eKtab
EN ع
صفير الجوال آخر الليل
اقرأ عينة مجانية

صفير الجوال آخر الليل

بقلم إبراهيم البهرزي

صفحة 1
سفير الجوّال آخر الليل
 
بدقة بالغة، وحساسيّة مفرطة، يتعامل الشاعر إبراهيم البهرزي مع المفردة؛ المفردة التي تتجاوز ــ لديه ــ إطارها الشكلي إلى الدلالة/ المعنى· ولذلك فإن احتفاءها بالكلمة لا يتعدّى مجرّد دورها الوعائي التوصيلي لما يختمر في ذات/ ذهن الإنسان· فلا تكاد تجد في شعره كلمة أو حرفاً زائداً لا يقود اختزاله إلى خلل أو إعطاب هرميّة الفكرة· وثمة·· فإن فهم شعريّة البهرزي لا بدّ أن تمرّ عبر سؤال : ــ أيُّهما أولى في التكوّن الشعري·· الكلمة أم الفكرة ؟··
 
ولا أجازف إذ أقول·· الفكرة !
 
لأن شعريّة البهرزي تعتمد الرؤية، ورؤيته تعتمد الفلسفة، وفلسفته تشتغل على الهمّ الإنساني في عصوره وعصاراته منذ بدء الخليقة حتى آخر لحظة كونية في الزمن البهرزي· وقصائده ليست اشتغالاً على اللغة ــ العكس صحيح أيضاً ــ وإنّما معالجة ذهنية نفسية وجودية لمفردة الإنسان/ الكائن إزاء قوى الطبيعة التي تقتصّ من وجوده وتستلبه شذر إنسانيته· فالتاريخ البشري إنما هو تأريخ الاستلاب الإنساني، والحضارات المتوالية وقيام الامبراطوريات إنما هي وثائق رقمية وثبوتية على استراتيجية الاختزال ومسلسل هدم كيان الإنسان، منذ عصور آلهة بابل وأثينا حتى آلهة التكنولوجيا وحرب النجوم·
 
و(صفير الجوّال آخر الليل) جولة مضنية في دروب الأسى والمأساة التي شدّت من قبضة حصارها على أعتاب ألفية جديدة ليس في وجه الإنسان العراقي فحسب، وإنما الكائن الإنساني في كل مكان من العالم·
 
والهمّ لدى إبراهيم البهرزي، ليس الحصول على عشبة الخلود الجلجامشية، وإنما إعادة الإنسان إلى إنسانيته أو إعادة الإنسانية إلى الإنسان، من خلال الانتصار على الخرافة والوهم !·
 
وديع العبيدي
 
رئيس تحرير مجلة ضفاف الثقافية
 
النمسا 10/6/2002
صفحة 2
الناعون والفجيعة
 
متأخراً يأتي الصوت
 
نغمة شرقية مترفةً، عميقة القرار
 
متأخراً يأتي
 
من الآبار البعيدة للرحمةِ البائدة
 
يتسقط إبل الدم، وهي تشخب نازعةً مسيرها الوئيد
 
تحت رغبةٍ غوغاء
 
تخمط الجهات
 
خمطَ جواري الصالونات !
 
في كل خضرةٍ تعتلي خشباً
 
أو تتمرغ بروح قطةٍ ودودةٍ
 
تكشّر في الظلام حمرة الدم الخجلى
 
عن وسنٍ متأوهٍ
 
لروحٍ أرادت المرور بين أزقة الأسلحة
 
مطمئنةً لظلها الأبيض
 
وهو يمزج الشمس بالمطر·
 
يا حبيبتي يا حبيبتي يا حبيبتي
 
لن يكرر المرء ثلاثاً في زمن الوجوم
 
إلاّ لأجل القطيعة·
 
ولذا يأتي الصوت المنظور
 
دائماً عكس ما تُريد الحياة
 
سابقاً
صفحة 3
لبريق الممات !
 
يتأوّه الوسن
 
والبلد المطمئن بالنائمين
 
يذهب حيث لايريد أحد
 
لأن لا أحد بعد يريد الذهاب··
 
وما هي الأماكن التي لا تسجن ذكرياتها مؤبداً
 
غير صالة الموت الأنيقة ؟
 
وهي أليفةٌ
 
في مدار جدار الطين
 
أو في الطرقات العامة حيث العشب يتحدث عن ذاكرة الأقدام
 
أو في لا مكان
 
طالما نتوهم جنةً ندمنها جنوناً
 
وتتسلّل غيبةً إلى العاقلين ؟
 
كيف عليك وأنت غريب أن تتدهدى بين أراجيح النسيان
 
أفواه ثقوبٍ ناغرةِ تعوي في الجسد العَصِيّ
 
وصولاً حتى مسجد القلب
 
وحين صلاة الطفولة
 
وعلى سبورة اللّه الزرقاء
 
حيث يتراص الحمام الأبيض من الضحكات
 
تمسك الممحاة بودّ
صفحة 4
وتكتب بها أسماء وفائك للمنسيين:
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد ليسَ بَعد
 
ليس بعد ؟
 
عجباً
 
أهنالك سطر بعد يحتمل الملال ؟
 
الصارخون على الدم لا ينزفون من أفواههم
 
والجثث المكتومة
 
تجهش أبداً بالاستغاثة
 
لا أحد يسمعُ أحداً
 
طالما ضوء الجريمة
 
أسرع من صدى النداء····
 
يا حبيبتي يا حبيبتي يا حبيبتي
 
منذ أكثر من ستة آلاف عامٍ
 
يجلس المنشد الفقير
صفحة 5
على عتبةباب المحارب
 
وحتى أبان غيبته في هجرات القتال البعيدة
 
فإن عبداً مخصياً
 
سيشي بامرأته أو ابنته
 
ويردّدُ
 
يا حبيبتي يا حبيبتي يا حبيبتي
 
فيقل المنشدون
 
ويكثر الزناة والمقاتلون
 
متأخراً على الدوام يأتي الصوت
 
بعد أن يكون الموت قد أكمل وليمته
 
ولا يظل للناعين غير سذاجة الأسى···
 
والكثير من غشاوة البخور
 
المباهج تلك التي صنعت صبوتي:
 
رفقة في البساتين
 
عشاقٌ يسترشدون بنهار المدامة
 
صوب النشيد وفخر النساء
 
انقضتْ هكذا
 
بيدٍ لوَّحتْ
 
اقفلتْ كلّ أفقٍ
 
وعادت بنا لاجترار البعر
 
بيدٍ لوَّحتْ
صفحة 6
لَمْ لذكرى الطرائفِ
 
ظلَّ أثَرْ··
 
***
 
غير ذاك الذي لم يجد مرقداً أبدياً
 
غير مهد التراب البليل
 
من يظلُّ ليبقى
 
قتيلاً
 
تزاحمه في القبور فئات القتول ؟
 
كل صوتٍ تأتّى
 
تأخر جداً
 
عن الحوم في الفاجعة:
 
إنها لا تُرى
 
لا تقالُ
 
وليسَ ستكتَبُ،
 
معيوشةٌ هي
 
ليس تشبه
 
إلا بما هوّن الربُّ
 
من سورة القارعة !
صفحة 7
الطّيوريُّ 1
 
أسراب الطيور تجرُّ الغيوم من ياقاتها البيض
 
ذلك المعنى الموغل في الحرية
 
يحتاج إلى قتلةٍ أكثر مهارةً في التسديد
 
يحتاج إلى قنّاصين
 
يضعون النبض المهذار
 
في حلقة المعدن
 
لينبّهَ الموتُ لمزاد الحياة···
 
ينقلُ النمل موتاهُ
 
إلى أمكنةٍ غامضةٍ
 
ربما تكون الحرية
 
أو فشلٌ مطبعيٌّ يبعثر النقاط·
 
يا طيور الوقت مفتوحَ الأزرار
 
صدري منقبضٌ كقفاز ملاكم
 
الحريةُ نَفَسٌ مدلَّل
 
ينزقُ من الممرات ضيقة الحواشي
 
وأنا والطيور
 
تقاطعان
 
يحملان برفقٍ
صفحة 8
جسد الكتابة الصليبةِ
 
جسد الصوت المقلوع··
 
الطيور
 
جسد إله
 
ثقيل النظرة
 
يمرعُ بين الأوقات
 
بابتسامة كالريش··
 
لا تحط على صلابة المكان،
 
الطيور ندم الاعتقاد القديم
 
وفكرة المنفى اليومي
 
منفى اليوم في أسبوعهِ
 
منفى الأسبوع في شهرهِ
 
منفى الشهر في عامهِ
 
منفى العام في قرنهِ
 
منفى القرون في لجاجة العمى
 
منفى الحرية في الصدر المسلول
 
أتأملها كخطيئة آدمية
 
تنزفُ الندم الأول
 
كتكوينٍ بايولوجيٍّ
 
يعتبُ على النشوء والارتقاء
 
كأيمانٍ طويل اللحية،
 
لا يأبه للأسباب····
 
إذا كنا خرجنا معاً من ترائب وأصلاب
 
غرقى في ماءٍ دافق
 
من ذا خلع أجنحتنا وأطلقك أيتها الطيور ؟
 
يا عذاب الفلاح الصغير
 
في مزرعتهِ
صفحة 9
مقيداً بمعولٍ ومعدة
 
يا عذاب ثقال الجسوم
 
في جاذبيةٍ ظالمة
 
يا عذاب الجغرافيا قصيرة الذراع
 
والقدم قصيرة الباع، والمدى سيئ النوء
 
مُغوي المهاجرين
 
بأسفنجةِ التحليق
 
يثقلها الندى والدمع والمطر الغريب
 
فتركسُ في صحراءٍ···
 
غرباء أيتها الطيور
 
أصدقاء محنة البقاء على عطرٍ يخترم الدم !
 
أسراب الطيور
 
تعبر في تدويمها
 
مطبات الأوقات سالمةً
 
وقلوبنا في الطائرات المنسيةِ
 
تفرك الجناح الأخضر الميمون
 
بمعول الحنين
 
ذكّرتني أيتها الطيور
 
بيُتمِ قلبي
 
من حاضنةٍ سيئة الهواء
 
لكمامةٍ حارة الأوكسجين
 
الوقت يمرقُ كسيّارةٍ نجدة
صفحة 10
ولا أطيق الاستنجاد
 
يدي مغلولةٌ إلى قلبي
 
ممسكة بفرطِ الرمان
 
والماعون مكسورٌ
 
وأنا أدردٌ
 
وتطمع دائرةً، حوليَ الطيور···
 
الوقتُ فاتني أيتها الطيور
 
لجمع الريش والشمع،
 
حين كنت قوياً
 
ومعي ما يعينني على الشراء·
 
والوقت فاتني أيتها الطيور
 
لركوبِ الطائرات
 
حين كان قلبي قوياً
 
ومهجتي غير مفطورة بالحنين·
 
والوقت فاتني أيتها الطيور
 
حين كنتُ فوضوياً
 
يفكر بالانتحار
 
والالتحاق بأسراب الملائكة
 
أو مفارز الشياطين
 
والوقت فاتني أيتها الطيور
 
حين كنت مريضاً
 
وخذلت نفسي بحكمة الدواء