eKtab
EN ع
سفر الغياب
اقرأ عينة مجانية

سفر الغياب

بقلم نمير بن سالم آل سعيد

صفحة 1
اختيار
 
الأمور مازالت طبيعية الإشاعة تصدق ، ستقام مسرحية جديدة في المنطقة : وماذا عن المسرحية القديمة·
 
: المسرحية القديمة عفى عليها الزمن· والمسرحيات لا بد ان تواكب الزمن·
 
لابد أن نذهب لنستقبل المنظم في المطار حين يصل· ذهبت مجموعة كبيرة· منهم من ذهب مجاملة، ومنهم من ذهب فضولاً، ومنهم ذهب مع من ذهـب· ظهر المنظم في ثيابه الاحتفالية· نزل وصافح المستقبلين وهنأوه على سلامة الوصول· وطمئنهم بأنه سيعمل سريعا على بدء المسرحية وأخبرهم بأنه لن يكون المنظم فقط وانما المؤلف والبطل في المسرحية· نظر المستقبلون وراءه فلم يجدوا ممثلين معه، وعدهم بأنه سيوضح لهم موقفه في لقاء عام معهم في المسرح بعد ان يستريح من عناء السفر·
 
جاء الموعد وفي هذه المرة كان التجمع اكبر فألقى المنظم كلمة ، قال ان هذه المسرحية تعتبر افضل ما سيقدمه ولكنه قبل ان يبدأ يحتاج إلى ممثليـن· يفرح الجالسون· يقف بعضهم ، يتقدم بعضهم· يحاول البعض لفت الانتباه: انتظـروا سأختـار بنفسـي·
 
أنت يا صاحب الشال الاحمر تقدم· وانت أيها الشيخ يبدو أن السنوات اعطتك من عصارتها خبرة تقدم فلك دور· وأنت يا هذا الذي يتشاور مع جاره تقدم· وأنت ايها التاجر لك دور· وأنت يا صاحب القلم في الصف الرابع تفضل·
 
هنــاك دور للمــرأة·
 
امرأة وحيدة ترفع طفلها في حنان أنت تستطيعين أن تجسدي الدور وتعطيه حقه اصعدي إلى المسرح· اكتمل العدد· نظر المنظم إلى بقية الموجودين ، أنتم ستتابعون المسرحية من بدايتها حتى نهايتها
 
فلتبــدأ المسرحيــة·
صفحة 2
صاحب العربة الذهبية
 
ربما حدث ذلك صدفة أو ربما ما ابصروه في ذلك المساء كانوا في حاجة لان يروه فتجسد أمامهم او ربما شبه لهم فاعتقدوا بأنه الحقيقة، والاعتقاد قادهم إلى الايمان بما رأوه ، مشهد عجيب لم تقع أعينهم على مثله·
 
المدينة هي المدينة منذ آلاف السنين والناس والخطوات والطريق يعبره الكثيرون ثم تبتلعهم نهاياته··
 
في ذلك اليوم اختلت المواعيد وتغيرت المواقيت وازدحم الطريق وحدث ما شد الانظار واثار الانتباه ولم يبرح المارة أماكنهم·
 
الجميع لم تجمعهم معرفة ولكن الحدث جمعهم ، تحادثوا فيما بينهم وتلفظت ألسنتهم بالاسئلة·
 
قال الاول : انظروا هل ترون ما ارى ؟
 
قال الثاني : أهذا يحدث حقيقة وأمامنا ؟!
 
قال الثالث : ان كنت اشك في وجودي فانا اشك فيما يحدث
 
قال الرابع : لا أومن بالخوارق ولكن بعد الان اعيد النظر فيما اصدقه ولا اصدقه
 
قال آخر : إنّ هذا يحدث على مرأى من الجميع ولا مجال لتجاوزه أو إلغائه
 
وأنا عائد من العمل اصفّر سعيدا ، مفكرا في الراحة التي تتبعها مسألة الاجهاد اليومية ومحتفلا بمرور اليوم على خير ، دون أن أكون معذبا بأمراض لا فكاك منها، أو أكون قتيلا ضمن ركاب طائرة سقطت لتوها وتحطم جميع ركابها ولم يسلم أحد، أو دون أن أكون طرفا في حادث سير يطبق علي انسحاقا بين اصطكاك الحديد بالحديد قاطعا علي مشوار حياتي الذي اتشوق لمتابعة احداثه·
 
انتهى اليوم مدعاة الاحتفال ليفتح اليوم الجديد أبوابه ليؤهلني للتمتع بكل ما يحمله من طيبات حياتية وكأحد راوده أعيش ثوانيه ودقائقه وساعته ، وتفكيري منصب على هؤلاء الذين أتوا متى أتوا ؟ واكتظ بهم المكان لم اطرح أسئلة كل ما كنت ابتغيه أن يفسحوا مكانا صغيرا للعبور لم يكن مطلبا غير مشروع فهذا الطريق يؤدي إلى بيتي وليس من العدل في شيء أن لا استطيع الوصول بينما كثيرون يتقدمون امامي ويسدون الطريق··
صفحة 3
تحركت أشق طريقي بين الجموع ولما رأوني التفتوا الي ثم التفوا حولي·
 
قالوا: عربة ذهبية أمام دارك وتباركوا بهذه العطية الالهية·
 
قلت : لا بد أن يكون هناك تفسير عقلاني فلا يمكن أن تظهر عربة ذهبية عيار واحد وعشرين أمام بيتي فالمعجزات حصلت في الزمان البعيد·
 
قالوا : هو مس شيطاني إذن·
 
قلت : الشيطان جلاب للشر جلاب لنار حامية صفراء تشتعل هنا وتنطفئ هناك وليس لذهب اصفر فهو خير وبركة·
 
وما ان فتحت باب بيتي حتى تدفقوا إلى داخله دون استئذان تهافتوا يبحثون عن العربة الذهبية فلم يروا شيئا مما اعتقدوا ، قلت ارأيتم لا أثر لعربة ذهبية·
 
قالوا : هل تظننا أغبياء انك لن تدعها هكذا لا بد انك صهرتها سبائك ذهبية وحولتها سيولة نقدية وراحة ونعيما·
 
هل تظننا نبحث عن عربة ؟ نحن الآن لا نبحث عن عربة نحن نبحث عن نقود تعطينا منها وطلبات تلبيها لنا·
 
قلت : أنا مثلكم ليس عندي أكثر مما عندكم·
 
في تلك الليلة لم يغادروا المكان ، واسهروني معهم·· البعض ذهب ليعود في الصباح الباكر ، ومنهم من بقي أمام داري لعله يناله شئ مما نالني ، وبعضهم كانوا يتحايلون علي خلسة لاخبرهم حتى تطمئن قلوبهم ، وحين انفي يزداد تعلقهم بي ، حتى صرت قبلة لذوي الحاجة من كل حدب وصوب·
 
فرادى وجماعات اتوا ومن كان بعيدا اتصل بي هاتفيا، ومنهم من بعث رسالة بالتليغراف او الفاكس·
صفحة 4
ظهر عدة أشخاص لم ارهم في حياتي وكلهم اكدوا بانهم يعرفونني وهناك من قالوا بانهم التقوا بي في المسجد ومنهم من ادعى بانه تعلم معي في بعض المراحل الدراسية والجار التاسع والعشرون بعد الالف كان حاضرا أيضا ومنهم من اصطحب اهله معه، والجميع كانت نظراتهم تشع اعجابا بي·
 
إذا مشيت وسعوا وإذا تحدثت صمتوا واذا عبست تجهموا واذا ضحكت انفرجت اساريرهم وقهقهوا·
 
وعند صفائي تأتي الطلبات ، منهم من يريد ان يستدين مني إلى حين ميسرة لبناء منزل؛ لانه لا يريد الاقتراض من البنك ومنهم من يريدني أن اساهم في دفع مصاريف زواجه ولو اتكفل بالمصاريف كلها سيقدم لي الشكر الجزيل كله·
 
ومنهم من يريد ان يفتح أول مشروع تجاري له ويريد أن ادخل شريكا معه هو بالخبرة وانا بالمال ، وهناك من يطلب ان اساعده ليتم توظيفه أو توظيف أحد أقاربه او اسهل له بعض معاملاته العاجلة·
 
كل هذا بسبب العربة الذهبية التي حولتها إلى سبائك ذهبية واوراق نقدية· وجميعهم يصرون على انني لدي عربة ذهبية ويؤكدون ويحلفون، وكلما حاولت أن اوضح لا يصدقون وما زالوا إلى داري يقصــدون·
صفحة 5
مسافـات الفرق
 
كل ما ترتب موجود عشية لم يطلب المغادرة الا ما سبق بعد ان تصرم ما بقى بفعل الوقت· وخلافاً لما عزم عليه تلك الليلة خرج يستبعد المكان ثم عاد مدققا ما لم يقع في منتصف متصل بين شمال ليس له غروب وقامت الترتيبات تهمس له تناجيه تطلبه وتحتم عليه، تجمع اكفها في توقيت متساو يتخللها نسبية أرقام لا فارق واضح بينهما سواء ما قد لم يكن معلوم حين لا يعرف المدى الواهي وأن علمت شيئاً غابت عنك أشيائك·
 
وهكــذا قال المتكاملـــون لم يكونوا حين تكونّوا والكمال ليس للبشر والمرضي معقول كونه من العقل وفيه تعقل· وهو معقول في تكوينه ثم صار عاقلاً بالفعل فتلبس الفعل وبدأ أكثر عقلا وأكثر ما قـــد لم يكن·
 
حين رأى ما لم ير من ترقٍ في شركة المتشاركين بالمال صدق نفسه فتلبسته الحالة وتلبس الحالة فصارت الحالة في حِلِّه وترحاله، وفي منزله وفي السوق، وفي سيارته، وفي مأكله ومشربه، وتعامله وعدم تعامله، ونبرات صوته وحركات أصابعه ونظراته التي لم تعد الا ارتوازية وفكر صديقه الذي اول ما فكر فيه فهو من المفروض ان يكون سنيداً وان يهب لمساعدته عند الضرورة ما دام هو على أهبة القيام بالفعل الذي جاء له من اجله للخروج إلى حله ، وليس عاجزاً عن الفعل في الاعطاء بما هو غير بالغه وهو مؤثر بكونه ما يكون في الفعل، وتم البحث عنه فالضرورة تحتم ايجاده والعيش والملح الذي بينهما وما قد مضى من عشرة تدفعه إلى عدم التوجه إلا اليه· رغم تغيره على نفسه وعلى الحبال المتقلصة في صوته فهو لن يتغير على ذكرياته فهي أغلى ما يكون· لم يكن موجوداً حينما توقعه ان يكون ولا حيث من المفروض أن يكون، هكذا قالت الحسناء أو ربما كانت تتقول الصدق بما يمليه عليها عملها· أو ربما كان ذلك سبباً فقط لعدم وجوده· لم يبن في شيء يبان فيه إلا الشي الذي باين ذلك وان كان ذلك فيه حقاً ما باين به هذا التباين·
صفحة 6
وانتظـــره على المقعد ، المقعـــد من خشـــب والخشـــب من شجـــرة صفصـــاف ، والامتنــــاع تناقـــض لا يبـــرر التفنيـــد ولا يصـــدر عن من ينصرف في عــودته فهو موجود أما اذا تقدم عنـــه فــي الوقت ولم يره فهو مدرك الوقت ، والاستحالة في ترك الموجب والموجب ضروري، فلما تردد عليه ولم يكن حاضراً في الماضي ولا في هذا اليوم ولا غداً·
 
كان هناك انبعاث قصدي لايجاده اذا كان فعلا متواجداً وليس هذا بغريب في استنباط التدابير وامكانية المواجهة· والظهور بمظهره المخصوص به والامتزاج ليس كالامتناع فهو ليس كما لايكون ومقبول ودليل على ادراك معقولات وتوافق من اجل المطلوب، وفي المراد تناهٍ إلى الجزئية من الوقت بما يكفي في مجال محكم الاغلاق والمجال في نفسه ونفسه لا مجال شيء·
 
واستمع بامعان لعله يوجد ما يبّدد قول كان معلوماً ولو قالت انه ممتنع لما تقدمت ضرورياته عنده ولتقدم كبرياؤه ولتركه لحال سبيله ولكان بلغ القائم إلى شي سواه ولتصرفت به الاحوال إلى العاديات·
صفحة 7
في أثر مفقود
 
اظلم الكون لبرهة في اغماضة عين حسبتها الدهر كله·· نظرت إلى السماء فرأيت الشمس ترسل اشعتها·· وشعرت كأن البرهة التي اغلقت منافذ الكون تسري في دمي · تجولت بناظري حولي ابحث عن الناس فوجدتهم حيث هم كما كانوا··
 
رأيـــت الجبــال والبحار والاشجار في مكانها بحثت عني فوجدتنــي· فعلام أشعر أن تلك البرهة التي اغلقت منافذ الكون تسري في دمي ؟ وعلام أشعر بأني فقدتني وبأني لست هناك حيث اكون ولست في مكاني وزماني ، نظرت الي فعرفتني فهذه ملامحي التي أعرفها ، وهذا اسمي ، وهذا المعلق على الجدار رسمي فعلام أشعر أن تلك البرهة التي اغلقت منافذ الكون تسري في دمي وعلام أشعر بأني فقدتني ؟
 
وبقيت وحدي والشمس بالاعلى لم تزل نظرت في الارض ولم اجد ظلي·
 
نظرت خلفي وإلى جانبي كررت النظر حولي·
 
أين ظلي ؟!! أسرعت الخطى ، بغير هدى تحركت ، أسأل ، هل أحدكم رأى ظلي ؟
 
من سرق ظلي مني ؟
 
منذ زمن وظلي معي وكل ما فيه يدل عليّ·
 
كان علي أن استعيد الذاكرة اذا نسيت والوقائع والاحداث ، كان علي أن استعيد الوقت الذي سرق فيه والحالة التي كنت عليها ، والكيفية التي سرق بها، كان علي ان استعيد ظلي فأنا الاولى به وأنا الاجدر·
 
ذاك الذي سرقه كيف سولت له نفسه أن يأخذ ما ليس له بل كيف أخذ ما لا يمكن المساس به ، إن كل قطرة من دمى تستصرخ هذا الظل الضائع ان يعود واني لا أملك الا السؤال ؟ فهل أحدكم رأى ظلي ؟
 
شاهدت مجموعة من كبار السن التفوا حول أنفسهم في حلقة متصلة يتداولون أمرا جللا، كانت مظاهر الحكمة الواضحة على محياهم توحى بأنهم عاصروا اجيالا من البشر·