eKtab
EN ع
شعر الصراع بين الإسلام وخصومه في عصر النبوة
اقرأ عينة مجانية

شعر الصراع بين الإسلام وخصومه في عصر النبوة

بقلم د. كمال جبري عبهري

صفحة 1

المقدمة

موضوع هذا الكتاب ((شعر الصراع بين الإسلام وخصومه في عصر النبوة))، وهو بحث معنيّ بكشف أحداث ذلك الصراع الذي احتدم بين الإسلام ومناوئيه عندما ظهرت الدعوة إلى الإسلام، وبإلقاء الضوء على الدور الذي شارك فيه الشعر في ذلك الصراع.

ومما دفعني إلى دراسة شعر هذه الفترة، أنه شعر يرصد أحداث فترة تُعَدُّ – بحق – من أخطر فترات تاريخ أمتنا وأكثرها حَرَجاً، ذلك، أن مصير الأمة كان مرتبطاً بمصير هذه القيم الجديدة التي جاء بها الإسلام.

على أن هناك سبباً آخر، وهو سبب مرتبط بِنَقْصِ الدراسات الجادَّةِ التي تناولت شعر الفترة، فهي دراسات مختصة بسيرة شاعر، أو طائفة من الشعراء الذين عاشوا في عصر الصراع، أو تناولت جانباً معيناً من جوانب الحياة الأدبية لذلك العصر.

وحين عكفت على دراسة شعر الصراع، تَبَيَّنَ لي أن هذا الشعر مرتبط بالأحداث التاريخية، ومتصل بالدين الإسلامي الحنيف، ومن هنا، كان لابد من أن أسلك في دراستي هذه سبيلين متوازيين:

أولهما: يمضي إلى دراسة هذا الشعر، ويرصد الأحداث التي سجلها، وهذا يعني أن الجانب التاريخي في هذا البحث، لا يُستطاع تجاوزه، أو تجاهله وإغفال أثره وتأثيره.

والثاني: يذهب إلى الوقوف على هذا الشعر، وبذل الجهد في تَنْقِيتِهِ مما لحق به من شوائب الانتحال والوَضْع، والطمس واختلاط النسبة، بفعل عوامل وظروف كثيرة، سنعرض لها في مواضعها.

وكان طبيعياً أن نقف في أثناء بحثنا عند المصادر التي عنيت برواية هذا الشعر وحفظه، فتكشّف لنا أن أهم هذه المصادر جميعاً، هو كتاب السيرة النبوية الذي صنّفه عبد الملك ابن هشام، فقد حفظ لنا هذا الكتاب قدراً كبيراً من شعر الصراع، وثمة مصدر آخر، كان ذا قيمةٍ ظاهرة في نقل أحداث فترة الصراع، ورواية بعض أشعارها، ذلك هو كتاب ((تاريخ الأمم والملوك)) لمحمد بن جرير الطبري. ويليه ((أنساب الأشراف)) للبلاذري الذي يحتفظ بثروة طائلة من شعر الفترة وأخبارها.

وتطلَّبت طبيعة البحث منا أن نقف وقفةً طويلة عند المصادر التي تعقَّبَتْ أخبار شعراء الفترة، ورصدت جوانب معينة من حيواتهم، كالأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وكتب تراجم الصحابة كالطبقات الكبرى والاستيعاب وأُسْد الغابة والإصابة التي عرضت بعض الجوانب الهامة لشخصيات الشعراء والأعلام الذين كان لهم دَوْرُهُمْ في الصراع، وورَد ذِكْرهُمْ في النصوص الشعرية.

وتبين لنا في أثناء البحث، أنَّ هنالك ثلاثة أطراف في الصراع، وأن كل طرف منها قد شارك في أحداث الصراع مشاركةً جادةً، وأول هذه الاطراف هم المسلمون، وثانيها مشركو مكة، وثالثها هي القبائل العربية الأخرى واليهود.

وكان من الطبيعي أن يتصدّى شعراء كل طرفٍ للدفاع عن معتقداتهم وأفكارهم، ومهاجمة خصومهم والنيل منهم. ومن هنا، فسوف نجد أنفسنا بإزاء ثلاث طوائف من الشعراء: شعراء المدينة، وشعراء مكة، وشعراء القبائل واليهود.

ووجدنا أن الصراع قد اتَّخذ مَظْهَرَيْنِ مُتَمَيّزَيْنِ: مظهراً حربياً تمثَّل في الغزوات والمعارك التي دارت رحاها بين أطراف الصراع على أرض الجزيرة. ومظهراً فكرياً تجلّى في التصدي للخصوم وتفنيد مزاعمهم، والترويج للمباديء والمعتقدات التي يؤمن بها كل طرفٍ من هذه الأطراف المتصارعة.

وقد واكب الشعر هذه الغزوات وسجّل أَحداثها، ورصد أخبارها. ولذلك، سوف تحظى الغزوات بنصيب وافر من هذه الدراسة. وسبب ذلك، أنها كانت الحافز الرئيسي إلى القول، والعامل الأساسي في تنشيط الثروة الأدبية عند شعراء الصراع.

ولما كانت الفترة التي عاشها شعراء الصراع فترة حربٍ واقتتال، كان بديهياً أن يتميز الشعر الذي صدر عنهم بموضوعات معينة ذات صلة وطيدة بالغزوات وظروفها وأحداثها. وكان بديهياً أيضاً أن تغيب موضوعات أخرى لا تَمُتُّ لظروف الحرب بسبب، كموضوع الغزل مثلاً.

وسوف نرى أن هذه الموضوعات تَتَّسِمُ بسمات عامة تَسِمُها – في معظمها – وتُفرد لشعر الصراع – من ثَمَّ – شخصية متميزة تميزه عن أقرانه من الشعر العربي.

وبهذا، فقد رأينا أنَّ دراستنا لشعر الصراع ينبغي أنْ تتوزَّعَ على فصول خمسة، يتصدَّرها تمهيد، وأن ينفرد التمهيد بالدراسات السابقة لبعض جوانب الفترة، وبموقف الإسلام من الشعر والشعراء.

 

صفحة 2

التمهيد

الدراسات السابقة

حين عكفت على دراسة الفترة التي نشب فيها الصراع بين الإسلام وخصومه في عصر النبي الكريم، وجدت أنها فترة غنية بالثروة الأدبية. وحين جئت أتعرف على الدراسات التي تناولت هذه الفترة، والجهود التي بذلت في سبيل ثروتها الأدبية، وجدت أنها قليلة. وهي - على قلتها – لم تستهدف دراسة الفترة لذاتها، وإنما تناولت جانباً منها، أو درست ظاهرة من ظواهرها، أو عالجت بعض أحداثها الهامة. واتخذت بعضها من الفترة جسراً تعبر عليه من العصر الجاهلي إلى العصر الأموي، وأنصبَّ جهد بعضها الآخر على دراسة الشعراء البارزين فيها، وكأنْ لم يكن لهذه الفترة التاريخية الخطيرة من المكانة والاعتبار ما يستحق الوقوف عندها، والتفرغ لدراستها دراسة شاملة تتناول جميع جوانبها، وتتعرف اتجاهات شعرها وظروفه وخصائصه الأدبية.
وحين ذهبت أتلمس الأسباب التي صرفت الدارسين عنها، وجدتُ أن أولها هي تلك الفكرة الخاطئة التي شاعت في أوساط الباحثين، وهي فكرة تزعم أن الدعوة الإسلامية قد ناوأت الشعر، وأن القرآن الكريم قد حارب الشعراء، وهاجمهم في أكثر من موضع[1] ناظرين إلى آيات سورة الشعراء التي تقول: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون)( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ) دون النظر إلى هذه الإستثناء الذي جاء بعدها في قوله: ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ).
وثاني هذه الأسباب أن الفترة تقع بين فترتين كبيرتين وغنيتين بالثروة الأدبية، هما: الفترة الجاهلية والفترة الأموية، فعدُّوها لذلك فترة انتقال قصيرة من عصرٍ إلى عصر. وما دامت الظواهر الأدبية لا تظهر ولا تتكامل في فترات الانتقال فقد صدّوا عنها وأهملوها. بل وذهبوا إلى أكثر من ذلك فَعَدَّوها هي والفترة التي عاشها الخلفاء الراشدون ضمن الفترة الأموية، فكان نتيجة لذلك أن طُمِسَت معالمها الأدبية، وأصبحت لا تثير الاهتمام والانتباه.
وثالث هذه الأسباب، هي عبارات الشك في بعض شعر الفترة التي أثبتها بعض القدماء في كتبهم وبخاصة ما ورد منها على بعض صفحات السيرة، التي اتخذ منها بعض الباحثين من المستشرقين وغيرهم من أمثال مرجليوث، وبلاشير[2] سبيلاً إلى التشكيك في جميع ما روى ابن إسحاق من شعر السيرة، وقرروا أنها وضعت من أجل الكتاب. وهذه الأسباب وغيرها جعلت الباحثين ينصرفون عن الفترة ويتهيبون من دراستها.
ومع وجود هذه الأسباب فقد قامت هناك دراسات حول شعر الفترة، لعلَّ أولها تلك الدراسة التي قام بها نالينو في كتابه ((تاريخ الآداب العربية)) فقد قام بتصنيف الشعراء – تبعاً لمواقفهم من الإسلام – إلى ثلاثة أصناف:
أولها: الشعراء الذين قالوا الشعر في مدح النبي سواء أسلموا أم لم يسلموا، مبيناً أن أكثرهم وأشهرهم من أهل المدر الذين كانوا يفدون في الجاهلية على الملوك، ككعب بن زهير والأعشى وحسان بن ثابت.
وثانيها: الشعراء الذين قالوا الشعر في رثاء قتلى الكفار وهجاء النبي، وأغلبهم من أهل مكة وأشهرهم: عبد الله بن الزبعري، وضرار بن الخطاب الفهري، والحارث بن هشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب.
والثالث: الشعراء الذين أسلموا ولم يهتموا في أبياتهم بأمور النبي والدين، وهم اكثر شعراء أهل البادية كمتمم بن نويرة اليربوعي وأبي محجن الثقفي، وجرول بن أوس الحطيئة، والشماخ بن ضرار الذبياني، وأخويه مزرّد وجزء، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والهذليين: أبي خراش خويلد بن مرة وأبي ذويب خويلد بن خالد.
وقد أغفلت هذه الدراسة حشداً كبيراً من الشعراء الذين شاركوا في الصراع فلم تحفل بذكرهم، ومن هؤلاء: كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة الأنصاريان اللذان شاركا مشاركة فعالة في الصراع مع المشركين، وأغفلت كذلك شعراء المهاجرين في مدينة الرسول كأبي أحمد بن جحش وأخيه عبد الله، وعبد الله بن الحارث السهمي، وغيرهم، وتجاوزت شعراء آخرين – غير هؤلاء وهؤلاء – شارك شعرهم في الصراع، منهم المكّيون كأبي سفيان بن الحارث، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعمرو بن العاص وغيرهم، ومنهم من كان بالطائف كأمية بن أبي الصلت ومالك بن عوف النصري، ومنهم شعراء اليهود مثل: كعب بن الأشرف وسماك وغيرهما، أما النساء الشواعر فلم نجد لهن ذكراً في هذه الدراسة.
ومع ما في دراسة نالينو من نقصٍ وتقصير إلا أنها كانت دراسة رائدة فتحت عيون الباحثين على أهمية الفترة، فاستتبعتها دراسات أخرى تناولت كل منها جانباً معيناً منها.
من تلك الدراسات ما قام به الدكتور احمد الشايب في كتابيه ((تاريخ الشعر السياسي)) و ((تاريخ النقائض في الشعر العربي)) ففي الباب الثاني من الكتاب الأول تناول دراسة الشعر في صدر الإسلام، فكشف عن ملاحظات قيّمة منها: اتجاه الشعر في هذه الفترة إلى القرى كالمدينة ومكة والطائف، واستيقاظ الشاعرية القرشية، وانقسام شعراء القبائل إلى فئتين: إحداها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم- والأخرى عليه، ومشاركة النساء في مجال الصراع. كما عرض لموقف اليهود من الإسلام، وأورد في أثناء حديثه شواهد شعرية لبعض شعراء الصراع وشواعره، ولاحظ كذلك كثرة الشعر المنحول الذي حمل على شعراء هذه النهضة الدينية من مدرستي: مكة والمدينة، وأشار إلى طمس الشعر الذي هُجِيَ به الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون.
وعندما تناول الناحية الفنية، لاحظ اختلاف تأثير الإسلام في أساليب الشعراء المخضرمين الذين ظهر عليهم وهم يقولون الشعر كالحطيئة ولبيد والخنساء وكعب بن زهير وحسان بن ثابت، ثم قام بتقسيم فنون شعر الفترة إلى قسمين: ضعيفٍ غثّ ٍ وقويّ ٍ وأورد بعض النماذج الشعرية ثم قام بتحليلها.
وصفوة القول، فإن الأستاذ الشايب قد نهج في تفسير شعر الفترة نهجين متقابلين: اتجه الأول منها إلى هدف هذا الشعر وغايته الذي أُنشيء في سبيله، أياً كان هذا الهدف، حزباً سياسياً أو قبيلاً عربياً أو شعباً أجنبياً أو مذهباً حكومياً.
واتَّجَهَ الثاني إلى فنونه المعروفة كالفخر والحماسة والوصف والهجاء والنسيب، ورأى أنها تتجه إلى شخص أو قبيلة أو حزب أو أمة، تصور ما لها وما عليها في رأي التاريخ الحقيقي أو رسم التصوير الخيالي.

صفحة 3

أما كتابه ((تاريخ النقائض في الشعر العربي)) فاسمه يدل عليه، إذ هو دراسة تاريخية للنقائض من الجاهلية حتى نهاية العصر الأموي، وقد خصص الباب الثاني من الكتاب لدراسة النقائض في صدر الإسلام، ثم قام بتقسيمه إلى ثلاثة فصول تناول في أولها: عصر النقائض الإسلامية الأولى، فرأى أن هذه النقائض تتغير معانيها وموضوعاتها وأساليبها وغاياتها، ولكنه مع ذلك رأى أنها تشبه النقائض الجاهلية من وجوه أخرى، ثم عرض لموقف القرآن من المناقضة، وأوضح دوره في ذلك.
وأفرد الفصل الثاني لدراسة النقائض والغزوات، فاتَّبعَ في دراسته التسلسل التاريخي، حيث بدأ بغزوة بدر وانتهى بغزوة حنين، ثم تحدَّث في نهاية الفصل عن الوفود والمناقضة، وخصص الفصل الثالث للدراسة الفنية فاعتبر أن فترة البعثة امتدادٌ لعصر الجاهلية فنياً، ولاحظ أن أسلوب التناقض فيها ما بين جاهلي محافظ وآخر مضطرب، وثالث: مبعوثٌ بعدما كان خافتاً.
ودراسة الأستاذ الشايب – على خطورتها – دراسة مجملة، فرضتها عليه طبيعة بحثه، ثم لم تدرس الفترة لذاتها وإنما تناولتها من خلال عرضها التاريخي للشعر السياسي، وشعر النقائض فاكتفت بإبراز أحداثها الهامة والحديث عن شعرائها المشهورين.
وتناول الدكتور شوقي ضيف شعر الفترة في أكثر من كتاب، فذكر في الجزء الأول[3] من كتابه ((الشعر الغنائي في الأمصار الإسلامية)) الحرب اللسانية بين شعراء الأَنصار وشعراء مكة ولاحظ أن هذه الحرب قد توقفت بعد الفتح واختتم حديثه عن الفترة بأن الشعر قد ضعف بسبب إقلاع بعض الشعراء عن قوله وانصراف الناس عنه إلى الفتوح وتمصير الأمصار، إلا طائفة قليلة أخذت تقوله كما كانت تفعل في الجاهلية وعلى رأسهم الحطيئة.
وتطرق إلى شعر الفترة في الجزء الثاني[4] من الكتاب نفسه، فرأى أن الصراع بين الإسلام وخصومه قد اتخذ مظهرين: أولهما حربيٌّ في بدر وأحد والخندق وغيرها من الغزوات، والثاني أدبيٌّ في أهاجٍ كانت مكة والمدينة جميعاً تتقاذفان سهامها ونيرانها، ثم ذكر أهم الشعراء والشواعر الذين شاركوا في الصراع دون أن يذكر شيئاً من أشعارهم، فيما عدا بيتين لعبد الله بن الزبعري ومقطوعة لقتيلة بنت النضر، ثم قرَّرَ بعد ذلك كثرة الشعر وغزارته، واستمراره على ذلك في عصر صدر الإسلام.
ومما هو جدير بالملاحظة أن هذا القول يناقض ما سبق أن قاله في الجزء الأول من الكتاب.
وفي التمهيد لكتابه ((التطور والتجديد في الشعر الأموي)) تحدث عن شعر الفترة حديثاً مجملاً قرَّر فيه بأن الشعر في عصر النبوة قد تأثر بالإسلام بقدر محدود، وأَرجع سبب ذلك إلى تمسك شعراء العصر بالمثالية الجاهلية في النظم والصياغة والتفكير مما أبقى على فنون الشعر على أسلوبها الجاهلي سواء في الهجاء أم في المديح ودلّلَ على صحة رأيه بمديح كُلّ ٍ من كعب بن زهير وحسان بن ثابت للنبي الكريم.
وخصص بعض الفصل الثالث من الكتاب الأول من كتابه ((العصر الإسلامي)) لدراسة شعر الفترة، فأشار إلى كثرة الشعر والشعراء وذكر بعض شعراء المعارضة الذين وقفوا في وجه الإسلام من قريش واليهود وبعض القبائل ثم عرض لبعض فنون هذا الشعر وبخاصة المديح والرثاء فأورد نماذج شعرية لبعض الشعراء في مديح الرسول الكريم ورثائه، وفي رثاء قتلى المسلمين والمشركين، وانتهى من دراسته هذه إلى القول بأن الشعر في عصر الرسول الكريم كان كثيراً، وأن بعض هذا الشعر منحول، وختم حديثه بقوله[5]: ((.. وحينما يُصَفَّى ويُقابَلُ عليه ما ارتضاه ابن سلام وغيره من الرواة الموثوق بهم، نجدنا أمام ملحمة ضخمة تَعاوَن في صُنْعِها عشرات من الشعراء والشاعرات)).
ودراسة الدكتور شوقي لشعر الفترة دراسة موجزة وهي على إيجازها لم تقصد الفترة لذاتها، وإنما عرضت لها في صفحات قليلة من كل كتاب، تناولت فيها أهم شعرائها، كما تناولت بعض ظواهرها كظاهرة الانتحال، وظاهرة ازدهار الشعر أو ضعفه. أما الشعراء المغمورون، وأما خصائص هذا الشعر وبعض موضوعاته، ومدى تصويره للأحداث، فلا نجد لها ذكراً في هذه الدراسات.
ومن أشد هذه الدراسات صلة بالفترة، تلك الدراسة التي قام بها الدكتور يحيى الجبوري في كتابيه: ((شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه)) و ((الإسلام والشعر)) ففي الكتاب الاول نهج في دراسة شعر المخضرمين نهجين: أولهما: دراسة هذا الشعر من حيث موقفه من الإسلام، ومن حيث البيئة، والثاني دراسته زمنياً.
وحين عرض لبيئات شعر المخضرمين رأى أنها تنحصر في المدينة ومكة والطائف والبادية والقرى اليهودية، فوقف عند كثير من شعراء هذه البيئات، مبيناً أثر الإسلام في أشعارهم، وحين قام بدراسة هذا الشعر زمنياً، خصَّ الشعر زمن الرسول بالفصل الأول من الباب الرابع، فدرس هذا الشعر دراسة موضوعية مبيناً مدى تصويره للغزوات الكبرى كبدر وأحد والخندق والفتح وحنين، وللأحداث الهامة كالوفود ووفاة الرسول ويوم السقيفة.
ولاحظ من خلال دراسته أن هناك ثلاث ظواهر تبدو على شعر الفترة هي: ضعفه وطمسه والشك فيه، ثم الْتَمسَ الأسباب التي أدت إلى ذلك.
وعلى أهمية هذه الدراسة، فإن منهجها في البحث قد ألزمها بتعقب شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه، فصرفها هذا المنهج عن دراسة شعر الصراع بين الإسلام وخصومه دراسة مستانية مقصودة لذاتها، فأغفلت لذلك، ذكر بعض الشعراء المشهورين كأبي طالب ابن عبد المطلب، وكثيراً من الشعراء المغمورين، كما أغفلت مبلغ تصوير هذا الشعر لكثير من الأيام والغزوات، كيوم الرجيع ويوم بئر معونة وغزوة بني النضير، وبدر الآخرة ومؤتة وغيرها. ومدى تصويره لبعض الأحداث الهامة كالبيعة والهجرة. وصرفها منهجها أيضاً عن معالجة خصائص شعر الصراع معالجة عميقة فعرضت لهذه الخصائص عرضاً موجزاً، وتخفَّفَتْ من الحديث عمّا جَدَّ من موضوعاته الشعرية، وصمتت عن ذكر أشكاله وأوزانه وصوره.
أما في كتابه الثاني ((الإسلام والشعر)) فقد عرض لموقف الإسلام من الشعر فلاحظ أنَّ هذا الموقف قد سار في مرحلتين زمنيتين، أولاهما: قبل الفتح حيث دفع الإسلام الشعر في سبيل أهدافه وأَشركه في الصراع الحربي بين مكة والمدينة، فشجعه ووجهه وسدَّدَ خُطاه.
وثانيهما: بعد الفتح حيث نهى فيه نزعته الهجائية أو العودة إلى ذكر الشعر الذي من شأنه أن يبعثَ الضغائن، ويثير الأحقاد كالذي قيل بالأمس القريب بين شعراء مكة وشعراء المدينة.
وقد رأى أن الشعر في عصر النبوة كان مزدهراً واستدل على ذلك بقيام فنّ المناقضات الحربية، وفنّ ِ الرثاء الذي تثيره الحرب، ثم فنَّ الحماسة الذي ينظمه كل من المنتصرين والمنهزمين. ومن الناحية الفنية زعم أن الشعر في هذه الفترة إنما هو جاهلي لبس لباس الإسلام؛ لأن شعراء الصراع لم يهجروا ما درجوا عليه من نهج وأسلوب قديمين.

صفحة 4

وحين كتب الدكتور محمد محمد حسين عن الهجاء الديني في كتابه ((الهجاء والهجاؤون في الجاهلية)) لم يقصر اهتمامه على فن الهجاء الذي تمثّلَ في شعر الحطيئة وحسان بن ثابت فحسب، وإنما عني بدراسة الشعر ومدى تأثره بالإسلام، فرأى أن الإسلام لم يتمكن من الإجهاز على العصبية القبلية المتأصلة في نفوس العرب أو حتى دحرها فقد استمرت عند الأعراب خاصة، ودلَّلَ على مذهبه هذا بسلوك الوفود مع الرسول وبعصبية حسان اليمنية وشطحاته في الإسلام، وبحركة الردَّة.

وعندما عالج الناحية الفنية لاحظ – أول ما لاحظ – أن شعراء المسلمين ومنهم حسان لم يستطيعوا أن يصوغوا المعاني الإسلامية في أشعارهم إلا بطريقة متكلفة قوامها نقل الآيات ونظمها نظماً فاسداً، ثم وازن بين أسلوب الهجاء في القرآن الكريم، وأسلوب الهجاء عند الشعراء، فوجد أن الأول يقوم على قِيَمٍ أخلاقية واجتماعية جديدة ويلتزم الحجج المنطقية والاستشهاد بالتاريخ في تصوير ضلال المنافقين والمعوقين بينما بقي الثاني يصطنع الأسلوب القديم في نهش الأعراض وقَذْفِ الناس بأحسابهم وأنسابهم.

وهناك دراسات سريعة موجزة تناولت جوانب معينة من الفترة، أو عالجت موضوعات وثيقة الصلة بها، من تلك الدراسات مقالات الأستاذ محمد أحمد خلف الله التي جمعها في كتابه ((دراسات في الأدب الإسلامي))، وقد تحدث في أحد فصوله عن أدب الجهاد في سبيل الله فعرض فيه لآيات الجهاد التي نزلت في سرية عبد الله بن جحش وفي غزوتي بدر وأحد ثم قام يتحليلها مبيناً ما فيها من روعة الفنّ وجمال التعبير وقوة الأداء.

وخصص فصلاً آخر تحدث فيه عن حسان بن ثابت في جاهليته وإسلامه فكشف عن جهوده في سبيل الدين الإسلامي والعمل على نشره.

وعرضَ طه إبراهيم لشعر الفترة في كتابه ((تاريخ النقد الأدبي عند العرب)) فقرر أن الشعر في صدر الإسلام كان ضعيفاً. وحدَّدَ طه الحاجري في كتابه ((في تاريخ النقد والمذاهب الأدبية))وَضْع الشعر في عصر صدر الإسلام وعَيَّن وجهته وخصائصه وظروفه، فلاحظ أن الأحداث الإسلامية قد أثرت عليه، ورأى أن النظام الجديد قد أضعفه، وأرجع سبب ذلك إلى سيطرة روح الجهاد على الحياة الإسلامية التي استغرقت جميع الهمم، واستحوذت على جميع القوى.

وعالج الدكتور نجيب البهبيتي في كتابه ((تاريخ الشعر العربي)) وَضْعَ الشعر في عصر صدر الإسلام بسرعة وإيجاز شديدين، فلاحظ ما اعتراه من ضعف وهزال، وأشار إلى أثر القرآن في ذلك.

وتناول الدكتور ناصر الدين الأسد قضية الشكّ في صحة الشعر الإسلامي في كتابه ((مصادر الشعر الجاهلي)) فعرض – أول ما عرض – لشكوك القدماء كابن سلام وابن هشام وابن النديم في الشعر الذي ورد في السيرة، وسجَّل مآخذهم على ابن إسحاق ثم بحث قضية الوضع والاختلاق في الشعر الجاهلي والإسلامي عند القدماء والمحدثين وأورد الردود التي قامت حولها.

ولدى دراسة الدكتور سيد حنفي لحسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم تناول جانباً من الحياة الإسلامية في عصر النبوة، فأشار إلى صلة المدينة بالإسلام، وإلى صلة حسان بالدين الجديد، ثم عرض لشعر حسان الإسلامي، ورصد دوره في الصراع بين المدينة ومكة.

وقبل أن نختتم الحديث عن الدراسات السابقة للفترة يجدر بنا أن نشير إلى كتاب ((ديوان كعب بن مالك الأنصاري)) للدكتور سامي العاني، فبالرغم من أن هذه الدراسة معنية بدراسة كعب إلا أنها تناولت البيئة المدنية في ظل الإسلام. وحين عرضت لشعر كعب كشفت عن اختلاط شعره بشعر غيره، وبخاصة حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة لأنهما اشتركا معه في أغلب مناسبات شعره ثم وقفت عند الحملات والانتقادات التي تعرض لها الشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق، فحاولت أن تدفع التهمة عن شعر كعب الذي ورد فيها.

أما بعد، فهذه أهم الدراسات التي قامت ولها صلة بشعر الصراع في عصر النبوة سواء من قريب أم من بعيد. وقد بذلتُ جهدي في أن أوردها موجزة إيجازاً مفهماً، على أن ألاّ يجور على نصيب هذه الدراسات من البحث والدراسة.

أما دراستنا هذه فتضطلع بدراسة شعر الصراع في عصر النبوة، وقد رأت أن ظواهر هذا الشعر جميعها من ضعفٍ وقوةٍ، أو انتحال واختلاط، وأن اتجاهاته ومذاهبه وخصائصه كل ذلك مرتبط بالأحداث الهامة في هذا العصر، فقد شهد العصر ظهور الدين الإسلامي، وشهد قيام الدولة الإسلامية في المدينة وشهد كذلك الصراع الدامي بين الإسلام والكفر. وحملت سنوات الصراع كثيراً من الأحداث التاريخية الكبرى، وانتصر فيها الرسول- صلى الله عليه وسلم- على خصومه ومناوئيه جميعاً، فلابد إذن من أن ننظر إلى شعر العصر من ناحية ارتباطه بالمبدأ الإسلامي الجديد سواء أكان ذلك في خدمته والدعوة له ومهاجمة مناوئيه، أم في معارضته ومعاداته والوقوف في سبيله، فالشعر كله إنما قيل بسبب هذا الدين السماوي الجديد.

أما الأحداث السياسية التي شهدتها الجزيرة العربية في عصر النبوة، فإن الشعر قد واكبها، ورصد أخبارها، فقد كانت الغزوات والسرايا هي البيئة الصالحة التي نما فيها، ووُلدت فيها موضوعاته وفنونه، كما كانت الغذاء الدسم الذي أَمَدَّه بالحيوية والقوة، فالأحداث التاريخية – ولا شك – أثَّرت في الشعر والشعراء قوة وضعفاً وازدهاراً وخمولاً وشكّاً وضياعاً واختلاطاً، ومن هنا فلا يمكن أن ندرس هذا الشعر بمنأى عن الأحداث.

أما بيئات هذا الصراع فهي المدينة ومكة والطائف والقرى اليهودية وسائر الجزيرة العربية، وأما أطرافه، فالمسلمون – مهاجرين وأنصاراً – في المدينة من جهة، وقريش واليهود وسائر العرب من جهة أخرى. وعلى هذا فإن شعر الصراع قد سار في اتجاهات عدة، ومثَّل بيئات مختلفة. وعلى هذا، فلابد من ملاحقته واستقصائه لرصد اتجاهاته وميوله وأهدافه وغاياته، والوقوف على خصائصه وقيمه وطوابعه، والنظر في مدى قدرته على نقل الواقع الذي وُجد فيه، ومدى نجاحه في أداء دوره والاضطلاع بمهمته، وتصوير الأحداث التي واكبها.

فدراسة شعر الصراع إذن مرتبطة بالدين الإسلامي ،كما هي مرتبطة بالأحداث التاريخية التي نتجت عن هذا الدين فغيَّرَت، وجه الحياة العربية وطرق التفكير فيها.

ولكن هذا الشعر كان – ولا يزال – يعيش حياة الشك والاختلاط والضعف والضياع. وعلى هذا، فإن منهجنا في تناوله يقوم على النظر لملاحظات العلماء السابقين الأثبات، وأخذ تنبيهاتهم بعين الاعتبار، ومناقشة هذه الملاحظات والتنبيهات قبل إثبات النتائج، فلا يمكن أن نطمئن بحال إلى شعر نبَّه على زيفه الأقدمون الثقات، وحام الشك من حوله.

أما الرواة المتهمون فنقبل رواياتهم بعد تعقبها وتمحيصها والتحقق من إسنادها – إن وجد – أو موافقتها لرواية راوية ثقة. ونقوم بعرض الشعر على الأحداث الإسلامية، والأحداث التاريخية ،فإن وافقها قبلناه وبنينا عليه النتائج والأحكام وإلا رفضناه، كما نعمد إلى موازنة هذا الشعر بما صحَّ من شعر كل شاعر، وبما يتوفر بين أيدينا من دواوين، فإن لم يوافقه، أعرضنا عنه وتركناه. وسوف نحاول عرض الشعر الذي اختلطت نسبته على المصادر التي عُنيت برواية شعر الصراع ،ثم نقوم بالتحقق من قائل النص الحقيقي، وأصالة هذا النص لفترة الصراع ،فما صحَّت لنا نسبته أو ثبتت لدينا أصالته قبلناه.

ونعلن بعد هذا كله ،أن ما نتوصل إليه من نتائج وأحكام ليست يقينية أو قاطعة، لأن اليقين والقطع لا يتوفران في مثل هذه الدراسات، وفي مثل هذه الفترة الدقيقة من التاريخ التي نتناولها بالبحث والدراسة، وبخاصة بعد أن رأينا أن الشك والضياع ظاهرتان ملازمتان للشعر في هذه الفترة، وإنما تبقى أحكامنا – في نظرنا – صحيحة حتى يطرأ من الأبحاث العلمية ما يثبت تقصيرها أو زيفها.

وقبل أن نتناول هذا الشعر بالدراسة نقف عند الإسلام لنستطلع رأيه في الشعر والشعراء ثم نمضي بعد ذلك على طريق البحث لنستكمل ملامح الصورة الأدبية لهذه الفترة.

صفحة 5

مصادر شعر الصراع

شهدت فترة الصراع في عصر النبوة نهضة أدبية قوية، اضطلعَ بها كثير من الشعراء والشواعر الذين عاشوا الفترة، وشهدوا أحداثها، وشاركوا فيها مشاركة فعالة ومباشرة.

وعلى الرغم مما تعرض له شعر هذه الفترة من الضياع والتفريط، فإن المصادر الإسلامية القديمة قد احتفظت بكمية وافرة منه. وحين قمنا باستقراء هذه المصادر، والبحث عما ورد فيها من شعر الصراع، وجدنا أن ما فيها من هذا الشعر يختلف قلة وكثرة تبعاً لموضوعاتها ومناهج أبحاثها، وأول هذه المصادر:

أولاً: المصادر الدينية

ونعني بها كتب التفسير والحديث وغيرها من الكتب الوثيقة الصلة بالأبحاث الشرعية، وقد وجدنا أن كتب التفسير من أكثرها احتفالاً بإيراد الشعر، إذ يستعين به المفسر لتسهيل مهمته في تبسيط معنى الآيات، وشرح ما غمض من الألفاظ. ويستشهد به على مناسبة معينة كنزول بعض الآيات، أو في أثناء الحديث عن الجهاد، وما إلى ذلك. ويورد المفسر في العادة بيتاً أو بيتين للشاعر، وقد يورد له في بعض الأحيان عدة أبيات، إذا كان ذلك يخدم غرضه، أو يرضي ذوقه.
ومن كتب التفسير التي أفدنا منها: الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت:671هـ)، فقد أورد لنا شعراً لزهاء أربعة وثلاثين شاعراً وشاعرة من شعراء الصراع، وذلك للتدليل على صحة مذهبه في التفسير، أو بمناسبة ذكره لنزول بعض الآيات.
والشعر الذي أورده القرطبي لم يكن ليتجاوز البيت الواحد أو البيتين للشاعر إلا في القليل النادر، فقد رأيناه في بعض الأحيان يثبت النص كاملاً[6] وكان حسان أوفر شعراء الصراع حظاً عنده، فقد أورد له ما يقرب من سبعين بيتاً.
وتبرز قيمة كتابه في أنه حفظ لنا نصوصاً من شعر الصراع لم نجدها في كثير من مصادر هذا الشعر الرئيسية ككتب السير والتاريخ[7].
أما كتب الحديث فهي أقل حظاً من سابقتها، إذ لم نجد فيها إلا شعراً قليلاً، لأن عناية الجامع كانت منصبة على جمع الأحاديث فحسب، فهو لا يورد الشعر إلا إذا كان جزءاً من حديث. ومن هذه الكتب، كتاب المسند للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت:231هـ)، وكتاب الجامع الصحيح للإمام عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت:256 هـ)، وكتاب الصحيح لأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري (ت:261 هـ).
وقد حملت لنا هذه الكتب شعراً لبعض شعراء الصراع، المكثر منهم والمقل، والمشهور منهم والمغمور. وكان صحيح البخاري أكثرها رواية لهذا الشعر، فهو قد روى ستة عشر نصاً لثلاثة عشر شاعراً. وتكتفي هذه الكتب – في الغالب – برواية بيت أو أبيات قليلة، وقد يطالعنا جامع الحديث برواية النص كاملاً [8] أو بإيراد أبيات كثيرة منه[9] أحياناً. ومما تجدر الإشارة إليه أن كتب الحديث هذه قد عنيت برواية شعر المسلمين، فقلَّ أن تجد فيها نصاً لشاعر من شعراء أطراف الصراع الأخرى[10].
ومن المصادر الدينية التي أفدنا منها أيضاً كتاب ((الأحكام السلطانية)) لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت:450هـ)، وكتاب ((أسباب النزول)) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت:468هـ)، فقد أثبت النيسابوري عشرة نصوص من شعر الصراع في أثناء حديثه عن مناسبات نزول بعض الآيات الشريفة، أكثرها لحسان ابن ثابت، بينما أورد الماوردي تسعة عشر نصاً لجميع أطراف الصراع، منها نصوص لم ترد في السيرة، وفي كثير غيرها من مصادر شعر الصراع[11]
وتبرز قيمة الكتب الدينية في أن أكثرها يورد الشعر مشفوعاً بالسند، كما أن مؤلفيها يتحرون الصدق والأمانة والتحوط في جمع مادتهم. ومن هنا فنحن نطمئن إلى ما ورد فيها من شعر الصراع أكثر من اطمئناننا إلى ما ورد منه في الكتب الأخرى. ولكن قلة ما حملته لنا من شعر الصراع، لم تغننا عن البحث في مصادر أخرى غيرها.

صفحة 6

المصادر اللغوية

ونقصد بها كتب النحو والمعاجم اللغوية. ولدى استقرائنا بعض هذه المصادر، تبين لنا أن كمية الشعر التي وردت فيها أقل مما ورد في غيرها. ويبدو ذلك واضحاً في كتب النحو، فالنحوي حين يورد شعراً، لا يعنيه قائله، ولا يجهد نفسه بالتحري عنه، والتحقق من نسبته. وكل ما يعنيه أن يكون هذا الشعر مما يجوز الاستشهاد به، ومن هنا، نراه أحياناً يورد بيت الشعر دون أن يذكر قائله، وقد يضطلع تلاميذه أو شُرَّاح كتابه بهذه المهمة، فيوضحون البيت الشاهد وينسبونه إلى قائله.
ومن هذه الكتب ((الكتاب)) لعمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه (ت:179هـ) و ((خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب)) لعبد القادر بن عمر البغدادي (ت:1093هـ). وقد أورد سيبويه أبياتاً كثيرة من شعر الصراع، ولكن الأبيات التي أوردها كانت مفردة، لأن عنايته منصرفة إلى إثبات البيت الشاهد على المسألة النحوية التي يبحثها. أما البغدادي، فقد كان عالماً بالأدب والتاريخ والأخبار، مولعاً بالأسفار، فاجتمعت له من ذلك مكتبة عامرة. قال في مقدمة كتابه[12]: ((وكنت ممن مرن في علم الأدب حتى صار يلبيه من كثب، وأفرغ في تحصيله جهده، وبذل فيه وكده وكدَّهُ، وجمع دواوينه، وعرف قوانينه، واجتمع عنده بفضل الله من الأسفار ما لم يجتمع عند أحد في هذه الأعصار، فشمرت عن ساعد الجِّدِ والإجتهاد، وشرعت في شرحها على وفق المنى والمراد)) وعلى هذا فلم يقصر عنايته على النحو فحسب، وإنما مال إلى الاستطراد فأغنى كتابه ببعض ما فقد من الروايات والمصنفات، وضمنه كثيراً من شعر الفترة وأخبارها، وأورد فيه تراجم دقيقة لأكثر من ثلاثين شاعراً من شعراء الصراع، وأبدى ملاحظات قيّمة على بعض أشعارهم من حيث الانتحال والتوثيق. ومن هنا تبرز قيمة كتاب الخزانة عندنا على الرغم من أنه جاء متأخراً، وأَنّ كثيراً مما ورد فيه من شعر الفترة يفتقر إلى السند.
أما المعاجم اللغوية، فتعتمد رواية الشعر لشرح بعض الألفاظ، وإزالة ما فيها من غموض. ومن هذه الكتب ((جمهرة اللغة)) و ((الاشتقاق)) لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت:321هـ) و ((لسان العرب)) لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري (ت:711هـ). وقد أورد ابن دريد في كتابيه شعراً كثيراً لشعراء الفترة، أكثره لحسان ابن ثابت، إلا أن ما ورد في كتابيه أقل مما ورد في اللسان. ولكن اللسان يحتاج إلى قراءة مستأنية لاستخراج جميع الأبيات التي تتصل بالفترة، ويسهل الأمر لو أشتمل هذا المعجم الضخم على فهارس لأبيات الشعر التي يضمها.
وتبرز قيمة المعاجم في الأبيات المفردة التي تنتشر على صفحاتها، ومن هذه الأبيات ما يبدو أنه مبتسر من قصائد أو مقطوعات ضلت طريقها إلينا[13].
وربما يشير المعجم إلى المناسبة التي قيل فيها البيت[14]، أو المقطوعة[15]، أو يوضح جانباً من جوانبها الغامضة.
والمصادر اللغوية بوجه عام لم تكن تعنى بغير البيت الواحد إلا في القليل النادر. ومن هنا لا نعتبرها مصدراً أساسياً من مصادر شعر الصراع، كما أن ما فيها من شعر يفتقر إلى التوثيق – ويتم ذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية الموثقة – ولكنه بالرغم من ذلك قد يكشف لنا جوانب غامضة عند عرضه على الشعر الذي ورد في المصادر الأخرى.

صفحة 7

المصادر الأدبية

وهذه المصادر كثيرة ومتنوعة، منها:
الكتب العامة: كـ ((البيان والتبيين)) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) و ((الكامل)) لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت:286هـ) و((العقد الفريد)) لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت:328هـ) و((نهاية الأرب في فنون الأدب)) لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (ت:733هـ) و((صبح الأعشى)) لأحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله القلقشندي (ت:821هـ). وقد حملت لنا هذه الكتب كثيراً من شعر الصراع، فأورد الجاحظ ما يزيد على عشرين نصاً، وأورد المبرد أكثر من خمسة وعشرين نصاً. ولكن النويري كان أكثر هؤلاء جميعاً رواية لشعر الصراع، فهو قد أثبت في كتابه أكثر من مائة نص، منها حوالي ثلاثين نصاً لشعراء القبائل التي وفدت على الرسول الكريم في العام التاسع للهجرة.
وقد نهج مؤلفو هذه الكتب إلى التنويع والنقل، ومالوا إلى الاستطراد، ولم يغفل بعضهم نقد الشعر الذي يورده[16] أو يبين رأيه في صحته ،ولكن أكثرهم لا يكلف نفسه عناء البحث والتمحيص والتثبت من صحة ما يروي. ومرد ذلك أن الشعر عندهم لم يكن غاية تقصد، وإنما هو وسيلة تلتمس لغيرها من الغايات، فهو يساق حيناً للاستدلال والاحتجاج، ويساق حيناً آخر للاستشهاد والتمثل، وتقوية الخبر وتزيينه[17]. وعلى هذا فسبيلنا إلى دراسة ما ورد فيها من شعر الصراع، أن نقوم بجمعه ثم نرجعه إلى أصوله في الدواوين الموثقة الموجودة بين أيدينا، أو نعرضه على محك النقد والتمحيص، ونعرضه على ما صح لنا من شعر الشاعر، فإن وجدناه مشابهاً له، وحاملاً لروح الفترة قبلناه، وإلا رفضناه.

كتب التراجم
منها: كتاب ((طبقات الشعراء)) لمحمد بن سلام الجُمحي (ت:231هـ) وكتاب ((الشعر والشعراء)) لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت:276هـ)، وكتاب ((الأغاني)) لأبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني (ت:356هـ)، وكتاب ((معجم الشعراء)) لأبي عبد الله محمد بن عمران المرزباني (ت:384هـ). وتعنى هذه الكتب –أكثر ما تعنى – بالترجمة للشعراء، ودراسة حياتهم وبيئاتهم وأشعارهم. فمحمد بن سلام – مثلاً – قام بتقسيم الشعراء الجاهليين والإسلاميين إلى طبقات، وأشار إلى شعر القرى كالمدينة ومكة والطائف، فترجم لبعض شعراء هذه القرى الذين شاركوا في الصراع كشعراء، المشركين في مكة، وشعراء المسلمين في المدينة، كما ترجم لبعض شعراء اليهود ككعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق، وبعض شعراء القبائل كأمية بن أبي الصلت، وكعب بن زهير، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي، وحرص أن يورد لكل شاعر ترجم له من هؤلاء عدة أبيات. وتبرز قيمة الكتاب في تنبه مؤلفه للشعر المنحول، وحرصه على التنبيه عليه[18] ومحاولته تمييز غثه من سمينه[19] ورد الكثير منه[20]. ويعتبر الكتاب مستنداً نافعاً لما حمل لنا من ملاحظات قيمة، وبسبب ضياع المصادر السابقة عليه ولأهميته، اعتمد عليه بعض العلماء كأبي الفرج الأصبهاني وغيره.
وترجم ابن قتيبة في كتابه ((الشعر والشعراء)) لستة عشر شاعراً من شعراء الصراع كلهم من شعراء القبائل، ما عدا حسان بن ثابت الأنصاري. والكتاب فقير في تراجمه، فهو قد أغفل ذكر شعراء مكة، وشعراء اليهود، وبعض شعراء المدينة كعبدالله بن رواحة ،وكعب بن مالك، كما أن رواياته غير مسندة، ومن هنا كانت إفادتنا منه قليلة.
ويعد كتاب الأغاني من أكثر هذه الكتب أهمية وشهرة، فقد احتفظ لنا بشعر كثير فقدنا السبيل إليه، وبأخبار نقلها عن مصادر لم تصل إلينا. والكتاب يتناول الأغاني العربية، كما يتناول الآثار والأَخبار والسير والأشعار المتصلة بأيام العرب وغيرها، وقصص الشعراء في الجاهلية والإسلام.
وقد ساق أبو الفرج من الكتب التي سبقته أطرف ما فيها من أشعار، وساقها بأسانيدها التي ترجع بها إلى مصادرها ورواتها الأوائل كابن الكلبي، وخالد بن كلثوم، وأبي عمرو الشيباني، والأَصمعي، وأبي عبيدة، ومن خلفوهم من جلة العلماء والرواة والمصنفين. وربما يصل أحياناً إلى الرواة الأعراب من أبناء القبيلة، ولكنه مع ذلك لا يورد للشاعر قصيدة كاملة، بسبب ميله إلى الإيجاز، وحرصه على تقديم الأحسن[21].
وأبو الفرج راوية ثقة، وله ذوق عالم ناقد بصير. ومن هنا، كان حريصاً على فحص مادته وتمحيصها، محتاطاً إزاء رواته أشد الحيطة، فمن عرف بكذبه نبّه عليه وردَّ روايته. وكان إذا شك في أبيات للشاعر يقوم بعرضها على ديوانه، مبالغة منه في الدقة والتحري. وحرص على إثبات ما تعدد من روايات للخبر الواحد.
وقد ترجم في الأغاني لنيف وثلاثين شاعراً وشاعرة من شعراء الصراع، أثبت لبعضهم أكثر من نص واحد، وانفرد أحياناً برواية شعر لهم لم نجده عند كثيرين ممن سبقوه[22] كما أرخ لبعض الغزوات – كغزوتي: بدر وأحد – واورد بعض الأشعار التي قيلت فيهما.
أما كتاب ((معجم الشعراء)) فهو من المختصرات التي عنيت بالترجمة للشعراء الجاهليين والإسلاميين مرتبة حسب حروف المعجم. وقد حمل لنا ترجمة مختصرة لستة وثلاثين شاعراً من شعراء الصراع ،أورد لكثيرين منهم أبياتاً قليلة، واكتفى بذكر بعضهم دون أن يثبت لهم شعراً[23]. وتبرز قيمة الكتاب في أنه أمدّنا بشعر لم نجده في السيرة[24].

كتب النقد
وكتب النقد التي أفدنا منها: كتاب ((نقد الشعر)) لأبي الفرج قدامة بن جعفر البغدادي (ت:337هـ)، وكتاب ((الصناعتين)) لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (ت:395هـ)، وكتاب ((العمدة)) لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (ت:463هـ). فقد عرض كل منها لذكر شعر الفترة، ولكن ذلك لم يكن يتعدى البيت الواحد أو البيتين يوردها المؤلف في مجال النقد والموازنة. وقلَّ أن نجد أحد هذه الكتب يعمد إلى إثبات النص كاملاً[25].
والعمدة أكثر هذه الكتب احتفالاً بفترة الصراع، فقد صدَّره مؤلفه بالحديث عن موقف الإسلام من الشعر والشعراء، ونثر فيه بضعة عشر نصاً لبعض شعراء فترة الصراع، ومعظمها مبتسرة من قصائد أو مقطوعات.
وكنا نظن أن المصادر الأدبية ستكفينا مؤونة البحث والاستقصاء، باعتبارها معنية – كما يدل اسمها – برصد الشعر، ودراسة الشعراء، ولكن تبين لنا – بعد البحث والتحري – أن عنايتها منصبة على شعر البارزين من الشعراء، وقد دفعتنا قلة ما فيها من شعر الصراع، وتكرار هذا الشعر في أكثرها إلى البحث عن مصادر أخرى تكون أكثر عناءً.

صفحة 8

المصادر التاريخية

وحين وقفنا على هذه المصنفات، وجدنا أنها أكثر المصادر الْتِصَاقاً بموضوع بحثنا، فهي من أوفر المصادر أخباراً، وأغزرها شعراً. ولكنها في الوقت ذاته أكثر المصادر احتواءً على الشعر الموضوع، فقد كان بعض المؤرخين في حاجة إلى الشعر للاستشهاد به على ما يوردون من قصص، ولتزيين ما ينقلون من أخبار. ومن هذه المصادر: كتاب ((المغازي)) لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي (ت:207هـ) و((أنساب الأشراف)) لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت:271هـ)، و((تاريخ الرسل والملوك))لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت:316هـ) و((الكامل في التاريخ)) لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير (ت: 630هـ)، و((إمتاع الأسماع لما للرسول من الأنباء والأموال والحضرة والمتاع)) لتقي الدين أحمد ابن علي المقريزي (ت: 732هـ)، و((البداية والنهاية)) لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي (ت: 774هـ). وغيرها.
وقد انصبت عناية الواقدي على الأخبار التاريخية، ولكنه مع ذلك أثبت خمسة وعشرين نصاً لجميع اطراف الصراع. وإلى جانب حرصه على السند فقد حرص أحياناً على إبداء الملاحظات، والتعقيب على بعض الأشعار التي يوردها[26]. وقد وجدنا أن بعض الشعر الذي ورد في كتابه مختلط بالخبر، وبعضه مختل الوزن، ومرد ذلك – فيما نظن – يرجع إلى عدم عناية النساخ والمدونين.
وجمع البلاذري في أنساب الأشراف بين التاريخ والتراجم، وتشابك الأنساب والأدب، فروى كثيراً من الأشعار في سياق الأخبار المسندة التي رواها. وقد حظي شعر الصراع بعنايته واهتمامه، فأثبت منه ما يقرب من ثمانين نصاً مشفوعة بالأسانيد. ويبدو أنه قد صرف همه إلى رواية شعر المسلمين، وشعر المشركين المكيين، أما شعر اليهود وشعر القبائل فلم يحظيا إلا بالقليل من عنايته، فما أثبته من هذا الشعر في كتابه لا يكاد يتجاوز عشرة نصوص[27].
وتبرز قيمة أنساب الأشراف في أنه نقل لنا شعراً كثيراً لم نجده في بعض المصادر السابقة عليه والمعاصرة له.
ويعتبر ((تاريخ الرسل والملوك)) مجموعة من الوثائق الأولية المدونة بطريقة الإسناد، فقد نهج فيه الطبري إلى إسناد كل واقعة – حيثما تيسر ذلك – إلى شاهد عيان أو إلى شخص معاصر انتهت روايته إليه عبر سلسلة من الرواة[28]. وقد وشح هذه الوثائق والأخبار – بكثير من عيون الشعر، فروى سبعين نصاً من شعر الصراع ما بين قصيدة ومقطوعة وأرجوزة، وزعها على جميع أطراف الصراع، إلا أنه خص شعراء المسلمين وحدهم بنصفها تقريباً، وخصَّ شعراء القبائل الوافدة بقسم منها.
ويعتبر الكتاب ذا أهمية خاصة عندنا، لأن مؤلفه ضمّنه نصوصاً من شعر الصراع تحرَّج غيره من روايتها[29] وأودعه من الشعر ما انفرد بروايته من بين معاصريه وبعض السابقين عليه[30]، وروى فيه بعض المنقضات الشعرية التي تقاذف بها شعراء المسلمين والمشركين[31].
وأورد كل من ابن الأثير في كتاب ((الكامل)) والمقريزي في ((إمتاع الأسماع)) وابن كثير في ((البداية والنهاية)) نصوصاً كثيرة من شعر الصراع، إلا أنهم نقلوا هذه النصوص عمن سبقوهم من رواة هذا الشعر. وابن كثير أكثر هؤلاء العلماء رواية لشعر الصراع فقد أثبت في كتابه معظم الشعر الذي أورده ابن هشام في السيرة، وحرص على إثبات الملاحظات التي أبداها ابن هشام على الشعر المروي عن ابن إسحاق، غير أنه انفرد ببعض الملاحظات، كما أعلن عن تركه لبعض الأشعار تجنباً للإطالة، وامتنع عن رواية شعر اليهود، وشعر المشركين الذي فيه كفر بواح.
ومن أهم المصادر التاريخية وأقدمها كتاب ((سيرة الرسول)) لأبي محمد عبد الملك ابن هشام بن أيوب الحميري (ت:218هـ). والكتاب من تصنيف محمد بن إسحاق ابن يسار (ت:150هـ) ثم روي عنه بأكثر من طريق, وقد رواه ابن هشام بوساطة أبي محمد زياد بن عبد الله العامري البكَّئي الكوفي (ت:183هـ). ويعتبر من أقدم كتب السيرة التي حفظتها لنا الايام. ويبدو على صاحبه من طابع الِجّدِ والأمانة والرغبة الشديدة في التحفظ – في كثير من الروايات والأشعار – تأثماً وتقوى، مما يحمل على الإكبار والتقدير.
وقد سرد ابن هشام أحداث السيرة وأشعارها عن الرواة الثقات، وعما اطَّلَعَ عليه من المدونات، وحفظ لنا في الكتاب أكبر كمية من الشعر يمكن أن يحويها كتاب واحد. غير أنه شكَّ في كثير مما رواه ابن إِسحاق من هذا الشعر، فانطلق يلتمسه عند أهل العلم والدراية كأبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، وخلف الأحمر، ويونس النحوي، وغيرهم من الرواة الأثبات، ثم اضطلع بمهمة تنقيته من الوضع والانتحال ما وسعه ذلك، فقام برد الكثير منه، وامتنع عن رواية بعضه، وأثبت بعض الآراء النقدية على بعض ما أثبت منه في كتابه. وتعتبر دراسته للشعر دراسة رائدة، واعتمدها كثير من العلماء من بعده، وسوف نقف على دراسته لشعر السيرة تفصيلاً في نهاية هذا الفصل.
وطبع كتاب السيرة طبعات متعددة – اعتمدت منها طبعة مصطفى السقا وزملائه – وليس بين أصولها ما هو أقدم من نسخة الروض الأنف للسهيلي. وقد أخذ عن ابن هشام جميع من ترجموا للسيرة من بعده كالخشني وابن كثير وغيرهما.
ومن هذه المصادر أيضاً كتاب (( الروض الآنف)) لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ت:518هـ). وقد برز جهد السهيلي في شرحه للشعر الذي ورد في كتاب السيرة النبوية لابن هشام، وأعلن عن ذلك بقوله: ((وغرضنا في شرح هذه الأشعار الواردة في كتاب السيرة أن نشرح منها ما استغلق لفظه جداً، وأغمض إعرابه، ولكني لا أعرض لشيء من أشعار الكفرة التي نالوا فيها من رسول الله، إلا شعر من أسلم وتاب))[32].
ولم تقتصر عناية السهيلي على شرح الشعر فحسب، بل أثبت في كتابه شعراً كثيراً لم يورده ابن هشام في السيرة، فأورد نيفاً وعشرين نصاً، بعضها لم نجدها في كتب غيره من العلماء الذين رووا شعر الصراع أو قسماً منه[33].
وهناك مصادر تاريخية أخرى لا تقل أهمية عما سبق وذكرناه، من حيث احتفالها بشعر الصراع وروايته، وهي كتب الطبقات: مثل كتاب ((الطبقات الكبرى)) لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع (ت:230هـ)، وكتاب ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت:463هـ)، وكتاب ((أسد الغابة في معرفة الصحابة)) لأبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير (ت:630هـ)، وكتاب ((الإصابة في تتمييز الصحابة)) لأبي الفضل أحمد علي ابن محمد بن حجر العسقلاني (ت:852هـ).
ويعتبر كتاب الطبقات الكبرى من أهم هذه الكتب جميعاً، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه أقدمها، وأن مؤلفي هذه الكتب قد اعتمدوا عليه وأخذوا عنه. وقد قام ابن سعد بالترجمة للصحابة والتابعين، وحرص في أثناء هذه الترجمة على أن يورد مقطوعة أو أكثر للصحابي الشاعر. وكان علمه هذا نافعاً لنا، فهو قد حفظ في كتابه ما يزيد على ستين نصاً من شعر الصراع. وتبرز قيمة كتابه في أنه حمل إلينا أكثر من عشرين نصاً في رثاء الرسول الكريم، وأمدّنا أيضاً بفيض من شعر الوفود.
أما كتب الطبقات الأخرى: كالاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة، فقد روى كل منها ما يزيد على مائة نص من شعر الصراع. وميزة هذه الكتب أنها غنية بشعر القبائل التي وفدت على رسول الله بعد الفتح، وأغناها جميعاً بهذا الشعر كتاب الإصابة فقد حفظ لنا منه ما يقرب من ستين نصاً.
وكتب الطبقات بوجه عام تخلو من شعر اليهود، فلم نجد فيها إلا نصاً واحداً[34]، وهذا أمر طبيعي، لأن عنايتها منصبة على ذكر صحابة الرسول الكريم، والتعريف بهم.
وتعتبر المصادر التاريخية نافعة لنا حينما نتناول ما ورد فيها من شعر الصراع بالنقد والتمحيص.

صفحة 9

المصادر الجغرافية

ومن هذه المصادر التي أفدنا منها: كتاب ((صفة جزيرة العرب)) لأبي محمد الحسن ابن أحمد بن يعقوب (ت:334هـ)، وكتاب ((معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع)) لأبي عبيد الله عبيد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي (ت:487هـ) وكتاب ((معجم البلدان)) لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت:626هـ).
وهذه المصنفات تترجم لمواضع كان بعضها مسرحاً لأحداث الصراع، وحين يتحدث المصنف عن الموضع يضمن حديثه بعض الشعر الذي قيل فيه، غير أنه لا يروي النص كاملاً – إلا في القليل النادر - [35] وغنما؟؟ يكتفي برواية بيت أو بيتين منه ، وربما زاد على ذلك أحياناً.
والبكري أكثر هؤلاء المصنفين عناية بشعر الصراع، فقد أورد منه نيفاً وأربعين نصاً، خصَّ حسان بن ثابت وحده بخمسة عشر نصاً منها.
كما أنه أكثرهم دقة ودراية بالشعر، يدل على ذلك أنه كان يقوم بنقد الشعر وتمحيصه والتنبيه على زائفه في بعض الأحيان.
على أن هذه الكتب بأنواعها المختلفة ليست بطبيعتها مصدراً أصيلاً من مصادر الشعر التي يمكن أن يعتمد عليها، وإنما المصدر الأصيل الذي يصح للباحث المحقق أن يطمئن إليه ويعتمده هو هذه الدواوين الشعرية التي اقتصرت على الشعر نفسه واتخذته غاية لذاته، وأفرغ جامعوها وشراحها جهدهم في التثبت من صحة كل قصيدة، بل كل بيت، والتحقق من نسبة كل ذلك إلى شاعره ،ودفع ما لا تثبت لهم صحته او نسبته، والنص عل ما يشكون فيه منه[36].
ولكن ما بين أيدينا من دواوين لم تحفظ لنا سوى شعر القلة القليلة من شعراء فترة الصراع، ذلك أنه لا يوجد لدينا سوى ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، وهو من شعراء المدينة الذين كانوا ينافحون عن رسول الله، وديوان كعب بن زهير ولبيد ابن ربيعة، والأعشى البكري، وهم من شعراء البادية، وديوان أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو من شعراء الطائف.
وسوف نرى في الفصول اللاحقة أن هؤلاء الشعراء قد تفاوتوا في مشاركتهم في الصراع، وأنه لم يشارك منهم مشاركة جدية وحاسمة غير حسان بن ثابت.
وأما جمهرة الشعراء الذين شاركوا في الصراع – كشعراء المشركين من قريش وسائر القبائل واليهود – فكان حظهم من العناية والاهتمام قليلاً، بحيث ذهب عنا كثير من شعرهم، وما بقي لهم لا يكاد يمثل واقعهم تمثيلاً صحيحاً ودقيقاً، كما أنه لا يستوي إلى أن يجمع في ديوان لقلته.
ومن هنا، فليس أمامنا سوى قبول الشعر الوارد في هذه المصادر والاستشهاد به على أنه وثيقة حية من وثائق فترة الصراع بعد إخضاعه للدرس والتمحيص، والتنبيه على المصنوع منه – إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً أو وجد الدليل – في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.
الرواية والرواة
عندما أظل الإسلام جزيرة العرب، اندفع المسلمون خارجها يلبون نداء الجهاد، إرضاء لله ونشراً لدينه، وحملاً لدعوته إلى الدنيا كلها. وكان طبيعياً أن ينصرف المسلمون عن أمور الدنيا، وأن يتخففوا من كل ما يشغلهم عن نيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، فانصرفوا عن الشعر ولهوا عن روايته حيناً قال ابن سلام[37]: ((قال عمر بن الخطاب: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد، ولهت عن الشعر وروايته)).
ولكنهم مع ذلك ظلوا على ولعهم به، واحتفائهم بسماعه وإنشاده، فقد كان الرسول الكريم يسمعه ويثيب قائليه، وكان عمر بن الخطاب يحبه ويستنشده. أنْشِدَ ذات مرة قصيدة أبي قيس ابن الأسلت التي على العين وهو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله[38]:
الكيس والقوة خير من الإ شفاق والفَهَّةِ والهاعِ
أعاد عمر البيت وجعل يردده ويتعجب منه، ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ مَنْ قِبَلَكَ بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب.
ومع احتفال الخلفاء بالشعر، لم يُعنَ أحد من الناس بكتابته وتدوينه على الرغم من انتشار الكتابة وذيوعها، ومردُّ ذلك أن قلوب الناس وعقولهم ومشاعرهم كانت مشدودة إلى القرآن، والعناية بحفظه وتفسيره. ولكن الرواية ظلت قائمة فاستمر الناس على رواية الشعر والأخبار والأنساب والأيام، يدلّ على ذلك قول حسان بن ثابت[39]:
وقد سارت قوافٍ باقيات تناشدها الرواة بكل وادي
بل نجد أنهم توسعوا في رواية بعض هذه الفنون أول عهدهم بالإسلام، لمعالجة الحجة في الردّ على المشركين ممن كانوا يهاجون شعراء النبي- عليه السلام - فكان عمر بن الخطاب مثلاً أروى الصحابة للشعر[40].
وعندما انتقل الحكم إلى بني أمية، وازداد الإسلام رسوخاً في النفوس، قوي عود الشعر واشتد، وأخذ العرب يقبلون عليه، يسمعونه في سوق المربد، ويسمعونه من الأعراب الوافدين من جوف البادية. فلم يكن عجيباً إذن، أن ينصرفوا لقوله وإنشاده، وأن يحرصوا على روايته ونقله.

صفحة 10

وأول من روى شعر الشعراء هم الشعراء أنفسهم، ثم أقاربهم وأبناء قبيلتهم. مثال ذلك أنه لما مات حسان أوقد ابنه عبد الرحمن ناراً، حتى إذا اجتمع عليه الحيُّ قال: قد قلت بيتاً فخفت أن يسقط بحدث يحدث عليّ فجمعتكم لتسمعوه، فأنشدهم[41]:
وإن امرأً نال الغنى ثم لم ينل صديقاً ولا ذا حاجةٍ لزهيدُ
وكان عمر بن الخطاب قد قال يوماً لمن حضره من المسلمين في المدينة: ((إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئاً، دفعاً للتضاغن عنكم وبثّ القبيح فيما بينكم، فأما إذْ أبوا فاكتبوه واحتفظوا به، فدوَّنوا ذلك عندهم، فكانت الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه[42].
وشارك الصحابة والتابعون في رواية شعر الفترة، إما لعلاقة هذا الشعر بحديث شريف، وإما لصلته بحادث تاريخي في عصر النبوة. ويبدو ذلك واضحاً في الكتب التي حفظت لنا الإسناد مرفوعاً إلى عصر الشاعر. جاء في تاريخ الطبري[43]: قال أبو جعفر – يعني نفسه – حدثنا أبوكريب قال: حدثنا جعفر بن عون العمري قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمرو – أو عمر – بن أسيد عن أبي هريرة... ثم أورد الشعر.
وجاء في طبقات ابن سعد قال[44] أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا يلم بن غزوان قال: أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك... وأورد الشعر.
وبقي العرب يتناقلون شعر الفترةوغيرها بالرواية الشفوية خلال القرن الأول الهجري، وعندما بدأ تدوين الشعر في القرن الثاني، لم تبق الرواية على أصالتها وجديتها، بل تسرّب إليها شيء من الوضع والتزيُّد. وبخاصة عند ظهور طائفة من الرواة المحترفين للشعر في مكة والمدينة ودمشق والبصرة والكوفة، فظهر كثير من الرواة – ما بين حفظة وناقلين ومستشهدين – وأصبح الشعر تجارة رابحة يُعْتَدُّ بها، وصناعة يُتَكَسَّبُ من امتهانها. ومن هنا أخذ بعض الرواة يخترعون الأشعار وينسبونها إلى مَنْ شاءوا من شعراء الجاهلية وغير الجاهلية، ثم يطرحونها في سوق العلم ويعرضونها على العلماء طمعاً في الكسب والارتزاق. وتلك طبيعة الإنسان مهما اختلفت ظروفه، وتنوَّعتْ بيئته، ومهما كان حظه من الحضارة والرقيّ.
وقامت – إلى جانب هؤلاء – طائفة من الرواة العلماء في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري[45] من أمثال أبي عمرو بن العلاء وحماد الرواية والمفضل الضبي وخلف الأحمر وغيرهم، فكانوا الطبقة الاولى من العلماء الذين عرفتهم العربية في تاريخها الحافل، فتلقّوا تراث الجاهلية الذي وصلهم بعضه مدوناً في دواوين كاملة، وبعضه مدوناً في صحف متفرقة، وبعضه عن طريق الرواية الشفوية، فقاموا بتمحيصه ودراسته بأمانة، وحرصوا على أن تكون حصيلتهم منه خالية من الكذب والتلفيق ثم بلغوه لمن جاء بعدهم، فحمله عنهم علماء الطبقة الثانية. ومع ذلك كان لابد من أن يختلفوا، لأنه وقع لبعضهم من الصحف المكتوبة أو الدواوين المدونة أو الرواة من الشيوخ العلماء، ومن الأعراب الفصحاء ما لم يقع لغيره. ثم كان لكل طائفة من هؤلاء العلماء منهج في الأخذ والتلقي. ولكن هذا الخلاف في المصادر أولاً وفي المنهج ثانياً، لم يمنع العلماء من أن يأخذ بعضهم عن بعض، ومن أن يرحل علماء المصر إلى المصر المجاور[46] ليأخذوا منهم، ويرووا عنهم، ثم ينقلوا ما يتقنوا صحته إلى تلاميذهم، ويكتبوه فيما يجمعوه من دواوين[47].
وانقسم العلماء إلى مذاهب، فوجد مذهب الكوفة، ومذهب البصرة، ومذهب بغداد، والمدينة، وصار لكل مذهب تلاميذ يتعصَّبون لمذهبهم وشيوخهم، ويوثقون روايتهم، ويطعنون في شيوخ المذاهب الأخرى، ويتهمونهم بالوضع والاختلاق.
وكان التنافس بين البصرة والكوفة شديداً، والخلاف محتدماً من عدة نواحٍ. فمن الناحية الحزبية فالكوفة علوية، والبصرة عثمانية. ومن الناحية العنصرية فأكثر أهل الكوفة من اليمانيين، وأكثر أهل البصرة من المضريين. ومن الناحية العلمية، فأهل الكوفة أصحاب فقهٍ وحديثٍ وقراءة، وأهل البصرة أصحاب علوم وفلسفات، لأنهم أكثر اختلاطاً بالأجانب من أهل الكوفة، وأكثر حرية في اعتناق المذاهب المختلفة، وأسرع إلى الأخذ من الثقافات الأجنبية لتوافر مصادرها عندهم، وكثرة انتقالاتهم للكسب والتجارة.
والكوفة – مع ضعف الاتصال بين عناصرها العربية وعناصرها الأجنبية – أكثر تحرجاً من أهل البصرة في الأخذ بثقافات الأجانب، ولكثرة من فيها من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء وأهل الدين.
هذه العوامل أحكمت أسباب الاختلاف بين المصرين، فكان من نتائج هذا التنافس أن كانوا يتناظرون في مجالس الخلفاء حين تجتمع وفودهم في دواوينهم. وكان الخلفاء يستمتعون بهذا النوع من المناظرات، وربما ظاهروا فريقاً على فريق، لأسباب تدعوهم إلى ذلك[48] وتناولت هذه المناظرات نواحي عدة،ومن بينها الناحية الثقافية. ومن هذه الناحية مناظراتهم في الشعر وحفظه وروايته.
وما دمنا قد عرضنا للرواية بشكل عام، نرى أن نعرض للرواة الذين اضطلعوا برواية شعر الفترة لنتبين حظهم من التوثيق والتجريح، لأن ذلك يساعدنا على أن نحكم – ولو حكماً تقريبياً – على مدى نصيب هذا الشعر – بشكل عام – من الثقة والصحة. وسوف ننهج في دراستنا لهؤلاء الرواة نهجاً زمنياً حسب سنوات وفاتهم، دون مراعاة تقسيم المذاهب، لأن رواة الخبر الذي يتضمن الشعر، فيهم الكوفي والبصري والبغدادي، وغيرهم، ولكننا مع ذلك سنشير في أثناء حديثنا إلى المذهب الذي ينتسب إليه الراوية.
ورواة شعر الفترة كما وجدناها في الكتب التي عني أصحابها بذكر الأسانيد كالطبقات الكبرى وأنساب الأشراف وتاريخ الطبري والأغاني وغيرها، هم:
الشعبي (ت:104 أو 105 هـ)[49]
هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الحميري الشعبي الكوفي، تابعي جليل القدر، ومن رجال الحدبث الثقات[50]. روى عن علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة[51]، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة، وغيرهم[52].
وروى عنه كثيرون كسماك بن حرب، والأعمش، ومنصور، وعبد الله بن عون، وشعبة بن الحجاج[53].
كان فقيهاً بارعاً، وإماماً حافظاً، يضرب المثل بحفظه. سئل يوماً عما بلغ إليه حفظه فقال[54]: (( ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)). وروي عنه أنه قال[55]: ((لست لشيء من العلوم أقل رواية من الشعر، ولو شئت لأنشدت شهراً ولا أعيد بيتاً)).
اتفق العلماء على إمامته وثقته[56]. قال سفيان بن عيينة: ((لم يُدْرَكْ مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه))[57] وقال مكحول: ((ما رأيت أعلم من الشعبي))[58] وقال ابن سيرين لأبي بكر : ((الزم الشعبي فقد رأيته يُستفتى والصحابة متوافرون)) وأثنى معاصره على علمه وتواضعه وفضله وأخلاقه[59]. وقد روى شعر كعب بن مالك الأنصاري وغيره[60].