إهداء
إليهـــا فـــي سفــر نرجسهــا
تكتُبنـي شهقـةً شهقـةً
وتأخُذُني لآخرِ الشــــروق
رؤيا محمـد البوعزيــزي
( إلى روحه فينا)
ها أنتَ تصحو الآنَ
تفتَحُ شرفةً للروحِ والحُلُمِ البعيدِ
كنجمةٍ أفنيتَ عمرَكَ كيْ تُضيئَكَ
أو تضيءَ بكَ الطريقَ إليكَ
ثمّةَ غربَةٌ أخذَتكَ منكَ وحاصرَتكَ
فضاقَ بيتُكَ والبلادُ كمثلِ بيتِ السّلحفاةِ
حَلمتَ بالأفُقِ البعيدِ
فلم تجِدْ لكَ جانحَيْنِ لكيْ تطيرَ
وكانَ ريشُكَ في مهبِّ الريحِ منعوفاً
ومنتوفاً ، ليَرْتَفِعَ الشعارُ على شُعورِكَ
مثل بالونٍ يَشُدُّكَ للهواءِ بخيطِهِ الوَهميِّ
تجري حافيَ القَدَمينِ عمركَ
والسّرابُ يشُدُّ خطوَكَ للسّرابِ
كأنّما ضاقَ الفؤادُ على البلادِ
وضاقَتِ الرئتانِ والشَّفتانِ والرؤيا لتبتَعِدَ البلادُ
مِنَ البلادِ
وكانَ حُلْمُكَ أنْ تصيرَ فراشةً
وتَطيرَ حُراً بينَ ماءِ النيلِ حتّى يلتقي
ماءَ الفُراتِ
ومِنْ محيطِكَ للخليجِ أردتَ فردوساً
بوسعِ عباءَةِ الصحراءِ في رؤيا كواكبِها
ولم تَحْلُمْ بغيرِ الشّمسِ تبعَثُ روحَها
في حَبّةِ القَمحِ الشّهيّةِ
كيْ يصيرَ الخُبزُ قُدْسِيَّ الدلالةِ
في يَدِ الفُقراءِ
فالفُقراءُ مِلحُ الأرضِ
سُنبُلةُ الحياةِ، رَمتْ على كَتِفِ الميادينِ الجديدةِ روحها
في ريحها وتَوهَّجَتْ غَضَباً لتَشتَعِلَ الشّرارَةُ
والإشارَةُ
والبشارَةُ
في فراشَةِ تونسَ الحمراء
تَنهَضُ مثلَ عنقاء الرّمادِ بروحِ "بوعزيزي" العظيمِ
تَزُفُّهُ العلياءُ مكتَملاً بمعنى ذاتهِ حيّاً
فَتَكتَمِلُ السّنابِلُ في رؤى الصديقِ يوسُفَ
فادخُلوها آمنينَ الآنَ
إنَّ كواكِبَ الدُّنيا سَتسجُدُ للميادينِ
الملايينِ التي قالتْ لِفرعون الجديدِ: كفى
وأسقَطَتِ الشّعاراتِ القديمَةَ عنْ سماءِ نخيلنا العرَبيِّ
والهَرَم المحنّطَ،
مومياءِ الصّمتِ
والموتِ البطيءِ على مرايا الانتظارِ
لكيْ يُطِلَّ نهارُنا العَرَبيُّ منديلاً
يُكُفكِفُ أدمعَ النيلِ الذّليلِ يئِنُّ في نايِ السّواقي
حينَ يشربُها الصّعيدُ فتُخصِبُ الدّلتا
ويبتسِمُ الفُراتُ لِنخلةٍ تبكي على أسوار بابلَ ذُلّها
ويدُلّها
أنّ السماءَ قريبةٌ منا
وأنّ الشمسَ تولدُ من إشارَةِ نصرنا
يا شمسُ فانكسفي قليلاً
إنّ شمسَ دمائنا أبـهى وأقدَسَ
فادخلوها الآنَ
إنَّ القدسَ تفتحُ كلَّ بواباتها للشمسِ
تعشقُ "أُورَها " في نورها القُدُسيِّ
كمْ من دمعةٍ سقطتْ هناكَ لدمعةٍ سَقَطت هنا
كَتَبَتْ وَصِيَّتَها الأخيرةَ في دم الزيتونِ ميثاقَ النهارِ
وخبّأتْ في البرتقالةِ حُلمَها الصيفيَّ
وعدَ البحر في خلخال يافا
رُبّما أقتَربَ الجليلُ إلى شغافِ القلبِ أخضَرَ
مثل منديلٍ سماويٍّ رماهُ اللهُ من فردوسِهِ العليَّ
قِطعةَ جنّةٍ في الأرضِ عمّدتِ المسيحَ بمائها القُدُسيِّ
ذاتَ بشارةٍ
وتوهّجت برؤى النبوءةِ قبلةً أولى
لها أسرى النبيُّ محمدٌ ليلاً
وعرّجَ للسماءِ يتمّمُ الرؤيا
لكلِّ نبوءَةٍ رؤيا فعفوكَ يا محمّدُ
ربما لم نفهم الرؤيا
ولم نحفظ كتابَ الماء في الصحراءِ..
تهنا في مهبِّ الريحِ تُهنا
تلك خارطةٌ تفصلها على مقياس روحِكَ
قسّمتها الريحُ
فانقسمَ الفؤادُ على البلادِ ، ولا بلاد كأنها منفى
يوزِّعنا هُنا وهناكَ
عفوكَ يا رسولَ اللهِ إنّ نبوءة أخرى تشبُّ الآنَ
في دمِنا
وتبعَثُ زمزماً في كلِّ عاصمةٍ وعاصفة
كأنَّ الله ينفخُ روحَهُ فينا لنحيا
ألف مرحى
ألف مرحى
أيها الموتُ العظيم
بنارِ بوعزيزي العظيمِ
كفاكَ موتاً إننا نَرِدُ الشهادةَ فيكَ كي تحيـا
وكيْ تحـيا
ونحيـــــــــا من جديد...!!
نرجس الروح صباح الجسد
( إليها في نرجس الروح )
كيفَ أبدأُ ليلي
وحيداً كدمعةِ وجدٍ
تئنُّ على وترٍ في كمانِ المُغنّي الحزينِ
وتسهرُ حتّى الصباحِ البعيدِ البعيدِ
على شمعةٍ تتلاشى رويداً رويداً
على هالةِ الضوءِ
كيْ تؤنسَ الليلَ في وحشةِ الجسدِ الآدميِّ
لعلَّ صباحاً ندياً شهيّاً
كوجهكِ ذاك البهيّ كزهرةِ لوزٍ
تطلُّ على ذاتها في احتفاءِ المرايا
يعيدُ إليّ فراشاتِ روحي التي فارقتني إليكِ
بغيرِ وداعٍ سريعٍ كما يفعلُ العاشقون
فيا موتُ ويحَكَ
لا تمتحنّي بملءِ الحياةِ
فماذا تقولُ الفراشةُ في حضرةِ الضوءِ
حينَ يُراودُها الموتُ ملتبساً بالحياةِ
على وهَجِ الشوقِ والأسئلةْ
كيفَ أبدأُ ليليَ فيكِ
ولا شيءَ يحضرني الآنَ غيركِ فيَّ
أوزّعُ روحي على جسدينِ قريبينِ في البعدِ حدّ التوحُّدِ
يا جَسدي النرجسيّ لماذا تبرأتَ مني
لتسكُنَ فيها
وتسكن فيكَ
وفي الحالتينِ تظلُّ وحيداً
كنايٍ يئنُّ على شفةِ الريحِ حينَ تَمُرُّ
ويبكي على قمرٍ كانَ همَّ بهِ ذاتَ ليلٍ
وأسرى إليهِ على شهقةٍ مُثقلةْ
لستُ أدري إذا كنتُ وحدي هُنا
غارقاً في ضبابِ التّساؤلِ
ما بينَ بيني وبيني
وبيني وبينكِ
يا امرأةً تتعرّى وراء ستائر روحي
وتأوي إلى مخدعِ الماءِ
ما بينَ جفني وجفني
لماذا أحبّكِ ؟
كيفَ دخلتِ حدودَ المقدّسِ فيَّ
لكيْ تستحمّي بماءِ الينابيعِ
أو تشعلي النارَ في معبدِ الماءِ
يا ماءُ
هل احدٌ غيرها أشعلَ الماءَ بالماءِ فيكِ
فكيفَ إذاً نطفئُ النارَ بالنارِ
في ماءِ أجسادنا
كلّما عربدَ الماءُ في جسدٍ
يشتهي جَسَداً
حلَّ حتّى توحّدَ فيهِ
أو استبدَلهْ
كيفَ يا فتنةَ الروح
كيفَ رحلتِ بغيرِ وداعٍ
يبلُّ بيَ الريقَ في عطشي المستبدِّ
على حافّةِ الماءِ
كيفَ تجرّأتِ وَيحَكِ أن تتركيني وحيداً
كنجمٍ هوى من مدارةِ خلخالكِ الغجريِّ
خُذيني إليه إليكِ
ورُدّي إليَّ الضّحى المتوهّجَ في فُلِّ ساقيكِ
كمْ فُلّةٍ سوفَ تبكي على حالها
كلّما مسَّ خلخالها الماءُ
أو قبّلهْ
ها أنا أعبُرُ الليلَ وحدي
على عتمةِ الروحِ
أسألُ عن قمَرٍ كانَ يوماً نديمي
على شرفةِ الله في ظلّ جفنيكِ
لا تتركيني وحيداً
فلا ضوءَ يملأُ روحيَ بعدكِ
كيفَ سرقتِ القناديلَ من شرفةِ الحلْمِ
ما أطولَ الليل من غير حُلْمٍ
يدُلُّ النوارس عن شاطئِ البحرِ
حينَ تتيهُ النوارسُ في آخرِ الليلِ
ما بينَ عينيكِ يا امرأةً يشتهي البحرُ خلخالها
ويصلي لها الفجرُ بالبسملةْ
كيفَ أختمُ ليلي الطويلَ الطويلَ
كشعركِ حينَ يخبئُ خلفَ حريرِ ستائرهِ الشمسَ
لا روحَ تؤنسُكَ الآنَ
يا جَسَداً يتجلّى على نرجسِ الروحِ
لا تمتَحنّي بها
فلها وحدها
أفتَحُ الشّرُفاتِ على وسعها
وأصلّي لها
أن تعودَ إليكَ ،إليَّ إلينا
لتحيا فأحيا وأحيا ونحيا
فلا تتركيني وحيداً وحيداً
بهذا اجسدْ
أنثى في ساعة الصفر
( إليها في ساعةِ الصفر )
كَفَراشَةِ ليلٍ تَمَلَّكها الضوءُ
فاستَأْنَسَتْ قَمَراً في المساءِ المُباغِتِ
لا مَوْعِدٌ للفَراشَةِ مَعْ هالَةِ الضوءِ
راوَدَها البدْرُ فاشتَعَلتْ نَجمَةٌ
في مَجَرَّةِ سُرَّتِها الغَجَريَّةِ
لا شيءَ يُطفِئُها الآنَ تُدرِكُ
إلّا تَوَحّدها نَجمةً نجمَةً
في جُنونِ أوارِ المَدارِ
كانً ليلي طويلاً طويلاً كقامَتِها
في احتِفاءِ النّخيلِ على كرنَفالِ أصابِعِها
حينَ مَدّتْ يَداً للسَّلامِ
بِخَمسِ أصابِعَ عَمَّدَها الضوءُ كُلَّ صباحٍ
وصلّى عَليها إلهُ الرّخامِ
فَهمَّ النُعاسُ الخَجولُ على هُدُبٍ مُثقَلٍ بالدُّجى
يَكسِرُ القَلبَ.. يَكسِرُني
كُلَّما رَفَّ هُدْبٌ في لَوْعَةٍ وانكِسارِ
لمْ نَقُلْ أيَّ شيءٍ
فَكُلُّ الكَلام يَتيمٌ على شَهْقَةِ الانبِهارِ
تَرَكنا أصابِعَنا تَتَوَلّى الحِوارَ الخَفِيَّ
فإنَّ الأصابِعَ تُتْقِنُ أكثَرَ مِنّا
فُنونَ طُقوسِ الحِوارِ
لَمْ نَقُلْ أيَّ شيءٍ
لنخدش بَلّورَ هذا المَساء المُكَدَّس
وَرْداً وَوَعْداً على الشُّرُفاتِ
تَمَلَّكَنا الصَّمتُ في ساعَةِ الصِّفْرِ
والصَّمتُ أيْقونَةٌ للكلامِ المُقَدَّسِ سِراً وسِحْراً
فلا تَفْضَحي السِّرَّ خَلفَ احتِمالِ المَرايا
أُ حِبُّ الكَواكِبَ أنْ تَتَجَلّى
رُويداً
رُوَيداً
وَراءَ السّتارِ
آهِ يا امرأةً
تستَحِمُّ الكَواكِبُ في لَيْلِ أجفانِها المُستَبِدِّ
فَكَيْفَ تَجَرّأتَ يا لَيْلُ أنْ تَسْرِقَ الأَسوَدَ السّرمَدِيَّ المُراوِغَ
مثْلَ سُنونُوَةٍ في فَضاءِ غِوايَتِها
كُنْ على حَذَرٍ أيّها الليلُ
سَتَرمي على بَيدَرِ النَّجمِ خِلْخالَها الغَجَرِيَّ
وَتمضي إلى آخِر البَرْقِ في ماءِ سُرَّتِها
مَنْ ترى يوقِفُ الغَيْمَ ساعَةَ البَرْقِ
عَنْ شَهْوَةِ الإنهمارِ
هِيَ أُنثى
تُهَيِّئُ مِشْمِشَها حبّةً حَبَّةً لِسَريرِ الأميرِ الوَثيرِ
وَتَحْلُمُ مِثلَ الأميراتِ أنْ توقِظَ الشّمس
تَحتَ حَرائِرِها في الصّباحِ البَهيِّ
لِكيْ يَستَحِمَّ الأميرُ الوَسيمُ على شُرُفاتِ النّهارِ
فلا الليْلُ يكفي لضوءِ الشُّموعِ
على شَمْعَدانِ أصابِعِها في المَساءِ الشّهيِّ
ولا الشّمسُ تَكفي لِتاجِ الأميرَةِ
يا شَمسُ عفوكِ نامي قليلاً
ليبدأَ مِن كَتِفَيْها احتفاءُ النّهارِ
على بعدِ أندلسينِ وأدنى من القدس
على بعدِ أندلسينِ
وأدنى قليلاً منَ القدسِ
ومنْ دمعتيْنِ على شاطئِ المتوسّطِ
تختبرانِ انكسارَ المرايا على شهقةِ الشّمسِ
ما بينَ بيني وبيني
وبينَ غدي المستباحِ على بيدرِ الريحِ
فيما تعدّى الهبوبَ الأخيرَ وأمسي
ومثل فراشةِ ليلٍ تُحوِّمُ حولَ القناديلِ
أنهكها الضوءُ ذاتَ احتراقِ طويلٍ طويلٍ
على قبَسٍ موغِلٍ في الحنايا
وليلٍ طويلٍ طويلٍ
كليلِ العنادِلِ والمستحيلِ
هوَ الحُلْمُ