eKtab
EN ع
شعر النازحين من الاندلس الى مصر والشام في القرن السابع الهجري بين التأثر والتأثير
اقرأ عينة مجانية

شعر النازحين من الاندلس الى مصر والشام في القرن السابع الهجري بين التأثر والتأثير

بقلم د. آمنة البدوي

صفحة 1

تستعرض هذه الدراسة بعض رحلات الأندلسيين إلى المشرق، لأهمية ما حملته عن المشرق وظروفه الطبيعية والدينية والاجتماعية والعلمية التي نقلت للأندلسيين سماعاً أو قراءة، وشكلت هذه الظروف عامل جذب، واستعداداً نفسياً للارتحال إلى المشرق، بعد أن استقرت صورته في أذهانهم.

ليس غريباً أن يرنو الأندلسيون بأبصارهم إلى المشرق أرض المنشأ، فالجند الشاميون ظلت قلوبهم متعلقة بالمشرق وببلاد الشام خاصة حتى إن مدن الأندلس حمل بعضها أسماء بلدان المشرق مثل إشبيلية التي سميت حمص، وإلبيرة التي سميت دمشق.

كانت فريضة الحج من أعظم البواعث على سفر الكثيرين من الأندلسيين في كل عام للحجاز، وبعد زيارة الحرمين كان الكثير منهم يقصدون المقامات المباركة كالمسجد الأقصى في القدس، وقبر إبراهيم الخليل، ثم يعرجون على دمشق ومدن أخرى، وفي رجوعهم يقفون بمصر، ثم يتوجهون للفسطاط حيث جامع عمرو بن العاص، وبعدها يقطعون مفازة من برقة إلى طرابلس، ثم إلى تونس فالمغرب.

وكان بعضهم يرتحل إلى المشرق، بقصد الاستطلاع واكتشاف المجهول.

وكثر المرتحلون لتلقي العلم، إذ كان المشرق مركز إشعاع علمي، كما كانت بعض رحلاتهم تجارية أو سفارية.

تتتبع الدراسة بعض هذه الرحلات الأندلسية إلى المشرق، مبرزة ما ورد فيها عن مصر والشام خاصة، من معلومات جغرافية طبيعية، أو وصف للأماكن الدينية والحلقات العلمية، وأحوال الأندلسيين فيهما وأوضاعهم العامة، الأمر الذي ساعد على نزوح أهل الأندلس إلى المشرق.

لعل أشهر المرتحلين من الأندلسيين في أواخر القرن الخامس الهجري، أبو بكر محمد ابن عبدالله بن أحمد بن العربي المعافري قاضي إشبيلية (ت 543هـ)، وكان قد خرج في سن مبكرة بصحبة والده من إشبيلية سنة (485هـ) قاصداً شمال إفريقيا معرجاً على بونة وتونس وسوسة إلى المدن الفلسطينية، وقد سجل أحداث رحلته العلمية الاجتماعية في كتابين، الأول: «ترتيب الرحلة للترغيب في الملة» ولم يعثر إلى الآن على هذا الكتاب، وقد وردت منه نقول في خطبة شواهد الجلة التي نقلها د. حسين مؤنس من مخطوط صوره د. محمد علي مكي من مكتبة القرويين في فاس، يقول ابن العربي عن الخطبة، واصفاً ما جناه من فوائد علمية في المشرق: «لما سبق خيرُ القضاء برحلتي إلى تلك المشاهد الكريمة، وحلولي في تلك المقامات العظيمة، دخلتها والعمرُ في عنفوانه، والغصن مائسٌ بأفنانه ... فَجَنَيْتُ من كلِّ شَجَرٍ زَهرَه، ووعيتُ من كلِّ صِنْفٍ دُرَرَهْ، وكشفتُ عن كل خَفاءٍ غَوْرَه، وافتقرتُ من كلِّ فنٍّ فِقَرَه، حَسْبَما فَسَّرتُه وأوضَحتُه، وشَرَحتُهُ وبيَّنتُه، وقرَّرتُه ونزَّلتُه في كتاب «ترتيب الرحلة للترغيب في الملة»، وذكرت فيه لِقاءَ الأعيانِ لَنا، وسِيَرَ الفُضَلاءِ مَعَنا، ولَحْظِهِم لجانِبِنا بِناظِرِ التَّعظيم، ومُقابَلَتِهِم ورودَنا بالتَّجليلِ والتَّكريم.. وأتبعناهم جُمَلاً من طرائفهم، ونُتفاً من فوائدهم»([1]).

أما كتابه الآخر، فهو «قانون التأويل» الذي عثر عليه د. إحسان عباس ضمن مخطوطة بمكتبة الحاج سليم آغا بأسكدار، تحت رقم 498، ونشره في مجلة أبحاث التي تُصدرها الجامعة الأمريكية في بيروت حيث زار ابن العربي في رحلته كثيراً من المدن المشرقية، مصوراً بعض المشاهد من الحياة العامة، ذاكراً من لقيهم من العلماء من محدثين وفقهاء ومتكلمين في مصر، ثم يذكر توجهه إلى الشام، ودخوله بيت المقدس والتقاءه بجماعة من العلماء واصفاً مجالسهم ومناظراتهم، التي تعكس حركة علمية نشطة في بيت المقدس([2]) وقد طالت إقامته في بيت المقدس، يقضي وقته مصلياً بين باب الأخضر وباب حطَّة([3])، أو يخلو للدرس في جانب من الصخرة التي تسمى المائدة بطور زيتا([4])، وقد وصف أهل القدس بقلة الفضول، مقارناً إياهم بأهل بلده في وصفه محراب داود بقوله: «شاهدت محراب داود عليه السلام ، في بيت المقدس، بناءً عظيماً من حجارة صلدة لا تؤثر فيها المعاول ... ورأيت فيه غَريبَةَ الدَّهر، وذلك أن ثائراً ثار به على واليه وامتنع فيه بالقوت، فحاصره وحاول قتله بالنَشّاب مدة، والبلد على صِغَره مستمرٌّ على حاله، ما أغلقت لهذه الفتنة سوقٌ، ولا سار إليها من العامة بَشَر، ولا برز للحال من المسجد الأقصى مُعْتَكِف، ولا انقَطَعت مُناظرة ولا بَطل تدريس، وإنما كانت العسكرية قد تفرقت فرقتين يقتتلون، وليس عند سائر الناس لذلك حركة، ولو كان بعض هذا في بلادنا، لاضطربت نار الحرب في البعيد والقريب، ولانقطعت المعايش وغلقت الدكاكين، وبطل التعامل، لكثرة فضولنا وقلة فضولهم»([5]).

وقد زار ابن العربي كثيراً من مدن فلسطين وقراها، ونقل بعض صور الحياة العامة فيها، مثل نابلس التي أقام فيها أشهراً ووصف حال نسائها، حيث قال: «ولقد دخلت نيفاً على ألف قرية من بَريَّة، فما رأيتُ أصوَنَ عيالاً ولا أعفَّ نساءً من نساء نابلس التي رمي فيها الخليل عليه السلام بالنار، فإني أقمت فيها أشهراً، فما رأيت امرأة في طريق نهاراً إلا يوم الجمعة، فإنهن كُنَّ يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، ... وسائر القرى تُرى نساؤها متبرجات بزينة...» ([6]).

ومن المرتحلين أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله الإدريسي (493-564هـ) الذي طاف الأندلس وشمالي إفريقيا، ثم رحل لتأدية الحج إلى بيت الله الحرام، فزار مصر والحجاز، مدوناً مشاهداته في رحلته الموسومة بـ «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» مستعيناً بما أفاده من رحلاته الخاصة، وبما قيده من أحاديث الرحالة والتجار والحجاج، مصوراً العلاقة بين بلدان المشرق والأندلس لا سيما مصر والشام([7]).

ويرتحل بنيامين التُطيلي (-569هـ) في النصف الثاني من القرن السادس الهجري إلى الشرق الإسلامي، بدافع الاطلاع الشخصي، مورداً معلومات عن اليهود وواصفاً أحوالهم في كل مدينة زارها، ومتنقلاً بين المدن العامرة، والقرى الزاهرة في سوريا ولبنان، ولا يفوته زيارة أضرحة الصحابة والأتقياء ومقامات الصالحين وينقل بعض القصص والروايات التي سمعها من تجار العرب([8]).

ومن أبرز الرحلات في أواخر القرن السادس وأوائل السابع الهجري رحلة ابن جبير البلنسي الغرناطي (ت 614هـ) الذي ارتحل إلى المشرق ثلاثاً، وحج في كل واحدة منها، حيث ترك غرناطة سنة 578هـ، ثم عاد إلى وطنه سنة 581هـ، وقد نقل ما شاهده في هذه الرحلة من عجائب البلاد، وغرائب المشاهدات، ولما شاع الخبر بفتح بيت المقدس على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي، قوي العزم عنده في الارتحال ثانية سنة 585هـ، ثم عاد سنة 587هـ، منقطعاً للحديث والتصوف، ثم رحل ثالثة سنة 614هـ، فوصل مكة وانتقل إلى مصر والإسكندرية، وتوفي في العام نفسه([9]).

وتحوي هذه الرحلة معلومات اقتصادية وبشرية وطبيعية واجتماعية، وتعطي صورة عن المغاربة في بلاد الشام، خاصة عن أواضعهم العامة، كما عرض للحديث عن معاملة حجاجهم، رافعاً قصيدة إلى صلاح الدين بهذا الشأن، وتتبدى قيمة هذه الرحلة في أن معلوماتها دونت بأمانة، بعد مشاهدة صاحبها كل من وصفه، كما تتجلى فائدتها في أنها تُعرِّف الطريق البحري الذي يسلكه الأندلسيون إلى المشرق، وقد وصفه ابن جبير بدقة، معرفاً بالموانئ المهمة التي أدت دوراً كبيراً في الاتصال بين الشرق والغرب([10]).

ومن أهم رحلات القرن السابع الهجري، رحلة ابن سعيد المغربي، الذي غادر الأندلس وهو في التاسعة والعشرين، ووصل الإسكندرية سنة 638هـ، وتنقل بين المغرب وتونس ومصر والشام، وقد رأى في تجواله في تلك الأقاليم الإسلامية، كثيراً من العادات التي لم يألفها في الأندلس، ولم يقف عن تلك العادات في المجتمع المشرقي، بل سجل مشاهداته ووازن بينها وبين المجتمع الأندلسي، فالفسطاط في القرن السابع الهجري كما رآها كانت مُغبرَّة الآفاق، غير مستقيمة الشوارع، بيوتها مبنية بالطوب، ضيقة الأسواق، والناس يلتهمون الطعام في الطرقات غير محتشمين، وقد نقل ابن سعيد صوراً من الحياة في أحياء القاهرة والفسطاط، واصفاً الولائم ومجالس اللهو والطرب، تاركاً نفسه على سجيَّتها، لا تفوته اللمحات الذكية عند بعض المشاهد([11]).

وتكمن قيمة هذه الإشارات السريعة للرحلات الأندلسية، في أنها تدلل على دور الرحلات في نقل جوانب مضيئة مفصلة، تتصف بالدقة والأمانة عن بلدان المشرق، وخاصة أن بعض الأندلسيين ارتحلوا غير مرة، مما أتاح لهم أن يُسجلوا انطباعاتهم، ويصفوا مشاهداتهم وينقلوها إلى الناس بصورة حية.

وكثرت كذلك رحلات العلماء والمحدثين والأطباء على المشرق، بصورة يصعب حصرها، فقد كانوا أمثلة واقعية تؤكد استمرارية الاتصال بين المشرق والمغرب.

صفحة 2

الأوضاع العامة في الأندلس

ويقصد بها الظروف والتبدلات في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأحوال التي كانت تمر بها الأندلس في القرن السابع الهجري، بسبب الفتن وسقوط المدن، وتأثيراتها في أوضاع المسلمين وتشكيلها عوامل سلبية لهم.

أ- الظروف السياسية

ضعف أمر الموحدين، وكثرت الفتن والثورات الداخلية، وقد بذل الموحدون ما استطاعوا، لكنهم كانوا أصحاب امبراطورية واسعة، تمتد حدودها من طرابلس شرقاً إلى مشارف المحيط الأطلسي غرباً، وكان من المستحيل أن يستمروا يحاربون في جبهات ممتدة، ولعل الجبهة الأندلسية كانت أضعف جبهاتهم، وأشدها خطراً، لكثرة الحروب والفتن المتوالية في الأندلس، وقد تماسكت هذه الجبهة بعد تضحيات كثيرة([12])، تداعت أيام محمد الناصر بن المنصور يعقوب بن يوسف عبد المؤمن (595-610هـ) في موقعة العقاب التي وقعت سنة 609هـ([13]) وكانت هزيمة المسلمين في هذه الموقعة نذير انحلال الجبهة الدفاعية الموحدية، ونذير انهيار الأندلس ذاتها، وقد عجّل بهذا الانهيار ما اضطرمت به الأندلس من ثورات جديدة، بددت قُواها في حروب أهلية، ومنافسات على الزعامة، كان لها آثارها السيئة في تفكك وحدة الأندلس وسقوط قواعدها الواحدة تلو الأخرى([14]) كما سنرى.

تولى الحكم بعد وفاة الناصر ابنه المستنصر يوسف (611-620هـ) فأدخل وهناً جديداً على الدولة بسبب انهماكه في ملذاته([15]). وتولى بعده عمه المستضيء عبدالواحد بن يوسف بن عبد المؤمن، ولم يكن أقل منه انشغالاً بالتنعم، ثم خلع وقتل، وملك بعده ابن أخيه عبدالله بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالعادل، الذي استأثر بالخلافة عنوة، ولما انتهى إلى أبي العلاء إدريس صاحب الأندلس، وكان يتولى قرطبة خبرُ أخيه العادل وما في خلافته من الاضطراب، دعا لنفسه بإشبيلية فبويع بها، وأجابه أكثر أهل الأندلس وتلقب بالمأمون سنة (624هـ) ([16]).

لم يوفق المأمون إلى حكم أقل اضطراباً من حكم أخيه، فدق كان يحكم بيد من حديد، وحاول تحطيم نظامي الخمسين والسبعين اللذين أنشأهما أمراء الموحدين وفقاً لتعاليم المهدي، وجعلهما هيئتين استشاريتين فقط، وقد أدت هذه السياسة الصارمة في المغرب، إلى خروج الأندلس من قبضة الموحدين([17])، وقيام الثورات والحروب الأهلية، حيث نادى النظامان ببطلان حكومة المأمون، وتولية أبي زكريا يحيى ابن الخليفة السابق محمد الناصر، وهو صبي في الرابعة عشرة من عمره، وأرسلوه إلى الأندلس لمحاربة المأمون وإسقاطه، فهزمه المأمون في معركة شديدة نشبت بينهما([18]) قرب شذونة([19]) وانتهز النصارى فرصة الحرب الأهلية بين المسلمين للقيام بغزوات عديدة، وعبروا الحدود الإسلامية، فتحول المأمون إلى محاربتهم واسترجع بعض الحصون([20]).

وقد ابتليت الأندلس في أثناء تولية الحكام الضعاف من الموحدين بالثورات والحروب والفتن الداخلية، فقد قام عبدالله البياسي سنة 623هـ بالأندلس، وكان العادل قد ولاّه قرطبة، فخلع دعوة العادل، وخرج عن طاعة الموحدين مستعيناً بالنصارى عليهم، ودلّهم على عورات البلاد، فتملكوا الأموال، وحاصر إشبيلية، وقاتله أبو العلاء إدريس المأمون وهزمه([21]) بعد أن استمرت ثورته ثلاثة أعوام، تنشر الاضطراب والدمار في أواسط الأندلس، وتمهد للنصارى اقتطاع القواعد والحصون شرقي قرطبة، مما أضعف خطوط الدفاع عنها، ومهّد لسقوطها([22]). وقام أبو جميل زيان بن مردنيش ببلنسية واستقل بحكمها، بعد أن طرد الموحدين منها، وبينما انحصرت حركة زيان ببلنسية، وإذا بدعوة محمد بن يوسف بن هود الجذامي سنة (626هـ) تجتاح مرسية وألمرية([23]) وغرناطة ومالقة([24]) وبطليوس([25])، وأعلن نفسه أميراً على مرسية، وخطب للعباسيين، ودانت له جيّان([26]) وقرطبة، ثم فقد الموحدون غرناطة، فثارت بلاد الأندلس على المأمون، ثم انقادت له، وخرجت بذلك عن ملك الموحدين عدا إشبيلية والجزيرة الخضراء([27]) على أن جهود ابن هود تلك، اصطدمت بمطامع الإسبان من ناحية، ومطامع الرؤساء الأندلسيين من ناحية أخرى([28])، وانتهى الأمر باغتياله في مرسية سنة 635هـ([29]).

وقام في أرْجونة([30]) محمد بن الأحمر سنة (629هـ) بعد صراعات شديدة بينه وبين ابن هود، واستطاع دخول غرناطة([31])، وإيقاع هزائم بابن هود، كان آخرها سنة (633هـ)([32])، كما استطاع أن يضم إلى سلطانه مدائن عدة هي: وادي آش([33]) وباجة([34]) وجيّان.

وقد أدى استمرار الأحقاد والمنافسات بين الأمراء الثلاثة (ابن زيان، وابن هود، وابن الأحمر)، إلى كثرة الاضطراب في كل ناحية، واختلال الأمن، وسادت الفرقة وتفاقم خطرها([35])، وبدت الأندلس كلها من مرسية إلى إشبيلية مكشوفة أمام أعداء يتربصون بها، وينتظرون فرصة للتقدم والاستيلاء على البلاد، وقد سار التقدم النصراني ابتداءً من العقد الثالث من القرن السابع الهجري بتيارات ثلاثة: الأول وجهته غرب الأندلس وتولاه أمراء البرتغال، والثاني وجهته حوض الوادي الكبير([36]) وتولاه ملوك قشتالة، والثالث وجهته شرق الأندلس وتولاه ملوك أرغون، وكانت هذه الجبهات تقف صفاً قوياً أمام المسلمين، بالإضافة إلى تميز ملوكها بالقدرة السياسية، والتصميم على حرب المسلمين([37]). فعلى سبيل المثال، كان توحيد ليون وقشتالة عام 1230م مجدياً زمن الملك فرديناند (1217-1252م) لأنه استطاع استثمار هذه الوحدة في حصد الكثير من الانتصارات على المسلمين، ولولا فاته، لما بقيت غرناطة في أيدي المسلمين مدة أطول([38])، ولم يأتِ النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى قد سقطت كلها في يد الإسبان، ولم يبق سوى بضع ولايات صغيرة في طرف إسبانيا الجنوبي([39]) فقد استولوا على تُطيلة([40]) سنة (612هـ)، وعلى لوشة([41]) (622هـ) وماردة([42]) (626هـ)، وسقطت جزيرة مَيورقة([43]) (627هـ) وأبَّدة([44]) (631هـ) ثم تلتها قرطبة (633هـ)، وبياسة([45])، وإستجّة([46]) والمُدور([47]) (634)، وبلنسية (636هـ)، وشاطبة([48]) ودانية([49]) (638هـ)، ولقنت([50]) وأوريولة([51]) وقرطاجنة([52]) (640هـ)، ومرسية (641هـ) وجيان 644هـ ثم إشبيلية (646هـ)، واجتاحت غرب الأندلس في الوقت نفسه، موجة مماثلة للغزو النصراني، فسقطت بطليوس، وشنتمرية الغرب([53]) سنة (647هـ) وولبة (أَوَنْبة)([54]) (655هـ) وشِلْب([55]) وطَلَبيرة([56]) (659هـ) ثم سقطت قادس (660هـ)، وتلتها شريش([57]) (662هـ)، وهكذا...

ولما تفاقم عدوان القشتاليين وضغطهم، لم ير ابن الأحمر مناصاً من أن يخطو خطوة جديدة في مهادنة ملك قشتالة، فتنازل له في أواخر سنة (665هـ)، عن عدد كبير من البلاد والحصون، منها شريش، وقيل إن ما تنازل عنه بلغ أكثر من مائة موضع، معظمها غرب الأندلس([58]). ولم يبقَ بيد العرب المسلمين سوى غرناطة وضواحيها، يحكمها بنو الأحمر.

صفحة 3

ولم يقتصر الأمر على الاحتلال والاستيلاء على المدن، إنما ترتب عليه إجراءات قاسية، فحينما دخل الأدُفنش ميورقة بعد معارضة شديدة من أهلها سنة (627هـ) جرى القتال في الشوارع والميادين، وقتل الكثير من أهلها وطردوا، واغتصبت أراضيها بطريق الإقطاع، وانتهى الأمر بخضوعها([59]).

وحينما استولى الإسبان على أُبّذة (631هـ) قتلوا وسبوا أهلها واستلبوا أموالها([60])، وتلاه الاستيلاء على قرطبة (633هـ) واقتحامها، في الوقت الذي كان فيه ابن هود يعسكر بقواته غير بعيد عنها، ولم يتقدم لنجدتها، ولم يحاول استدعاء ابن الأحمر لمعاونته، لانشغالهما بخلافاتهما وتنافسهما على السلطان، في الوقت الذي صمدت فيه قرطبة ستة أشهر، واستبسل أهلها في الدفاع عنها([61]) وكان هذا الوقت كافياً لوصول قوات أحدهما، لكنهما قدماها هدية سائغة للأعداء([62])، فحل اليأس لدى أهلها مكان القوة والبسالة وأخذ النصارى يشددون في حصارها([63])، حتى نضبت مواردها وملكوها([64]). وقد جعلها الفرنج حصناً، بعدما كانت جنة زاهرة، وروضة ناضرة، فأهملوا ترعها وخلجانها فأصبحت مروجها خالية، لا يقطنها أحد([65]).

وضاعف النصارى جهودهم في التضييق على بلنسية إرهاقها([66])، يضربون أسوارها وأبراجها بالآلات الثقيلة([67])، وقد طال عليها الحصار واشتدت وطأته وبلغ بأهلها الإعياء مبلغاً، حتى اضطروا إلى تسليمها سنة (636هـ) ([68]) ولم يلتزم الفرنج بما تعهدوا به في معاهدة التسليم، بعدم التعرض للمسلمين، إذ يروي أحد مؤرخيهم معترفاً بهذه الحقيقة فيقول: «مما يبعث على الأسف الشديد والعجب أن تقرر هذه الحقيقة من أن الإسبان قليلو العهد والذمام، غدّارون لا يرحمون الضعيف، ولا يغيثون اللاجئ، وأنهم مجردون من كل مثل إنسانية، ولذلك فإنهم لم يلتزموا بالوفاء بما تعهدوا به في معاهدة تسليم بلنسية حسبما تعودوا عليه، فحالاً نقضوا كل ما فيها من العهود، وبدأوا يعاملون الضعفاء بأشد ضروب الانتقام، وانهمكوا بسفك الدماء»([69]).

ب- الظروف الاقتصادية

لا بد من عرض سريع لأحوال الأندلس الاقتصادية المزدهرة التي سبقت تردّي الأوضاع فيها، لتبين أثر لحروب والفتن على الأوضاع الاقتصادية.

فقد تميزت الحياة الاقتصادية في الأندلس بالثراء والازدهار، في فترة ممتدة سبقت الاضطرابات والفوضى وانعدام الأمن التي سببها سقوط المدن الأندلسية المتتابع بعد موقعة العقاب.

امتازت الأندلس بخصائص طبيعية ومناخية، جعلت مدنها تنتج معظم أنواع الزروع والثمار، فقد استطاع المسلمون استغلال الأراضي الزراعية، فشقوا الأنهار، وحفروا الترع وأجروا الخلجان، وسيروا إليها الماء([70])، فقد كانت للعرب معرفة بأنظمة الري ومصادرها المختلفة، سواء كانت من الأمطار، أو النهار أو الجداول، وملاءمة كل نوع من المياه، لنوع خاص من النبات، فقد تكون بعض أنواع المياه جيدة لنباتات مضرة لأخرى، ولجأوا للحفر لاستخراج المياه الجوفية لعدم كفاية مياه الأمطار والأنهار، مما جعل عندهم معرفة علمية بميزات التربة التي تحتوي على مياه عذبة، ومدى صلاحيتها للزراعة أو الرعي([71]).

وقد جاب الإدريسي هذه البلاد، قبيل منتصف القرن السادس الهجري، ذاكراً جميع المدن والموانئ والقرى، وما تشتهر به من المحاصيل الزراعية، والمنتجات الصناعية والمعدنية، علاوة على نشاطها التجاري مع غيرها من البلدان، فقد اشتهرت مدينة شنتمرية الغرب بالأعناب والتين، وتميزت شلب بنوع متميز من التين وعرفت إشبيلية بزراعة شجر الزيتون([72])، الذي قامت عليه تجارة الزيت، كما انفردت بإنتاج القطن والعسل([73])، وكانت تزرع في بلنسية الفاكهة بأصنافها، إذ كانت دورة الزراعة السنوية فيها ثلاثية، كما أنها تنتج أنواع الزراعات المختلفة سنوياً مثل الذرة والدخن والأرز([74]) وتنتج أقاليمها أشجار الزيتون ويجود فيها القمح والكتان([75]).

وفي طليطلة بساتين ورياض وفواكه مختلفة الطعوم والألوان([76])، أما جيّان فامتازت بتربيتها لدودة القز، وإنتاج العسل([77]).

وامتازت مناطق غرناطة بالغنى والخصوبة، حيث كانت تزرع فيها أشجار اللوز والعنب تسقيها جداول كثيرة، تنحدر من جبال غرناطة المرتفعة، وقد ازدادت زراعتها وتطورت حينما ازداد عدد السكان الوافدين من المناطق الأخرى بسبب الهجرات([78]).

وقد عرفت بعض المدن باستخراج المعادن الثمينة كالياقوت الأحمر في بعض مناطق مالقة([79])، واللؤلؤ بناحية برشلونة([80])، والمرجان الذي يستخرج من بحر الأندلس([81])، كما تكثر في مدن الأندلس معادن القصدير، والكحل والرصاص والنحاس والحديد والكبريت الأحمر والأصفر([82])، والزئبق في قرطبة([83])، والذهب والفضة في إلبيرة([84]) ومرسية([85]).

وقد كان توافر المواد الخام الزراعية والمعدنية من العوامل التي ساعدت على ازدهار الصناعة، فالقطن والكتان والحرير متوافرة بسبب التربة الخصبة، وكذلك وجود الثروة الحيوانية التي لا توفر اللحم والحليب فقط، بل والصوف الضروري لصناعة النسيج والملابس، كما أن المعادن متوافرة ومتنوعة بالإضافة إلى جهود العاملين، وتنوع المهارات، ووجود مهندسين ذوي خبرات عالية، ومعرفة دقيقة باحتياجات كل صناعة، واشتهرت كل بلد من بلدان الأندلس بنوع أو أكثر من أنواع الصناعات([86]).

وقد عرفت ألمرية بصناعة النسج والطرز، وصناعة الثياب من الحرير، وكان يصنع بها صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج([87]) واشتهرت شاطبة بصناعة الثياب البيض التي تباع بأثمان غالية لرقتها وإبداع صنعها([88])، وامتازت شاطبة بصناعة الورق الذي لا نظير له في غيرها([89])، واشتهر ميناء دانية بإنشاء السفن([90])، كما قامت صناعة الأسلحة والصناعات الجلدية في قرطبة([91]).

وقد ازدادت الصناعات غنىً وازدهاراً يوماً بعد يوم، لوفرة المواد الخام بكثرة، واتساع بنود المطالبات لتنوع العناصر السكانية، وللثراء الواسع الذي كانت تعيشه المدن الأندلسية([92]).

ونظراً لازدهار الصناعة وتقدمها، فقد نشطت الحركة التجارية، فكانت تصدر الأغنام والخراف والأسماك والزيت والتين والورق([93]) لمصر وسوريا والهند وكانت للأندلس علاقات تجارية جيدة مع المغرب وشمال إفريقيا واليونان([94]) وجنوب فرنسا وإيطاليا([95]). وكانت لسياسة إسقاط المكوس والقضاء على المغارم السلطانية دور بيّن في تنشيط الحركة التجارية وانخفاض الأسعار وظهور فترة من الرخاء الاقتصادي([96]).

ولا شك في أن الاضطراب والفوضى وسقوط المدن والاستيلاء عليها، أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث اشتدت الحال، وتناهى الغلاء، وقطعت السابلة، ووقع النهب([97]). فحينما ملك العدو إفراغة([98]) من بلاد شرق الأندلس سنة (611هـ) حاصرها حصاراً شديداً، حتى أكل أهلها الجيف([99]). وفي سنة (617هـ) اشتدت المجاعة والغلاء والقحط، وكثرت الفتن في معظم بلاد الأندلس([100])، ويصف الغشتالي بلاد المغرب والأندلس حينما وردها في القرن السابع الهجري، وقد هلك أهلها من الجوع وامتلأت بالفتن([101]).

وحينما حاصر العدو أُبذة سنة (631هـ)، شعر أهلها أنه ليس بمقدورهم الدفاع عنها، فطلبوا من ألفونسو تسليمها على أن يدفعوا فدية مقدارها مليون دينار، لقاء السماح لهم بالبقاء في المدينة، وقَبِلَ ألفونسو الشرط، وعاقب كل من يتخلف عن دفع نصيبه من الغرامة بمصادرة جميع أمواله وأملاكه، وأشار القس على ألفونسو بضرورة تدمير المدينة، فعمد الجند إلى تدميرها وحرق دورها، بعد خلوها من السكان([102]) واقتسم النصارى أملاك مرجها ودورها المهجورة حينما غادرها أهلها مغلوبين سنة (633هـ) ([103]).

واستباح الأعداء منازل بلنسية وأراضيها الخصبة بعد احتلالها سنة (636هـ) فقسموها بين رجال الدين والفرسان والبارونات([104])، مما أدى إلى تشريد أهلها، واشتداد الغلاء والجوع فيها([105]). وعانت جيان من الحرمان والجوع حينما حوصرت سنة (642هـ)، وأحدقت النصارى بمدينة إشبيلية سنة (645هـ) وحاصروا أهلها براً وبحراً تسعة أشهر، فمات بالجوع خلقٌ كثير، وعدمت الأطعمة من القمح والعشير، حتى أكل الناس الجلود، وفنيت المقاتلة([106])، واستصرخ أهلها المغرب يلتمسون الغوث، لكن نفاذ الأقوات واشتداد الجوع انتهى بهم إلى تسليك المدينة سنة (646هـ) ([107]).

وسار ابن الأحمر سنة (665هـ) مع خليفة فرناندو بجيوشهما، وحينما وصلا قلعة شريش، بدأ جند فرناندو بانتساف الزروع، وتخريب الضياع([108])، وكان المسيحيون يغزون حدود غرناطة عدة مرات في السنة، على الرغم من معاهدات الهدنة والجزية، فيقطعون أشجار الفاكهة وينهبون الغلال والمواشي والأموال([109]).

ونظراً لأهمية مالقة، وما تتمتع به من غنى، فقد حاصرها فرناندو للاستيلاء عليها، إذ كانت الضرائب الجمركية فيها مصدراً للخزينة القتشالية([110]).

كما كانت الفتن في الأندلس عائقاً في طريق الازدهار الاقتصادي، فقد لحق الخراب والدمار بأجزاء كبيرة من بلاد الأندلس، حينما فرض أبو جميل زيان بن مرديش على رعيته مغارم كثيرة، كي يدفع نفقات الجند المرتزقة من النصارى، يقول ابن الخطيب من خلال حديثه عن ابن مردنيش: «فصالح صاحب برشلونة لأول مرة على ضريبة، وصالح ملك قشتالة على أخرى فكان يبذل في السنة خمسين ألف مثقال، وابتنى بجيشه من النصارى منازل معلومات، وحانات للخمور، فأجحف برعيته لأرزاق من استعان به منهم، فعظمت في بلاده المغارم وثقلت»([111]) وبالإضافة لذلك، فإن الحروب التي خاضها ابن مردنيش ضد الموحدين طوال ربع قرن من الزمان، قد ألحقت الخراب باقتصاد بعض بلاد الأندلس، وأدت إلى كساد التجارة، وندرة المحاصيل الزراعية، والمنتجات الصناعية([112]).

لقد كان لهذه الإجراءات القاسية من حصار وتضييق وتخريب للمنشآت، آثارها السلبية على الحياة الاقتصادية، فقد قلت الموارد وعدمت الأقوات، وانتشرت الأوبئة، وعمّ الجوع والحرمان، واشتد غلاء الأسعار، في حين ضاعت مصادر النقد من زراعة وصناعة وتجارة([113])، نتيجة لتخريب الأراضي والعبث فيها، وهدم المصانع والمدارس، ونتيجة لقطع الأعداء طرق الاتصالات وعزل المدن.

صفحة 4

ج- الظروف الاجتماعية

ويقصد بها ظروف الاضطراب وانعدام الأمن نتيجة للتدجين والهجرة القسرية، وأثر هذا الاضطراب في نفوس الناس من خلال تصوير ذلك بأقلام الشعراء والأدباء.

لقد تركت الأحوال السياسية والاقتصادية، أثرها البيّن في الحياة الاجتماعية، من حيث الاضطراب الذي سببته في نفوس الناس، والقلق وانعدام الأمن، نتيجة لتشريدهم وبُعدهم عن مدنهم، ومعاناتهم الدائمة لما آل إليه أمرهم، وما لاقوه من تطبيق قوانين ظالمة لمن بقي منهم في المدن التي استولى عليها النصارى، وأخذت تواجه شبح الفناء والاضطراب، وساد فيها القلق والفزع على مصيرها المحتوم.

وقد عومل سكان المدن الأندلسية بطريقتين: فالذي استسلموا وعقدت معهم معاهدة التسليم، سموا بالمُدَجَّنين (مسلمين في مناطق مسيحية)، وأما البلدان التي حاربت بمرارة، فقد تم طرد سكانها([114]). وقد شهد الربع الثاني من القرن السابع الهجر، الثالث عشر الميلادي، هجرة كثير من المسلمين، مما أدى إلى خلو البلاد من سكانها، وكثيرٌ ممن سمح لهم بالبقاء لم يبقوا، لأن تعاليم الديانة الإسلامية تحض على الهجرة إلى مناطق مسلمة، وبقي بعض الذين افترض أن يطردوا - خفية عن الأنظار - يقدمون خدمات للمسيحيين لاحتياج المناطق الجديدة إلى أيدي عاملة، فكان المسيحيون يرحبون بكل من لديه خبرة، وشجع بعض النبلاء قيام مستوطنات للمسلمين لأنهم كانوا يرغبون في تطوير ممتلكاتهم([115]).

وقد كانت الهجرات في أول أمرها داخلية، فقد نزح معظم سكان المدن التي سقطت في أيدي الفرنج إلى المناطق الغرناطية، وخاصة سكان قرطبة وإشبيلية، ثم وصل أبناء جَيّان ومرسية([116])، وسهل الأرغونيون نزوح سكان بلنسية كما رأينا.

ولعل تعلق الأندلسيين ببلادهم، جعلهم يغالبون الرحيل عنها بصورة كلية، فكانوا إن سقطت مدينة أندلسية، ارتحلوا منها إلى أخرى، حتى لا يجدوا بعد ذلك مفراً من الارتحال النهائي عنها، فقد خرج محمد بن علي الجُذامي من أركُش وهي بلدة صغيرة من أعمال شَريش، حينما أخذت النصارى قصبتها إلى شَريش، فلما أخذ النصارى قصبتها، ارتحل إلى الجزيرة الخضراء، ثم انتهى به الرحيل منها إلى سبتة في المغرب، ثم عاد إلى الجزيرة الخضراء، ومنها إلى حضرة غرناطة، حتى انتهى بها المطاف إلى مالقة وتوفي بها([117]).

وقد لوحظ أن موجات الهجرة الداخلية من البلاد الأندلسية، قد بدأت تتزايد على مملكة غرناطة كلما سقطت في يد الإسبان مدينة من المدن المسلمة، سواء منها الشرقية أو الوسطى، وخاصة أنهم كانوا في حالة ثوران داخلي، لذا فقد كانوا يفضلون الهجرة إلى المناطق الإسلامية على الخضوع للنصارى وقبول التدجن، وإن كان القليل منهم قد فضّل مصالحه الاقتصادية وبقي في المناطق المسيحية([118]).

كما كانت الأوضاع الداخلية، والفتن السائدة، مدعاة للهجرة، فقد ارتحل أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى عن دانية، أول الفتنة المنبعثة في الأندلس سنة (621هـ) وسكن بلنسية، ثم ارتحل إلى المغرب وبقي حتى توفي بها سنة (627هـ) ([119]). وتعطينا بعض كتب المتصوفة في هذا العصر، رؤية خاصة للمجتمع الداخلي في الأندلس، وتلقي باللائمة على الزمان وأهله وتصف المجتمع بالفساد والانحلال وهذا ما يصوره ابن عربي بقوله: «وهذا الزمن الذي أنت فيه زمان شَرّ، قَلَّت فيه لقمةُ الحَلال، وكثُرَ فيه الشَّرَهُ والكَلَبُ في قلوبِ النّاس، فلا بَطْنٌ يَشْبع، ولا نَفْسٌ تَقْنَع، ولا عينٌ تَدْمع ولا دُعاءٌ يُسمَع»([120]).

وكان أهل الأندلس، في حالة من الفزع والاضطراب والقلق، جعلتهم يعتقدون بالتنبؤات والأراجيف التي تتردد عن قرب ظهور رجل من أصناف الجند اسمه محمد، واسم أبيه يوسف، يتم على يديه إنقاذ أهل الأندلس وكانت هذه النبوءة هي المحرك لمحمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر بالقيام والثورة([121]).

لقد اتحدت العوامل الداخلية والخارجية، لتؤدي إلى ضياع الجزء الأكبر من الأندلس، وتشريد أهلها وإجبارهم على النزوح والجلاء عن أرضهم إلى أقطار عربية وإسلامية أخرى، بعد تزايد الزحف الإسباني على المدن الأندلسية إذ أصبحت الهجرة الخارجية الجماعية أكثر من ذي قبل، حيث إن غرناطة لا يمكن لها أن تتسع لكافة هؤلاء المرتحلين، فكان لا بد من توجه المسلمين إلى المغرب والمشرق بصورة لافتة([122]). تاركين وراءهم الدور والأراضي والزروع والكروم([123]) ولعلهم بذلك كانوا سبباً رئيسياً في انهيار الحضارة الأندلسية لما هاجروا بداية من بلادهم إلى المناطق الغربية وخاصة غرناطة، فأغنوها حضارياً، وازدهرت اقتصادياً، لخبراتهم الزراعية([124]).

استقر غالبية المهاجرين إلى المشرق في المدن الرئيسية في مصر والشام وهما مركز النفوذ السياسي في المشرق، وقد كثر المرتحلون من أهل العلم والأدب، إذ إن هذه الفئة من أكثر عناصر المجتمع تأثراً بعدم الاستقرار، وهذا من الأسباب التي تقوي الظن بأن الهجرة كانت من أجل الاستقرار والأمن والاستيطان.

ويتضح ذلك من خلال وصف الكتاب والشعراء لاضطراب الأحوال في بلادهم محذرين الأندلسيين من المصير المفزع مستصرخين الملوك والحكام وهم يرون مدنهم تسقط الواحدة تلو الأخرى، يقول ابن الأبار: «فقل في يومٍ عصيب، رَماني بِسَهْمٍ للفِراقِ مُصيب، ولم يَدَعْ لي ما تمنَّيت، وشَرى بِثَمَنٍ بَخْسِ ما اقَتَنَيْت، فاستَشْرى في مَحْوِ ما وَحَيْت، وهدم ما بنيت، حتّى عيل الاصطِبر وغَلَبَ الاستِعْبار، للتَفَكُّرِ في بَثِّ الأشْجان، وبَتِّ الأشْطان، والتَذَكُّرِ لِوُلوجِ الامتحان بالخروجِ عن الأوْطان، أيّانَ سَلَّمها الإسلام آيِساً وتدَّرَها التثليثُ آنساً»([125]).

ويصف أبو المطرّف بن عميرة، ما حلّ بأهل بلنسية باكياً متحسراً يقول: «فيالله لأتراب درجوا، وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة وقيل طيروا وإنما هو القتل والأسر أو تسيروا، فافترقوا أيدي سبا، وانتثروا على الوهاد والرُّبا، ففي كل جانب عويلٌ وزفرة، وبكل صدرٍ غليلٌ وحسرة»([126]).

وقد أذكت المحن لوعة الشعراء، واستثارت قرائحهم، فبكوا مدنهم بكاءً حاراً، متفجعين على ضياعها، واصفين ما أصابها على أيدي الأعداء من خراب وتدمير، وما حاق بأهلها من صنوف الذل والعذاب، من ذلك ما يقوله أبو موسى ابن هارون أحد شعراء إشبيلية حينما استولى عليها الأعداء سنة (646هـ).

صفحة 5

وفي حين كان المسلمون يتركون المناطق المسيحية بأعداد كبيرة، مضطهدين ممتهنين، مجردين من أموالهم ودورهم، كان اليهود محميين من قِبَل الملوك والنبلاء الذين كانوا مدينين لهم بقروض كبيرة، وقد تزوج هؤلاء النبلاء من الفتيات اليهوديات طمعاً في الثروة، ولتعويض خسارتهم بهجرات المسلمين، كما أعطيت لهم فيما بعد في القرن الرابع عشر الميلادي صلاحيات ممارسة طقوسهم الدينية من قِبَل بوب كليمنت وذلك لأن أربعين ألفاً منهم، يساعدون المسيحيين في محاربة المسلمين، كما أن بقاءهم في المدن ضروري للتقدم الاقتصادي([129]).

أما الجموع الكبيرة من المسلمين الذين بقوا في القواعد والثغور التي استولى عليها المسيحيون والذين سموا (بالمدجنين)، فقد كانوا يتمتعون بالطمأنينة في البداية في ظل ملوك قشتالة وأراغون، وكان يسمح لهم بالاحتفاظ بدينهم وشريعتهم ومساجدهم ومدارسهم، وكان لهم حق بيع العقارات وشرائها، وكان لهم قضاة يحكمون بينهم في سائر المنازعات وفقاً للشريعة الإسلامية([130]). وكان لهم هيئة أو جمعية في المدن الكبرى، تتولى تصريف شؤونهم، والعناية بمصالحهم، وتتكون من أعيانهم. وعلى الرغم من الحرية التي تمتعوا بها، فقد أخذ النصارى بعض مساجدهم، وحولوها إلى كنائس، ونص أحد بنود لائحة القوانين القشتالية، أن على النصارى واجب إقناع المدجنين باعتناق النصرانية دون استخدام القوة أو الضغط([131])، لكن هذه الحال أخذت في التبدل فازداد عدد المدجنين، وكانت الكنيسة تبغضهم وتنقم عليهم، وتحرض على استرقاقهم أو تنصيرهم، من ذلك ما أمر به البابا أنوسان الرابع سنة 1238م ملك أراغون خايمي الأول من وجوب استرقاق المسلمين، ولكنه لم يأبه، وسمح للمسلمين بالبقاء كمدجنين حين احتل بلنسية (636هـ) ([132]).

لكن لم يدم هذا طويلاً فقد أخذوا يتعرضون للاضطهاد، بتحريض من رجال الدين النصارى الذين كانوا يلومون الملوك على إظهار تسامحهم لهم ومعاملتهم بالرأفة، ونتيجة للإلحاح في التحريض، فقد كان النصارى يسومونهم سوء العذاب، وكانوا يساقون من بيوتهم إلى سوق النخاسة ويباعون بأبخس الأثمان، وكان الجند الذين لم يستوفوا رواتبهم من الخزينة، يأخذونها من أموال المسلمين المدجنين([133]).

وقد جاء في بعض الوثائق النصرانية، أن كثيراً من المدجنين قد لحقهم الاسترقاق، فعملوا كعبيد في فلاحة الأرض، وكخدم في بيوت النبلاء والقساوسة وفي الأديرة وفي الفرق العسكرية، كما صدر عن المجالس الكنسية التي عقدت سنة 1252م، عدة قرارات ضد المدجنين، فحرمت عليهم ارتداء ملابس ذات لون أبيض أو أخضر، أو استخدام حذاء أبيض، وحرمت عليهم إطالة شعر الرأس حتى لا يتدلى على الجبهة، بينما حرمت عليهم قص اللحى حتى تطول، كما حرمت عليهم العيش في بيوت نصرانية، أو استخدام نصراني في خدمتهم، أو شراء أراضٍ نصرانية إلا بعد استئذان الكنيسة، وأباحت قتل المدجن إذا اعتدى على امرأة نصرانية، وأباحوا لأهل المرأة عقابها أو حرقها إذا تزوجت أحد المدجنين([134]).

وقد آثر المسلمون سكنى الجبال على حياة الذل والمهانة، وخرجوا وكانوا يتعرضون للسلب والنهب من عصابات الإسبان أثناء خروجهم، وأنشئت فرق عسكرية تتولى طرد المسلمين وإجلاءهم عن البلاد بتأثير القُسس والرهبان وخرجت جموع النازحين بأعداد كبيرة([135]).

وثار المدجنون في مُرسية في يوم واحد، في البلاد الواقعة بين شريش ولقنت وأعلنوا ولاءهم وطاعتهم لمحمد بن الأحمر، مستولين على بعض القلاع والحصون والسهول. وكان إخماد هذه الثورة يتطلب وجود الملك شخصياً، لكنه عمد إلى حليفه ابن الأحمر، فاعتذر ابن الأحمر عن حرب أبناء دينه، فنقم عليه الملك وسارع نحو غرناطة لقتاله، فانتصر ابن الأحمر، مما رفع من معنويات المدجنين([136]).

وكتب الشعراء من أهل المغرب قصائد يستصرخون فيها المسلمين لرفع الظلم عن إخوانهم المستضعفين في بلاد الأندلس، ومنهم الشاعر مالك بن المرحل سنة (662هـ) يقول:

لهفاً على أندلسٍ من جنَّةٍ

دارَت بها من العدا جهنَّمُ

إن أمامَ البحرِ من إخوانكم

خلقاً لهُم تلفُّتٌ إليكمْ

ونحوكم عيونهُم ناظرةٌ

لا تطَعُم النومَ وكيف تطعمُ

أين المفرُّ لا مفرٌّ إنما

هو الغياثُ أو إسارٌ أو دَمُ([137])

هذه بعض صور المعاناة، لأهل المدن الأندلسية حين سقوطها وحصارها، وصور الامتهان والقسوة التي مارسها النصارى ضد المسلمين، ناقضين عهودهم بالأمان، غير مراعين إلاً ولا ذمة حتى في النساء والأطفال والشيوخ.

كانت هذه الأوضاع - كما اتضح بصورة غير مباشرة - سبباً في هجرة الكثيرين، دون إيراد الأوضاع الخاصة لكل شاعر بصورة محددة إلا ما ندر. من ذلك ارتحال يوسف ابن عتبة الإشبيلي([138]) من إشبيلية حين تولاها ابن هود واضطرمت لفتنته، وقدومه مصر هارباً من تلك الأحوال([139]).

أما أبو الحسن الميورقي([140]) فربما كان قد جيء به مع الأسرى الذين أتى بهم الفرنج إلى ساحل الشام، بعد احتلال جزيرة ميورقة سنة (627هـ) ([141]).

وقد تعرض أحمد بن فَرْح([142]) لأسر الفرنج سنة (646هـ) مما جعله يرتحلُ بعدها إلى المشرق، ويبقى في مصر إلى حين وفاته([143]).

وخرج أثير الدين أبو حيان([144]) ملتحقاً بالمشرق، بعد أن تصدّى للتأليف في الرد على أبي جعفر ابن الطباع وتكذيب روايته، لأنه قد نال من ابن الزبير أستاذ أبي حيّان، فرفع أمره إلى السلطان، ونُفّذ الأمر بتنكيله([145]).

وقد خرج بعض الشعراء لأسباب شخصية، من ذلك ارتحال عبدالرحمن بن محمد ابن عبدالملك بن سعيد([146]) إلى المشرق، بعدما جرى بينه وبين أقاربه ما استوجب خروجه([147]).

صفحة 6

الأوضاع العامة في مصر والشام وأهميتها في اجتذاب المرتحلين

ويقصد بها الظروف التي ساعدت على استقطاب الأندلسيين إلى مصر والشام، وشكلت حافزاً مشجعاً للاتجاه إلى هذه البلاد، بعد أن تهيأت لهم المعرفة المسبقة عنها، عن طريق ما قرأوه، أو سمعوه، أو شاهدوه.

فقد كانت دولة (مصر والشام) في القرن السابع الهجري، تشهد تقدماً في كافة المجالات، وانفتاحاً حضارياً متميزاً، وفّر لها مستوى من الرقي والثراء واتساع فرص العمل، بالإضافة إلى تميزها بظروف طبيعية مشابهة لبلاد الأندلس، كما كان للأثر الديني وتأصله في النفوس شأن بيِّن في اجتذاب الأندلسيين وتوجههم إلى المشرق.

أ- الظروف الطبيعية

يشكل التشابه الطبيعي دوراً هاماً في اجتذاب المرتحلين، فالتشابه في أحوال المناخ والغطاء النباتي بين منطقة وأخرى، يكوِّن استعداداً نفسياً لدى المهجَّرين في الارتحال إلى البلاد التي تشابه بلادهم ويقربها إلى نفوسهم، مما يجعل استقرارهم فيها سهلاً، كما كان حال الأندلسيين حينما ارتحلوا إلى الشام، ولعل من أدلّ الأمثلة على هذا التشابه بين مناطق الشام والأندلس، أنه أُخِذ بعين الاعتبار، حينما نقلت أجناد الشام إلى الأندلس، حيث أنزل أهل دمشق في كورة إلبيرة لشبهها بها وسميت دمشق، وأنزل أهل حمص في كورة إشبيلية، وسميت حمص، وأهل قنسرين في جيّان، وأهل الأردن في رية مالقة، وأهل فلسطين في شذونة([148]). ساعد هذا التشابه الجغرافي بين الإقليمين مؤسس الدولة الأموية في بناء دولته على صورة سوريا الأموية، حيث نقل إليها غرائب الغراس وكرائم الشجر من بلاد الشام([149]).

ويظهر مدى هذا التقارب بصورة واضحة، في ما يورده ابن سعيد حيث يقول: «منذ خرجت من جزيرة الأندلس وطفت في بر العدوة، ورأيت مدنها العظيمة كمراكش وفاس وسلا وسبتة، ثم طفتُ في إفريقيا وما جاورها من المغرب الأوسط، فرأيت بجاية وتونس، ثم دخلت الديار المصرية، فرأيت الإسكندرية والقاهرة والفسطاط، ثم دخلت الشام، فرأيت دمشق وحلب وما بينهما، لم أرَ ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها، إلا مدينة فاس بالمغرب الأقصى، ومدينة دمشق الشام، وفي حماة مسحة أندلسية»([150]).

وقد أعجب الرحّالة الأندلسيون بمدن الشام ووصفوها وصفاً دقيقاً، فقد وصف ابن جبير مدينة دمشق بقوله: «جنَّةُ المَشرق، ومَطْلَعُ حُسْنِه المونِق المُشْرِق، وعروس المدن،... قد تَحلَّت بأزاهيرِ الرَّياحين، وتجلَّت في حُلَلٍ سُنْدُسِيَّةٍ من البَساتين... قد سَئِمَت أرضُها كَثْرَةَ الماء، حتى اشتاقَت إلى الظماء»([151]). وهناك جغرافيون آخرون سبقوا ابن جبير أتوا على ذكر الالتقاء والتشابه بين الشام والأندلس مثل البكري الذي قال: «الأندلس شامية في طيبها وهوائها»([152]). وسميت غرناطة بدمشق الأندلس([153])، وقد وصفت بأنها شامية في أكثر الأحوال، تشبه بعض مناطقها بالغوطة في أنهارها وجداولها وجنانها، وجمال بنائها وحسن موضعها([154]).

وكان لطبيعة بعض مناطق مصر، أثر بيّن على حركة الأندلسيين واستقرارهم، ففيها العديد من المناطق التي تشبه بعض مناطق الأندلس. فقد شبهت منطقة فحص إلبيرة بمنطقة الفيوم في دلتا النيل([155])، كما أنزل جند مصر بكورة تُدْمير([156]) لمشابهتها لطبيعة مصر([157])، ولعل هذا التشابه كان له أثر في سرعة التأقلم مع البيئة الجديدة.

ولا شك في أن تميز بعض المدن المصرية بخيراتها وخصبها وجمال طبيعتها شكّل عاملاً مشجعاً في انتقال الأندلسيين إليها، فالإسكندرية التي نزلها الكثير من الأندلسيين امتازت ببساتينها الأنيقة، وكثرة الفواكه والثمار ورخصها([158])، كما أن الفيوم امتازت بكثرة الفواكه والغلال([159]).

أعجب المرتحلون بمصر ووصفوها بأنها «ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد»([160]). ومما كتبه أبو الصلت أمية بن عبدالعزيز الداني الذي زارها في القرن السادس الهجري عنها حينما بلغ جبل المقطم: «هذه ضالتي المنشودة، وبغيتي المقصودة، ها هنا ألبث وأقيم، فلا أبرح ولا أريم، بلدة طيبة ورب غفور، وحيث التفتّ فروضة وغدير، وخَوَرْنق وسدير، وظل ظليل، ونسيم عليل»([161]). وذكر بعض أهل العلم، أنه ليس في الدنيا شجرة إلا وجدت بمصر، وفيها في كل وقت المأكول والمشموم وسائر البقول والخضر لا ينقطع منها شيء في الصيف أو الشتاء([162]).

وشابهت مصر الشام في بعض الجوانب الطبيعية، وشكلتا معاً عامل جذب للأندلسيين «فأسفل أراضي مصر شامية تمطرُ مطر الشام، وتنبت نبات الشام من الكرم والتين والموز وسائر الفاكهة والبقول والرياحين ... وإنتاج اللبن والعسل»([163]).

لقد شكل التشابه بين الأندلس من ناحية، والشام ومصر من ناحية أخرى، عاملاً له أثره على حركة الأندلسيين واستقرارهم وسرعة تأقلمهم، للميزات التي تمتع بها كل منهما.

صفحة 7

ب- الحج والتقديس وزيارة الأماكن المقدسة في المشرق

لا تقل الناحية الدينية عن غيرها من نواحي الجذب الأخرى إلى الشام ومصر، ذلك أن المكانة الدينية المتميزة التي حظيت بها كل منهما، جعلتهما محط أنظار الأندلسيين في اتخاذهما مكاناً للاستقرار.

وتبين العديد من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة مكانة الشام الدينية، التي كان الأندلسيون على دراية بها، لتضلعهم في علوم القرآن والحديث. فهناك على سبيل المثال أحاديث تحض المسلمين على الهجرة إلى الشام، إذا ما تعرضوا للمحن، ولعل ما عاناه المسلمون في الأندلس جعل لهذه الأحاديث صدى عميقاً في نفوسهم، وتأثيراً عليهم في الاتجاه للشام من ذلك ما روي عن عبدالله بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض، ألزمهم مُهاجر إبراهيم، ويبقى في كل أرض إذ ذاك، شرار أهلها، تلفظهم أرضُوهم، تَقذرُهم نفس الله عز وجل، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير (والمهاجر)» ([164]).

(والمُهاجَر): الموضع الذي يهاجَر إليه، ومهاجر إبراهيم خليل الله عليه السلام هو الشام، فأراد بالهجرة الثانية في قوله: «ستكون هجرة بعد هجرة» الهجرة إلى الشام، يرغب في المقام بها([165]). وفي حديث آخر يبين الرسول صلى الله عليه وسلم فضل الشام الاقتصادي والديني، مفضلاً إياها على غيرها، فيما رواه عبدالله بن حوالة t ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة، جند بالشام، وجند بالعراق، فقلت: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدركم، فإن الله توكّل لي بالشام وأهله»([166]).

كما اختصت الأحاديث بعض مناطق الشام وأكدت على فضلها، وأهمها القدس ودمشق، القدس هي القبلة الأولى، وهي أرض الإسراء والمعراج، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [الإسراء:1]، وقد أكدت الأحاديث النبوية على هذه المكانة، حيثُ نصّ بعضها على فضل الصلاة في المسجد الأقصى، كقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»([167])، وفي هذه الصلاة غفران وتكفير للذنوب كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : «من خرج إلى بيت المقدس لغير حاجة إلا الصلاة، فصلّى فيه خمس صلوات، صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه»([168]).

وربطت الأحاديث الشريفة بين أداء الحج والعمرة في الحجاز وزيارة بيت المقدس حتى يكون الحج كاملا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «من أهلّ بحجٍّ أو عمرة من المسجد الأقصى الشريف إلى المسجد الحرام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة»([169]). فاغتفار الذنوب أمر له قيمة عند المسلمين، وهذا مما دعا الأندلسيين إلى تطبيق مضمون الحديث، والارتحال إلى هذه الأماكن المقدسة، التي يتوقون إليها في المشرق، وقد اتخذت عادة الإقامة في المسجد الأقصى وزيارته والصلاة فيه، والانطلاق منه إلى الحج صفة الخلود عند الأندلسيين، ولعل عامل الجذب هذا قد ازداد لدى الأندلسيين في هذه الفترة المتأخرة، بعد قيام الدولتين الأيوبية والمملوكية، حيث كان المشرق ساحة جهاد ضد الصليبيين والتتار، مما زاد في تأثير عامل الجذب الديني، إذ عُدّ الدفاع عن بيت المقدس واجباً دينياً، وقد ازداد تدفق الزوار إلى بيت المقدس حينما حررها صلاح الدين، وليس أدلّ على ذلك من رحلة ابن جبير الثانية للمشرق([170])، والتي كان فتح بيت المقدس من أقوى أسبابها.

وكما اختصت الأحاديث الشريفة بيت المقدس، فقد اختصت دمشق عن غيرها من المدن، قال صلى الله عليه وسلم : «إن فُسطاطَ المسلمينَ يومَ الملحمةِ بالغُوطة، إلى جانِبِ مدينَةٍ يقالُ لها دِمَشق، من خيرِ مَدائِن الشام»([171])، وقد فضلت دمشق على سائر بقاع الشام ما عدا بيت المقدس، مما يدل على بركتها وفضيلة أهلها.

ويظهر اهتمام الرحالة وخاصة الأندلسيين بالمساجد والمشاهد والمزارات، فقد أعجبوا بالجامع الأموي، فوصفوه بدقة واستفاضة، مبينين مساحته وتاريخ تأسيسه وفضائله، وما روي فيه من أحاديث، كما وصفوا قبته وزواياه وما يقام فيه من حلقات علم([172])، فهو لا يخلو في معظم الليل والنهار، من تال لكتاب الله، أو مصلّ، أو ذاكر أو عالِم أو مجتهد([173])، وقد تنوقلت الأقوال الكثيرة في رؤية الخضر عليه السلام يصلي كثيراً في الجانب الشرقي منه([174]). كما ذكروا مغارة الدم التي قتل فيها قابيل هابيل، ومغارة آدم عليه السلام وهما في جبل قاسيون بدمشق([175]). وهناك أمر آخر كان الأندلسيون يعظمون دمشق من أجله، وهو وجود نعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت موجودة عند بني أبي الحديد، ثم نقلت للمدرسة الأشرفية([176]).

وهناك مدن غير دمشق حظيت بمكانة دينية عن الأندلسيين، لما فيها من مزارات ومشاهد وقبور أنبياء، من ذلك ما يرويه الرحالة ابن بطوطة حيث يقول: «عسقلان فيها مشهد رأس الحسين قبل نقله للقاهرة...، وفي قبلة المزار مسجد كبير يُعرف بمسجد عمر، وفي القبلة منه بئر إبراهيم. وفي ظاهر عسقلان وادي النمل المذكور، الوارد ذكره في القرآن... أما الرملة ففي قبلة الجامع الأبيض منه ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين.. وفي عكا قبر النبي صالح وبشرقها عين ماء تُعرف بعين البقر، يقال إن الله تعالى أخرج منها البقر لآدم عليه السلام ، وكان عليه مسجد بقي منه محرابه»([177]). وفي طبريا قبر النبي شعيب، وعلى القرب منه الجب الذي أنزل فيه يوسف، وفي الخليل مشاهد وقبور الأنبياء والصالحين ومساجد كثيرة([178]).

ومهما كانت درجة صحة الأحاديث والأقوال التي تنوقلت، فقد وصلت للأندلسيين واشتهرت عندهم، وعملت بصورة إيجابية، على ترغيب أهل الأندلس في التوجه إلى الشام والاستقرار في مدنه.

وتحتل مصر مكانة دينية عند مسلمي الأندلس، قد لا تصل إلى الدرجة التي وصلتها الشام لاعتبارات كثيرة أشير إليها، مما ساعد على حركة نشطة للأندلسيين إليها، فلمصر ذكر طيب في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:61] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ [يونس:87]. وورد ذكرها في الأحاديث الشريفة، من ذلك ما روي عن أبي ذر t عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفتحون مصر وهي أرض يُسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإنّ لهم ذمةً ورحماً»([179]).

وعدّ ابن جبير قرافة القاهرة من عجائب الدنيا، لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء عليهم السلام، وأهل البيت والصحابة والتابعين والزهاد والعلماء. ومن هذه المشاهد، مشهد رأس الحسين بن علي، وقد وصفه ابن جبير ووصف البنيان الذي يحيط به مجلاً، كما شاهد قبر النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقبر آسيا امرأة فرعون، ومشاهد أهل البيت، مبيناً اتصال الجرايات كل شهر في هذه الأمكنة([180])، ومن المشاهد الأخرى مشهد السيدة أم كلثوم، ومشهد علي بن الحسين، ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد، ومشهد معاذ بن جبل، ومشهد الإمام الشافعي وغيرها منن المشاهد([181]). كما أشار العبدري إلى وجود عدة وافرة من المزارات الشريفة([182])، وجملة من قبور الصالحين وصدور السلف والخلف في مصر ما لا يضبطه الحصر([183]).

وذكر الكندي أماكن دينية في مصر، نقلها عنه السيوطي، فذكر النيل المبارك، والنخلة التي ولد عيسى عليه السلام تحتها، وقبري موسى وهارون، كما ذكر دخول الكثير من الأنبياء مصر ومنهم إدريس وإبراهيم الخليل وإسماعيل ويعقوب ولوط، وعيسى وأيوب وشعيب عليهم السلام([184]).

وفي مصر المساجد القديمة العريقة مثل مسجد عمرو بن العاص للمالكية، وخصصت بعض المساجد المشهورة للعناية بالغرباء من المغاربة مثل مسجد ابن طولون الذي خصصه السلطان لهم، مجرياً عليهم الأرزاق([185]) فاجتمع بذلك فيه عاملا جذب ديني واقتصادي.

ولا شك أن قوافل الحج التي كانت تمر بمصر، لم يكن الهدف منها أداء فريضة الحج فقط، وإنما اقترن هذا بفكرة الجهاد، والاعتقاد بأن الإقامة في الربط والحياة في الثغور نوع من الجهاد، وأن من يموت أثناء إقامته فيها يعدّ شهيداً، لذلك جذبت الإسكندرية عدداً كبيراً من علماء المسلمين عامة، ومن علماء المغرب والأندلس خاصة([186]).

صفحة 8

ج- الظروف السياسية

يعدّ القرن السادس الهجري من العصور الذهبية في تاريخ بلاد الشام على الصعيد السياسي، فقد كان عصر نور الدين الذي وحد الشام سياسياً، وقضى على الدويلات الضعيفة، ومهد لصلاح الدين الأيوبي توحيد مصر والشام بعد قضائه على دولة الفاطميين.

ولعل دراسة سياسة نور الدين وصلاح الدين تجاه الأندلسيين في مصر الشام، تسهم في إبراز أثر هذه السياسة على حمل صورة حسنة لدى المرتحلين عن سياسة الزنكيين والأيوبيين، مما جعلها عامل جذب لعدد كبير من المغاربة للارتحال إلى مصر الشام في القرن السابع الهجري، الذي كان يشهد فترات اضطراب وفتن في الأندلس.

فقد بعث نور الدين زنكي المذهب السني في دمشق، بعد قضائه على المذهب الشيعي، وأقام فيها المدارس واستحضر العلماء، وكان حريصاً على إقامة وحدة مذهبية، تكون عاملاً مدعماً للوحدة السياسية([187]). وقد وجد الأندلسيون بذلك المغريات التي تلائم عقيدتهم المذهبية، خاصة وأنهم مالكيون، ووجد حكام الشام في الأندلسيين عنصراً ملائماً لتطبيق سياستهم، فهم مالكية عاشوا في جو تسوده الوحدة المذهبية، إذ لم تقم في الأندلس قائمة لأي مذهب تعتبر السنّة خارجاً عنها([188]).

وقدم نور الدين زنكي للمغاربة الغرباء التسهيلات، ووقف عليهم الأوقاف، وأحسن وفادتهم، وقدم لهم ما يحتاجونه، وبلغ من اهتمامه بهم «أنه عين للمغاربة الغرباء الملتزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك أوقافاً كثيرة، منها طاحونتان، وسبعة بساتين، وأرض بيضاء، وحمّام ودكّانان بالعطارين، وأخبرني أحد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه، وهو أبو الحسن بن سردال الجياني المعروف بالأسود، أن هذا الوقف المغربي يغلّ إذا كان النظر فيه جيداً خمسمائة دينار في العام»([189]).

وقد أولى نور الدين افتكاك أسر المغاربة أهمية خاصة، وذلك لأنهم بعيدون عن بلادهم، ولا مخلص لهم، يقول ابن جبير. «وقد كان نور الدين رحمه الله، نذر في مرضة أصابته، تفريق اثني عشر ألف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه، أرسل في فدائهم، فسيق فيهم نفرٌ ليسوا من المغاربة... فأمر بصرفهم وإخراج عوض عنهم من المغاربة، وقال: هؤلاء يَفْتَكُّهُم أهلوهم وجيراهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم»([190]).

واستمر الأيوبيون في سياستهم العادلة، وحسن معاملتهم للمغاربة، ولعل مآثر صلاح الدين لا تحصى في هذا المجال، فقد سار على نهج نور الدين، ووقف الأوقاف على المغاربة، «وأمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا لذلك، ونصب لهم مارستاناً لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، وخداماً ينظرون في مصالحهم، وعيّن لأبناء السبيل منهم خبزتين لكل إنسان في كل يوم غير ما عيّنه من زكاة العين لذلك»([191]). وكان طبيب صلاح الدين الخاص، من الأندلسيين، وهو عبدالمنعم الجلياني الذي كان يرافقه في حله وترحاله([192]).

وكان صلاح الدين معنياً بشؤون المغاربة والأندلسيين، متتبعاً لأحوال ملوكهم ودولهم، حتى رغب إلى طبقة من الكتاب والمؤرخين بالتصنيف في أخبارهم، فصنف له محمد بن أيوب الأنصاري كتاباً في أحوال المعتصم بن صمادح صاحب ألمرية، وصنف له كتاباً آخر في شعراء المغرب والأندلس([193])، وكان يطلب إلى سفرائه استقراء أحوال البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والتعرف على أوضاع أهلها، ونواحي حياتهم، جاء ذلك في إحدى وصاياه لسفير له وهذا نصها: «يُستَقْرى في الطَّريقِ وفي البِلادِ من أخْبارِ القَومِ في أحْوالِهِمْ، وآدابهم وأشغالهم، وأفعالهم، وما يحبون في القول نَزْرَهُ أو جمَّه، واللِّقاءِ مُنْبَسَطهُ أو مُنْقَبَضَه، ومن القعود بمجالسهم مُخَفَّفَهُ أو مُطَّوَلَه، ومن التحيات المتهاداة فيما بينهم ما صِفَتُهُ وما مَوْقِعُه، أهي السننُ الدينية، أم العوائدُ الملوكية»([194]).

وعمق من اهتمام صلاح الدين بشؤون الأندلسيين اشتراكهم بالحرب معه ضد الصليبيين، فقد استقبل صلاح الدين الأسير الأندلسي الذي قدمه الصليبيون هدية لصلاح الدين بحفاوة وتقدير وإعجاب([195])، كما كان المغاربة يرافقون الجيوش لتقديم الخدمات، مثل تحضير الطعام، وتجهيز الحمامات للجنود من أجل الاغتسال([196]).

سار أبناء البيت الأيوبي على نهج صلاح الدين من تقدير المغاربة وحسن معاملتهم، وإنشاء المرافق لهم، فقد أوقف الملك الأفضل ابن صلاح الدين المدرسة الأفضلية على فقهاء المالكية، وبجوارها أوقف قطاعاً من المدينة بجوار المسجد، أضحى معروفاً باسم حارة المغاربة على طائفة من المغاربة على اختلاف أجناسهم، ذكورهم وإناثهم([197]).

أما المماليك، فقد قربوا الأندلسيين والمغاربة وأحسنوا إليهم واعتنوا بحجاجهم، وقد نقل التجيبي في رحلته صورة من صور هذه العناية، عن السلطان المملوكي المنصور أبو الفتح لاجين في قوص، يقول: «كان ملك مصر والشام السلطان الأجل حسام الدين والدنيا أبو الفتح لاجين الملقب بالمنصور... يعتني بالحجاج، ويأمر بتسهيل طريقِهم، ويوصي بذلك عُمّاله ونوابه، ... ومما عايناه نحن من ذلك وسمعناه بآذاننا، وذلك في أول جمعة جمعناها بقوص المحروسة، في الثامن عشر لجمادي الثانية، المذكور من سنة ست وتسعين وستماية، إثر فراغنا من صلاة الجمعة قام رئيس المؤذنين، وأمر الناس بالقعود لسماع مرسوم كريم وصل من قِبَل السلطان إلى الفتح ... وكان مضمونه «أن لا يتعرض أحد من عُمّاله ولا نوابه لأحد من الحجاج، وأن تسقُطَ عَنْهُم الملازمُ كُلُّها التي تُؤْخَذُ منهم بِقُوص وغيرِها من بلاده، وأن يُتَرَك التعرُّضُ لَهُمْ جُمْلة»([198]). كما يصف العبدري معاملة المماليك لهم بالقاهرة ويمتدحهم بأنهم أصحاب العقائد السليمة، والتفضل على الفقراء، والتسهيل على الحجاج والمسافرين من المغاربة يقول: «وهم ركن الإسلام، نفعهم الله وأحسن عونهم، وقد رأيت من خدمتهم للركب، واحتياطهم وصبرهم .... ما تعجبت منه ....» ([199]).

ولعل تقريب المماليك للأندلسيين والمغاربة كان نابعاً من أهدافهم في تدعيم حكمهم بتقريب العلماء، ومن عُرفوا بالفضل والدين، وقد وجدوا في الأندلسيين ما يبحثون عنه لتمسكهم الكبير بسلفيه الدين([200])، وأكد ابن بطوطة ذلك في رحلته حينما ذكر أن بدمشق فاضلاً من كتاب الملك الناصر يسمى عماد الدين القيصراني، من عاداته أنه متى سمع عن وصول مغربي دمشق، بحث عنه وأحسن إليه، فإن عرف منه الدين والفضل أمر بملازمته، وكان يلازِمه منهم جماعة، وعلى هذه الطريقة سار غيرُه([201]).

وهذه الحادثة تؤكد سبب اهتمام المماليك بالعلماء والمهتمين بالتدريس أو الفقه من المغاربة والأندلسيين، وهو أن هؤلاء يشكلون دعامة لحكهم، لأن هذا الاهتمام لم يكن ليشمل العامة، لأنهم لا طائل منهم في تحقيق تلك الأهداف السياسية.

صفحة 9

د- الظروف الاقتصادية والعلمية

1- تنوع الزراعات والصناعات واتساع التجارة والثراء:

وصف الوضع الاقتصادي في مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك بالانتعاش نظراً لتوافر الأسس الاقتصادية من تنوع زراعات، ووفرة إنتاج، وقيام صناعات مختلفة، وقد هيأت هذه الظروف لتجارة رائجة، كان لها تأثير في اتخاذ الأندلسيين لكل من مصر والشام دار إقامة، لأن هذه البلاد تشكل مصدر رزق للكثير منهم.

فقد عرفت الشام بزكاء منابتها، واعتدال هوائها، وجودة مناخها، وملاءمته لطبائع الثمار كلها([202])، حيث كانت أرضها مصدراً للحبوب والبقول على اختلاف أنواعها، والفواكه المتنوعة كالموز والبرتقال التفاح والرمان والعنب، كما يجود في أرضها القطن والفستق والقنب والكتان والحرير والنيل والدخان وقصب السكر، وتصلح مراعيها لتربية ضروب الماشية([203]).

وقد برع الشاميون في استغلال أراضيهم بذكائهم وبُعد نظرهم في توطين النباتات الآسيوية والإفريقية فيها([204]).

لا شك أن توافر العديد من الموارد الزراعية الأولية والموارد المستخرجة من الأرض، وفر لقيام صناعات عديدة أشهرها الغزل، والحياكة والنساجة والنجارة والدباغة وصناعة الجلد والصدف والرخام والسجاد والحصير وغيرها([205]).

لم يقصر دور مصر عن الشام في التقدم الاقتصادي، نظراً لتوافر عوامل الزراعة الناجحة، من تنوع أقاليم وأراضٍ وزراعات، فأراضي مصر عدة أصناف بعضها يجود بالقمح والشعير، ويُنتج بعضها البطّيخ واللّوبيا، ويزرع الباذنجان والمشمش والخوخ في بعضها الآخر وهكذا([206])، وقد كان هذا التنوع الزراعي أساساً لصناعات عديدة كصناعة المنسوجات المتنوعة، وصناعة السكر والصابون التي تكثر في الفسطاط([207]). وقد طبقت في مصر النظم الاقتصادية المتعلقة بالزراعة والصناعة بمستوى عالٍ من الدقة([208])، مما وفر لاقتصادها النجاح والتميز.

وقد تميزت الأسواق في كل من مصر والشام بالضخامة وتنوع ما يعرض فيها، ويصف ابن جبير ما وصلت إليه أسواق دمشق من الارتقاء حين مرّ بها بقوله: «من أحفل الأسواق وأحسنها انتظاماً، وأبدعها وصفاً ... وهي مرتفعات كأنها الفناديق، مسقفة كلها بأبواب حديد، كأنها أبواب القصور، كغيرها من أسواق الشام»([209]).

وكانت هناك سوق خاصة لكل سلعة، مثل سوق الأبارين، وسوق النحاسين، وسوق الرطابين، بحيث تعرف أنواع المهن التي امتهنوها من خلال أسماء أسواقهم([210]).

وعرضت في هذه الأسواق في الشام ومصر الثياب والمنسوجات التي أبهرت الصليبيين، فأقبلوا على شرائها وتوريدها إلى أوروبا، كما أمَّ هذه الأسواق الكثير من التجار، ومنها انطلقت القوافل المحملة بالديباج والأقمشة مختلفة الأنواع([211]).

شكلت مدن الشام محطات تجارية بالغة الأهمية بين الشرق والغرب، إذ كانت ثرواتها موضع اهتمام تجار الفرنجة بصفة عامة، وتجار البندقية بصفة خاصة([212])، وقد أدى إعطاء صلاح الدين تسهيلات لتجار البندقية وجنوة وبيزة، إلى وجود تنافس قوي بين تلك المدن، كان له أثر بيِّن في تنشيط حركة التجارة، إذ كانت موانئ ساحل الشام مسرحاً للصراع بين هذه الجاليات، لأسباب تتعلق بالمسائل التجارية والكسب([213]).

وكان موقع مصر المتميز على البحر المتوسط الذي يصل منذ القديم بين الشرق والغرب، من العوامل التي ساعدتها على التحكم في مياه البحر المتوسط وجزره وسواحله، والمساهمة في تجارة المشرق بدور كبير، لكثرة قواعدها وطول سواحلها([214])، ولم تنقطع حركات القوافل التجارية من مصر إلى دمشق، ومن دمشق إلى عكا([215])، إذ كانت عكا أعظم مرفأ بين الموانئ، وقاعدة للتجار ومرسى للسفن، وكان اتصال أوروبا بها أكثر من اتصالها بسواها([216])، وانفردت الشام ببعض المنتوجات التي كانت تحمل إلى الديار المصرية، مثل قصب الذهب، وقمر الدين من المشمش، والقنب، والقراصيا([217])، وحمل الزيت والخروب من نابلس إلى مصر، كما حمل إليها التين والزبيب من صيدا، والفواكه من بيروت([218]).

ومما زاد من أهمية التجارة، اعتماد المدن الصناعية في مصر والشام على بعض السلع المستوردة اللازمة لصناعتها، فشكلت بعض مدن مصر والشام مراكز تجارية لهذه السلع، ومن أشهرها: الفسطاط، والإسكندرية ودمياط وعَيْذاب، وطرابلس وصيدا وصُور، وبعض المدن الداخلية في الشام([219]). وقد وصف التجيبي أحد هذه المراكز، وهو مدينة قوص إذ يقول: «هي مدينة عظيمة، آهِلَةٌ عامرة، من أكبَر المدنِ المشهورة التي رأيناها بهذا الصعيد، من أحفلها بناءً، وهي أرتب من مصر وأتقن، غزيرة المرافق، كثيرة الخلائق، يجتمع فيها الصادر والوارد من التجار، الواصلين من اليمن والهند والحبشة ... ومن المصريين والإسكندريين، ويوجد فيها من بضائع الهند ما لا يكاد يوجد في غيرها من المدن العظام»([220]).

ومما ساعد في تقدم التجارة أيضاً، حماية الأيوبيين والمماليك لمصالحها الخارجية، وخاصة الارتباط بالأسواق البعيدة مثل الهند والصين شرقاً، ومناطق القوقاز والقرم شمالاً، والمدن التجارية الإيطالية والفرنسية والإسبانية غرباً([221]).

فقد استغلت دولة المماليك فرصة أمن الملاحة والتجارة في شمال البحر الأحمر وجنبه، وعملت جاهدة على جذبها إليها، يؤكد ذلك المنشور الذي أذاعه السلطان المنصور قلاوون سنة (689هـ) على التجار الذين يصلون إلى مصر من الصين والهند والسند واليمن والعراق وبلاد الروم إذ يقول: «وَمَن يُؤْثِرُ الوُرودَ إلى ممالكنا إن أقام أو تردد - النقلة له في ذلك الخير والخيرة ويحضر إلى بلاد لا يحتاج صاحبها إلى مِيرة، ولا إلى ذَخِيرة، لأنها في الدنيا جَنَّةُ عَدْن لمَنْ قَطَن، وَمَسْلاةٌ لمن تَغَرَّبَ عن الوَطَن، ونُزْهَةٌ لا عليها بَصَر، والمُقيمُ بها في ربيعٍ دائِم، وخيرٍ مُلازِم، ويكفيها أنَّ مِنْ بعضِ أوصافها، أنَّها شامةُ اللهِ في أرضه ... فمن وقف على مرسومنا هذا من التجار المقيمين باليَمَن والهند والصين والسند وغيرهم، فليأخُذْ الأهُبَةَ في الارتحالِ إليها، والقدوم عليها ليجد الفعال من المقال أكبر، ويرى إحساناً يقابل في الوفاء بهذه العهود بالأكثر ويحلُّ منها في بلدةٍ طيبةٍ وربٍّ غفور ... وفي السلامةِ في النَّفسِ والمال، وسعادةٍ تُجلّي الأحوال، وتموِّلُ الأموال»([222]).

2- التقدم العلمي والفكري والمستوى الحضاري وتوفيره فرص عمل للمرتحلين:

بلغت الدولة في مصر والشام مستوى حضارياً رفيعاً في النواحي العلمية والعمرانية والاجتماعية، حيث أدى الثراء الاقتصادي الناتج عن نشاط التجارة، إلى الاهتمام بهذه المنشآت العلمية والحضارية كالمساجد والمدارس ودور الحديث، والفنادق والحمامات. وكان لهذه المنشآت أثرها في استقطاب الأندلسيين المرتحلين من علماء متخصصين، وصوفية زاهدين، وباحثين عن مصدر رزق وعيش.

حظيت كل من دمشق والقاهرة بتنوع العلوم، وكثرة المشتغلين بها، بعد هجرة كثير من علماء العراق إليهما، لما خرجت بغداد على يد التتار سنة (656هـ) وقد كثر على إثر ذلك العلماء المتخصصون، وتعينت المسائل العلمية، وتنوعت العلوم، وتوفر المشتغلون بها، ونبغ من الشام طبقة عالية، عُدّت تآليفهم من الأمهات في خزانة كتب الأمة العربية([223])، وكانت دمشق مركزاً علمياً للشرق كله، وسبقت القاهرة في هذا المضمار، وأقيمت فيها المدارس، واستحضر العلماء وقصدها الطلبة، وتدفق إليها الكثير من المغاربة يعملون ويدرسون ويجاهدون ويتاجرون([224]). وقد شهد هذا العصر بناءً نشطاً للمدارس ودور العلم المتخصصة في مختلف العلوم، ويتضح ذلك من قول ابن بطوطة: «وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس»([225]).

بدأ الاهتمام بإنشاء دور العلم منذ عصر نور الدين، فقد بنى المدارس والربط والخانقاهات، ووقف عليها الأوقاف، وبنى المدارس الجليلة للحنفية والشافعية، منها المدارس النورية في كل من دمشق وحمص وحلب وحماة، وعمر المساجد الكثيرة والربط للصوفية([226])، وأنشأ أول دار حديث بدمشق وهي الدار النورية([227]).

سار صلاح الدين والأيوبيون من بعده على هذا النهج في إنشاء دور العلم، ووقفوا عليها الأوقاف، فقد أعاد صلاح الدين كنيسة صَنْدحَنَّة في القدس مدرسة للشافعية وهي المدرسة الصلاحية ووقف عليها الأوقاف، مفوضاً التدريس فيها لبهاء الدين بن شداد([228]). ووقف الملك المظفر عيسى بن أيوب على المدرسة المعظمية الحنفية سنة 606هـ، قرى ومزارع([229]) وبنى الملك الكامل المدرسة الكاملية بمصر، التي كملت عمارتها سنة (621هـ)، وجعل شيخها أحد المرتحلين الأندلسيين، وهو أبو الخطاب ابن دحية، ووليها بعده أخوه([230]). وبنى الملك الصالح نجم الدين أيوب في القاهرة أربع مدارس للمذاهب الأربعة سنة (639هـ) منها المدرسة الكاملية التي عدت من أجمل مدارس القاهرة([231]) كما اهتم المماليك بإنشاء المدارس، فقد بنى الظاهر بيبرس المدرسة الظاهرية القديمة لتدريس الحنفية والشافعية وإقراء القراءات([232]). وبنيت الجوامع وما فيها من حلقات العلم، ووقفت عليها الأوقاف، ولعل أشهرها الجامع الأموي بدمشق وحلقاته وشيوخه والأسواق التابعة له ومشاهده التي خصص لكل مشهد منها أوقاف معينة من بساتين وأراضٍ([233])، كما عين لكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة أو خانقاه أوقاف تقوم بها وبساكنيها، حتى إن البلد تكاد الأوقاف تستغرق كل ما فيه([234]). ومن أشهر المساجد في مصر المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس ابن طولون، وقد جعل مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجريت عليهم أرزاق واسعة، وقد جعلت لهم الحرية في تطبيق أحكامهم، من قِبَل أحد المختصين منهم، وبذلك لا يكون لأحد يد عليهم. وقد كثرت المساجد والمدارس بصورة تتعدى الوصف، ففي الإسكندرية وحدها شيد اثنا عشر ألف مسجد، إلى غير ذلك من المعاهد والمفاخر([235]).

لم يقتصر التدريس في دور العلم على العلوم الدينية، بل درست علوم العربية، وازدهرت العلوم الحكمية وأصول المنطق([236]). وقد انفرد القرن السابع الهجري بإنشاء ثلاث مدارس للطب ومدرسة للهندسة في دمشق، وكان في هذه العاصمة أعظم جامعة إسلامية اشتملت على العلوم الدينية والدنيوية، لا تقصر عن القاهرة بأزهرها، ولا عن بغداد بمدرستها النظامية([237]).

ولعل توفر الأسباب المعيشية للمتعلمين، جعلهم يقبلون على العلم، وجعل إنشاء المدارس والقيام على شؤون طلابها من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى كما يقول البدري عن أهل الشام: «وتقرب إلى الله تعالى أهلُها ببناء المدارس، رَغْبةً في جِوار المُجرَّد الفقير البائس، ورتّبوا له من الخبزِ واللَّحْمِ الطَّعام، والزيت والحلو والصابون والمصروف في كل شهر على الدّوام، فيجلس الطالب في شبّاكها ينظر إلى الماء والخضرة والوجهِ الحسن، فكيف لا ينبعثُ إلى طلب العلم ويتحرك من فهمه ما سكن»([238])، ولعل هذا من العوامل الرئيسة في جعل هذه البلاد مقصداً للكثير من الأندلسيين، حيث غدت منهلاً خصباً للحصول على أسباب الحياة ووسائل العيش، ولعل الرحالة الأندلسيين خير من صور بلاد الشام من ناحية توافر المصادر المعيشية، فقد زار ابن جبير العديد من مناطق الشام، وصورها بقوله: «وكلُّ من وفَّقه اللهُ بهذه الجِهات من الغُرَباء للانفراد، يلتزِمُ إن أحبّ ضيعةً من الضياع فيكون فيها طيب العيش ناعم البال، وينهالُ الخيرُ عليه من أهل الضيعة، ويلتزمُ الإمامةَ أو التعليم أو ما شاء، ومتى سَئِم المقام خرج إلى ضيعةٍ أخرى...»([239]).

وقد كانت هذه دعوة صادقة للأندلسيين بالتوجه إلى الشام، والتفرغ لطلب العلم، لوجود أسباب المعيشة لطالبيه دون عناء يصرفهم عن طلبه، يقول: «فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخُل أيُّها المجتهدُ بسلام، وتغنَّم الفراغ والانفراد، قبل عَلَقِ الأهلِ والأولاد ... ولو لم يكن بهذه البلاد المشرقيَّة كلِّها إلا مبادرةَ أهلِها لإكرامِ الغرباء، وإيثارِ الفقراء لا سيما أهل باديتها، فإنك تجد من يبادِرُ إلى كرم الضيف عجباً، كفى بذلك شرفاً لهم»([240]). وهذا ما يؤكده ابن بطوط حينما زار دمشق إذ يقول: «... وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق، لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة، أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة قرآن...» ([241]).

كما كثرت الربط والزوايا والخانقاهات، فقد وقف صلاح الدين الأوقاف على أول خانقاه عملت بمصر، وهي خانقاه سعيد السعداء ونعت شيخها بـ «شيخ الشيوخ»([242])، ثم بنى الناصر محمد بن قلاوون خانقاه سَرْياقوس، ورتَّب للصوفية والفقراء طعاماً وخبزاً ولحماً([243])، ووقف الشيخ عمر بن عبدالله المغربي زاوية على فقراء المغاربة بأعلى حارتهم في القدس، وأنشأها من ماله([244])، وقد كان نور الدين قد عيّن لهم زاوية بجامع دمشق وأوقف عليها أوقافاً كثيرة، تغل خمسمائة دينار في العام([245]). وكانت كل زاوية بمصر لطائفة معينة من القُرّاء وكان لكل زاوية شيخ وحارس، وطعام أهل الزوايا مرتان في اليوم، ولهم كسوة الشتاء وكسوة الصيف([246]) وأنشئت الربط للصوفية وكان صلاح الدين قد وقف الأوقاف على الدار المعروفة بدار البطرك، وجعلها رباطاً للواردين من سائر البلاد الشاسعة، وللصوفية بحيث يكون شيخٌ منهم، ناظراً عليهم، يصرف عليهم من ريع الجهات الموقوفة([247]).

وقد تولى التدريس والإقراء في هذه المنشآت العلمية الكثير من الأندلسيين الذين كان لهم دور في الارتقاء بالحركة العلمية، وبلغوا شأواً بعيداً في هذا المجال، فلم يكتف هؤلاء العلماء بأخذ العلم وتلقيه وسماعه، بل شاركوا في التدريس، وترأسوا حلقة الدرس، ومنهم المحدث أحمد بن تميم بن هشام الذي خرج من الأندلس إلى المشرق، وبقي يعمل في ميدان الحديث في دمشق حتى وفاته سنة (625هـ) ([248]). كما يعد محمد بن يوسف البرزالي من رحال الحديث المتميزين، إذ خرج من إشبيلية وزار عدة مدن إسلامية، وسمع بالحجاز ومصر والعراق وخراسان ودمشق وقد استقر في دمشق يقرئ الحديث وأفاد الكثيرين إلى أن توفي سنة 636هـ([249]). كما تميز المحدث قاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الشافعي حفيد زكي الدين الذي خرج من إشبيلية في أواخر القرن السابع الهجري، وسمع من عدة شيوخ في الحجاز ومصر ودمشق والقدس وحلب وحماة والإسكندرية، وأجيز من الكثيرين، وانتهى به المطاف إلى دمشق، فأقام فيها وتولى مشيخة دار الحديث في المدرسة الأشرفية([250]).

ومن الأئمة المغاربة بمدرسة الكلاسة الملتصقة بالجامع الأموي التي جددها صلاح الدين الأيوبي، وخصصت للمالكية، أبو الحسن إسماعيل بن أبي جعفر القرطبي وكان قارئاً محدثاً، توفي سنة (631هـ) ([251]). كما عمل أبو الحسن المغربي مؤدباً في المدرسة العادلية بدمشق حتى وفاته سنة (626هـ) ([252]).

ومن المنشآت الحضارية البيمارستانات التي عدها ابن جبير مفخراً من مفاخر الإسلام([253])، ووصف ابن جبير بيمارستان السلطان صلاح الدين في القاهرة بأنه «قصرٌ من القصور الرائعة حُسْناً واتساعاً»([254])، ولهذا البيمارستان قيّم من أهل المعرفة، لديه خزائن العقاقير والأدوية بمختلف أنواعها، وفيه قسم خاص للنساء([255]). وفي دمشق بيمارستان كان قد بناه نور الدين ووقف عليه الأوقاف، وهو وقف على الفقراء والمساكين، ولا يمنع منه الأغنياء إن لم يجدوا دواءً لعللهم إلا فيه([256])، كما جدد البيمارستان في حلب، ووقف عليه الأوقاف([257])، وقد بلغ هذا البيمارستان درجة من التنظيم زمن صلاح الدين الأيوبي([258]).

خدم في هذه البيمارستانات كبار الأطباء، مثل مهذب الدين الدُّخوار([259]) شيخ الأطباء، ونجم الدين ابن اللبّودي([260]) الذي أظهر قدرة في العلوم الطبية، وخدم بعض الأطباء الأندلسيين في هذه البيمارستانات، ولعل أشهرهم ابن البيطار ضياء الدين عبدالله ابن أحمد المالقي صاحب كتاب الأدوية المفردة، والذي تحققت عنده معرفة النبات وصفاته وقد خدم في البيمارستان الذي أنشأه العادل([261])، كما كان الملك الكامل يعتمد عليه في الكثير من الشؤون الطبية([262])، وعمل عبدالمنعم الجِلْياني الذي قدم من جِلْيانَة إحدى مناطق غرناطة في البيمارستان السلطاني أيام صلاح الدين حتى وفاته سنة (603هـ) ([263]).

كما كثرت الحمامات، وقد ذكر أن في الإسكندرية وحدها أربعة آلاف حمام([264]) كما أن الإربلي حينما زار دمشق أعجبه من خصائصها حسن العمائر وكثرة الحمامات، وحسن تقسيم المياه التي تدخل إليها([265]).

وقد كان من اتساع اعتناء صلاح الدين بالمغاربة تعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا لذلك، وتولى المغاربة الحمامات في عكا زمن صلاح الدين، فقد «كان في العسكر أكثر من ألف حمام...، وفي كل حمام يجتمع منهم اثنان أو ثلاثة، ويحفرون ذراعين فيطلع الماء، ويأخذون الطين فيعملون منه حوضاً وحائطاً ويستُرونه بحطب وحَصير، ويقْطعون حَطَباً من البساتين التي حولهم، ويُحَمّون الماء في قدور، وصار حماماً يغسل الرجلُ رأسَه بدرهم وأكثر»([266]).

وكان للمغاربة وجوه واسعة للعمل، بالإضافة إلى عملهم في الحمامات، فقد يكون الواحد منهم ناطوراً في بستان، أو حافظاً لأبواب داخلية، أو أميناً على طاحونة، أو كافلاً لصبيان يؤديهم إلى محاضِرِهم ويصْرِفُهُم إلى منازِلِهم، وقد كانوا يؤتمنون لأنهم قد عَلا لهم صيتٌ، وطارَ لهم ذكرٌ في أمانتِهِم([267]).

لقد أتاح المستوى العلمي والحضاري فرص العيش والعمل للمغاربة، الذين أقبلوا على المشرق لأنهم وجدوا فيه الأمن والانفتاح والرقي والحرص على الرعاية الاجتماعية.

كونت مثل تلك الظروف استعداداً نفسياً للاتجاه إلى المشرق منذ فترة سبقت القرن السابع الهجري الذي تغيرت فيه أحوال الأندلس بصورة واضحة، وإن كانت الأحداث التي سبقت الاجتياح تنذر بمصير الأندلس، إلا أن نية الارتحال إلى المشرق موجودة عند أهل الأندلس لاعتبارات وظروف وقفنا عندها، ويشير ابن بقي الطليطلي (- ت 540هـ) إلى ذلك بقوله:

وَلِي هِمَمٌ سَتَقْذِفُ بي بِلاداً

نَأَتْ إمّا العِراقَ أو الشَّآما

وأَلْحقُ بالأعاريبِ اعتِلاءً

بِهِمْ وأجيدُ مَدْحَهُمُ اهتِماما([268])

ولعل هذا الحنين للاتصال بالأعاريب في المشرق ومدحهم، يؤكد مدى الارتباط الوجداني والتواصل بين المشارقة والمغاربة، وقد وردت إشارة بذلك لتاج الدين السرخسي([269]) من المشرق في رحلة مفقودة له، إذ يقول: «إني وإن كنتُ خُراسانِيّ الطينة، فإني شاميُّ المدينة، وإن كانت العُمومةُ من المشرق، فإن الخُؤولَة من المغرب»([270]).

فلم يقتصر هذا الإحساس بالارتباط والتواصل على الأندلسيين وحدهم أو على المشارقة وحدهم كما تبيّنا، بل هو اتجاه مشترك، يؤكده التواصل العلمي والفكري والأدبي والاجتماعي، الذي سنتبينه في دراسة موضوعات الشعر، وما تحمله من أثر هذا التواصل في مناحٍ شتى.

صفحة 10

علاقة الشعراء بالملوك والسلاطين وكبار رجال الدولة

كان ارتحال الشعراء الأندلسيين من بلادهم، نتيجة اختلال الأوضاع السياسية في الأندلس وغير ذلك من العوامل كما بيّنا في الفصل الأول، وقد ساهمت بيئة مصر والشام الجديدة في توجيه شعر هؤلاء وجهات معينة، نتيجة للأحوال التي عايشوها في موطنهم الجديد. فقد أكثروا من مدح الأمراء والحكام والقضاة والوزراء طالبين منهم النصرة في ديار غربتهم. كما تفاعل الشعراء مع الأحداث السياسية في المشرق، وعبّروا عن نقمتهم على الصليبيين، وامتدحوا قواد المشرق من خلال ذلك.

امتدح الشعراء ملوك الأيوبيين الذين كانت لهم اليد الطُّولى في الإحسان إليهم، بعد أن تباعدت بهم الديار، وأضحوا غرباء ينشدون منهم رفع الضيم فكانوا أوفياء لفضلهم، لديهم الولاء لهم، كما يقول ابن دحية في امتداح الملك الكامل بن العادل الأيوبي (ت 635هـ) بكمال الأوصاف، وعظم الملك وإقامة العدل:

شجَتْني شواجٍ في الغصونِ سواجعُ

ففاضَتْ هوامٍ للجُفونِ هوامعُ

ولا حاكِمٌ أرضاه بيني وبينها

سوى حاكمٍ دهري له اليومَ طائعُ

يدافعُ عني الضيمَ قائِمُ سيفِهِ

إذا عزَّ من للضيم عني يُدافعُ

هو الكامِلُ الأوصافِ والملكُ الذي

تشيرُ إليه بالكمالِ الأصابعُ

وبيضُ أياديه الكريمةِ في الورى

قلائدُ في الأعناقِ وهي الصنائعُ([271])

كان هذا الولاء للأيوبيين ينبع من عدلهم، وحسن معاملتهم واحترامهم للعلماء لا سيما علماء المغاربة، وقد كان ابن دحية قد حظي بمكانة خاصة عند الأيوبيين فقربوا مكانه، وجمعوا له علماء الحديث، وحضروا له مجلساً، وأقروا له بالتقدم، وكان الملك الكامل قد بنى له دار الحديث الكاملية بين القصرين والقاهرة([272]) فقيّده بإحسانه، إذ يقول:

ولو لم يقيِّدني نداكَ لكانَ لي

مجالٌ فسيحٌ في البسيطةِ واسعُ

فأنت الذي لي والأعادي كثيرةٌ

فُويْق مكانِ النَّجمِ في الأفقِ دافعُ([273])

وقد بالغ الشعراء في مدح الأيوبيين حتى شبّهوهم بالملائكة لشدة تقواهم، يقول ابن خروف القرطبي([274]) في مدح الملك الظاهر أبي الفتح غازي بن صلاح الدين صاحب حلب:

شمسُ الهدايةِ في أبناءِ أيوبِ

أختُ النبوَّةِ في أبناءِ يعقوب

هُمُ الملائكُ في زيِّ الملوكِ وهُمْ

أُسْدُ الحُروبِ وأقطابُ المحاريبِ([275])