صفحة 1
الوصية
غزالة بنت الطقطوق وهي تهذي على فراش المرض في مستشفى العاصمة الحكومي عن طفولة حارة في بلاد محيت عن الخارطة فلم يبق منها سوى ذكريات سجلتها غزالة في رأسها الصغير وحلفت ألا تفارق هذا العالم دون تدوينها، ولمّا كانت غزالة عاجزة عن أن تحمل القلم بسبب وضعها، ولمّا كنت أقرب الناس إليها في أيامها الأخيرة فقد وعدتها أن أكتب ذكرياتها بحذافيرها·
عندما ماتت غزالة وعرفاناً مني بالذكرى وبالصحبة، انطلقت باحثاً عن مربع طفولة المرحومة·
والحقيقة أن شكوكاً كثيرة ساورتني في هذه الرحلة، أهمها أن هذا العالم التكنولوجي المعقد لا يمكن أن تنطوي تحت ترابه حارة مثل حارة الغزالة ولا ذكريات كذكرياتها، وقد بتّ أعتقد أن البلاد، التي لم أجدها في أي خارطة، هي الأخرى من اختراع خيال الغزالة الواسع·
ولكنكم لن تصدقوا ما رأيت:
كان كل شيء كما وصفته الغزالة
كل شيء بحذافيره
وكأن الخيال تجسّد في الواقع
وكأن البلاد لا تزال قائمة ولو غيبتها جميع الخرائط
وكأني رأيت الغزالة لا تزال تلعب في الحارة وتخط كلماتها الآتية·
عندما بدأت بكتابة قصص الغزالة، التي جاءت على لسان متوتر ومتقطع تشابكت فيه الدموع بالضحكات والذاكرة بالذكريات، رأيت أن أنقل أسابيع الكلام على دفاتري بشكل شبابيك بهدف التسهيل لا غير·
شبابيك يغلقها الماضي
وشبابيك يفتحها الآتي
قد أكون أطلت عليكم
ولكني وقبل أن أفتح شبابيك الغزالة رأيت من واجبي أن أخط ملحوظة صغيرة:
كان من الممكن أن تصبح غزالة كاتبة
أو شاعرة
أو حتى نبيّة
كانت تتمنى أن تموت في الحارة في يوم خريفيّ دافئ، وتحلم أن تغطي أسراب الحمام الساحة الترابية لتقول لها الوداع، لكنها ماتت في عز الشباب
مقهورة
مجهولة
منسيّة
وقد شدّني إليها كمغناطيس قناعتي بأنّها تحمل أسراراً لعالم آخر·
وأنا أؤمن أن الغزالة ستعود·
فإني لا أزال أذكر قولها:
لكي لا تموت
عليك أن تتذكر
ولكي تتذكر
عليك أن تنقل التاريخ
كما هو
وأنا أعلم أني حين أنقل كلمات الغزالة كما أرادتها فإنها ستكون في هذا الوقت تستعد لكي تعود
هذا ما قالته لي الغزالة:
صفحة 2
جذور واوي
عائلتنا مجهولة الحسب والنسب وليس لها جذور معروفة· حتى ستي التي أنجبت رقماً قياسياً من الأولاد لا تعرف مصدر عائلتنا· إشاعات تقول أن أصلنا من جبل لبنان، إشاعات أخرى من سواحل سوريا وأخطر الإشاعات كانت أننا فلسطينيون "قح" ولكن لجد يهودي من صفد، والدليل على ذلك أنف جدي الكبير الذي ورثه عنه جميع أولاده وبناته· وأمي تقول إن الله قد استجاب لدعواتها حين كانت تضيء الشموع في كل حمل راجية من الله ألا يرث أبناؤها هذا الأنف في حين كانت جدتي تعتقد أن أمي تدعو الله أن يرزقها البنين حتى ترفع رأس عائلتنا بالذكور، وهكذا تستطيع أن ترد على الوشوشات التي تسمعها كلما مرت بالحارة عن فقر العائلة بقولها: بيت رجال ولا بيت مال·
أبي عيد هو رقم 11 في طابور تتخربش بهم ستي وبأسمائهم وعددهم·
وعائلتنا، التي لم يمن الله عليها بالجاه والمال والأرض والخير، اضطرت أبي إلى العمل في كل أنواع الأعمال الشاقة؛ وهكذا بـ طقطوقة من هنا و "طقطوقة"من هنالك مشي الحال ولم نمت من الجوع على الرغم من أننا ذقنا طعمه أحياناً·
أما لماذا سمّاه جدي"عيد"فلأنه ولد يوم عيد البربارة، وكانت ستي تسلق القمح حين "أجاها الطلق"ومن يومها وللقمح مكانة مميزة في حياتنا، حتى أن أمي فكرت أن تسميني عند ولادتي "قمحة"رغبة منها في في اكتساب بعض ود عائلة أبي، ولكن أبي نهرها:
- من أي دِست بتجيبي هاالأفكار؟
وردت أمي بعنادها الذي ورثته سريعاً عن عائلة أبي المشهورة بالعند عن تياسة:
- مالو اسم قمحة؟ مثل زهرة مثل ياسمين·
ويزمجر بها أبي:
- قمحة مثل شعيرة مثل حصيرة· تصير مدعسة للرايح والجاي·
وأمي لا تتنازل:
- ولماذا لا تقول إن القمح يجيب الخير ويفتحها علينا وعليــك ؟
صفحة 3
ويطفر أبي حين يفهم إلى أين تتجه أمي بالحديث، ويتمتم ببضع كلمات هي في أساسها شتائم للعيشة الصعبة·
وهكذا استقر رأي أبي وسمّاني غزالة·
قال:
- غزالة تسابق الريح وتقفز فوق الزمن ويكون لها شأن كبير بين العرب·
وأبي تزوج أمي عن حب·
وقد وعدها، ضمن وعوده الكثيرة، أن يشتري داراً في أعلى نقطة في جبل الكرمل في حيفا، حتى تكحل عينيها الجميلتين بأجمل بقعة في فلسطين·
وصدقت أمي وعده·
حين عرفته وأحبته كانت الحرب الكبيرة على الأبواب· وحين تزوجته كان أبي قد انضم إلى جيش اليهود ولبس ملابس الجيش الكاكية التي بهرت عقل أمي الصغير·
بين ليلة وضحاها تغير اسم الوطن و تغيّرت معه مهنة أبي· صار عيد الوطني خدّام الاحتلال· ولكن وكما يقولون الدم ما بيصير مي والظفر ما بطلع من الجلد، وهكذا بعد أقل من شهرين انضم عيد لحزب الواوية وحمل البطاقة الحمراء بالسر إلى أن فسد عليه أولاد الحرام فرماه الجيش بلا تأخير ولا تعويض·
وهكذا اضطرت أمي أن تبلع أحلامها وأن تُكبر عقلها وأن تكتفي ببيت قديم، عبارة عن غرفة واحدة واسعة كبيرة، فشمرت عن يديها وخرجت إلى العمل مصممة أن تصنع أحلامها بيديها·
هذه قصة أمي أكثر من كونها قصتي وقصة أبي أكثر منها قصتي وقصة ستي وجارنا وجارتنا وحارتنا ومدرستنا وقصة هذا الوطن الذي وقعت في حبه وقعة لا قيام منها أبداً·
صفحة 4
العطلة
يكن في يدي ساعة لأعلم كم مر من الوقت وأنا واقفة أنتظر الباص حاملةً في يدي اليمنى كيس نايلون دحشت لي أمي فيه بعض الملابس، وفي اليد الأخرى تتململ يد أختي الصغرى وأنا أعصرها عصراً حتى لا تفلت إلى الشارع فتبليني·
كنا ننتظر الباص، الذي سيحملنا إلى القرية المجاورة، لنقضي قسماً من العطلة الصيفية التي ابتدأت قبل أيام عند أهل أمي كعادتنا في كل عام·
فكرت لو أن أمي كانت قد اشترت لي ساعة من معاشها الشهري، الذي بدأت تحصل عليه منذ بدأت تعمل قبل شهور في المدينة المجاورة، لكانت قد وفرت علي قلق انتظار الباص، ولكنت قد تسليت بها وبأرقامها الصغيرة التي تلمع في ضوء الشمس كساعة جدي الكبيرة، وربما علمت أختي المزعجة كيف تقرأ فيها الوقت في زمن الانتظار هذا، ولكن الساعات في أيامنا كانت من نصيب الأغنياء أو الكبار، أما بالنسبة لنا نحن الصغار فقد كانت أمنية لا أكثر· فقط كنت أتعجب كيف أن ابن صفي، الذي ما زال لا يعرف أن يكتب اسمه ولم يحفظ بعد جداول الحساب يملك ساعة كبيرة يتباهى بها في الصف، فقط لأن والده يربح الكثير من بناء بيوت لليهود على أرض كانت لنا يوماً كما كنت أسمع من الكبار في عائلتنا·
ورغم ذلك وعدتني أمي فعلاً أن تشتري لي ولأختي الكبيرة ساعة من أحسن نوع من الهمشبير1 نفسه، وكنت أعلم أن وعود أمي كالدَين، ولا شيء تكرهه أمي أكثر من الديون، إذ كانت تفضل أن تموت جوعاً على أن تستدين قرشاً واحداً، ولذلك لا بد أن تفي بالوعد وأن تشتري لي الساعة المنشودة·
أتى الباص أخيراً يزحف بكسل مزعج أكثر من الأسئلة التي لم ترحمنا طول الطريق من كل جانب: عن أمي وعيشة أمي وسلامات إلى أمي· أما كيف عرفونا، فـ "على اللاحة"كما قالوا·
وكنت أحب الصيف في قرية أمي: فأهلها ما زالوا يعملون في الفلاحة، والقرية بدت أشبه ببيارة كبيرة· كنا نركب على الحمير في وسط الشارع، نتسابق مع الأولاد الآخرين ونقطف الصبر والتين المنتشر في كل ناحية بلا رقيب أو حسيب، تلك أشياء افتقدتها قريتنا التي شلحت ثيابها الأصلية بسرعة، والأهم من ذلك أننا كنا دائماً محل اهتمام الجميع لأننا ضيوف، وهكذا فالجميع يريدون استقبالنا أحسن استقبال، فمرة تأخذنا بنات خالي فلان إلى الدكان القديم ليشترين لنا ما طاب من مأكولات، وتارة تأخذنا بنات خالي علان، ولا ينسى واحد منهم أن يعبر عن استيائه لأننا لعبنا وقتاً أكثر مع بنات الخال الآخر أو نمنا ليالي أطول عندهم·
صفحة 5
لم نكد نقضي يوماً واحداً في القرية حتى أطلت علينا أمي جزعة بقامتها الطويلة ووجهها الذي شابه لونه الكعك الأصفر، وبعد أن تمتمت ببضع كلمات مع جدي، لفت ملابسنا في الكيس وحملتنا ثانية إلى الباص المزعج·
قالت أمي:
- لقد أخذ اليهود أرضنا·
أحسست بفداحة المسألة، فأيّ شيء يدخل فيه اليهود لا بد أن تقع فيه مصيبة، والمصيبة الأكبر أنّ لهم في كل عرس قرص، فمنذ ولدت وأنا أسمع اليهود اليهود اليهود ولا أسمع عن العرب، فهل العرب موجودون حقاً ؟ أم أنهم كقصص أمي أبطال وهميون؟ ثم لماذا تعيدنا أمي إلى القرية ؟ وهل نستطيع نحن الصغار أن نقف في وجه اليهود هؤلاء الذين لم يستطع كل العرب، ولو في القصص، أن يقفوا في وجوههم ؟
حين وصلنا كانت قريتنا ساحة حرب حقيقية، خاصة من مدخلها الرئيسي وامتداداً عبر الشارع المؤدي إلى الأرض المصادرة·
لم يكن لدينا أرض، ولكن المسألة بدت شخصية للغاية، وقبل حلول الظلام كان كل رجال عائلتي ونصف رجال القرية في السجن، أما أنا فقد انتهت عطلتي في هذا اليوم حيث قضيتها في المستشفى·
وكيف تمت المسألة؟
بعد إن أوصلتني أمي أنا وأختي إلى البيت، و نبهت علي وعلى أخواتي عدم الخروج منه، انطلقت هي إلى حارة القتال، ولكن فضولي كان أكبر مني، فصممت أن أذهب لأرى بعيني عينة من الحرب الكبيرة التي طالما حدثنا عنها أبي في ليالي البرد·
ولكن أختي المزعجة التي تصغرني بأعوام، صممت كعادتها على المجيء معي فعدت أمسك بيدها منطلقة أنا الأخرى إلى ميدان الكبار·
كان أول ما شاهدته وأغضبني أن العشرات من أطفال القرية يملأون المكان· بعضهم يلعب، بعضهم يتراشق بالحجارة وبعضهم يجمعها كسناسل معتقدين بهذا أنهم سيمنعون الجيش من دخول القرية· هنا تركت يد أختي لتسرح معهم، وذهبت لأرى بعيني الطوشة الحقيقية، حيث يتجمع الكبار في مواجهة مع جيراننا الجدد· لحظات وبدأ غيم الحجارة يمطر من السماء، ففتح الجنود أنابيب الغاز المسيل للدموع، ورأيت أمي تخبئ عينيها، في هذه اللحظة أيضاً رأيت حجراً يستقر في جبهة أختي الصغيرة فتسقط على الأرض هي الأخرى مصابة والدم ينزل منها فتملكني الذعر·