eKtab
EN ع
سفر السرمدية
اقرأ عينة مجانية

سفر السرمدية

بقلم عبد الخالق الركابي

صفحة 1
مقدمة
 
د· مالك المطلبي
تمحو الممحاة جسم الكتابة، أما البياض فلا تترك أيّ أثر فيه؛ لأنّه روح الكتابة المطلق!
مالك
أيّها القارئ! تعال نلعب: أنا وأنت، اللعب منطق، لأنّ له موضوعاً، ولكنّ هذا الموضوع ليس من تلك الموضوعات المصطفّة خارج نطاق ذواتنا· إنّ موضوع اللعب هو اللعبُ ذاته· أما وسيطُ اللعب، أو اللاعبون، فهو مُوجِدُ اللعب؛ يختفي حالما يظهر اللّعِب إلى الوجود· خذ مثلاً الهواء، إنه موجد الصوت ولكنّه ليس الصوت، كما أنّ الكرة هي القلم الذي نكتب به لعبة كرة القدم، وبيادق الشطرنج، وقطع الدومينو، ومضرب التنس وعظمة الاختفاء! كل تلك وسائطُ تنوجد اللعبةُ بها، من دون أنْ يكون لها موقع أو أثر ما في تلك اللعبة!
تعال نلعب: أيْ نؤسس منطقاً خاصاً بنا، نحن اللاعِبَيْنِ، أو اللاعبينَ، بإزاء اللعبة التي نؤدّيها·
يبدأ منطق اللعب بافتراضات ينمو في داخلها عَقْد اللعب، ثم التصميم، ثم النسق· واللعب الذي أريد أن أتّفق معك عليه، هو أن نَفترض أنّ هذه الخاتمة هي المقدمة· أعني ألا تقرأ هذه السطور إلا بعد أن تقرأ تلك الرواية، ومع ذلك، مع ذلك نُسمّيها، وتلك أصول اللعبة، نسمّيها مقدمة· وهذا طبعاً ضِدُّ منطق تراتب الأشياء في الواقع، ولكننا، في اللعب، نستقلُّ عن منطق الواقع، بمنطق ما نفترضه وننسّقُه، وهذا هو جوهر اللعب!
في منطق الأشياء، منطق وجودها الموضوعي، يكون لكل نَسق مَرْجع ما، يسبقه· أما في منطق اللعب فمرجع النسق: هو النسق ذاته إلى ما لا نهاية· وبعبارة أخرى موضوع النسق هو النسق ذاته· لا صلة لنسق اللعب بالموضوع إذن، كما أنه ليس له صلة بالذات· كل ما تفعله الذات هو رفع الغطاء عن النسق، وإن لم ترفعه، فهو موجود هناك، وجود >قوّة<· يتخطّى اللعِبُ، أيّ لعب، ثنائيّة الوجود الواقعي: الذات/الموضوع، لينتمي إلى واقعه هو: ذلك الذي نسمّيه بالفن· ومرّةً أخرى ما أُريد أن أتّفق معك عليه أو نلعب به هو أنْ تقطع طريق هذه الرواية (سفر السرمدية) كما هو مرسوم في تسلسل أرقام صفحاتها· إنْ قَرأتَ هذه الأوراق (المقدمة في منطق اللعب) قبل أن تقرأ هذه الرواية، وهذا بإمكانك، فإنّك ستكون خارج مجال اللعبة!
صفحة 2
والآداب والفنون ألعاب كما نوهنا ولكنّها ألعاب من نوع خاص· لأنها تحمل، على خلاف الألعاب الصرف، بصمة الموضوع· أقول بصمة، لأنّها تَفْنى بالأشكال ولهذا نسمّيها وثائق مجازية· مشكل هذه الألعاب، ألعاب الآداب والفنون، أنّها تتقاسم نشاطها مع الواقع، من جهة انحدارها منه بكونه مموّلاً لها· ومن جهة اتجاهها إليه، بكونه سياقها الثقافي الذي يحتويها، وهذا يعني أنها تحمل ذكرى مرجع (كَوَّنَ النقد الاجتماعي في الأدب مادته من النفخ في تلك الذكرى)· ولكنّ هذين القطبين: التمويل والسياق، لا يغيران من الأمر شيئاً، أي لا يغيّران من حقيقة كون الآداب والفنون ألعاباً تُمارَسُ مع القارئ، وما تحويه من كائنات ليست كائنات من لحم ودم، بل رموز موضوعة في أنساق· لعبة النسق في الآداب والفنون، أهم من ذكرى الإنسان فيها، وإنْ انحدرت منه، وإن اّتجهت إليه·
لكنّ ما يحدث في هذه الرواية، ليس هو اللعب الذي هي فيه، بل كون هذا اللعب، موضوعاً في إطار لعب آخر· وبهذا نكون بإزاء لعب * لعب· هذا اللعب المركّب يدخلنا في مجال >التّصميم< وكما هو معروف يُعَدّ التصميم السمةَ الكبرى في نتاج ما نسميه >فنون وآداب ما بعد الحداثة< والسؤال ألم تكن رواية الحداثة وما قبلها الرواية الكلاسيكية، خاضعة للتصميم؟ والجواب: بلى إنها خاضعة للتصميم، بل ما من لعب، يُسمّى لعباً، إلا وهو في تصميم ما، سواء أكان تصميماً ساذجاً أم تصميماً معقداً، لكن تصميم رواية الحداثة، يكمن في النسق أو الأنساق التي يشتمل عليها فقط، ويخضع لضروب النسق ذاته، بحيث تم دمج المؤلف بالراوي الذي أصبح يعَدُّ نشاطاً سردياً خالصاً ثم أُدْرِجَ >القارئ< بعد ذلك بكونه >فاعلاً< أساسياً في لعبة مَلء الفجوات·
أما الآن ما بعد، الحداثة، أو على نحو أدق عتبة ما بعد الحداثة، فقد أعادت ربط >الراوي< بالقارئ عن طريق >التوجيه والتحكّم<· ربما تكون هذه الآلية آلية التوجيه والتحكم، إشارةً إلى نشاط مسموع في الوعي، على حساب اللاوعي الفردي (المدرسة النفسية) واللاوعي الاجتماعي (المدرسة البنائية التكوينية) واللاوعي الجمعي (المدرسة الإسطورية) والكليات العميقة (المدرسة البنيوية)، لكن هذه الإشارة إشارة النشاط المسموع في الوعي، لا تتجه إلى سيطرة الوعي الانعكاسي (الواقعية) بل، على الضد من ذلك، يعمل هذا النشاط لصالح وعي متنقل لا مركز له، لأن آلية التوجيه والتحكم تتنقل على وفق ما تفرضه وتقتضيه اللعبة، لا على ما يرغب فيه مَنْ يمسك بعصا التوجيه والتحكّم· وهكذا تتعدّى رواية ما بعد الحداثة شبكة إسناد الروي، إلى ما أسميه الإسناد إلى الموجِّه - بكسر الجيم - والموجَّه - بفتحها · موجِّه يحتاج إلى لاعب يوجهه ويتحكم به، وهو منفّذ تعليمات اللعبة، ويمتلك هذان الضميران، ضميرا المخاطِب والمخاطَب خاصيّة التحويل، ليندمجا من ثم بشبكة إسناد الروي، المعمول بها في الرواية· وتوضح الخطاطة الآتية هذا المسار في رواية (سفر السرمدية):
صفحة 3
الحاجز الضعيف
 
و أوّل ملمح يصادفنا في طوبوغرافية هذه الرواية، هو عنوانها: (سفر السرمدية) وهو ما سنُرجئ الكلام عليه إلى الفقرة القادمة· بعد العنوان نعبر الحاجز الضعيف الذي وضعه المؤلف في طريقنا، وهو الإهداء· الضعيف لأنّه يقع خارج النسق باعتباره تعليقاً يُمكن حذفه· وسنرى أنّ المؤلّف يعود ثانية ليُغلق الرواية بإقامة ثبت لمراجعها· هاتان الورقتان اللتان دسّهما المؤلف كجزء من سلطته قبل التّخلي عنها لصالح سلطة النسق، إشارتان تحتاجان منّا إلى وقفة ما·
إن إشارة الإهداء خاصّةً، تلفت نظرنا إلى تلك الحقبة التي كانت تُعنى باستعمال الموجّهات الخارجيّة، وهي ما كانت واضحة لدى الرومانسيين خاصةً، في محاولة لإيجاد موطئ قدم خالص للوعي الحلم في تلك المساحة الشاسعة التي تعود ملكيتها إلى تلك الكائنات المجازية· إنّ خطر هذا الحاجز الضعيف أو الإهداء لا يمكن النظر إليه بكونه أمراً نجعله خلفنا فقط بل، ربما يُسبب لنا كبوة أو عثرة ولو بسيطة، ونحن على أعتاب الدخول إلى ذلك التشابك المخيف المسمّى رواية·
تحفزنا هذه الجملة الاعتراضية (الإهداء):
إلى أزهر طالب
أعلينا أن نتألم كثيراً لكي نحب
الحياة أكثر
عبد الخالق
صفحة 4
* العَنونَة
 
العنوان، أيّ عنوان، في حقل الجماليات هو إشارة (سيميائية) ذات حِمْل خاصّ، أعني أننا نعدّ البياض أو النقاط كتابةً· وقد تسنى لي قبل عقدين من السنين أنْ أناقش ماهيّة العنوان الفني ووظيفته، وقد سمّيته بـ>النصيص< ولا أزال مع هذه التسمية، لأنّ جوهر العنوان عندي هو أنّه نصّ تجمّد في نقطة اختزال تامّة، بعد أن كان مدّاً من التموّجات يمتدّ من الافتتاح حتى الختام· وأقول بعد أنْ كان مدّاً ولا أقول قبل أن كان، كما تقتضي تراتبيّة وجوده، لأنَّه ما من >عنوان< فعليّ لا افتعاليّ أو قَسْري إلا ويُنْجَز بعد النصّ· ووضعه في المسار النقدي قبل النص جزء من آثار سلطة >الواقع< في الأدب، حيث يسود منطق التراتب العقليّ: الفكرة النص· وعلى أيَّة حال إن نحن أحدثنا ثلمة في النصيص، أمكننا سماع شلال هائل لشظايا الإشارات وهي تنثال، وتتجمّع قادمة من النص، ولكنّ القبض على أنساق هذه الإشارات، كما رتّبت في وجودها الإرغامي، لا يتحقق إلا بين دفتي كتاب ما· >النصيص<، إذن، ليس تعبيراً عن سلطة خارجيّة أوليّة، بل هو أمْر تفرضه سلطة الدّاخل، وإلا عُّد إشارة مُنْتَجَة داخل حدود الوعي كالإهداء تماماً· وهذا هو الذي يجعلنا نعزل >العنوان< عن الموجّهات الخارجية· وننظر إليه كما لو كان قرصاً ليزرياً C.D حيثُ تتجمع في حجم القبضة هذا ملايين الإشارات·
عنوان الرواية >سفر السرمدية< وترجمته كبطاقة معنى(1): كتاب الآن الدائم· وهذا المعنى ينطوي على أقصى ما تبلغه التضادات من لعب في ما بينها، فالسِفر (الكتاب) حاوٍ والحاوي هو كل ما يحد ما يحتويه· ولو أحدثنا ثلمة في ما نسميه حاوياً فإنه لا يعود كذلك· ومحتوى كتاب العنوان وهو السرمدية، يعني الآن الدائم: >الآن< الذي يعني وعي الوجود (لا تذكره - الماضي، ولا تصوّره - المستقبل) و>الدائم< هو المطلق· وها هنا تناقض بين الحاوي (السِفر) وما يحتويه (الدائم)، لأنّ ما يحتويه أوسع منه· فكيف يحتوي حاوٍ ما هو أوسع منه؟ وهكذا لا مناصّ لنا، لتجنّب تحويل التضاد إلى تنافر، من تفسيره بـ(كتاب في المطلق) على نحو ما تشي به الإضافة، وهي التي تنسب الأول (المضاف) إلى الثاني (المضاف إليه) وما دام الدائم (السرمد) لا حدّ له، فإنّ الكتابة تتدحرج فيه إلى ما لا نهاية؛ لأنه لازمها وهو البياض (الفراغ) لا نهاية له (كما أنه لا بداية له) وتلك هي لعبة الرواية ذاتها، تلك هي اللحظة التي تجمّدت فيها تلك الرواية لتكون سِفْراً، وما سنفعله هو إذابة ذلك الجليد، أو على عبارة نقدية تفكيك الوثيقة التي بين أيدينا (سفر السرمدية) أي إعادة بنائها نقدياً·
صفحة 5
يتمفصل عنوان (سفر السرمدية) في متن الرواية عبر عنوانين فرعيين: >سفر الأزلية< و>سفر الأبدية<· تقع الرواية الأساس في >سفر الأزلية< فقط ويقع نقل الرواية في >سفر الأبدية< فقط· هذا التوزيع جزء من لعبة التصميم: إذ إنّه يفصل بين مَنْ يوجد في غرفة السيطرة (التوجيه والتحكّم) ومَنْ يوجد خارجها·
>سفر الأزلية< هو كتاب الماضي الذي لا بداية له· الأزل هو الزمان الذي ينبغي ألا تكون له بداية· وفي صيرورته يتحول إلى ماضٍ وهو ذلك الزمان الذي له بداية (لا تزال في طور التخمين) وهكذا يمكننا أن نرى نهاية >الأزل< بوساطة الماضي الذي يُدْمَج فيه بعد تجاوزه لا بدايته· نهاية الأزل تقع خلف الخط المسمى >الآن<:
ما إن تشرع الرواية بالإنوجاد حتى تفنى في الأزل· وإنها لكي تحيا لا تحيا إلا في الإشارة فقط، والذي يشير إليها هو الآن الذي يهرب دائماً إلى الأمام حيث الأبد· في عنوان >سفر السرمدية< يكمن التوعّي وهو الآن الذي يشير، وهو يهرول، إلى المستقبل الذي لا نهاية له (سفر الأبدية) نحو العربات الثلاث (اللعب - الحب - الألم) التي تكوّن (سفر الأزلية) وهكذا نكون بإزاء نُصيص رئيس: وهو حاوي كتاب المطلق (سفر السرمدية) يتفرّع منه حاوي الرواية (سفر الأزلية) وحاوي ناقل الرواية (سفر الأبدية)·
وتوضّح الخطاطة الآتية توزيع الأغلفة:
إن >السرمدية< بهذا الاتجاه ليست فعلاً تتمفصل فيه الروايتان: رواية اللامحسوس (الخيالي) ورواية المحسوس (الواقعي) بل هي إشارة إلى اللامحدود· إنها كمثل تلك الأم التي تتركنا نلعب بالقرب منها، من دون أنْ نفكر في تحديدها· إنها فيض يتجاوز عقولنا· غير أنّ هذه الإشارة بحساب علم الإشارات (السيميولوجيا) ينبغي أن يكون لها وجود ما في هذا العمل، وإلا ما عُدّت إشارة· وسنجد ذلك الوجود الإشاري في نهاية الرواية حيث تُمحى الكتابة وتتسرّب السرمدية بعدها عن طريق البياض الذي ينتظر إلى ما لا نهاية· ذلك البياض الذي ما إنْ يُعلّم بالكتابة حتى يمحوها وهكذا·
إن وحيد حلمي (مُعاين الأثر) الذي تمكّن من فكّ شفرة اللعبة، ومن ثَمّ الوصول إلى سفر الأزلية (الفصل الرابع) إنما يحيلنا على بياض مفتوح هو جزء من الزمن السرمدي لا جزء من الزمن النسبي:
صفحة 6
> وعد قطعته على نفسي من دون أن يخطر لي أنّ الإيفاء به يتطلب مرور ربع قرن قبل أن أصل إلى الصياغة النهائية لهذه الفصول الثلاثة، تاركاً لك الفصل الرابع - تذكّر الحركة الرابعة من تلك الرباعية الوترية - لتملأ بتفاصيل الحاضر بياض الصفحات···<
من خطاب الروائي إلى وحيد حلمي
وهو أمر لم يتمّ ولن يتمّ، لأنه واقع في المجال السرمدي الذي يكنى بالصفحات البيض·
***
 
تتجاور الروايتان (سفر الأزلية) والرواية الواقعية (سفر الأبدية) بين دفتي كتاب السرمدية؛ يفصل بينهما حدّان: الأول مكاني معبّر عنه بالتسمية (أزلية - أبدية) والحد الثاني بنائيّ يتمثل بشبكة الإسناد (توزيع منظومة الرواة) حيث الرواية الواقعية تُنسج بإسنادها إلى ضمير المتكلم، الذي لا علم له إلا بما ينفذ من حواسه وينسّق في عقله:
>كنت - رابطت - وقفت - همست< في حين يسند الروي في الرواية الخيالية إلى ضمير الغائب الذي ينوب عنه الراوي المتعالي كلّي العلم:
>وكان - وكانت - أصبح ···الخ< أو إلى ضمير المخاطِب (الموجّه المتحكم) >حين تُشرع - سأفترض بك - ذلك ما أريدك - ها أنت ذا<
يعمل هذا الإسناد على فصل الذات المتحررة المطلقة (المرويات) عن الذات الحبيسة (النسبية) (الواقعات)، لإنشاء مَعْلَمي طوبوغرافية السرد الرئيسين، غير أن هذين الحدين الفاصلين سرعان ما يذوبان، بعضهما في بعض، ليصبحا كالمجرى الذي ينبع من مكانين مختلفين ويصب في مكان واحد· هذا المكان هو الذي يُعَلّمُ تحت يافطة، تعدّ كلمة السرّ في الأعمال السردية، التي تحاول اجتياز مانع الحداثة إلى ما بعده وهي >الأسلاف< أو على نحو أدق (مدينة الأسلاف)(2))
صفحة 7
أسلاف السرمدية
 
إذا تقبلنا أننا في >سفر السرمدية< بإزاء مدينتين: واحدة مروّية مطلقة هي >مدينة الأسلاف< والأخرى موثقة Documented نسبية وهي >بغداد< فإننا سنكون بإزاء خلل في الإنشاء السردي؛ لأن الإشارات، إشارات التسمية (الأسلاف/بغداد) هاهنا تمثّل ذاتها لا ذات المسمى· إنها كالختم الذي لا يعمل داخل سياقه: >العقد<· ولهذا سنحاول تفكيك بناء الرواية على النحو الآتي:
- إذا كان الضمير مسنداً إلى >الروائي< (سفر الأزلية)·
- إذا كان الضمير مسنداً إلى >الراوي< (سفر الأبدية)·
في الحالة الأولى سنكون بإزاء مدينة الأسلاف· وفي الحالة الثانية سنكون بإزاء مدينة بغداد· ويتم تماهي المدينتين بوساطة إشارات الاتصال كما نوّهنا·
و بهذا سنكون بإزاء ثلاث روايات·
الأولى: رواية الأسلاف، التي تمكن قراءتها عبر فصولها الثلاثة (اللعب - الحب - الألم) المغلّفة بسفر الأزلية، مستقلة تماماً عمّا يراه راوي مدينة الواقع (وحيد حلمي) الذي يتّصل بالأسلاف الثلاثة كلاً على انفراد لأنهم لا يجتمعون إلا ويكون هو خارج سفر الأزلية، وتنحصر وظيفته في الإسناد:
(عن الروائي)
(عن طلال شاكر)
(عن ثابت ضاري)
حيث يكون عقل الناقل حاضنة مادّية للهلوسة الأثيرية التي تُسمّى الأسلاف·
صفحة 8
الثانية: الرواية الثانية: الرواية الحاضنة (سفر الأبدية) وهي ذات وظيفة محددة: بناء حلقات اتصال مع الرواية الفعلية (رواية الأساس: سفر الأزلية) وفي ضوء ذلك لا تمكن قراءة فصول (سفر الأبدية) بمعزل عن قراءة (سفر الأزلية) ويصحّ العكس، إذ بإمكاننا انتزاع أوراق (سفر الأزلية) وقراءتها مستقلة تماماً·
الثالثة: فإذا تجاوزنا الروايتين فإننا سنكون بإزاء رواية البياض· وهي عبارة عن جزء من حساب التوجيه والتحكّم في رواية سفر الأزلية، إذ تمثّل الفصل الرابع· ولكنها بحساب بنائي، رواية ثالثة لأنها تحوّل الإسناد من الروايتين الأساس (سفر الأزلية) و(الحاضنة) (سفر الآنية) إلى سفر الأبدية، باعتبار أن البياض فعل الأبدية، والكتابة فعل الآن الذي يقبع دائماً تحت سلطة الممحاة·
غير أن هذه الأبدية، هي محاولة في تحويل شخصية (وحيد حلمي) إلى جزء لا يتجزأ من الأسلاف وليس مجرّد ناقل يروي عن الأسلاف، وذلك عن طريق دمجه بالأبدية بوساطة أفق الانتظار الأبدي ليلتقي من ثمّ بطرف الأزلية، وهذا اللقاء هو ما يصطلح عليه بالسرمدية· فالخلل الإنشائي قائم على اضطراب في توزيع المتعالقات· ولهذا فتصحيح هذا الخلل يتم بإعادة ترميم الفصل الرابع (فصل البياض) داخل البنية الكبرى (سفر السرمدية) لنكون بإزاء ثلاث روايات لا روايتين كما وثّقته الرواية؛ وهي:
- سفر الأزلية
- سفر الآنيّة
- سفر الأبدية
و وظيفة رواية (سفر الآنية) هي دمج الأزلية بالأبدية·· وهكذا كنا بإزاء أربعة عشر فصلاً من (سفر الآنية) الذي عنون خطأ بـ(سفر الأبدية)·
صفحة 9
مرة أخرى إنّ سمات سفر الآنية (الأبدية)، كما في الرواية، تتميز حين يكون الإسناد إلى ضمير المتكلم، وهو (وحيد حلمي): ووظيفة هذه الرواية:
1ـ الدخول إلى عالم الأسلاف
2ـ فك لغز لعبة الوجود الأزلي وصولاً إلى بياض الأبدية·
و رواية سفر الآنية (الأبدية) لا داخلَ لها، أو هي لا تحاول أن ترد إلى داخلها لأنها متجهة إلى الكلام عن غيرها، وارتدادها إلى الداخل سيفقدها هذه الوظيفة، ولهذا مثّلتْها شخصية واحدة وحيدة، هي شخصيّة (وحيد حلمي) (الطالب مشروع الروائي)· أمّا (حنان) فهي جزء من تفريع زائد في السلسلة الحدثية، ولكنّ حذفها سيؤدي إلى نوع من أنواع الجفاف السردي·
 
* سفر الأزلية
إذا أخضعنا الرواية الأساس >سفر الأزلية< إلى تحليل موضوعاتي، فإنّ المعنى التقليدي المختبئ وراءها هو (الغنيّ والفقير) فالرواية، إذا طرحنا الأغلفة الفلسفية ونفذنا إلى متنها هي رواية تعيد لنا الصراع المستديم في الموضوعات التقليدية بين غنيّ (مادياً ومكتمل خَلْقيّاً وخُلقيّاً ومحظوظ اجتماعياً ومتوقد رؤيوياً) هو (طلال شاكر) وفقير (مادياً ومصاب بسوء حظ قدري، ومنبوذ اجتماعياً وحامل عاهة) هو (ثابت ضاري)· تقوم ثيمات صراع الغني والفقير على تقابلات ذلك الصراع التقليدي:
الحب/الكره
الانتقام/العفو
صفحة 10
الغيرة/الأثرة
الدسيسة/المكاشفة
الأنانية/التضحية
وكما تتسرّب الكليات العميقة لحقبنا الحيوانية فـينا، تتسرب ملامح ذلك الكائن الميثولوجي في الصراع ليتم تحويله إلى جزء من اللعب والتصميم، إذ يتحد فعل الغني (طلال شاكر) والفقير (ثابت ضاري) بوساطة الكّلْب (الكلب العائد لطلال شاكر): فالكلب ينفذ من الدبابيس التي عُلّقت بها لوحات معرض طلال شاكر إلى إبرة داء الكَلَب، لتتم عملية التوازن في هذا الصراع: لقد سُلب طلال شاكر كل ما عنده؛ ليحدث التوازن مع ثابت ضاري المسلوب أصلاً· وبموازاة عاهة ثابت ضاري (الحَوَل) تستحدث عاهة طلال شاكر (الشلل)·
الحيوان الذي لا نراه يوجد بيننا وبين ظلالنا· إن ما يتقاسم الأسلاف هما الأسطورة (الحيوان/الأزل) والعلم (القرص الالكتروني/الأبد)·