eKtab
EN ع
شغف
اقرأ عينة مجانية

شغف

بقلم هبة بوخمسين

صفحة 1
أن نحيا اللحظة
 
أرهف السمع وأنصت· أصواتهم في دوائر متداخلة تكبر، وتعلو أحيانا على أناك - التي سريعا ما تقمع الرغبة في داخلك للامتداد وصولا إليهم· في هذه الدنيا ليس ثمة عال ووضيع، الكل سواسية والجذر نطفة واحدة· كلنا عابرون دون استثناء، فما جدوى حياة تمضي دون الشعور الأدنى بمن حولك؟
 
ليس سهلا انعكاس الحقيقة من جميع جوانبها· هل نحن حقا قادرون على استيعاب انفضاحها بكل زواياها وتداول واقعها مع جميع المتورطين فيها· كيف نحكي الحكاية؟ وكيف تصلكم؟ وهل تصدقون كل ما يروى لكم مهما علت درجات الثقة التي نضحك بها على عقولنا المتعطشة للأمن في حضن الآخر وفي عمق حكاياته وأخباره·
 
لكل منا قصة تستحق الاهتمام، ولكل منا فِكْر أشرفت على تكوينه مدخلات كثيرة، فمن نلوم حينما نهاجم من صيرناه مجرما، ومن نمتدح حينما نداهن من نزّهناه ملاكًا·
 
ثمة أخبار وأخبار في كل إيماءة من العابرين في حياتك، ثمة تداخلات تقحمنا في شؤون شتى، ثمة فصول من روايات نشكل جزءا أساسيا في سير أحداثها دون أن نعرف·
 
ليس هناك بطل واحد، أو مجموعة أبطال معينين· تلك نظرية عفا عليها الزمن· هنالك أصوات غير معدودة تصنع اليوم والحدث، بلا أحدها تنتهي القصة عن كونها قصة· لا تستهن بأي عابر سبيل، فمشهد يشغل ثواني من حيز حياتك قد يدوم تأثيره عمراً·
 
من السذاجة اقتناء منظار طلبا لرؤية أوضح·· فلنبتعد قليلا، نجلس على مقعد المحايد ونستمع للجميع، نراقب الكل··· ولا نتجرأ على إصدار أحكام مسبقة، أو لاحقة·
 
ربما من الأفضل أن نحيا أقدارنا·· لحظة بلحظة· لا تفكروا كثيرا·· وإلاّ ستصابون بالجنون، فقط أنصتوا·
 
محبة··
 
هبة بوخمسين
 
الكويت
 
فبرايـر 2008
صفحة 2
حُقول الشغَف
 
هل كلّ هذا أنتِ؟
 
غامضة وواضحة
 
وحاضرة وغائبة معاً
 
محمود درويش
صفحة 3
عَزّة
 
تعالَ··
 
لكنه تجاهل نداءها الباهت له· استكمل الركض بقدميه الملوّثتين بالطين، ولم تفارق وجهه علامات النزق الطفولي· لطخ الشغب على وجنتيه، لسانه يداعب شفته العليا خلال انهماكه باللعب، أصابعه الرشيقة الصغيرة تصل إلى كلّ التفاصيل، وملابسه المنكمشة المنتزَعة اللون لا تعوق اشتراكه في كلّ مشروع بين صغار الحي، أو حتى مع من يكبرونه سناً·
 
لكن، كان من عاداته أن يتجاهل نداءها، ومن طقوسها ادّعاء اللحاق به·
 
عيناها تتنقّلان بين مراقبته وبين تتبّع الوجوه العابرة، تبحث بينها عن بهاء، دون حياء من جذور الحي التي تهتز تحت وقع خطواتها، والتي تقرأ - كما كل الطبيعة - ما يراودها القلب عنه· عيناها تتجاهلان جلبابها الواسع، الذي حاولت سابقاً تحديد تفاصيلها من خلال تدريج تضييقه، حتى لا يشعر الآخرون بفجائية بروز مفاتنها· تتنقّل بخمرة بشرتها، تبحث عن طيفه الذي احتفظت به ذاكرة اللهفة؛ تلك التي يعرفنَها بنات حيّها، الغافيات على الحلم باليافع من شباب المدينة، من زوّار الاستكشاف ومقتنصي اللذّات العابرة، أولئك الـ صدورهم تتلألأ حمرة من لفح الشمس، ونظّاراتهم الشمسيّة تعكس كل الوجوه وتحجب عيونهم·
 
تبحث عنه حيث اعتاد احتساء الشاي في مقهى السيّاح عند ناصية الشارع الرئيسي لحيّهم، بين الأجساد المتزاحمة عند مدخل أحد المتاحف، أو عند بوابة الفندق الذي قطن أحد أجنحته·
 
رغم نفور دمعة ساخنة يتيمة من عينها؛ تقاوم الألم بجلد·· وترسم ابتسامة قلقة حين يجيء أخوها الصغير ملبياً نداءها، لا لشيء سوى الجوع الذي يهزمه·
 
فتضطرّ للعودة، وبهاء لا تراه·
صفحة 4
1- لمحة أولى
 
إيّاكِ والشرب من هذه المياه !
 
ولو·· أنا ابنة البلد !
 
صافحتها ابتسامته، حرص غير مسبوق أمطرها به، وسأل عن اسمها·
 
عَزّة
 
نظر إلى أصدقائه وعاود تطويقها بعينيه··
 
أنا بَهاء، تشرّفت بك
 
وغادرهما أصحابه·· دون إشارة ظاهرة منه·
 
كان المغيب يهبط بحمرته، وزرقة الأفق تغالبه، وكان التردّد في قلبها على أشُدّه، موعد عودتها إلى سكنها مع عائلة عمّها، ومجموعة الأواني التي انتهت - مُنهكةً - من غسلها، وإلحاح عينيه يستبقيها دون أن يطلبَ ذلك·
 
غداً، نكون عند المتحف·· العاشرة صباحاً، ما رأيك؟
 
لملمت استحياءها، وغادرت راكضة·
صفحة 5
2- موعد
 
لكنها لا تظهر·· وبدلاً عن ذلك بقيت حيث التقيا أوّلَ مرّة· قالت لها جنّيتها إنه سيعود هاهنا، تأكّدي·
 
كانت متأكدةً، ورغم ذلك ارتعشت حين لمحته·
صفحة 6
3- غنج البنات
 
يومان منذ الرعشة· وصارت لا تجدل شعرها البني الطويل· بل تعقصه، وتلفّ طوق الفلّ حول ربطته، وتترك بعضه يسرح على كتفها·
 
كلّ مغيبٍ، موعودةٌ به عند البركة·
 
هكذا حُدّدت مواقيتها معه، دون أن يقولا أكثر· يلحق بها حيث تعرف ابنة البلد المَخبأ الأمثل ليقضيا ساعتهما متحدّثيْنِ· مع كل حُمرةٍ تنازع الزرقةَ يُهديها عربون صدقه· صارت تغسل الأواني أسرع من أي وقت، وتعود محمّلةً بالتماع أصفرَ جديد·· بحلقين، سلسالٍ، خلخالٍ، وخاتمٍ·
صفحة 7
4- تورّدُ الخدّين
 
أنثى كاملة· لا يغلبها صراخ زوجة عمها، أو إلحاح أخيها الصغير، ولا حتى أوامر عمها غير المنتهية، أو فظاظة بنات عمها· تجد النور دائماً، المخرج الذي يلتفّ على نظراتهم، وينجو بها من فخّ السؤال·
 
نهم اللذّة ينتشلها من منغّصات يومها، هكذا تورّدت في يومها السادس معه·
صفحة 8
5- تعالَي
 
دعوة مباغتة·
 
وصلتها بإشارة يديه حين لمحته عبر شبّاك غرفتها واقفاً أمام بيت عمها· خارت ركبتاها، وما قدرت على استجماع قوّةٍ تهبط بها إلى حيث يكون· تعاود الإطلال من الشباك، وتصلها الإشارة نفسها·
 
تعالَي··
 
بإصرار أشدّ، ورجاء عينيه يزيغ قلبها· يهرب الجلد منها مع جفاف حلقها، ويتسارع النبض في صدرها·
 
لا تجيبه، ولا تلقاه حيث اعتادا، بل تختبئ·· كفأرة مرتعدة·
صفحة 9
6- أبناء المدينة
 
أخبرتها جنّيتها صباح اليوم الذي تلاه أنه أسفل الشباك· كان كذلك حين استرقت النظر، وحرصت على ألاّ يراها· شهقت، وارتطمت بظهرها على الجدار، وصارعت جفاف حلقها مجدّداً·
 
وساوسها تحوك في ذهنها خوفاً من أنه لن يهمد إلاّ حين يلقاها· الشوق الغضّ يتردّد في قلبها، روح تنشد خلاصها بالانعتاق معه·· تتلاحق أنفاسها كطريدة·· بين وساوسها وإلحاحه، والشوق الغضّ يعاركها كطفل رضيع··· لا يشبع ولا يرضيه سوى المزيد·
صفحة 10
7- جنون
 
الأواني في خرقة·
 
انتظرَتْه - وقت المغيب - حيث كانا أوّل مرّة، قلقها مضاعف، والتفاتها في كلّ ناحية شبهة ملازمة· جاءها كعادته، ولحقت به هذه المرة·
 
لا أعرف كيف طاوعتك·· !
 
أحبّك وتحبّيني
 
بس عيب
 
سأطير بك بعيداً عن هنا، تثقين بي·· وإلاّ، فلم أنت الآن معي؟
 
تسلّل بها لجناحه الفندقيّ· داعبها، دلّلها، واستحم معها، ولثم كلها···
 
وباغتها : حلو العيب؟
 
ششششششه! أحبكَ!