شــــكر وعرفــان
يقتضي واجب العرفان بالجميل أن أتقدم بالشكر إلى أستاذي الفاضل
الدكتور حكمة علي الأوسي، بما أفادني من علمه وإرشاده فقد ألفيته عالما ومعلما فجزاه الله خير الجزاء.
كما وأشكر إستاذي الدكتور عدنان محمد سلمان لتحمله عناء قراءة كتابي وتقويم ما وقع فيها من هفوات. والدكتور منجد مصطفى بهجت لملاحظاته العلمية القيمة، وما أفدته من مؤلفاته المهمة.
والدكتور عناد غزوان والدكتورة بشرى علي الخطيب والدكتور محسن جمال الدين الذين كان لعرضهم أثر كبير في تخطي الكثير من المصاعب وأسجل شكري الفائق لأستاذي أعضاء لجنة المناقشة الأفاضل الذين لمست منهم الصدر الرحب والتوجيهات العلمية الدقيقة الموضوعية البعيدة عن الأرتجال.
ولا بد لي من القرار بالعرفان لكل من كانت لهم يد العون في إخراج هذا الجهد في صورته الحالية وأخص منهم الأخوة والأخوات العاملين في مكتبة كركوك العامة المركزية والدراسات العليا وقسم اللغة العربية والآداب ومكتبة الجامعة المستنصرية.
أبتهل إلى الله أن يمن عليهم من معين فضله
ومــــــــن اللــــــــه التوفيـــــق
بسم الله الرحمن الرحيم
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي)
صدق الله العظيم
الإهداء
إلى من يتطلع من عليائه، بعد أن زرع في نفسي أرامل
والآباء … إلى روح والدي رحمة الله
وإلى والدتي … حفظة الله لي أملاً في حياتي
وإلى أخي الفاضل نور الله دربه
وإلى زوجتي التي وهبت لي جهدها، والأمل إلى ما كنت
أطمح إليه
إليهم جميعا اهدي هذا الكتاب لعلي أفي ولو بجزء من جميلهم
المؤلف
المقدمــة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين وبعد:
فقد زادت الحاجة في السنوات الأخيرة إلى دراسة الحركة الأدبيالخضم، أندلس بعد أن أعرض كثير من الباحثين العرب عن الولوج في بحرها الخضم، بحجة كونها امتدادا ًللأدب المشرقي. ولم يمنعنا هذا من دراسة الأدب الأندلسي، لإبراز ما يتسم به من جوانب مشرقة، ولأن أدب الأمة كل لا يتجزأ، ولكن يتأثر ببيئته، فلابد أن يتميز الأدب الأندلسي عن الأدب المشرقي ببعض الخصائص والمميزات.
ومن هنا وقع اختياري على دراسة أدبية لجانب من الشعر الأندلسي بعد أن وجدت بين الموضوعات الأندلسية المعتمد في قسم اللغة العربية موضوع الرثاء، إضافة إلى ما أشار علي ًّ به الدكتور محسن جمال الدين باختيار فن الرثاء في عصر ملوك الطوائف، وبعد التداول مع الدكتور حكمة علي الأوسي أستاذ الأدب الأندلسي في القسم استقر الرأي على دراسة شعر الرثاء في عصر ملوك الطوائف؛ لتكامل الشخصية الأدبية للشاعر الأندلسي وظهور شعراء كبار تأثروا بالأحداث المأساوية التي مرت بها الأندلس، زد على ذلك أن مراثي هذا العصر من المصادر المهمة لدراسة الحياة الاجتماعية وتفهم حجم معاناة الشاعر الأندلسي في مأساة وطنه وشعبه وما ظهر في شعر رثاء المدن من تحذيرات واضحة ودلالات قاطعة على حجم الخطر الداهم على الوجه والكيان العربي الإسلامي.
ولا أخفي أن هذا الجانب العاطفي المتغلغل في كياني من بين الأسباب القوية التي دفعتني إلى هذه الدراسة، حين تقدمت إليها في هذه المرحلة الدراسية، ولقيت التشجيع من أستاذي الفاضل فشرعت في الكتاب بعد أن توكلت على الله راجياً منه التوفيق والسداد، لأن يكون جهدي خالصا لوجه الله تعالى.
وقد صادفتني صعوبات جمة، لا أرى موجبا – هنا – لذكرها، لأن الكتاب يتحمل هو وحده العبء فيما تطمح إليه نفسه.
وكنت أهدف من دراستي هذه إلى تقديم صورة ناصحة وثمانينل وجداني الأصيل لقصائد الرثاء المتناثرة في بطون المظان الأدبية، وجمع هذه المراثي لإبراز مواضع الإبداع فيها بعد أن وصم الأدب الأندلسي بالتقليد المطلق ومحاولة مناقشة وجه النظر هذه التي علقت بأذهان باحثينا الأجلاء سنوات طويلة وكان الشعر مادة دراستي، مما دفعني إلى الرجوع إلى أهم مصدر أدبي أحاط بعصر الطوائف هو كتاب الذخيرة لأبن بسام الثنستريني (ت 524ھ)؛ لأستمد مادة الكتاب منه قبل غيره، ثم جمعت قصائد الرثاء من دواوين شعراء هذه الفترة.وبلغ مجموع ما قيل من رثاء في عصر الطوائف سبعا ً وثمانين قصيدة وأربعا ً وسبعين مقطوعة إضافة إلى عدد قليل من الأبيات الرثائية. وقد تعاملت بحذر مع نصوص شعرية قضى أصحابها فترة قصيرة في عصر الطوائف كابن حمديس (ت525 ھ) والأعمى التطيــلي (ت 527) والحكيم أبي الصلت (529 ھ) وأبن خفاجة (529ھ). وحاولت استبعاد القصائد التي قيلت بعد عصر الطوائف.
ولم يكن اعتمادي لمنهج البحث عفوياً ، إذ لاحظت أتفاق المحاور الأساسية في الرثاء المشرق والأندلسي مما يعني تشابه هذين المنهجين، لذا التزمت في هذه الدراسة منهجا يقوم على تحليل النصوص الشعرية، للوصول إلى أهم النتائج، وطرح كل ما لم يوثق علمياً أما معاني المفردات الصعبة فقد اقتضت الحاجة مني الرجوع إلى المعاجم.
وتوجهت هذه الكتاب إلى الشعراء الذين ولدوا وعاشوا فيها، ولم أتعرض لاؤلئك الشعراء الذين ترددوا عليها بين الحين والآخر كالحصري القيرواني وأبن رشيق ودراسة فن الرثاء في عصر الطوائف أول بحث منهجي وآمل أن يأخذ مكانته في المكتبة الأندلسية، مع أن الرثاء الأندلسي درس بشكل عام من قبل الدكتور حسين خريوش الأستاذ بجامعة اليرموك الأردنية – إلا أن هذه الدراسة لم تطبع إلى يومنا هذا لرثاء في الأدب الأندلسي.([1])
مفهوم الرثـــاء
اختلف أهل اللغة في اشتقاق كلمة الرثاء لغة. فمنهم من عدها من (رثأ) المهموز وأنه ((أصلي في دلالته على معنى الاختلاط))([2]) في قولنا ((أرثأ عليهم أمرهم أي أختلط))([3])وقد تقلب الهمزة واوا في ((رثوت الميت))([4]).
وذهب آخرون إلى أنها من (رث ّ) المضعف فهو ((أصل واحد يدل على أخلاق وسقوط))([5]) فنقول ((رث الحبل وغيره يرث رثائه))([6])..
وقال فريق آخر أنها من (رثى) المعتل اجتمع الراء والثاء والحرف المعتل ودل ((على رقه وأشقاق))([7]) كقولنا: رثيت لفلان بمعنى رققت. ومن هنا جاء قولهم (رثى الميت بالشعر). وربما دل على وجع المفاصل([8])، فاصل قياس الكلمة من (رثى) – المعتل الآخر – وتصريفه: رثيته رثيا ورثاء وجمعها مراثٍ ومفردها مرثاة أو مرثية وتعني البكاء وتعداد محاسن الميت ([9]) ورغم اشتقاق الكلمة فأرى أن الجمع بين الحروف – الراء والثاء ويبكي، المقصورة – يعني تغييرا ً حاصلا، إذ يكتسب هذا التغيير أهميته حين يتأثر به الآخرون، فالمهم هو انعكاس التأثير النفسي؛والمعنى الاصطلاحي امتداد للمعنى اللغوي.([10]) إذ هي صرخة محزون أصيب في عزيز على قلبه مما تركه ينوح ويبكي، ويطول حزنه كلما قربت الصلات من الفقيد.
الرثاء الأندلســــــي قبل عصر الطوائــــف
إن ما وصل إلينا من الشعر الأندلسي قبل عصر الطوائف قليل مقارنه مع ما وصل إلينا من نتاجات الشعراء بعد هذا العصر، فان ما وصل ألينا من أشعار شعراء القرنين الثاني والثالث الهجريين ليس شيئا شاملا للنتاج الشعري لهذين القرنين([22]) ؛وفن الرثاء هو الآخر قليل. وأعتقد أن الأندلسيين قالوا المراثي في اتجاهاتها المتعددة إلا أنها ضاعت، أو ما زالت في زوايا الإهمال تنتظر من يزيح الغبار لتخرج محققه.
فهذا أبو عمر أحمد بن عبد ربه (ت328 ھ) تصيبه ألمنيه في أبنه فيحمل قيثارته ليعزف على وتر حزين مظاهر حزنه فيقول([23]):
واكـَـبـدا قد تقطـَّــعتْ
كـَبـــــــــــــــدي
وحرَّقتهــا لواعـِجُ الكـَمـِــــد ِ
ما مات حــــــــيُّ لميتٍ أســَـــفـــــــــا ً
أَعذرُ من والدٍ علىٰ ولــــــــدِ
يا رحمة َ اللهِ جاوري جـَدَثــــــــــــــا ً
دفنتُ فيهِ حـُشاشتي بيـَـــــدي
ثم يقف عاجزا أمام جبروت الموت يستعطفه في شباب ولده متمنيا لو أبقاه:
يا مَوتُ يحيىٰ لقد ذهبتَ بـــ
ليس بزُمـيــلـَةِ ولا نكـِـــــــــــدِ ([24])
يا موتـَهُ لو أقلتَ عـَـــثرتــــَه ُ
يا يـَومَهُ لو تركتـَـهُ لــِـــــــــغَــدٍ
يا مـوتُ لو لم تكن تـُعاجــِلـــــهُ
لكانَ لا شكَ بيضَــــــةَ البلــــــدِ
وفي مقطوعة أخرى تتجسد العاطفة الأبوية في مظهر سار عليه معظم الشعراء بنفاذ الصبر واستمرار البكاء حين يقول:
بليت عظامك والأسى يتجـــــــــــدد
والصبر ينفذ والبكاء لا ينفذ ([25])
وقد يكون في فقد العظماء الأوائل تسلية للشاعر فيما يصيبه من مصائب في قوله:
لم تـُرْزه – لما رُزئنا – وحـدَه
وإن استقل به المنونُ وحيــــــدا
لكن رزئنا القاسمَ بن محــــــمدٍ
في فضلـِهِ والأسود بن يـَزيــــدا
وأبن المبارك في الرقائق مخبرا ً
وأبن المسيّب في الحديث سعيدا
والأخـْفشين فصاحة ً وبلاغـــة ً
والأعشـَيين رواية ً ونشيــــــــدا([26])
وكل نفس متجرعة كأس المنون بزوال الأفراح حيث الأتراح في قوله:
لا بيتَ يـُسكنُ إلا فارقَ السّـكنا
ولا امتلأ فرَحا ً إلا امتلأ حَــزنا ([27])
هذا ما وجدته من قصائد الرثاء في ديوان عبد ربه وكلها في رثاء أبنه – يحيى -.
ثم يطالعنا شاعر أندلسي آخر هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي (ت362) ولم أجد في ديوانه إلا ثلاث قصائد رثاء، وهو في رثائه لا يخرج عن سنة القدماء في افتتاح قصائدهم بالمقدمات([28] ) ؛ومقدماته حكيمة كتمهيد للرثاء، وشعره جزل وهذه الجزالة أضفت على مراثيه جوا من البرودة العاطفية، ومقارنة بسيطة بين مراثيه و مراثي أبن عبد ربه، تجعلنا نلمح بونا ً شاسعا بين الاثنين، وربما يعذر أبن هاني في هذا، لأنه يرثي أولي الأمر.
وأبّن جعفر عثمان المصحفي – وهو كاتب الناصر- عبد الرحمن الناصر-ٍِ فقال:
ألا إنَّ أَياما ً هـَفـَتْ بإمامـــــــها
لجائزة ٌ مشتطـَّة في احتكامها([29])
ويقول محمد بن سعيد بن مخارق الأسدي في رثاء أحد الأمراء: -
لا ساغت الراح لي من كف ساقيها
حتى تقترب نفسي من تمنيها( [30] )
وربما كانت هذه القصيدة دعوة لأخذ الثأر من كونها رثاء لأمير.
ومن خلال هذه المراثي وجدت الآتي:-
1. أن قصائد الرثاء تفتقر إلى حراقراءتها، والتي تثير الأشجان لمجرد قراءيعودوا. عدا رثاء الأبناء عند أبن عبد ربه.
2. الاتجاه إلى الحكمة وسيلة لتخفيف المأساة بالسلوان عمن مضى وكونهم لن يعودوا.
3. يتصف الرثاء بجزالة الألفاظ، وربما يعود ذلك إلى حداثة عهدهم بالفتح أو عدم تبلور شخصية الشاعر الأدبية.
4. تطول المقدمات في افتتاح القصائد ولا سيما لدى أبن هاني الأندلسيخاصة،ر تأثر الشعراء بالقرآن الكريم في ألفاظه ومعانيه.
هذا هو الرثاء قبل عصر الطوائف إذ امتازت مراثي كل شاعر بمميزات خاصة، حتى إذا هلَّ القرن الخامس الهجري برز فن الرثاء وهو يحمل شخصية تعبيرية عن بدء الآلام في فقدان النفس والوطن.
الفصل الأول :(رثاء الإنسان)
1. رثـــاء النفس
2. رثــاء الأهل والأقارب(الوالدين والإخوان والأبناء والزوجات وغيرهم)
3. رثاء الأصدقاء(العلمــاء والشــعراء)
4. رثاء رجال الدولة(الأمراء والوزراء والقواد والقضاة)
تمثل مراثي هذا الفصل الجوهر الحقيقي لفن الرثاء، حين يصب الشاعر مشاعره وأحاسيسه فيما يقوله؛ لذا تلمس الصدق الشعوري والفني في الرثاء الفردي الذاتي فالراثي مهما بالغ في رثائه فأنه يتحاشى مخالفة ما جبلت عليه نفسه من عاطفة رقيقه تجهش بالدموع أذا مس شغاف القلب في عزيز.
ومما سأعرضه صورة صادقة تبرز الشاعر الأندلسي، وهو يعيش النكبة في نفسه وأهله وعائلته، فيبرز حزنه الجاد الذي لا تحده الحدود.