معنى السيرة النبوية:
السيرة في اللغة: السنة والطريقة والهيئة(1) . وفي الاصطلاح العام تعني ترجمة حياة شخص ما أو تاريخ حياته.وإذا أطلق لفظ السيرة إنما يراد بها ترجمة حياة النبي عليه الصلاة والسلام بحيث أصبحت عَلَماً على علم قائم بذاته هو علم السيرة النبوية. وقد كان يطلق عليه المؤرخون المسلمون في فترة أسبق"علم المغازي والسير". ويبين ذلك ما ورد في مقدمة كتاب السيرة النبوية لابن هشام فيقول: " لفظتا المغازي والسير إذا أطلقتا فالمراد بهما عند مؤرخي المسلمين تلك الصفحة الأولى من تاريخ الأمة العربية صفحة الجهاد في إقامة صرح الإسلام، وجمع كلمة العرب تحت لواء الرسول عليه الصلاة والسلام وما يضاف إلى ذلك من نشاط النبي عليه الصلاة والسلام وذكر آبائه وما سبق حياته من أحداث لها صلة بشأنه، وحياة أصحابه الذين أبلْوا معه في إقامة الدين"(2)
عناية المسلمين بالسيرة النبوية:
والحديث عن الغاية من دراسة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لا بد أن يرتبط ارتباطاً تاماً بأهمية هذه السيرة، والمنهج الذي ينطلق منه الدارس لسيرته عليه الصلاة والسلام ويبحث فيها. لأننا وجدنا أنه منذ أن كانت سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت عناية بهذه السيرة، بل لم تنقطع هذه العناية إلى عصرنا هذا، سواء أكان ذلك في مجال البحث والتأليف أم في إحياء ذكريات وقائع هذه السيرة في مواسم معينة للمسلمين، وسواء أكان التأليف من مؤمن بهذا الدين؛ نهج نهجاً تاريخياً في تأليفه، أو نهجاً تحليلياً بأسلوب أدبي أو علمي أو فني، أم كان التأليف صادراً عن غير مسلم.
المستشرقون ودراسات السيرة النبوية
ومن هنا كانت دراسات استشـراقية وتبشيرية تخدم أهداف التبشير والاستشراق، وأصبحت عوناً للاستعمار، وأخذت هذه الجهود تنقب عن وقائع السيرة وكتبها في محاولاتهم لإحياء التراث الإسلامي. ولكننا لا بد أن ندرك أن هذه المدارس للسيرة اتخذت في الغالب طابع العداء، والدس، وعمل الموازنات التي لا تصل بالدارس إلا إلى مزيد من الغموض والتشكيك وبث الشبهات في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي تاريخ جيل مشرق تربى على يديه. والأدلة على ذلك كثيرة؛ لأنه لا بد أن نتهم تلك المدارس الاستشراقية التي ادعت العلمية والموضوعية في إحياء تراثنا وتحقيقه، لا بد أن نتهمها وألا نعتمدها في دراساتنا ولا في الدراسات المنصفة عموماً لأكثر من سبب:
أولاً: لماذا اتجهت هذه الجهود إلى علوم معينة في تراثنا العلمي الإسلامي، ولم تتجه لإبراز كثير من المخطوطات والمؤلفات الإسلامية في علوم أخرى؟ نجد مثلاً الاهتمام الكبير في إحياء علم الكلام والعقائد وكتب المتكلمين والفلاسفة، وما دار من جدال ومحاورات كلامية ليس إلا لإبراز هذا الجو القاتم من علم تأثر بأقيسة المناطقة وأسلوب الفلاسفة الذي لم يُسلم عن طريق هذا العلم على هذه الصورة شخص واحد في تاريخ علم الكلام. كما نجدهم تناولوا التاريخ الإسلامي لإبراز صورة الصراع والتنافس والحروب فيما بين المسلمين على السلطة في فترات يكون فيها الصـراع مزعوماً، وفي أخرى من فترات ضعف المسلمين، بينما لا نجد مثل هذا الاهتمام أو قريباً منه في مجال علم التفسير والحديث وغيرهما مما له علاقة وثيقة بفائدة المسلمين، وما يمكن أن يدفع هممهم للعمل، أو ما يرتبط وجدانياً بتفكيرهم والبحث في إقامة كيانهم. فاهتمامهم بالتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، لم يقف عند حدود اهتمامهم بالتاريخ، وعند إرواء ظمئهم العلمي بالتحقيق وإبراز المخطوطات فحسب، بل تعداه إلى الوضع والتلفيق في الرواية، وتأليف كتب لتحليل هذا التاريخ، حتى بلغ ما صنف من كتب السيرة النبوية وحدها، بمختلف اللغات الأوروبية حتى مطلع هذا القرن الهجري ما يقارب ألفاً وثلاثمائة كتاب.
ولعل أشد هؤلاء الكتاب تحاملاً هو "مرجليوث" الذي كان أستاذاً للغة العربية في جامعة أكسفورد، حيث أصدر كتابه سنة 1905م "محمد" وجعله حلقة في سلسلة عظماء الأمم. وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على الرسول عليه الصلاة والسلام بل لعله لم يؤلف كاتب بالإنجليزية كتاباً أشد تحاملاً على النبي عليه الصلاة والسلام مما جاء في هذا الكتاب. وقد حاول مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكك في أسانيدها، ولم يأل جهداً في نقض ما أبرمه التاريخ ومعارضة ما حققه المحققون من المنصفين، لكنه مع هذا لم يتمالك من الاعتراف في مقدمة كتابه بأن الذين كتبوا في سيرة محمدعليه الصلاة والسلاملا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أنه من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوئه مكانة بين الذين كتبوا في السيرة المحمدية".(3)
ثانياً: إن بعض هؤلاء ممن يمكن أن يظنهم بعض الدارسين بأنهم منصفون في تحليلهم لبعض الوقائع في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام واعترافهم ببعض الحقائق، لا يعدو هذا التحليل والاعتراف أن يكون نقطة في بحر من اللجاج والتمويه والتشكيك؛ لأنهم لو صدقوا في بحثهم العلمي وموضوعيتهم لصدقوا في النظر إلى سائر الوقائع، ولأوصلهم ذلك الاعتراف والإنصاف لأن يكونوا منصفين مع أنفسهم في الإيمان بحقيقة هذا النبي الذي يدرسون سيرته، والالتزام بهذه الحقيقة، مع العلم أنه لا ينقصهم العلم بصحة ما توصلوا إليه من أدوات التحقيق وطرائق البحث، لتفاصيل حياته ( وللتاريخ الإسلامي كله، بل لم يصل كبارهم إلى مرحلة دس السم في الدسم إلا بعد أن تعدى مرحلة التعرف على كافة جوانب هذه السيرة. لذا نجد "جون ديو بورث" يكتب كتاباً باللغة الإنجليزية سنة (1870) عنوانه اعتذار من محمد والقرآن، والذييقرأه يخيل إليه أنه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، ويقول في مقدمته:" لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين والمشرعين والذين سنّوا السنن من يعرف الناس حياته وأحواله بأكثر تفصيل وأشمل بيان مما يعرفون من سيرة محمدعليه الصلاة والسلاموأحواله"(4).
بينما نجد "ريورند باسورث سميث" عضو كلية التثليث في أكسفورد سنة(1874)، يلقي محاضرات عن "محمد والمحمدية" في الجمعية الملكية لبريطانيا العظمى، طبعت فيما بعد كتاباً. وبعد أن فند الجهل في ديانات بوذا وكونفوشيوس وزاردشت، والغموض في حياة المسيح عليه السلام وأصحابه وحوارييه وفي تدرج رسالته الروحية في الظهور، وقلة ما يمكن العلم به عن موسى عليه السلام، من خلال سيرهم بين أيدي معتنقي دياناتهم يأتي للإسلام فيقول:" أما الإسلام فأمره واضح كله، ليس فيه سر مكتوم عند أحد، ولا غمة يَنْبَهم أمرها على التاريخ، ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمدعليه الصلاة والسلامكالذي يعلمونه من أمر لوثر وجلفن، وإنك لا تجد فيما كتبه المؤرخون الأولون، أساطير ولا أوهاماً ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه أو يخدع غيره. والأمر كله واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضحى يتبين تحت أشعة نورها كل شيء"(5) .
ثالثاً: وأما السبب الثالث الذي لا يجعلنا نركن إلى مثل هذه الدراسات والتحليلات؛ فلأنها تصدر عمن يحملون عقيدة غير عقيدتنا، وتصوراً غير تصورنا؛ فنحن نملك تصوراً شاملاً كاملاً متزناً للحياة والكون والإنسان، وهم لا يتفقون معنا في مثل هذا التصور لتحليل تاريخنا ووقائع سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام فلا يمكن للباحث والمحلل لسيرة نبيناعليه الصلاة والسلامأن يكون صادقاً إلا إذا كان يؤمن بنبوة هذا النبي، ويعتنق عقيدته وتصوره. ولا نكون بهذا الرفض لتحليلات المستشرقين مخالفين للقاعدة الإسلامية المشهورة المبينة: "الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها"؛ لأن الحكمة هي ما تتفق ولا تتناقض مع عقيدة المسلم وتصوره وتحليله وفهمه للأمور المنبثقة من هذه العقيدة وهذا التصور.
بهذا الموجز تظهر غاية الاستشراق والتبشير من البحث العلمي المغرض في دراسة التاريخ الإسلامي بصفة عامة، والسيرة النبوية بصفة خاصة.
أهمية السيرة النبوية
والأهم من ذلك هو التعرف على واقع السيرة النبوية في أوضاع المسلمين اليوم، وعلى صعيد دراساتهم لنتعرف غايات دراسة السيرة التي تستند إلى أهمية هذه السيرة في الواقع المعاصر، وكيف ينبغي لهذه الغايات أن توجه إلى الغاية الأساسية التي لا بد من التوجه إليها على ضوء الأهمية الحقيقية لهذه السيرة واستناداً إلى ميزات هذه السيرة العطرة ورجوعاً إلى الواقع الإسلامي الصحيح الذي فهم هذه السيرة، وعاش أحداثها ثمرات لواقع مسلم حي ينمو ويتصاعد، يعتقد بيقين، ويعمل بإخلاص للخلاص بواقع المسلمين المنحدر الذي بات يعيش في عزلة وجدانية عن سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام
إن فهم سيرة رسول الله عليه الصلاة و السلامفي الحقيقة جزء لا يتجزأ من فهم الإسلام؛ لأنها هي الشاهد العملي الحي الناطق بثمرات الإيمان واليقين بهذا الدين متمثلة في قائد دعوة الله عز وجل رسول اللهعليه الصلاة والسلامنموذجاً عملياً ومثلاً أعلى، وفي حياة الرعيل الأول الذي تربى على يدي الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
إذن حينما ندرس السيرة النبوية ينبغي ألا تكون في نفوسنا هذه الصورة الشائهة التي وقعت في نفوس المسلمين اليوم، وتراكم عليها المفهوم الناقص والفهم المبتور، الذي تمثل في أن يحتفل ببعض وقائع هذه السيرة في مواسم خاصة في كل عام، المواسم مكرورة والكلام مكرور، والعظات مكرورة، والخطباء مكرورون، وواقع الأمة الذي لا يصعد إلا لانحدار مكرور، ثم يثبت بالتالي اليأس في نفوس الناشئة بعد أن تراكم في نفوس الآباء والأجداد أن هذا هو الدين وهذه سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وانطلاقاً من هذا الفهم الجزئي لهذا الدين والثبات عند هذا الفهم، قد يختلف المسلمون حتى في كيفيات هذه الاحتفالات وأساليبها. فبين منظم للندوات النظرية التجريدية، وبين رافع العذر إلى الله في دروس وعظات مستشهداً بقوله تعالى: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف164)، وبين ثالث هائم المشاعر مترقب فرصة إحياء المولد، ليترنح رأسه بتناغيم وأراجيز وقصائد منظومة ومجالس حلوى. ورابع أكثر وعياً من سابقيه بالاقتراحات النظرية التي لا تدعمها تجربة وليست خلاصة حركة.
فوقائع سيرة رسول اللهعليه الصلاة و السلاموما دار فيها من أحداث الدعوة ومراحلها وجهادها وتربية جيل هذه الفترة تربية صادقة إنما ذلك كله واقع حي، وثمار ناطقة؛ كان هذا الواقع وهذه الثمار حصيلة مجاهدة هوى النفس ومجاهدة طاغوت الجاهلية وانتصار العقيدة على الفتنة، وثمرة تغلب الإرادة القوية والعزيمة الصادقة على كل معوقات الارتفاع بالنفس المؤمنة والجماعة المستعلية بإيمانها على سائر النفوس الضالة، والكيانات الهابطة بجاهليتها. ولذا؛ فإنه لا أصدق منهجاً ولا أجدى تعاملاً مع هذه السيرة أكثر من الوفاء بالعهد مع الله ومع رسولهعليه الصلاة و السلامبأن يكون المسلم وأن تكون الجماعة المؤمنة على مستوى هذه الأحداث والوقائع في واقعها وتخطيطها لا لتعود تفهم هذه الوقائع مجرد ذكريات وأقاصيص؛ وإنما لنتعامل معها على أنها أشعة أمل وضاءة تحتاج إليها الجماعة التي تتصاعد في تربيتها، لأنه بالحاجة إلى الشيء يعرف هذا الشيء ويعظم قدره، وترتفع قيمته.
ومن هنا نجد أن من أهم حكمة لنزول القرآن منجماً، إنما كان ليثبت للأمة المسلمة واقعية منهجها في التشريع، وأن هذا التشريع ليس قانوناً يفرض قبل أن تكون النفس قد تهيأت له، وأصبح قناعة مختمرة وحاجة مُلحّة تريد حكم الله في هذا الواقع حتى أن الهدى - وهو أهم ما يطلبه المسلم وتبتغيه الأمة المؤمنة- إنما هو ثمرة المجاهدة حيث يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت69). فهذه الأحداث إذن حية بحاجة إلى أحياء أو إلى من عزموا صادقين على أحياء أنفسهم وإحياء أمتهم من جديد بها وبأنوارها وبالإفادة من دروسها وعبرها.
الأهداف والغايات من دراسة السيرة النبوية
ويمكننا أن نجمل أهم أهداف دراسة السيرة وغاياتها فيما يلي:
أولاً: الغاية التعبدية من دراسة السيرة النبوية:
ما من شك أن هذا الدين بعقيدته قائم على القرار بالألوهية لله عز وجل، والتي من أخص خصائصها حاكميته وتدبيره وتنظيمه لهذا الكون بكل ما فيه ومن فيه، وعلى الإقرار برسول الله عليه الصلاة والسلام قائداً ومثلاً حياً أقر بهذا المبدأ وأيقن به وطبقه، فخلص نفسه من كل عبودية إلا عبوديته لله عز وجل، وربى جماعته التي آمنت على هذه العبودية لله عز وجل، حتى أصبحت شعار فهم، ونظام تطبيق للمسلمين، ينطق بها جندي من جنودهم هو ربعي بن عامر حينما اتهمه رستم قائد الفرس وأغراه بخيرات الأرض والذهب ومتاع الدنيا، إذ قال: أنتم قوم جياع خرجتم للسلب والنهب فإن أردتم أعطيناكم من الذهب ، فيرد عليه الجندي الواعي ليقول وبكل صراحة وقوة: "كنا كذلك ولكننا اليوم قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". إذن وقائع هذه السيرة من خلال شخصياتها الذين آمنوا بهذا الدين والتزموه فعبدوا الله عز وجل، يمكن للأمة أن ترى الشاهد الصادق، وأن تستفيد من التجربة الناجحة والخطط المحكمة في إعادة البشر من دنس العبودية والذل لطواغيت البشر والحجر والأنظمة والشهوات إلى عز العبودية لله عز وجل، فإن قمة التحرر البشري إنما هي في منتهى العبودية لله عز وجل.
ثانياً: انتزاع النفس وتحررها:
تلك العبودية تعني أنه لا بد أن يخضع المسلم في كل ما يخضع لله عز وجل سواء أكان ذلك في تقديم الشعائر التعبدية أم كان في تلقي الشرائع المنظمة لمسالك البشر، أفراداً وجماعات، أي هي مشاعر، وشعائر، وشرائع، وقيم، وأوضاع، وعادات، وأنظمة تخضع كلها له عز وجل. ومن هنا فلا بد للمسلم من أن يصارح نفسه، ويصارح مجتمعه على ضوء سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام هل هو مع الله أو مع غيره؟ هل هو في هذا العمل مسلم أم جاهلي، وهكذا.
ولهذا فإننا حينما ندرس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام بهذه النفسية وعلى هذا النهج نكون بعملنا هذا إنما نعبد الله عز وجل الذي جعل عبوديته غاية وجودنا إذ قال سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات56).
وبالتالي يمكن للأمة أفراداً وجماعات- تخطيطاً وتنفيذاً- أن تنتزع نفسها وواقعها من كل تبعية ومن كل ضنك في العلاقة بالجاهلية وأنظمة الكفر لتعود تنعم في ظل التبعية لله سبحانه، مشمولة برعاية الله، ومستشعرة عزتها بحرية الإرادة في دائرة شمول الرقابة من الله عز وجل؛ فتأخذ قوتها من الله سبحانه وتعالى ذي القوة المتين، الذي تضعف بل تهون كل قوة غير قوته، ويفشل كل تدبير سوى تدبيره قال تعالى:وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال30).
هذا الانتزاع للنفس والواقع يحتاج إلى الجرأة التي تقضي على العزلة الوجدانية التي يعانيها المسلمون من سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام
ومثل هذا الانتزاع يحتاج إلى المعرفة والشعور بشكل واضح، بالجاهلية على أنها ليست فترة زمنية قضت ومضت في التاريخ البشري، أو أنها التي تقابل العلم، إنما هي وكما يعرفها الأستاذ محمد قطب في كتابه جاهلية القرن العشرين:"حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله "(6) فالجاهلية ليست نظريات وإنما هي عادات وقيم وأوضاع وأنظمة ومقاييس وموازين تنأى كلها بالمسلم عن أن يكون عبداً لله عز وجل في كل شيء.
وعلى هذا فالتزام سيرة النبي عليه الصلاة و السلامإنما هي وسيلة من وسائل التحرر الوجداني الذي لا بد أن يسبق كل تحرر يتبعه؛ سياسي أو اقتصادي أو عسكري.
وما أحوج أمتنا في هذه الأيام إلى مثل هذا التحرر، الذي يخلصنا من قبضة أعدائنا. هذا التحرر الذي اشتاق لأصحابه شوق الأرض المجدبة للماء العميم. وتعجبني عبارة نقلها الأستاذ أبو الحسن الندوي عن مفكر الإسلام الكبير إقبال حيث يقول: "إن هذا المنبر والمحراب يتشوق إلى تلك السجدات التي عرفها من السلف، تلك السجدات التي ينتزع فيها الإنسان نفسه، ويخلصها من ركام الأرض، وركام الشهوات والأنظمة والمبادئ ليرتفع بها إلى السماء".
ثالثاً: السيرة تسجيل لحدث النبوة:
هذا الحدث الذي يعتبر ثورة جذرية وتغييراً شاملاً، وحركة تجديد عالمية، لكافة مناحي الحياة العقدية والفكرية والوجدانية والسياسية والاجتماعية، والاقتصادية والعسكرية... في أعماق النفس وواقع المجتمع. فحين ندرس هذه السيرة إنما ندرس هذه الفترة النابضة بالحياة، ومدى تأثيرها في الواقع المحلي الذي أنزلت فيه الرسالة، وفي الواقع العالمي الذي هو هدفها وميدانها، لنجد أن هذه الدعوة بالتزام رجالها بقيادة رسول الله عليه الصلاة والسلام قدمت البديل الوحيد الصالح، الذي يهدم الباطل عقائد وكيانات ونظماً، وأنها قدمت حضارة إنسانية ، حضارة العقيدة والقيم التي لم تقف على مائدة الحضارات كحضارة مماثلة إنما أخذت دور القيادة الصالحة والبديل النافع والعلاج الشافي.
رابعاً: السيرة هي المعيار الصحيح:
سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام دراسة وتعمقاً وتحليلاً إنما هي المعيار الصحيح، والميزان العادل الذي يقيس مدى صحة انتساب الأمة إلى الإسلام، وصدق ادعائها بأنها تترسم خطى رسول الله عليه الصلاة والسلام وخطى صحابته رضوان الله عليهم. وعلى ضوء هذه الدراسة والتحليل يمكن للعزائم الصادقة أن تعيد النظر في رصيد النفس، وواقع المجتمع، لإعادة إبراز الوجود الإسلامي العالمي، والكيان الإسلامي الصحيح، الذي يخطط في عصره الحديث وهو يشعر بأصالة المنهج الرباني الذي يحمله، وعراقة المثال العملي الحي لواقع السيرة الحية التي هي في مجمل أحداثها ثمرات الالتزام بهذا المنهج.