eKtab
EN ع
صحائف القلوب
اقرأ عينة مجانية

صحائف القلوب

بقلم حنان أسد

صفحة 1

الإهداء

... الحياة صحيفة ...

منهم من يرى صحيفته نافذة على العالم ليفهمه أكثر ...

ومنهم من يشتريها ليبحث عن جوانب النقص فيها ...

ومنهم من يراها وسيلة لمسح الغبار ........!

إهداء .. لكلِّ من يريد أن يفهم صحيفته ....!!

صفحة 2

سقراط في ( فلاشة )

جلس ( الحاج يحيى )على كرسيه، الساعة تقارب الثانية ظهراً ولم يرتده أحد، أسند يديه إلى المكتب أمامه، تأمَّل ما حوله بملل، الكتب تملأ كل شيء..حتى الفراغ .. فوقه وتحته وعن يمينه وشماله.. أكلُّ هذا مداد أقلام..؟.. الكل يتكلّم..! وكأنَّ الكلَّ يكتب وما عنده وقت ليقرأ..!

كلُّ كتاب يحكي مسيرة كفاح ليست بالقليلة، تلك الخبرات والأبحاث والدراسات ما جاءت من فراغ، وجاءت لتسدَّ الفراغ، تنهَّد الحاج يحيى وهو يتأمَّل جدران مكتبته العتيقة التي تستتر من عيوبها وشيخوختها بالكتب، إنها ضيفة ثقيلة الظلِّ على سكان هذه المنطقة، بالنسبة لمعظمهم.. هي تحجز مكاناً كبيراً دونما فائدة تذكر، ولو أنشئ محلَّها مجمَّع تجاري لقضى حاجاتهم وأعلى شأن المنطقة تجاريّاً.

كانت مشيئة الله أن تجمع بين عمر المكتبة وعمره، حينما اقترض والده ما يحتاجه من مبلغ من عدَّة أصدقاء ليفتتح يوم القراءة المجَّاني، استأجر المكتبة، واشترى الكتب من ثمن مصوغات زوجته، وفي يوم الافتتاح بزغ الحاج يحيى إلى الحياة، كانت فرحة أبيه لا تقدَّر بثمن، كانت يومها المكتبة كبيرة، والكتب قليلة، لكن الروّاد كثيرون، أمّا اليوم.. فالمكتبة تبدو صغيرة، والكتب كثيرة.. والروّاد قليلون.

استبشر بولده (يحيى) خيراً، أحضره إلى المكتبة منذ كان عمره خمس سنوات، علّمه كيف يمسك الكتاب كأنَّما يمسك طفلاً صغيراً، يلمس صفحاته كما يلمس تويج الوردة، يستنشِق عطر رائحة الورق كما يتنسّم عبقها، ولأنّ أدب الأطفال كان نادراً، فقد كان الحاج يحيى يتصفَّح من الكتب ما يروقه منه لون غلافه أو عنوانه، يتأمَّل بعض الصفحات ثمَّ يتململ ويعيده إلى والده، ثمَّ يطلب منه غيره، ووالده يرنو إليه ببهجة وحب، كان يقول له دائماً : أريدك أن تغوص في الكتب، تبحر في أعماق كلماتها، تفهم كلَّ أحاجيِّها، سيأتي يوم يا يحيى ويكون عقلك أكبر من عقول كلِّ من كتب هذه الكتب، لأنَّك خزّنت في عقلك أفكارهم جميعاً.

ها هو ذا الآن قد بلغ تسعين عاماً، لكثرة ما غاص في الكتب بات وجهه كتاباً مقروءاً، لكنَّ حروفه غير واضحة المعالم فقد درس الزمن ملامحها، بات كتاباً قديماً مركَّز الأفكار والمعاني، لغته تلمُّ كلَّ المفردات، غريبها وطريفها.. لن يفهمه الجيل الجديد، ولو أراد أحد أن يشرحه لاستغرق فيه مجلَّدات وعمراً.

راح الحاج يحيى يصفُّ الكتب التي أمامه بيدين مرتجفتين، يمسح عنها الغبار بقماشة جافة، يكرِّر عمله كلَّ يوم.. ولا يرتاده إلاّ اثنان أو ثلاثة، يخشى أن تصاب الكتب بالعفن أو الرطوبة، كلَّ يوم ينزل كتب رفَّين أو ثلاثة، يمسح عنها الغبار.. يعرِّضها للهواء.. يخرجها من سجنها لساعات، ثمَّ قبيل آخر اليوم يعيدها إلى مكانها، بذات الترتيب وذات الوضعية، معظم هذه الكتب قد اشتراها والده أو تبرَّع له بها المتبرِّعون ليوم القراءة المجَّاني.. كان ذلك اليوم عند أبيه يوم عيد.. يرتِّب الطاولات والكراسي قبل يوم، ينظِّف الأرض، ينفض الغبار عن الكتب، ثمَّ في اليوم التالي يتأمَّل الشباب المقبلين على القراءة بنهم .. يتأمَّلهم بكلِّ حبور.. يقول لهم دائماً : اقرؤوا..اقرؤوا ..أنتم مستقبلنا.. عليكم نعقد الآمال.

ابتسم الحاج يحيى بحزن.. كلُّ هذه الصور باتت أثراً، مشهداً لا يصوِّر أحاسيسي، بل كلُّ ما عشته وألفته صار غريباً وطريفاً، أنا أقدم شيء في هذا الكون، كلُّ البشر أصغر منِّي، وكلُّ من عشت معهم هم هناك.. معاً.. في القبور، وأنا هنا.. وحدي أنتظر، وكلُّ من معي ينتظرني أن أموت، أم لعلِّي أحسُّ هذا، الشباب الذين كانوا يوماً نطافاً في أصلاب آبائهم.. هم الآن في الجامعات، ويركبون الطائرات، ويزورون الفضاء، ويغوصون في الأعماق، هم يمتلئون ريعاناً وفتوَّة أكثر منك يا حاج يحيى، وقد غزا الشيب بشرتك ووهن عظمك وضعف سمعك وبصرك، هم يجيدون الأناقة مثلك، لا.. بل أكثر منك، إنه زمانهم، وزمانك أنت ولَّى وغبر، أعط الدور لغيرك، قد أخذت ربطة خبزك وأكلتها وانتهى الأمر..!

كان يحدِّث نفسه من الأعماق..أن تشعر أنَّك جهاز قديم والتقنيات أخذت بالعقول، الكلُّ سيزهد فيك، ماذا يعني أن أجلس ووجهي أمام الكتب كلَّ صباح..؟ يرتادني الواحد والاثنان، غزاني الحاسوب، اختصر كلَّ خبرتي في (فلاشة ) أصغر من سبابتي.. بل.. واختصر خبرة كلِّ هؤلاء الكتَّاب الذين أبصرتهم وأحسست بهم في كلِّ كلمة نضحوها من أعماقهم، لقد صغَّرت التقنية من حجمنا.. وضغطت.. وحصرت.. ونحن نكاد نتلاشى حتَّى بتنا شارة إلكترونية لا تُرى، مهما أسرعتُ.. مهما هرولتُ..عبثاً مع هشاشة العظام ونقص التروية أن أجاري سرعة نشر أيِّ مدوَّنة..!

ما عادت حكاياتي تنفع في شيء، صوتي ضمر من كثرة الصمت، والحاسوب يصرخ فيهم.. حشوتموني حتى تجشَّأت...!

مرَّت من أمامه جنازة، النعش يتهادى فوق الأكفِّ، الأصوات تتضرَّع بالذكر والدعاء، تأمَّل من وراء زجاج الواجهة وقلبه واجف، كان في عينيه غبطة غريبة، أطرق رأسه.. أيضاً سبقني..!

صفحة 3

خطر بباله تساؤل: ما الصلة بين الأموات والأحياء..؟

أجاب في نفسه: الجنازة والدفن..!!

ثمَّ تساءل: وما بعد ذلك..؟

أجاب: الذكر.. ذكر الأموات بين الأحياء.

- وإن غاب الذكر.. هل تنقطع الصلة..؟

حار في الجواب.. كم من أموات غابوا وقد انقطع عنهم الذكر قبل مماتهم.

عاد وتساءل: وماذا عن عالم الأموات..؟ أهم يذكرون الأحياء..؟

تبسَّم وخشع قلبه : أظنُّ أنهم عن ذلك في شغل عظيم !

رفع بصره إلى الكتب العالية القديمة،.. كيف أستطيع أن أربط بين العالمين ولكلِّ عالم استقلاليته..؟ كيف أفهم عالم الأموات عبر ضوء من عالم الأحياء..؟ كانت أحاجيُّه تتصعَّد ويفقد القدرة على لمِّ إجاباتها.

دفع الباب الزجاجيَّ طفل في الخامسة، وقف أمام الحاج يحيى بكلِّ براءة وعيناه تتأمَّلان كمَّ الكتب بذهول وفضول.. قال وعيناه في استكشاف متواصل:

أريد أن أشتري كتاباً، لكنَّ أمي طلبت أن تقرأه لي لأنني لا أجيد القراءة..!!

صفحة 4

جنون فكرة

.. "وجدتها..! " هبَّ من مضجعه بعد أن كادت الغفوة تطيح برأسه وما يجول فيه، دارت الفطنة في حلبة دماغه دورتها الأولى، برقت عيناه، تنفَّس بعمق وقد ارتسمت ابتسامة يتيمة على شفتيه المسكينتين، حكََّ رأسه بعجل فتلألأت شعرات رأسه الشائبة من بين أطراف أصابعه، ثمَّ راح يسوِّي شاربه المتمرِّد وهو يتلمَّظ لذَّة النشوة.

.. أخيراً.. وجدها..أخيراً انعتق من قيدها وتحررت هي من سجنه، بعد كلِّ تلك السنوات، بعد محاولات حثيثة في التنقيب عنها كانت تبوء دائماً بالعجز عن التميُّز..عن التفرُّد..في عصر بات فيه التفرُّد فنَّاً..ألقاً..ورزقاً..!

ها قد انبثقت.. دفقة واحدة.. بعنوانها وعناصرها ومفرداتها، تلك الفكرة التي آن بها أن يتغيَّر مجرى حياته، ستنتشله من حضيض البؤس والتَّعْس، وترتفع به إلى رقيٍّ طالما حلم أن يتمرَّغ به كأولئك المفكرين والكتَّاب العظماء الذين حالفهم الحظ بفكرة..!.. فكرة.. رفعتهم وجعلت كلَّ ما تلا من كلماتهم يستحقُّ الترتيل والدراسة والتمحيص، فالعقل الذي يبدع تلك الفكرة العظيمة لا بدَّ أنَّ جميع أفكاره تتمخَّض العظمة، ولا بدَّ أنَّ جميع كتاباته تستحقُّ النشر من دون تفنيد، ويبقى الاطِّلاع عليها فقط لنيل الحظوة لأول من يقرأ أحدث مشاريع الكتابة لصاحب تلك الفكرة العظيمة التي انفجرت وانبثقت في يوم كذا.. من شهر كذا.. سنة كذا..!

انفرجت أسارير وجهه، اتسعت ابتسامته حتَّى طفحت على جميع مسام بشرته، وكأنَّ عضلات وجهه قد نسيت كيف يكون الابتسام أو أنَّ خدراً أصابها لقلَة الاستعمال، كان الليل موغلاً في بيته، يمشي بتؤدة وهو يتسربل على عيني زوجته وأولاده، لطالما كان ثقيلاً على صدرك يا سالم، من الآن.. من الآن سيكون ليلك ذلك الليل الذي ينشقُّ عنه فجر حياة جديدة، ما أسهل الحياة حينما تتغيَّر بفكرة..! وأخيراً ضحكت لك الأيام يا سالم..!

لطالما عانيت من الإهمال واللامبالاة، لطالما نفد مداد قلمك ولم تجد من يقرأ كلماتك، حتَّى زوجتك ملَّت وسئمت من الإصغاء إليك، وكأنَّها حُمِّلت مسؤولية إهمال العالم لك، وبات واجباً عليها أن تعوِّض فيك ذلك النقص بكلمات الإطراء والمديح ذاتها في كلِّ مرَّة تصحو فيها من إغفاءاتها على حماستك الجهورية في أحد مقاطع مقالاتك الحامية.

وقف أمام الشرفة ورفع رأسه عالياً ليخترق كتامة الأبنية ويتأمَّل فضاء مدينته الحزينة، وقد رُصِّع بنجوم خافتة يغشاها ضباب يقتل الأرض بصمته المطبق على الأفئدة، وغيوم تعد بمطر غزير وفرج قريب، هل ستسوقك الأقدار يا سالم أن تربح جائزة مسابقة ما..؟ حتَّى إن حالفك الحظُّ ولم يكن هناك من هو أكفأ منك، لكنَّ هذا لا يمنع أن تكون مبدعاً، وتتقمَّص حالة المبدعين ونفسيتهم، هذا لا يمنع أن ترسم لنفسك عالماً خاصَّاً كالذي يرسمون، لكن.. هل يكون مليئاً بالوهم والسراب..؟..أما تخشى أن تُكشف في لقطة خاطفة..؟ أما تخشى أن تسقط أمامك كلُّ الصور والعوالم التي رسمتها وتبقى وحيداً مع هيكل عظمي أجوف أمام مرآتك..؟

من بين عقدة حاجبيه اشتعلت نظرة متمرِّدة..لا..إنها فكرة حقيقية.. إبداعية.. هذه الفكرة الجهنَّميَّة ستقلب العالم رأساً على عقب، ستغيِّر وجهه ولونه، ستصحح مساره، ستحلُّ كلَّ هذه الأزمات السياسية المعقَّدة، فهي تجمع بين وجهات نظر الجميع، أجل.. ستبدأ بالحلِّ من الأعلى وليس من الأسفل، تماماً كما يُغسل الدرج من أعلاه، وعلى صورة ترضي الجميع، ستجمع قلوب الزعماء وعقولهم على تلك الفكرة.

هذه الفكرة ستحلُّ المشكلة الاقتصادية في العالم بأسره، ستلغي مصطلح غلاء الأسعار من قاموسه، ستجعل الخبز يوزَّع بالمجان، وضع يده على بطنه الخاوي مبتسماً.. لن يشكو أحد الجوع على الإطلاق.

صفحة 5

هذه الفكرة ستهدِّئ النفوس وتصفِّي القلوب، وتجمع البشر على أتقى قلب رجل منهم، لن يبقى خيانة على وجه الأرض، لن يبقى كذب.. ولا غشّ.. ولا أثرة، سيغرق العالم البشري في بحر من الأمن والطمأنينة والسلام..!

مدَّ رأسه ليرنو إلى زوجته وهي تغطُّ في نوم عميق ، ابتسم طويلاً من وداعتها النائمة التي تودِّعها حالما تفيق، وأخيراً يا عزيزتي.. ظهرت الفكرة التي أشتري لك بها غسَّالة آليَّة حديثة وجهاز (مايكرويف) وثياباً جديدة تتباهين بها أمام جاراتك، وأشتري لي حاسوباً وللأطفال ألعاباً عديدة، أجل يا عزيزتي.. كفانا فقراً.. كفانا بؤساً ولوعة، لم يمض سوى بضعة أيام على ذلك اليوم، يوم غضبت مني ومن مكوثي الطويل وراء المنضدة، يومها طفح بك الكيل ومزَّقت أوراقي وكسرت كلَّ أقلامي، وأقسمت الأيمان أن تمنعي عني كلَّ سبيل يودي بي إلى تهلكة الكتابة، فهي سرُّ بؤسنا وشقائنا.. هكذا كنت تدَّعين.. كنت مذهولاً بك.. ألهذه الدرجة تغارين من القلم لأنني أداعبه بأناملي أكثر مما أداعبك..؟

أعلم جيداً أحاسيس المرأة وكيف تتخفَّى من غيرتها وراء أسباب واهية وغير مقنعة للرجل، الآن.. عليك أن تحبي ضرَّتك ( الكتابة ) جيداً فهي ستحقق لك الكثير من الأحلام والأماني التي كان عاجزاً عنها مرتَّب ضعيف، أما قلت لك مراراً إنَّ فكرة واحدة تنتج لي ربح سنوات من عمل أخيك البنَّاء أو زوج أختك سائق سيارة الأجرة، كنت تريدينني أن أعمل عملاً إضافياً يهدُّ كاهلي وينشِّف عقلي.. ما لي وهذا الغمّ..؟

الآن ستتهافت عليَّ دور النشر لنيل الرضا ونظم تلك الفكرة بين مطبوعاتها، سأحار في مواعيد أنظمها للمجلات ووسائل الإعلام لإجراء اللقاءات، سأبحث عن مخرج متألَِّق يجيد تصوير فكرتي على شاشة التلفاز في نسق إعلاميٍّ فريد الطراز..!

كلُّ ما عليَّ فعله الآن هو تقييد هذه الفكرة عبر السطور قبل أن تطير من سجني وتهرب بعيداً عني، يقولون إن الفكرة المتألِّقة يغيب ومضها سريعاً إن لم تقتنصه في لقطة خاطفة، وإن أردت أن تبحث عن أجمل أفكارك فتلك هي التي غابت عن ذهنك أول ما خطرت..!

وسط الظلمة راح سالم يدسُّ يده في درج الطاولة ليسحب في صمت قلماً وورقة، هيَّا يا سالم.. أسرع لتقيِّد هذه الفكرة فقد بدأت تتملَّص من بنات أفكارك، ابحث عن قلم تخطُّ به رؤوس الأقلام، عن ورقة تدوِّن عليها الملاحظات، عجزت يده عن ملامسة القلم، بدأ يشعر بالاستفزاز، استعان بحدَّة بصره ليجد الدرج خاوياً إلا من بقايا خشبية بُريت منها الأقلام، احتدم صدره وبدأ وجهه يحتقن، أشعل الضوء، راح يفتح كلَّ درج وكلَّ خزانة، وميض الضوء وقرقعة الصوت أيقظا زوجته، فتحت عينيها بكلِّ بلاهة، وسألته :

- عمَّ تبحث في آخر الليل..؟

قال غاضباً : أين أقلامي..؟ أين أوراقي..؟

مضى الوقت طويلاً حتَّى فرغت من تثاؤبها، ثمَّ قالت :.. يوه.. ألم أقسم يومها ألا يبقى في البيت قلم ولا ورقة، لقد تخلَّصت حتَّى من أقلام الكحل حتَى لا أحنث بيميني، أما خطر ببالك أن تفتقدها إلا الآن..؟

نظر إليها وقد اشتعل الغضب في عينيه، ثمَّ زمجر ثائراً وسط سكون الليل ليحوِّل البيت إلى بركان هائج :

الله يلعنك يا وجه الشؤم، ما تركت لي كسرة رصاص أكتب بها، يا عدوَّة الكتابة والثقافة، أعلنت عبوديتك للجهل بكلِّ طلاسمه..!

فتح الصغار أعينهم وكأنَّهم يشاهدون مقاطع مثيرة على التلفاز جعلت من أبيهم محطَّة للذهول والوجوم، فقد كان يتحرَّك بعشوائية كصرصار يتحاشى الأقدام، من أين سيأتي بالقلم والورقة وقد شارفت الساعة على الرابعة فجراً؟ المطر يهطل بغزارة، وجميع المحلاَّت والمكتبات لا بد مغلقة..!

جلس على الكرسي وصدره يغلي كالمرجل، طأطأ رأسه وقدماه تهزَّان الأرض غضباً وحنقاً، راح يبحث عن طريقة يحصل فيها على القلم.. أين سأخرج في عتمة هذا الليل تحت سيل المطر..؟ هل أبحث عمَّن يعيرني قلماً وورقة..؟ يجب أن أجد من الجيران من أطرق بابه. وإن سألني والنوم يتفقّأ من عينيه لمَ أريدهما في هذا الوقت المتأخر..؟ ماذا سأجيبه..؟

سأقول له : سأدوِّن فكرة عمري، الفكرة التي سترفعني وترفعك، سترفع البشر إلى طور البشرية والإنسانية الحقيقي، سيمحى عنَّا عهد الظلم والهوان، سننعم بالرفاه والرخاء.

سيفرك عينيه مدهوشاً ويسألني : وما هي هذه الفكرة التي عجز عنها كلُّ من كان قبلك..؟

حينها سأنتشي زهواً وأحتفظ بها كيلا يسرقها أحد منِّي قبل أن أضمن حقوق نشرها، سأقول له : أعدك أن تكون أول من يقرؤها ويطَّلع عليها بعد النشر.

ثمَّ التفت إلى زوجته وقد عادت إلى نومها كأنَّ شيئاً لم يكن، نظر إليها بنزق وهو يحدِّث نفسه : لا بدَّ أن أحصل على الورقة والقلم يا عدوَّة الحضارة، تريدين أن تقصمي ظهري وتمنعي عني وحي الكتابة..؟ هذا بعيد عنك يا وجه الفقر والتعاسة..! وأنا الذي كنت أقول لنفسي ما سرُّ هذا النحس الذي يلاحقني منذ تزوجت ؟ والله.. والله..لأتزوَّجنَّ عليك أول ما أقبض المبلغ الفلاني، وسآخذ من هي أجمل منك وأصغر منك، سأكتب وأكتب.. سأظلُّ أكتب.. الكتابة عالمي.. القلم رديفي.

.. أوه.. كفاني ثرثرة، يجب أن أجد ما أدوِّن به الفكرة، جحظت عيناه فجأة، جمدت أطرافه، فغر فمه.. فكرة..!.. أيَّة فكرة..؟..ماذا كانت الفكرة..؟ عمَّ كانت تتحدَّث الفكرة..؟.. ويحي.. لقد طارت الفكرة....؟!!

صفحة 6

ليل بارد

حركاتهنَّ المكبّلة تخترق أديم جسدي، جدران المدرسة الباردة عاجزة أن تطفئ لهيب أحشائي، أصواتهنَّ تتهادى ما بين الخفض والعلو، والكلُّ في حيرة وارتباك، يسكن عني الألم فأكاد أغفو..

.. لكن.. ما لبث أن دبّ انفجار وسط السماء يهزّ الجدران ويخفض الرؤوس، غمرني الرعب، وشخصت عيناي في السماء فرأيتها تشتعل بالنيران المتطايرة وكأنَّ القيامة قد قامت..

كنت مستلقية على فراش من الإسفنج الرقيق الملتصق بالبلاط في أحد صفوف المدرسة، امتزج بي الرعب والألم في اتحاد غريب، تلك اللحظة التي يشعر فيها المرء أنه خائف على بيته.. على سمائه.. وعلى روحه.. تنصهر الأسماء كلها في لحظة خوف.. خوف من الداخل.. وخوف من الخارج.. لم أحتمل.. صرخت.. جاءني صوت خالتي تقول في جزع : تماسكي يا آمنة.. تماسكي..!

نظرتُ في عينيها وعضلات بطني تتقلّص إلى الداخل، تهجمُ على مركز الروح، تنتفض بشدّة، حدّقتُ في عينيها الخائفتين.. كأنِّي أرى ولدها أحمد ، لقد كبّله النير عن لثم كفها، أمسكتْ بيديّ المنهكتين، سنوات وهو يشتاق لمسهما، يعتصر صوتي في أعماقي، يتلوّى وجهي عن اليمين وعن الشمال، أجرّب أن أدعو.. اللهمَّ حرِّره من سجنه.. اللهمَّ حرِّرهم.. جميعهم.

كانت النسوة من حولي يدعين ويبتهلن إلى الله وكل منهنّ تعرض مساعدتها على خالتي في حين انزوى بضعة من الرجال من العجَّز والشيوخ إلى الصف المجاور.. غططت في غيبوبة حملتني فوقهنّ، فرأيت جسدي يتلوّى بين أيديهن، تفرّجت على آلامي وصرخاتي وقد خرجت منها ذاتي، رأيت أطفالي ملتصقين بأطفال أخر يستجلبون الدفء من دثار واحد، ويستجلبون النوم هرباً من أصوات القصف و الدويّ..!

رأيت زوجي وابني محمد البكر هناك.. بين الأشجار يبصران بنور الله، ويسددان بقوة الحق.. يتعاركان مع الموت.. مع الدم.. هناك عندما كنا صغاراً.. كنا نرى في الأحمر لون الزهور والورود، لون فساتين العيد، لون معجون الطماطم الذي كانت تدهنه أمي على الخبز مع الزيت والنعناع فتحوله إلى شطيرة شهية، واليوم.. بتنا نرى في الأحمر ما يفوق ذلك بكثير.. الدم..الدم الذي غطى كل الأشياء الحلوة، محا كل الذكريات الجميلة.. شوّه صور الطفولة وقضى على كل رهافة إحساس، قرأت عن حالات يخشى أصحابها رؤية الدم.. بل ويصاب بالإغماء لمجرّد رؤية جرح ينزف.. ولهذه الظاهرة تحليلات طبية.. لكن تلك الحالات حتماً ليست عندنا .. ولا على أرضنا.. فنحن من طينة أخرى.. طينة جبلت مع التراب والماء بالدم.. لتعتاد رؤية الدم .. لأنه داخل بيوتنا.. ربما يشاركنا طعامنا.. ينام على الصحف والمجلات التي نمدُّها تحتنا فيضاجعنا فراشنا.. أجل.. لقد ألفته أعيننا كما ألفت الكثير من القبح..!!

عدت فارتطمت بجسدي، طفلي يناطحني.. مصرّ على الحياة، والموت يلحّ عليّ.

توالت عليّ أصواتهنّ..دعواتهنّ.. نثرن عليّ المواعظ والوصايا، تغلغلت إليّ همساتهنّ.. "ولادتها عسرة، هل من بين النسوة من تجيد القبالة..؟".

نظرت إلى جارتي أم صبحي، غارت عيناي في وجهها الحزين الحائر، رأيت في تضاريسه كلَّ سنوات الترمُّل التي عاشتها.. وكلَّ الكفاف الذي عاشته مع أولادها الخمسة بعد استشهاد أبي صبحي، وها هو ولدها صبحي قد التحق مع رجالنا بالمقاومة، تعلّمت من أم صبحي المرأة الأميّة كيف أعتزّ بديني قولاً وفعلاً، ما من دين أعظم من دين يطالب بالاستكانة والقوة معاً، بالاستسلام والإرادة معاً.. كيف ذلك يكون..؟ وأي عظمة تدفع بالمؤمن أن يجيد هذا الجمع..؟ أن أكون في خضمّ الأزمة.. في معمعة القهر.. وأنا راضية بقضاء الله.. عازمة على فعل ما يرضي الله تعالى، مطأطئة رأسي لرب العالمين، وأستعين به لأتحرّك ضمن الحيّز المتاح لي مهما كان ضيّقاً..!

تخبّط الطفل في بحر أحزاني، ثار غاضباً فيّ وراح يهجم، لم أفهم عليه.. أيريد أن يخرج ويغيّر العالم ..؟

أم أنه متمرّد على الدنيا ويريد أن يأخذني معه إلى عالم البرزخ...!! ما فهمته أن الموت كان قريباً مني ... قريباً جداً، أقرب إليّ من ذاك الماء الساخن الذي حصلت عليه النسوة بمشقّة شديدة، تحشرجت أنفاسي في صدري، دوّى الانفجار من حولي ، تعالت الصرخات، تطامى الخوف، غبت عنهم، صرت كنهاً ضائعاً في سراديب الحياة، في بيداء مفقودة، في مدينة لا تنام.. لا ترتاح.. لا تشبع.. لا تدفأ، النيران تشتعل في السماء والقلوب تشكو البرد، الإعانات تملأ الحدود، والبطون تشكو الخور، كل المدن لم تعد تنام، كل الأضواء ما عادت ترتاح. لمن بقي النوم..؟ لذاك الذي يهزّ سرير العدل والأمان، فيشخر الحقّ ساخراً من جلبة الأقدام، ومن ضوضاء الكلام، كمن يسمع جعجعة ولا يرى طحيناً ..!

صفحة 7

صاحت من فوقي أختي جميلة وهي تمسح عن جبيني العرق المتصبب :اصبري يا آمنة، اصبري.. لستِ أول النساء اللواتي يلدن تحت القصف.. يجب أن تعيشي..!!

اهتزّ صوتها من الأعماق وترقرقت عيناها بالدموع : نريدك أن تعيشي يا آمنة.. ونريد أن يعيش من في بطنك هاهي أمنا قد أنجبت ثمانية صبيان وأربع بنات وكانت تلد تحت الحرب والقصف والمجازر، من له عمر لا تقتله شدّة..!

أجبتها بصوت منهك.. نعم.. أريده أن يعيش، وسبحت عيناي في تلك السماء الداكنة المغبرة.. فلسطين.. كل فلسطين تنتظره..!

تذكّرت أبا محمد وهو يودّعني عند الباب وقد ارتدى بزّة الجهاد واحتوى في صدره كتاب الله تعالى، وعلى ظهره بندقية عنيدة، وضع يده على بطني، وابتسم ابتسامة أهل الجنّة، وقال لي : إن كان بنتاً فسمّيها غزّة..!

تلألأت عيناي بالدموع وسألته : وإن كان ولداً..؟

سحب نفساً عميقاً وقال بعنفوان وكرامة : سمّيه نصراً..!

التفّت النسوة من حولي وقد أخرجت كل منهنّ مصحفها وبدأن يتلون سورة الرعد، كان إمام المسجد رحمه الله قبل استشهاده ينصح بها عند عسر الولادة .

عاد القصف مجدداً.. وعلى فترات متقاربة، والسماء كل تارة تنير الظلمة بقنابل الفوسفور الأبيض، وكأنَّ الشرّ يعلن مهرجان ألعاب نارية محرقة.. لا.. لن يستطيعوا حرقك يا فلسطين، مع أنَّ من أبنائك من اضطرّ لتغيير اسمه ليحصل على لقمة العيش.. مثلما فعل محمود ابن أختي جميلة حينما ذهب ليعمل في يافا، فصار اسمه دودي صبي المطعم، أو مثل موسى ابن أخي الذي صار موشى عامل محطة البنزين، لكنهم وإن غيَّروا أسماءهم فقلوبهم تنبض باسمك الخالد يا فلسطين. وهاهو محمود وموسى وغيرهما كثير قد التحقوا بساحة المعركة، الكلُّ يذود عن حياضك، عن حدودك التي ما عرفوا كيف يرسمونها، الكلُّ يحمي تاريخك الذي ما عرفوا كيف يخطُّونه.

قال لي أبو محمد مرَّة : يظنُّون أنَّهم بالمنهج الدراسي الذي وضعوه سيمحون تاريخنا، والله يا آمنة لا يخرج الروح إلاَّ بارئها، أنا لا أدرِّس طلاَّبي إلاَّ تاريخنا الحقيقي، تاريخنا الذي عشناه وعاشه أجدادنا حتَّى حكت عنه كلُّ شجرة وكلّ غيمة، تاريخنا المليء بالتضحية والمآثر، وتاريخهم المليء بالخيانة والمكائد ، احتدَّ يومها وقال :

تخيَّلي..تخيَّلي يا آمنة..وصلت بهم الوقاحة أن يغيِّروا معالم فلسطين..!

قلت له بسكينة الواثق : اطمئن يا أبا محمد، تاريخ فلسطين مكتوب في قلب كلِّ طفل قبل أن يولد، لا تخش عليه..!!

جاءتني هجمات قوية، شعرت بأنفاسي تخرج، بصوتي يتشقَّق، ملأ رأسي صوت طلبتي وأطفالي عندما أنشدوا في حفل المدرسة بزهرة المدائن..

كان صدى أصواتهم يعلو.. الغضب الساطع آتٍ ...من كلِّ طريق آتٍ...

ازداد الدفق من أحشائي، تقلَّصت عضلات بطني حتى مزَّقت أوصالي، هناك دفع قوي يريد الخروج بروحي.. بحياتي.. بوطني.. صرخت قوياً.. استنجدت عالياً.. يا الله.!

فاقت أصوات استغاثتي كلَّ الأصوات، كلَّ الضوضاء ، كلَّ القنابل، هناك شيء يخرج مني، أيادٍ تعبث بي، هناك من يسحب الودجين من عنقي ليخرجهما من تحتي، تتطاير ذرَّات جسدي، تطأطئ جلدة رأسي، تشتعل جمرة عيني فلا أعود أبصر شيئاً..

صرخت بقوة، سقط شيء في يدي خالتي وانزوى عني ثقل بطني، لكنَّ صوتي دمَّر كلَّ ما حولي، ما عدت أسمع غير صوتي، كلُّ شيءٍ انتهى.. وما زلت أصرخ.. أتألم.. أنتظر سماع صرخة غير صرخاتي، أنتظر سماع بكاء طفل، صمتُّ.. وجمتُ.. لم يكن هناك غير الصمت..!

تأمَّلتُ من حولي فعجزت عن ترجمة تعابيرهنّ تزايدت خفقات قلبي، غارت تساؤلاتي، بُحَّ صوتي، العيون تمركزت على يدي خالتي، قطع عذابي.. صراخٌ عذب..!

صفحة 8

حوريَّة من الجنة

.. جلست ترتِّب الأعشاب والزهور، ضاعت بين تفاصيلها، راحت ترشح الماء عليها بصمت، تنهَّدت .. لامست يدها بياض الحجر فاحتقن دمعها، تمنَّت لو أنَّها تهوي فوق ذاك الحجر، لو تضمُّه، اقتربت منه .. حاولت أن تشمَّه، غاصت في خفايا ذرَّاته، ابتسمت بعمق....

كانت أجمل أيام حياتي حين أراك تبتسم لي، تلك الابتسامة التي خطفت يوماً ما قلبي وما أعادته إلى الآن، من أيِّ سحر صوَّرك الله..؟ من أيِّ طينة جبلك..؟ ولمَ أنت دوناً عن سواك ؟ أتراها عيناي رأتا فيك كلَّ هذا البريق..؟ لو كانتا هما السبب لأطغيت العقل عليهما شاءتا أو أبتا، لكنَّ كلَّ شيء كان يحدِّثني عن جمالك وجمال روحك، وجمال صورتك، وجمال حديثك، كلُّ شيء كان في صفِّك، وكأنَّ الحياة قد فُتحت لك على مصراعيها لتعبَّ من نعيمها ما تشاء، فتحظى بالدين والخُلُق والحسب والنسب والعلم والثراء والشباب..

عندما كنت تُذكر أمام الزميلات.. كانت العيون تبرق والوجوه تشرق، وأنا أغار.. أغار بصمت، تماماً كما أحبك بصمت، أعلم أنهنَّ جميعهنَّ يرين فيك فارس أحلام لا يفوَّت، وأعلم أنَّ هناك منهنَّ ومن غيرهنَّ من تجرأت وعرضت عليك الزواج بها، وكنت تعزف عن الجميع بابتسامة وحياء، وأنا أرقبك من بعيد.. وأخشى أن تجمعني في زمرتهن. لا ألومهنّ، فأنت ذاك الملاك الذي يبهر الجميع، ولكن.. لمَ ألوم نفسي مراراً وتكراراً..؟ لمَ أصارع خفقات قلبي التي ما عرفت الحياة قبلك..؟ لمَ أحقن دمعي في محجر عيني وذرّات كياني تصرخ بحبك..؟

عشت مع ذاتي حرباً ضروساً، عنَّفتها.. زجرتها.. أهنتها.. ما فائدة هذا العذاب..؟ كفاك حباً لمن لا يراك، ومن أنت حتَّى يراك..؟.. هو في عليائه.. وحُقَّ له أن يعتلي، وأنت هنا مضمَّخة بالصمت..عاشقة للزوايا ،كعنكبوت يستتر في خفايا الجدران.

لكنني اعتدت على رؤيتك، أحببت عملي لأجلك، وأحببت ساعات الدوام الطويلة كي ألمحك كلَّ يوم ولو مرة، المهم أنَّك موجود في عالمي، أنّك تزيِّن سطور يومياتي.

..حتَّى الآن.. لا أستطيع تفسير تركيبة القدر حينما جمعنا معاً في مهام عمل مشتركة، تلك المهام التي كانت بداية طور آخر من أطوار حياتي، أن أخرج معك في الأسبوع مرَّة أو مرَّتين خارج جدران المؤسسة لنشرف على ميادين العمل في ورشات البناء التابعة للمؤسسة، جمعتنا السيارة، وجمعتنا الأوراق والأقلام، جمعنا الكدّ والتعب.. وما كنت أشعر به وأنا معك، جمعتنا مواقف وطرائف لا أنساها حتى هذه اللحظة.

كلُّ زميلاتي كنَّ يحسدنني على تلك المهام، فقط لأنك كنت معي، وكنَّ يستجررنني في الحديث، وأنا أمثِّل التجاهل والاستغراب، لا أدري إن أجدت وقتها التمثيل..!ولا أدري إن استطعت إقناعهنَّ بلا مبالاتي، لكن.. لم يكن أمامي من خيار سوى التمثيل، كيلا أنتكس يوماً أمامهنَّ بصدمة لا أريدها، تمكَّنت في تلك الفترة من السيطرة على نفسي واستخدام عقلي، وهو توفيق محض من الله مع أنَّ حبي لك أعظم من كلِّ ما ذكرت.

مضت أربعة شهور على تلك المهام، وقد تعرَّفت نفسيتك أكثر، وفهمت طباعك، وحفظت سريعاً كلَّ ما يزعجك أو يسعدك، نظرتك في الحياة أسرتني، هل كان ينقصني تعلَّق بك..؟ كنت أحب أن أسمعك، أستمتع بانتقاداتك لظواهر في المجتمع، شعرت بنشوى عميقة وأنا أغوص في تفاصيل حياتك، لولا تلك المهام.. من أين كنت سأعرف الألوان التي تحبها والأطعمة التي تعشقها..؟

كانت الأحاسيس تغمرني وأنا معك فأكسوها بصمت غريب، كنت أشعر بالحياء يتغلغل فيَّ من فرقي لأخمص قدميّ، مع ذلك فقد عجز بريق عيني أن يخفى عنك.

كنت أتهرَّب من استفسارات كثيرة حامت حول شفتيك، بل إنَّ كلَّ تصرفاتي كانت توحي بيأس منك، مع أنني ازددت تعلقاً بك وإعجاباً بشخصيتك، لكنك بدوت لي سراباً تهفو نفسي إليه ولا ألقاه، فلست أهلاً لك.. أنت تستحق ملاكاً مثلك، يليق بك، أنت تستحق حورية من الجنة.. وليس أنا، فأنا لا أملك شيئاً من الامتيازات التي تملكها، لا أملك إلا حباً عظيماً لك.. وصمتاً جباراً يكتمه عنك.

ومع ذلك فقد بدأت نفسي تتفلَّت مني وتهرب إليك، ببريق عين، بلهفة في السؤال عنك، شعرت بها تتمرَّد.. تتملَّص من حصاري وقد خنقها، حتى ثارت وهربت مني في ذلك اليوم وقتلت صمتي، كان ذلك حينما وقعتَ من السلَّم فجُرحت قدمك، واضطرَّ يومها العمال إلى تنظيف الجرح وتضميده، كنت أنظر إليك وأبكي بتخفٍّ فاشل،.. يومها قلت لي في السيارة وأنت تبتسم : ألهذه الدرجة تخشين منظر الدم..؟

صفحة 9

.. ودونما وعي.. ودونما صراعات وعذابات، بل بدمعة حارَّة خرجت مني، قلت لك وأنا مطرقة الرأس :

.. بل أخشى عليك..!

نظرت إليك.. وإذ بعينيك تتلألآن بلونهما الفيروزي وقد انعكس فيهما شعاع الشمس فراحتا تلتمعان كياقوت أراه لأول مرة، شعرت بخفقات قلبك وكأني أسمعها.. صمتَّ برهة.. فطالت عليَّ لحظات صمتك حتى كدت أندم على ما فهت به..كنتَ مشدوهاً.. اقترب موعد نزولي من السيارة، كما فاجأتك فاجأتني، قلت لي :

هل تقبلين الزواج بي..؟

فَغَر فِيَّ.. وكأنَّ دواراً أصاب رأسي، وكأنَّ أذنيَّ ليستا مني، خشيت أنه السراب يخدعني، ماذا أجيبك..؟ هل أقول لك: إنني أحبك منذ سنين..؟ هل أقول لك: إنك تستحق حورية من الجنة..؟ هل أسألك لماذا أنا دوناً عن سواي..؟ وهل أفوِّت لحظة وارب القدر لي فيها باب السعادة..؟

كنتُ في خدر رائع وأنت تقول لي : لمست فيك حياء جذَّاباً وأنوثة مكتومة، لفتِّ نظري بأخلاقك الشفافة، منذ فترة وأنا متردد في عرضي عليك بالزواج خشية أن تصديني، كنت ألمس إعراضاً منك يوهمني أنني لست الرجل المطلوب، لكنك الآن فاجأتني حقاً..!

هل أعلمك بالحسد الذي أكل عيون الزميلات وأنت أدرى بهنَّ مني، ما إن علمن بنبأ خطوبتنا حتى لاكتني الألسن دون هوادة.."يا ما تحت السواهي دواه ".. "لقد دبَّرته".. لقد سعت بواسطة إلى المدير كي تخرج معه في مهام العمل تلك،.. "طلعت أذكى منا جميعاً"..!

بحبي لك تخطيت تلك الأقاويل، فقد كنت مشغولة عنها بك، كنت أغرف نعيماً كنت أحسبه من الجنة، عشت معك أياماً ما زلت أدفع ثمن سعادتها من دموع قلبي..!

كنَّ أربع سنوات من الزواج الذي تحلم به كلُّ امرأة، رفعتني معك إلى عليائك فاشتممت هواءك ورأيت بمنظارك، كانت تكفيني متعة أن أنسب إليك، وأعيش معك تحت سقف واحد، نهلت من نعيم القرب منك بنهم، عرَّفتني على مشاعر في الحب كنت تصفها لي وصفاً يفوق وصف الأدباء.. وكانت جميلة.. جميلة مثلك، مضت السنوات الأربع دون أن أشعر بها، فلحظات السعادة تمر سريعاً، كان حلماً أن أجد لديَّ أسرة صغيرة من زوج مثالي وطفلين مثاليين، أتراها مبالغة إن قلت: إن حياتي معك كانت مثالية..؟ لكنها فعلاً كانت كذلك، وبكلِّ مثالية رحلتَ عني.. فجأة.. صحوتُ لأجد نفسي أرملة مع طفلين يتيمين،.. أين تركتنا ورحلت..؟.. أثقلت الكاهل عليَّ يا حبيبي، لم نشبع منك بعد.. طفلانا صغيران ويحتاجان الكثير من الرعاية، وفقدك قصم ظهري، وكأنني أضعت فردة حذاء الأميرة فغار في سابع بئر لسابع أرض فأنَّى له أن يعود..! وأنَّى لأيامنا الحلوة أن تعود..؟!

هؤلاء اللواتي تمنين مكاني بالأمس بتُّ لهنَّ الآن صورة قبيحة للحظ التعس، كنت أقول لنفسي.. أنا من بين الكلِّ أحظى بكلِّ هذه السعادة..! من حمقي ما دريت أنني المختارة لتحمِّل جبل من الهموم على ظهري، لأكون مصدر تعاسة وهمّ وليس مصدر سعادة وحظ.

ما زلت أدفع ثمن سعادة تلك السنوات الأربع من حزني.. من ألمي.. من ضعفي وعجزي، من شوقي إليك وقد ذبحني، يا ليتني ما تمنيتك، يا ليتك بقيت ذاك الحلم الذي لا أستحقه ويطيح بذهني نشوى القرب منه، أمَّا أن أفقدك بعد أن حفظت رائحة أنفاسك ودفء جسدك..! أشعر بالبرد يا حبيبي.. أشعر بالشوق المخرِّش لشرايين القلب.

أشتاقك في كلِّ لحظة يكبر فيها ولدانا.. وكأنَّهما خُلقا من غير أب، اعتادا فحيح غيابك في وحشة الأيام، امتزج داخل روحهما فجر الحياة بغسق الموت.

أنا أعلم أنك هناك.. في عالمك الآخر.. سعيد.. مسرور، وقد استبدلت بي حورية من الجنة، هي أصلاً التي تستحقك وليس أنا، ومكانك أصلاً هناك بين الملائكة وليس هنا، فهذه الدنيا لا تتسع لجمال كجمال روحك، ولا يحتمل صدرها سعة قلبك، لم تستطع استضافتك أكثر من أيامك لذلك أكرمَتك بكلِّ ما ملكتْ كي تريك عذرها..!

عشت معك حلماً.. حلماً امتدَّ أربع سنوات وأربعة أشهر، وكي أعيش على ذكرى هذا الحلم الجميل بقية عمري عليَّ أن أكتسي مجدداً بالصمت، فبعد أن رفعتني عدتَ واعتليت.. وأرجعتني إلى حالة التمني.

سأغذِّي قلبي بالصبر وظنِّي بالله كل َّ خير، فالكريم في الدنيا هو كريم في الآخرة.. مهما بعد ذلك اليوم.. سأبقى بانتظار لقاء جديد.. يجمعنا مع ولدينا.. هناك.. في الجنة.. لكنه خالد هذه المرة..!

هطلت دموعها طويلاً، حام طيفه حولها.. ضمَّها.. احتضنها.. قال لها : أحبك.. أحبك أنت..! كان قريباً.. قريباً جداً وكأنَّها تشمُّ أنفاسه.. وكأنَّها تسمع ضحكاته..!

صفحة 10

الكرسي

صحوت مرة فوجدت نفسي صبياً يثير البهجة والفرح لمن حوله، فيه من خفَّة الدم ونضارة البشرة ما يجذب إليه الجميع، وصحوت مرة أخرى لأجد نفسي غلاماً يلفت الأنظار بفطنته وبلاهته معاً، حتى أنا نفسي لا أعرف نفسي.. فما أعرفه عن داخلي لا يعرفه الآخرون، وما يعرفه عني الآخرون لا أعرفه أنا، ترى.. أغبي أنا أم ذكي.. أم محظوظ..؟ في المدرسة كانت تأتيني ورقة الامتحان مرفقة مع ورقة الإجابة وأنا أغطُّ فوقهما بنوم عميق..!

وبعدها بغير قليل.. فوجئت بأيدٍ ترفع مقعدي إلى أعلى.. ثمَّ أعلى.. ثمَّ أعلى.. حتى أجلسوني على كرسي لا يمتُّ لأحلامي بصلة، في الحقيقة.. لم يكن لديَّ شيء محدد من الأحلام.. المهم أن أشبع رغبتي من النوم ولا يهم إن رأيت حلماً أم لا، لكن الأمر الجميل أنني في حياتي كلِّها لم أرَ كوابيس، دائماً أغطُّ في نوم عميق.. أحب النوم، أحبه كثيراً..! أنا لا أنام لأنني أحتاج إلى النوم، أنا أنام لأنني أحب النوم، هناك فرق..!

هذا الكرسي جعلني صحفياً، لكنني صحفي باختصاص، فأنا مخوَّل أن أرصد الواقع بعيونهم، وأنتقي من الصور ما يريدونه، وأرتدي القميص باللون الذي يحبون، أصبح موقعي مركزاً مهماً للإعلام، ولبثِّ الأخبار والدعايات، باتت تحركاتي وألفاظي محسوبة بدقة، وصار لي أعداء لا أعرفهم ولا أفهم سبب عداوتهم، بل إنني لا أدري في كثير من الأحيان إن كانوا حقاً أعدائي، فقد أمضينا معاً سهرات رائعة..!

صار يُخشى عليَّ من تلك العداوات الوهمية، فكان لا بدَّ لي من مرافَقَة تحيط بي وتدبُّ الرعب في قلوب من يراني.

بعد هذه المسيرة المتواضعة من حياتي طُلب مني أن أسرد قصتي، كتبتها بمدادهم بحيث يستمتع القارئ بها، وليس بالضرورة كما عشتها أنا..! فأنا الذي تعبت وسهرت الليالي، وضحيت بالغالي والرخيص من أجل هدف وحيد راقٍ وسامٍ، هدف بات سلعة تصعَّد بها جميع الدوافع البشرية من رغبة في الطعام والجنس والمال والمنصب، فكل شيء من أجل خدمة الوطن، وأنا من أجل الوطن صعدت.. وأكذوبة أن يصل المرء من غير صعود..! بل الأكذوبة الكبرى أنني هنا على هذا الكرسي، المصيبة أنني أول من صدَّق هذه الأكذوبة، وصدَّقها غيري كثيرون، ثمَّ استفحل الأمر.. فقد انتشر وباء الكذب إلى جميع الكائنات البشرية، فبتنا أكذوبات تمشي على الأرض، وكلما كانت الأكذوبة أكبر وأشدَّ لمعاناً وأكثر لفتاً للنظر فهي ترمز أكثر للإبداع والخلق، أليس الكذب خلقاً وافتراءً..؟

في آخر ليلة نمت فيها، نمت طويلاً.. طويلاً جداً، واستغرقت في النوم بشكل خرافي، وعندما صحوت شعرت برأسي خاوياً كالطبل، والدنيا تدور من حولي كدوَّامة فظيعة، وفوجئت بنفسي منتفخاً حتى ضاق الكرسي بي وضقت ذرعاً به، فأنا عادة حتى عند النوم أنام على الكرسي، أنا لا أترك الكرسي بحال من الأحوال، فقد اعتدت عليه وأخشى أن أفقده، لكنه الآن ضاق بي، وصار حجمي يتطلَّب كرسياً أكبر.

طلبت من مرافقتي أن يبحثوا لي عن كرسي يليق بحجمي، كانوا يبحثون ويبحثون.. جاؤوني يلهثون :

كل الكراسي محجوزة يا سيدي، لا أحد يريد الوقوف، هناك تهافت عظيم على الكراسي كبيرة الحجم.

صرخت فيهم غاضباً : لا يهمني كلُّ ما تقولون، المهم أن تجدوا لي كرسياً يلائمني حتى لو اضطررتم أن تسحبوه من صاحبه على حين غرَّة..!

- أيُّ غرَّة يا سيدي الكل متشبِّث بكرسيه بطريقة (هيستيرية )..!

زمجرت غاضباً فتفرَّقوا من حولي كفئران هاربة..