسع منه وصلت ممر يرينر والذي اشتهر بعد مقابلات هتلر وموسوليني به. وكان على رصيف المحطة وفد رسمي باستقبالي يرأسه وزير الدولة الدكتور (أوتو مايسيزا) يحيط به رئيس البروتوكول والدكتور ملتسرز مدير عام الشؤون الشرقية في وزارة الخارجية الألمانية والدكتور غروبا. ورافقوني إلى برلين حيث حللت ضيفاً على الحكومة الألمانية أحلتني في قصر (شلوس بلفور) الذي بني عام 1785 والقائم في حي (نيوغارتن). وبقيت في ذلك القصر أسبوعين ثم انتقلت إلى «غوته شتراسة» في (ضاحية تسيلنورف) البعيدة 16كم من برلين.

وفي 20 تشرين الثاني (نوفمبر) استقبلني فون روبنتروب في وزارة الخارجية الألمانية القائمة في ويلهلم شتراسة ودام الحديث معه ساعة ونصف (وهو وزير الخارجية الألمانية). ويقول المفتي بأنه وجد الوزير على غير ما كانت تصوره الصحافة المعادية من أنه وصولي ومحدود الضمير والعقيدة. فقد وجدتني أمام مخطط حقيقي وقور لا تخفاه الوقائع، ولم تكن بساطة حديثه تخفي دقة أحكامه. كانت الناحية العقلانية الواقعية في شخصيته تطغى على الناحية العاطفية. وكان من ضمن ما قاله الوزير للمفتي (يجب أن تُحل القضية الفلسطينية من نظرة عالمية دون الاهتمام بموقف الإنكليز، هذه القضية يمكن أن تثير أحداثاً عالمية خطيرة، إن فلسطين عربية وحل قضيتها يجب أن ينبثق عن هذه الحقيقة مهما كانت الشروط).

صفحة 4

مع هتلر

يقول المفتي:

في الرابعة والنصف بعد ظهر 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1941 قابلت أدولف هتلر فوهرر ألمانيا وزعيم الرايخ الثالث ولم أكن أنتظر أن أستقبل بمراسم استقبال رسمي.

فعندما ترجلت من السيارة في ساحة المستشارية وفي مدخل بوابتها الكبيرة استقبلتني الموسيقى العسكرية وطلب إلي مرافقي موظف المراسم في وزارة الخراجية أن أستعرض سرية من حرس الشرف، ثم صحبني عبر قاعات المستشارية الكبرى وممراتها حتى قاعة الانتظار، فطلب إلي رئيس المراسم أن أنتظر حتى يعلن عن قدومي، وبعد أقل من دقيقة استقبلني هتلر في مكتبه وأبدى الترحاب حين دخولي. وكان يحيط به عدد كبير من خاصته وبينهم ترجمانه الخاص الهر شميدت الذي نقل لي حديثه إلى الفرنسية.

قال لي بعد أن طلب إلي الجلوس أمامه: أهنئك وأهنئ نفسي أن قد نجوت من عدونا المشترك، لقد تابعت قلقاً مراحل تنقلك من طهران إلى برلين، إني أعتبر خلاصك نصراً، إن تاريخ حياتك معروفاً عندي بتفاصيله، إن كفاحك يحظى باحترامي، إني أقدر المعركة العظيمة التي خاضها الشعب الفلسطيني بشجاعة وحيداً لا يعتمد على أحد ضد الإمبراطورية الإنكليزية واليهودية العالمية. إن جرأة هذا الشعب وتصميمه العنيد وتمسكه بحقوقه وتفانيه تستحق إعجاب العالم.

كانت قوة صوته ولهجته الصارمة العميقة تخيل لي أنها تتردد في القاعة. كانت تعبير وجهه ترتسم على وجوه الذين حوله حتى كان كلاً منهم يردد في داخله أقواله التي تقطعها الترجمة ولاحظت أن شفاه بعضهم تتحرك وكأنها تتمتم معه ما يقول. وكانت عيونهم تتسع حدقاتها أو تصغر وفقاً لحركة عيني الفوهرر وكانوا يقطبون حواجبهم أو يحركون رؤوسهم معه بحيث تبدو عليهم المشاركة في التعبير كأنهم مأخوذون بمغناطيسيته. كان جو الحديث حاراً على هدوء وكانت لهجة الفوهرر المليئة تضاعف معنى الكلمات فتحفرها في ذاكرة محدثه حتى كان لها معان أبعد من معانيها الحرفية وينعكس فيها مزاجه العنيف.

قال: «إن لإقامتك بيننا معنى كبير ويجب أن تؤتي ثمارها، وأعلم أن هدفك الأول أن تعبر عن الآمال العربية وإرادة هذا الشعب بالكفاح ضد عدو الإنسانية المشترك».

وترك لي بعد ذلك مجال الحديث، وبعد أن شكرته لكرم الضيافة الذي لقيته في ألمانيا ذكرت العلاقة الطيبة التي تجمع بين ألمانيا والإسلام والتي تحققت في عهد السلطان عبد الحميد. وقلت إن ألمانيا لم تعتدِ يوماً على أي بلد عربي إسلامي رغم تاريخها الطويل. ولقد عانى شعبنا سياسات ظالمة غير شاعرة بحقوق الشعوب في الحياة والحرية، ولا شك أيها الزعيم أنك على علم ودراية بكل ما حل بالعرب من قبل بريطانيا وغيرها ونكثها بوعودها. كما أن شعبكم رزح تحت شروط معاهدة فرساي ونتائجها الهدامة المخربة.

وإننا نحن أبناء فلسطين سوف نتمسك بأرض الوطن مهما كانت التضحيات والنتائج. إن شعبنا الذي قاسى من تجربة الحرب الكبرى ليرغب في عقد معاهدة مع بلدان المحور وخاصة مع ألمانيا تحفظ حقوقه وتعلن على الرأي العام حتى إذا انتهت شكوكه انضم إلى المعركة التي هي معركتنا ضد عدونا المشترك.

صفحة 5

لاحظت وأنا أعرض رأيي على الفوهرر أن جفناه أقل حركة مما عند الآخرين وكان سكونهما يعطي وزناً وقوة لنظرته الصارمة. وكان لوجهه الهادئ تعبيراً متعالياً يبدي طبيعته المتحدية المسيطرة، رأيت أن انتباهه شديد لا يترك كلمة من كلماتي تفوته وأحسست كأنه يستعيد آرائي ويعد الجواب عليها في دخيلته. يحس محدثه بأنه قريب بعيد مما يحبب في شخصيته على صرامتها.

استأنف قائلاً: لقد شرحت إستراتيجيتي في «كفاحي» وقلت بأنني سأكافح اليهود دون تردد. وكان لكلمة يهودي وقع خاص عندما يلفظها.

إن إلغاء الوطن القومي اليهودي هو جزء من معركتي.. إن اليهود... - وكان يشدد على آخر حرف من يهودي فيلفظها – جودم بدلاً من جودن بالألمانية.

ويستطرد قائلاً: يريدون أن يقيموا دولة مركزية تكون قاعدة لنشاطهم وأهدافهم التخريبية، إنهم يريدون أن يهدموا كل الدول... كل شعوب العالم إنه من الثابت أن اليهود لم يقوموا بأي عمل بناء في فلسطين دعايتهم كاذبة، كل ما بني في فلسطين بناه العرب لا اليهود منذ ما قبل التاريخ. إن طبيعتهم لا تسمح لهم بالبناء ولقد قررت أن أجد بأي ثمن حلاً دقيقاً نهائياً للمشكلة اليهودية وبعد ذلك سأدعو أولاً كل دول أوروبا ثم البلدان التي من غير أوروبا أن تتعاون معي لنضع حداً نهائياً لليهودية العالمية التي تشكل خطراً يهدد العالم أجمع.

كان هتلر هادئاً في حديثه أحسست أنه يفتح قلبه فلم يخفِ علي قناعته بضرورة وضع حد لجرائم اليهود واستمر قائلاً: أليس عجيباً ومخيفاً أن يتعاون عدوان مختلفان مبدأً وهدفاً، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أقصى اليمين وأقصى اليسار! تناقض عجيب، لقد استطاعت اليهودية العالمية أن تجمع المتناقضين الرأسمالية والماركسية وتقرنهما بحبل واحد كي يخدما مصالحها ولكن هذا الأمر لن يدوم.

ثم تابع قائلاً: إننا نتابع كفاح حياة أو موت معركة تحسم نهائياً بين الوطنية الاشتراكية واليهودية ونجاحنا يأتي بعون إيجابي هام للعرب الذين يكافحون معنا. إن وعداً عاطفياً لا معنى له.. إن الضمانات التي تدعمها القوة المنقذة هي وحدها ذات معنى واقعي. والحرب العراقية (يقصد حركة رشيد عالي الكيلاني) مثل لذلك فرغم كسب العراقيين لدعم الشعب الألماني العاطفي فلم تمكنا الظروف من أن نأتيهم بالمساعدة العسكرية الضرورية لهم.

ثم تابع قائلاً: إن هذا الكفاح الذي نخوضه لا بد أن يخدم قضية العرب، وعلينا أن نميز بين ما يضرنا وينفعنا في سيرنا المنتصر ضد اليهودية العالمية وبريطانيا والأعداء الآخرين، وعندما يتحقق النصر تدق ساعة تحقيق الآمال العربية. وإن ظروف حربنا بالقوقاز الآن لا تسمح لنا بإعلان تصريح يتضمن استقلال سوريا لأن ذلك يضعف حكومة فيشي وتتخلى عنا بينما يشتد موقف ديغول وسلطته. وبعد وقفة قصيرة استمر وقد بدا عليه التفكير: أريد أن أقول لك شيئاً يجب أن يظل مكتوماً بيننا: سأتابع الكفاح حتى القضاء على اليهودية العالمية، وعندما تصل جيوشنا منحدرات جنوب القوقاز يصبح الوقت مناسباً للتصريح الذي تطلبون ويحين تحرير العرب. إن ألمانيا ليست لها مطامع في أي دولة عربية. فأنا ومنذ وصولي إلى الحكم لم أعطِ أي تصريح رسمي، إنني أنتظر الساعة التي أستطيع بها رغم تصريحاتي بقوة السلاح. ولا تنسى أني عندما أساعد العرب فإننا نفعل ذلك من أجل خدمة ألمانيا أولاً، وأنا أعرف أني عندما أساعدكم فإني أقوم بواجبي لمصلحة ألمانيا. وفوق ذلك فإنه ليس لألمانيا مطامع استعمارية خارج أوروبا فلقد ذهب زمن الإمبراطوريات الاستعمارية ولن أعيد أخطاء الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تحلم باجتياح العالم. وقواتنا التي تحارب الآن في شمال أفريقيا لا تستهدف احتلال الأرض وإنما كي تتابع الحرب ضد العدو، إن الرايخ الثالث لا مطامع له إلا في القارة الأوروبية ذات الحضارة القديمة حيث يستطيع الشعب الألماني أن يحيا وينفتح وعندما يُغلب الإنجليز ستعود قواتنا الموزعة في العالم كي تلعب دورها التاريخي الحضاري. ليست لنا مطالب في البلاد العربية فنحن أصدقاؤكم وبوسعكم أن تعتمدوا علينا، ولكن اعتمدوا على أنفسكم أولاً فنحن نفكر أولاً بمصالح ألمانيا وعليكم أن تفكروا أنتم بمصالحكم أولاً.

صفحة 6

لم يكن هتلر إذن راغباً في إعطاء تصريح رسمي كنت أعتبره هاماً وأساسياً في متابعة الكفاح، ويضيف المفتي قائلاً: إن من يتخذ موقف المشاهد بين المتحاربين ينتهي إلى أن يخضع لرغبات المنتصر أياً كان. لذلك رأيت أن لا نعتمد على الألمان لنصرة قضيتنا، وكان علينا نحن أن نؤلف جيشنا. وعلى أبنائنا وحدهم تحمل مسؤولية قضايا بلادهم.

ويضيف المفتي: إنه وأمام هذا الواقع القائم فقد عرضت على الفوهرر توقيع معاهدة سرية فقال: إن الاتفاقات السرية لا تظل بالضرورة سرية فلابد أن يطلع عليها بعض الأشخاص فتنكشف بعد قليل. لقد أعطيت في حياتي تصريحات قليلة على عكس الإنجليز الذين أعطوا تصريحات كثيرة لم ينفذوها. أما أنا فأتقيد بوعودي، وأعلن لكم أننا عندما نصل جنوب القوقاز تحين ساعة تحرير العرب وبوسعكم أن تعتمدوا على هذه الكلمة.

يقول المفتي: دام الحديث ساعة وخمس وثلاثين دقيقة وعندما تركت الفوهرر كنت أشعر ببعض القلق رغم تأكدي من الإستراتيجية التي يتبع. وكنت قانعاً قناعة مطلقة بعزمه على الكفاح ضد الصهيونية وأعوانها الاستعماريين، فقد كان رجلاً لا يتزعزع إيمانه بأفكاره، شديد الحماس بتحقيق أهدافه، عكس الساسة الإنجليز. وكان صريحاً في خطاباته وأحاديثه الخاصة، وكانت مصلحة الرايخ همه الأساسي. وكانت ألمانيا عنده كل شيء. ويقول المفتي: إنه صمم على متابعة جهوده مع الألمان وذلك بالاتصال بالموظفين المختصين بالشؤون الشرقية. ويقول المفتي: إنه قابل هتلر ثلاث مرات. ثالثها كان في حفلة استقبال رسمية وكان ذلك عقب دخول الولايات المتحدة الحرب، ولاحظت أنه كان راغباً بالتحدث إلي، وعندما حييته اعتذر لي قائلاً: إنه يود رؤيتي ولكن أعماله كثيرة ولقد تحدثنا طويلاً ذلك المساء، وتحدث عن اليهود الألمان.

في هذه المقابلة قال هتلر للمفتي: لم أكن أجد أي فرق بين مسيحي ويهودي ألمانياً كان أم نمساوياً، ولذلك عجبت لتبدل وضع اليهود المفاجئ في ألمانيا بعد وعد بلفور، فقد شدوا ضد كل المؤسسات الألمانية وأخذوا يخربون في دوائر الدولة والجيش، ويقومون بدعاية هائلة لنقط ويلسون الأربعة عشر (ودرو ويسلون أحد رؤساء أمريكا) والتي لا تفرق كما زعموا بين غالب ومغلوب.

ولقد أدت هذه المؤامرة إلى الانهزامية في ألمانيا وعاثت المنظمات اليهودية فساداً بنفس الوقت في التموين التابع للجيش فخسرنا الحرب.

أجابه المفتي بأنهم لعبوا نفس الدور في بلادنا.

واستأنف هتلر حديثه قائلاً: إن اليهود هم الذين دفعوا الولايات المتحدة لدخول الحرب ضد ألمانيا عام 1917، ورأيت بعد تأسيس الحزب الوطني الاشتراكي أن زعماء اليهود يتابعون محاولاتهم لتدمير ألمانيا وزرع الفوضى والأفكار الماركسية، وكان اليهود يريدون أن يقطعوا كل أمل بنهضة ألمانيا ولهذا السبب اقتنعت أن مهمتي الأولى ومهمة كل الوطنيين الاشتراكيين بل كل الألمان أن يستمروا في كفاحهم دون شفقة ضد اليهود.

أجاب المفتي: نحن العرب نعتقد أن الصهيونية من قامت بالتخريب لا اليهود.

قال هتلر: أنتم شعب عاطفي. أدعوكم لزيارة معهد الدراسات الذي أسسته كي أقنعكم بفكرتي وستجدون أن قناعتنا ثابتة علمياً.

ويجب عدم الإغفال هنا بأن المفتي الحاج أمين الحسيني عمل وبعض العرب المقيمين في دول المحور على إنشاء جيش عربي يدافع عن القضايا العربية وخاصة قضية فلسطين. وكانت نواة هذا الجيش مجموعة من الطلاب العرب الذين كانوا في العراق أثناء حركة رشيد عالي الكيلاني، فقد تقدمت مجاميع من هؤلاء الطلبة بالتطوع في الجيش الألماني وقبلت طلباتهم، كذلك في هذه الفترة جاء الإنجليز بعدد كبير من العمال العرب إلى اليونان فلما سقطت في يد الألمان أخذ أولئك العمال أسرى وكان الكثير منهم من أبناء فلسطين، وهنا تفاهم المفتي مع السلطات الألمانية على إخراجهم من معسكرات الاعتقال وإرسالهم إلى مراكز التدريب وأسس لذلك مدرستان حربيتان إحداهما تخرج منها مئتا ضابط، والأخرى لتدريب صف الضباط، وأُحدثت دورة في لاهاي (هولندا) لتدريب 60 مقاتلاً على أعمال المغاوير، تبعتها دورات أخرى في مناطق متعددة. وقد ضم هذا الجيش عرباً من بلاد الشام والعراق وبلاد المغرب العربي. وكان القرار الرسمي بإنشاء هذا الجيش العربي من قبل الحكومة الألمانية بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943. وأعلن الفوهرر الموافقة على مد الجيش بالأسلحة اللازمة. ووضع الألمان تحت تصرف المفتي وجماعته أربع طائرات ذات المحركات الأربع لنقل العتاد ووضعه في مخابئ سرية لتدريب المجاهدين في فلسطين استعداداً للمعركة المقبلة.

كذلك عمل المفتي أثناء إقامته في ألمانيا على إنقاذ آلاف المسلمين من بطش الصرب ومذابحهم في كرواتيا والبوسنة والهرسك.

وبعد أن أبادوا الآلاف من المسلمين، وكان ذلك بعد أن سقطت تلك المناطق بيد ألمانيا وإيطاليا اللتان وافقتا على إنشاء دولة كرواتيا وضم البوسنة والهرسك إليها، مما أغضب الصرب وجعلهم يقومون بالمذابح ضد المسلمين. عندئذٍ قام المفتي بزيارة تلك البلدان وقابل موسوليني وبعض المسؤولين الألمان لوضع حد للمجازر الصربية ضد المسلمين كما قامت مصر بدور في مساعدة المسلمين هناك.

صفحة 7

كيف غادر المفتي ألمانيا وأين كانت وجهته؟

اشتدت وطأة غارات الحلفاء على ألمانيا منذ أواخر عام 1943 وازدادت شدة عام 1944، وكانت بعض الغارات تهاجم برلين بألف طائرة، وكانت لا تفرق بين أهداف مدنية أو عسكرية، وكانت السلطات الألمانية تنذر المفتي ومن معه من العرب بالغارات بالتلفون قبل وقوعها للذهاب إلى الملاجئ.

وكانت الدار التي يقيمون بها قد أصيبت مراراً، وكانت ملكاً لسفير ألمانيا في الأرجنتين ومؤلفة من ثلاثة أدوار وتحيط بها حديقة واسعة، وكانت السلطات تقوم بالإصلاحات فوراً ليعود سكانها إليها. وفي إحدى الغارات دُمرت الدار تماماً، وفي اليوم التالي تم نقل المفتي ومن معه إلى منطقة بعيدة عن الغارات الجوية على بحيرة (ساوة) حيث مكثوا فيها حوالي شهرين، ثم تم نقلهم إلى مدينة (سيتاو) حيث قضوا فيها أربعين يوماً في فندق، وبعدها تم نقلهم إلى (أويبين) وهي إحدى المنتجعات الألمانية بالقرب من حدود تشيكوسلوفاكيا، حيث مكث الجميع وعددهم عشرون شخصاً ببيت كبير معظم عام 1944 وشطراً من عام 1945.

وكان رجال المجموعة يتناوبون الذهاب إلى برلين ويقضي كل من يذهب أسبوعاً لتفقد أحوال العرب والمسلمين وقضاء مصالحهم في تلك الظروف الحرجة.

ولما اشتدت الحال وبدأ زحف الحلفاء على برلين عام 1945 جاءهم حاكم المنطقة وأبلغهم أن هذه المنطقة أصبحت خطرة وأن السلطات ترغب في نقلهم إلى مدينة (بادكشتاين) وهي منتجع شهير جنوب النمسا. وقد لاحظ رجال المجموعة العربية أن جميع السيارات التي كانت تقل الحاكم وجماعته كانت تسير بالفحم نظراً لأن البنزين أصبح قليلاً وغالي الثمن في ألمانيا. وغادرت المجموعة العربية ومعها المفتي بالطبع إلى بادكشتاين حيث أنزلتهم السلطات الألمانية في فيلا (كارلشتاين) والتي لم تتسع لهم جميعاً فنزل بعضهم في الفنادق. وكان من ضمن هؤلاء العرب فلسطينيون ومصريون وسوريون وتونسيون وإيرانيون. وكانت هذه المدينة بعيدة عن الغارات الجوية لعدم وجود مصانع فيها تجعلها عرضة للقصف الجوي. لذلك تم تخصيصها للهيئات السياسية.

وفي هذه الفترة يقول المفتي بأن القضية العربية برمتها خسرت مناضلاً كبيراً يدعى (مصطفى الوكيل) وهو شاب مصري تطوع في البداية لقتال الإنجليز في العراق بعد حركة الكيلاني، ثم التحق بالثوار في فلسطين وفي كتيبة الشهيد عبد القادر الحسيني، وبعد ذلك خرج إلى سوريا فتركيا ومنها إلى ألمانيا، وقد عرفه زملاؤه بطيب الخلق والشجاعة والزهد وإنكار الذات والانتماء العربي الإسلامي الخالص لوجه الله والوطن. وكان خلال وجوده في ألمانيا يتوقد نشاطاً وحيوية دائب النشاط والعمل على خدمة المصالح العربية والإسلامية عامة، والقضية المصرية بشكل خاص، ونجح في انتزاع التصريح المشترك الذي صدر عن ألمانيا وإيطاليا عام 1942 بالاعتراف باستقلال مصر، ومطالبة دول المحور بعدم قصف المدن المصرية. استشهد هذا المناضل في غارة بريطانية على برلين ودفن بها إلى أن نقلت رفاته إلى مصر عام 1954.

ويضيف المفتي بأنه وقبل مغادرته بادكشتاين نهائياً توجه والدكتور فرحان الجندلي إلى برلين للقيام ببعض الشؤون ومنها بناء قبر للدكتور مصطفى الوكيل. ومكثا في برلين عشرة أيام بفندق إدلون الشهير.

صفحة 8

وكانت برلين في تلك الأيام أواخر نيسان 1945 قد أصبحت حطاماً لا تكاد العين تقع بها على بناء قائم.

وقمنا بمغادرة برلين إلى كارلسباد تحت وطأة الغارات التي لا تنقطع، ثم ذهبنا إلى (مارينباد).

وفي الطريق من برلين إلى بادكشتاين مررنا- يقول المفتي- بمدينة (نورمبرغ) وكانت خراباً يباباً، بعد أن كانت مدينة العمران والازدهار والحركة الدائبة والمنشآت الرائعة. والمعروف أنه وقع عليها اختيار الحلفاء لتكون مركزاً لمحاكمة زعماء النازية.

ولما تفاقم خطر اجتياح الحلفاء مناطق كثيرة في ألمانيا وأصبحت تحيط بها من كل جانب، بحث كبار المسؤولين الألمان مع المفتي ورفاقه طريق الخروج من ألمانيا. اقترح البعض غواصة تقلهم إلى أحد الشواطئ العربية. ثم استقر الرأي على أن نذهب إلى سويسرا لأنها أعلنت ترحيبها باللاجئين السياسيين في بلادها.

وفعلاً وصلنا إلى سويسرا ولكن السلطات هناك أبلغتهم بأن هنالك قائمة بأسماء اثنين وثلاثين شخصاً استثنيَ أصحابها من السماح لهم باللجوء، واسم المفتي معهم، لذلك لا يسعنا قبولكم في سويسرا. ولكننا على استعداد لنقلكم إلى أي مكان آخر. وبعد مشاورات قررنا الذهاب إلى فرنسا.

وهكذا كان. ووصلت القافلة إلى باريس حيث وضع الجميع في أحد السجون لبضع ساعات، ثم تم نقلهم إلى دائرة الأمن العام وقضوا ليلة في مكاتبها. ورأينا في ذلك المكان مجموعات من الفرنسيين المتعاونين مع الألمان وكانوا ينتظرون الحكم عليهم بالإعدام وقد سمحت السلطات لزوجاتهم وأمهاتهم بزيارتهم لوداعهم فكان عويل النساء وتحسر الرجال يملأ جو دائرة الأمن العام حزناً وألماً.

وفي اليوم التالي من الوصول إلى باريس الأحد 20/5/1945 حضر إلى مقر المفتي في مركز الأمن (المسيو ديغو) مدير القسم العدلي في الأمن العام ومساعده (المسيو بادن). وقال لهما المفتي بأنه وبما له من صفة دينية كونه رئيساً للمؤتمر الإسلامي العام ورئيساً للجنة العربية العليا فإنه يطلب السماح له بالانتقال من هذا المكان إلى منزل أو فندق، وأن يعامل المعاملة اللائقة فأجابه المسيو ديغو بأن الجنرال ديغول مهتم به ومن معه كل الاهتمام وستعاملون المعاملة اللائقة بكم وستغادرون هذا المكان اليوم، وسأله عمن يعرف في باريس فأجاب المفتي بأنه يعرف السفراء العرب والوزراء المفوضين، والسيد قدور بن غبريط ممثل حكومة المغرب.

وفي اليوم نفسه انتقل المفتي ومن معه إلى منزل على بعد 13 كيلو متر من باريس في ضاحية (سان مور – لافارين) على نهر المارن. ثم قرأنا في الصحف بأن بريطانيا تطالب بتسليمنا كونها الدولة المنتدبة على فلسطين وكذلك القيادة العليا للحلفاء بقيادة أيزنهاور. ولكن الحكومة الفرنسية وقفت موقفاً متحفظاً بحجة أن لها معنا حساباً طويلاً بسبب مساندتنا للثورة السورية 1936 ولأننا تعاونا مع الألمان في الحرب الأخيرة.

صفحة 9

ولكن الحقيقة أن فرنسا لم ترغب في تسليمهم لأنه وفي هذه الفترة بالذات كان الصراح محتدماً بين بريطانيا وفرنسا حول النفوذ في سوريا، وأن بريطانيا كانت تحاول إخراج فرنسا من المنطقة، وفرنسا أرادت أن تستميل العرب لاسيما وأنه كان من ضمن مرافقي المفتي بعض السوريين. حيث كان يتردد عليهم بعض المسؤولين الفرنسيين لاسيما من أولئك الذين عملوا في سوريا مثل مسيو بونسوا والذي عمل مندوباً سامياً لفرنسا في سوريا ولبنان عام 1928.

وكذلك زيارة مسيو (غيرامو) مساعد مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية الفرنسية، وكان الحديث يتناول الوضع في سوريا ولبنان وبعض الأقطار العربية. وقام مسيو (غيرامو) بتسليم المفتي رسالة من المرحوم سامي الصلح رئيس الوزارة اللبنانية حينئذ. ثم قام بزيارة المفتي وجماعته مسيو بونسو وحده، وتحدث في زيارته هذه عن رغبة فرنسا في التعاون مع الأقطار العربية وأنها ماضية في سياستها هذه.

ولا ننسى كذلك أن فرنسا كانت تريد استمالة هؤلاء العرب بما لهم من مكانة محاولة الحفاظ على وجودها في بلاد المغرب العربي التي كانت تحتلها.

وأخذ المفتي وجماعته بعد ذلك باستقبال من يشاؤون من الزوار العرب المارين بباريس أو المقيمين فيها. وكان من بين هؤلاء أحمد الدعواق أحد كبار رجال السياسة في لبنان ذلك الوقت والدكتور محمود عزمي رئيس وفد مصر في الأمم المتحدة، ووفد لبناني كان في طريقه للأمم المتحدة وكان أبرز أعضائه المرحوم رياض الصلح وحميد فرنجية وكان معهم الصحفي المعروف حنا غصن.

وفي هذه الأثناء كان اليهود يطالبون بتقديم المفتي إلى محاكم نورمبرغ مع زعماء النازية بتهمة التحريض على قتل اليهود. وفي عام 1946 قرر المفتي مغادرة باريس إلى مصر. وقال إنه تدبر أمر جواز السفر وغير الصورة الملصقة عليه ليضع صورته مكانها، وبدل ثيابه. ووصل أخيراً إلى القاهرة. بعد أن ترك رسالة شكر للحكومة الفرنسية.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض العرب الذين كانوا يرافقون المفتي اختاروا البقاء في ألمانيا وفي منزل بادكشتاين، في انتظار ما سيكون بعد احتلال الحلفاء. حيث دخلت القوات هذه المدينة بعد رحيل المفتي بيومين وتسلمت القوات الأمريكية الأماكن المهمة والدوائر الرسمية. وبموجب الأوامر الرسمية الخاصة بالأجانب اتصل أولئك العرب بدائرة الحاكم العسكري الأمريكي للاستعلام عما سيكون من أمرهم. بداية طمأنوهم، ثم أعلموهم أنهم موقفون حتى إشعار آخر، ومنعوهم من الخروج أو الاتصال بأحد، ووضعوا حرساً عليهم لمدة أسبوعين.

ثم نقلوهم بالسيارات برفقة الحرس إلى مدينة سالزبورغ ومنها إلى المطار، وبعد تسجيل الأسماء وإنهاء عملية التسليم والتسلم، ركبوا طائرة توجهت بهم إلى مطار بروكسل، حيث نقلوا إلى السجن العسكري ومكثوا شهراً، ثم نقلوا من الزنزانات إلى غرفة واسعة واحدة. ومكثوا في هذا السجن تسعة أشهر. وتم توكيل محام فرنسي للعناية بأمرهم، كما اهتمت سفارة مصر والمفوضية السورية واللبنانية في باريس بأمر رعاياها المسجونين. وقد اقترنت المساعي بالنجاح وتمكن رعايا تلك البلدان من العودة إلى بلادهم. أما الفلسطينيون منهم فلم تكن هنالك دولة ترعاهم، وأخيراً نقلتهم السلطات البريطانية من بروكسل إلى جزيرة سيشل بطائرة خاصة شباط 1946.

بعد أن أضربوا عن الطعام. وقضوا في سيشل أربعة شهور وساءت صحة بعضهم، فتم نقلهم إلى القاهرة على دفعتين.

أما هؤلاء الذين تخلفوا في ألمانيا والذين تم نقلهم بعد ذلك إلى بروكسل والقاهرة فكان منهم الشيخ حسن أبو السعود وسعد الدين عبد اللطيف وسليم الحسيني وهم من القدس، والدكتور ظافر الرفاعي (وزير خارجية سوريا فيما بعد) من حلب، والدكتور فرحان الجندلي (وزير صحة سوري سابق) من حمص، ورمزي الألاجاتي من حلب وبهاء الدين الطباع من بيروت ويوسف الرويس من تونس وغيرهم.

وأثناء وجوده في القاهرة قابل المفتي الملك فاروق الذي أنزله في قصر أنشاص. حيث تولت حراسته مجموعة كبيرة من الجنود. وأقام في هذا القصر 19 يوماً.

وطالبت الصحف المصرية بأن يكون للمفتي حرية الحركة والعمل السياسي لأجل قضية فلسطين رغم تحفظ الحكومة البريطانية على ذلك.

ويقول المفتي: إن بعض الضباط المصريين الذين قاموا بالثورة قد اتصلوا به وعرضوا عليه التطوع للعمل معاً من أجل فلسطين وكان منهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر واثنين آخرين.

ولكن بعد خلافات مع حكومة الثورة قرر المفتي مغادرة القاهرة إلى دمشق ثم لبنان وكان ذلك في 15 أيلول (سبتمبر) 1959 حيث قضى بقية حياته إلى أن توفي في سبعينات القرن الماضي رحمه الله.

صفحة 10

وصف مجاعة ألمت بمصر في عهد الدولة الفاطمية وجوانب أخرى

منذ نهاية عهد الأخشيديين بدأت المجاعات في مصر والتي امتدت حوالي تسع سنوات 964 – 972م فكانت عاملاً مشجعاً للعبيديين على فتح بلاد مصر. بعدما يئس بعض المصريين من حكم الإخشيديين لكن هذه المجاعات تكررت في عصر العبيديين خاصة في عهد الحاكم بأمر الله ثم ابنه وخليفته الظاهر لإعزاز دين الله، ثم في زمن المستنصر بالله.

ثم كانت الشدة الكبرى والتي ابتدأت سنة 1072 إلى 1095 فوصل سعر رغيف الخبز بها إلى خمسة عشر ديناراً (أكثر من عشر جنيهات حالياً) وأُكلت الكلاب والقطط والدواب، ووصل سعر الكلب خمسة دنانير.

ويصف المقريزي حالة الناس في مصر – القاهرة آنذاك بقوله: تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضاً وتحرز الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه في أسرع وقت، وشرحوا لحمه وأكلوه، ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر بالله كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره وكانت نساء القصور يخرجن ناشرات شعورهن تصحن: الجوع! الجوع! يردن المسير إلى العراق فيسقطن عند المصلى ويمتن جوعاً.

حتى أن امرأة عرضت عقداً لها ثمنه ألف دينار على جماعة التجار ليعطوها به طحيناً فاعتذروا. وأخيراً أشفق عليها بعضهم وباعها كيساً من الدقيق وما أن دخلت باب رويلة، عند عودتها ومعها الدقيق تكاثر عليها الناس وتخاطفوه منها، ولم تستطع الاحتفاظ بأكثر من ملئ يديها، وهو ما بقي لها من كيس الطحين، فعجنته وشوته، ولما صار رغيفاً أخذته معها، وسارت إلى أحد أبواب القصر ووقفت على مكان مرتفع، ورفعت الرغيف على يدها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: يا أهل القاهرة! ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت على هذه القرصة (الرغيف) بألف دينار.

ويقول ابن كثير: حتى اللصوص قضى عليهم الجوع، وأكل الناس بمصر عام (1070م) الجيف والميتات والكلاب. ولم يتجاسر أحد أن يدفن ميته نهاراً، إنما يدفنه ليلاً، مخافة نبشه وأكله.

وظهر أن بعض الطباخين قد ذبح نساء وبعض الصبيان وأكل لحومهم، وباعها مطبوخة، وليس أدل على ذلك من الرواية التالية: كانت امرأة سمينة تجتاز زقاق القناديل بمصر (القاهرة) فعلقها أحد العبيد السود بالكلاليب، وسحبها إلى داره، وفيه بطحها أرضاً على وجهها وأوثق رباطها بأيديها وأرجلها إلى أوتاد حديدية ثم عراها من ثيابها وقطع من عجزها شرائح وهي تستغيث وتصرح ولا من مجيب. ثم جلس يأكل وقد توهم أنها لا تستطيع الإفلات من قيودها: لكن المسكينة بدأت تتململ وتشد إلى أن استطاعت أخيراً أن تفلت من قيودها، وتخرج من داره زحفاً إلى أن وصلت إلى الخارج، فصرخت طالبة النجدة، فجاء الوالي وفتش الدار ليخرج منها مئات القتلى ثم ضرب عنقه.

وكلما اشتدت الأزمات، وارتفعت الأسعار وانتشرت الأمراض، وازداد الجوع، تزايد عدد الأموات بكثرة حتى لم يجدوا من يدفنهم، فطرحت جثث كثيرة في النيل، وتفشت الأمراض عند ذلك لدرجة أن الوباء بمصر قضى سنة 978م على أعداد كبيرة تقدر بالآلاف، سوى من لم يعلم بموته أما من دفن بلا كفن فكثير.

ولم تكن الحال في أيام الظاهر لإعزاز دين الله بأفضل منها في أيام جده العزيز بالله إذ ضرب الجوع القاهرة، وأصبح الناس في مصر على أقبح حال من الأمراض والموت وشدة الغلاء وانعدام القوت، وكثرة الخوف من فئات الذعار والشغار وغيرهم ممن ينتهز مثل هذه الأزمات.

أما في عهد المستنصر بالله فقد حلت الأمراض وعم القاهرة الوباء والقحط، والذي يعتبر أطول وباء عرفته مصر في العصور الوسطى، ممتداً ثماني سنوات: 1054 – 1062م فوصلت أعداد الموتى في اليوم إلى عشرة آلاف نفس.

ثم تعود الأمراض تتفشى في مصر بصورة أوسع عند حصول (الشدة العظمى) في الفترة الممتدة ما بين 1065 – 1072م.