eKtab
EN ع
شجرة الصفصاف
اقرأ عينة مجانية

شجرة الصفصاف

بقلم د. نادية بيروك

صفحة 1

شجرة الصفصاف

جلست تحت شجرة الصفصاف، فتذكرت لتوها ابنها الذي لم تره منذ عشرين عاما، لقد ألهبها الشوق، وشدها الحنين. لازالت رنات صوته الحلوة تطارد مسامعها، أمسكت بطرف لحافها وهي تمسح دموعها المنهمرة. إنه قلب الأم، لكنها لم تكن في يوم من الأيام تفهم معنى الأمومة، كتب عليها أن تنتقل من يد ليد، وأن تغادر هذه الحانة لترقص في الأخرى. كانت الكأس تلف رأسها وكان النبيذ الحار يأخذها إلى عالم آخر، عالم أسود، لا مكان فيه للقيم ولا للمبادئ... كان جمالها هو رأس مالها وكانت حاجتها وفاقتها جريمتها الأولى، قبل أن تكون أمومتها المنسية جريمتها الثانية.

تنقضي أيام الشباب سريعا، فيطاردها المرض والألم، يعاندها السهر ويخذلها الشرب، فتنفضها الأيادي كما ينفض الغبار. ومن قرية إلى قرية تجرها قدماها إلى هذه القرية، فتشدها شجرة الصفصاف، تلك الشجرة التي أظلت مولودا صغيرا، تلك الشجرة التي رأت أما يافعة تتسلل في جنح الليل لتترك قطعة من أحشائها للكلاب الضالة والذئاب المفترسة. هذه الأم اليوم تتمسح بنفس الشجرة وتبكي في طهر ورجاء. لا تبغي منها إلا شيئا واحدا، أن تنطق أن تخبرها عما حل برضيعها الحبيب، لكن هيهات أن ينطق الأصم أو يرى الأعمى. فالشجرة صامتة، جامدة، لم تتغير رغم تغير الزمن وغدر السنين. نهضت حليمة مبتعدة عن تلك الشجرة التي أضحت عذابها الوحيد، وفي تلك الأثناء سمعت وقع أقدام قريبة، فانزوت وراء الحشائش، لترى منظرا حلوا زاد مواجعها، كانت على بعد متر من موقعها عجوز تتكئ على كتف ابنها الشاب، تسامره وتحادثه وعيناهما تشعان بالحب والمودة الصادقة. انسابت دمعتان حزينتان من عينيها وخنقتها الحسرة والألم. لكن كلام العجوز استحوذ على قلبها وعقلها حين سمعتها تقول لابنها الشاب أن شجرة الصفصاف منحتها منذ عشرين عاما هدية لم تكن في الحسبان، وأنها تأتي كل مساء إلى هذا المكان لتشذب ما يعلق بها من حشائش ضارة، ولتسقيها بنفسها امتنانا وشكرا لله تعالى. أدركت حليمة أن ابنها عاش في حضن أم طاهرة، تمنت لو أنها تحضنه لكن قدميها تسمرتا في مكانها، وقلبها وإن طاوعها على حبه، لم يطاوعها على القضاء على سعادته. لم يكن لها عزاء إلا شجرة الصفصاف تنزوي وراءها كل مساء حتى ترى طلعة العجوز وابنها الحبيب فتعود أدراجها من حيث أتت.

صفحة 2

تاجر في الخفاء

ركض محمود حتى انقطعت أنفاسه، لقد كانت الشرطة تلاحقه وكانت على وشك الإمساك به لولا لطف الله. تحسس محمود جيبه في فزع ثم ارتسمت على محياه ابتسامة مرة.

- الحمد لله! لم تبرح البضاعة مكانها. لن أوزعها اليوم لكن يجب أن أبيت في هذه المغارة الليلة.

كانت المغارة في مؤخرة "جبال الريف" تلك الجبال التي غدت وكرا لترويج المخدرات ومقرا لبيع السموم. لم يخلق محمود ليكون تاجرا ولا مروجا لهذه البضاعة الوضيعة، ولكن الأقدار شاءت أن يتحول هذا الفتى الطيب إلى مجرم تطارده العدالة. كم تمنى والده أن يراه أستاذا وكم كانت أمه تسعد لنجاحه وتفوقه، لكن الموت يخطف الوالد الحنون والحزن يذهب ببصر والدته وبصحتها فيجد نفسه مضطرا إلى مغادرة الدراسة، يجد نفسه هنا بين هذه الجبال الرهيبة موزعا بين زرع الحشيش وبين نقله وترويجه.

مع مرور الوقت، كسب ثقة زعيمه وأصبح دخله مرتفعا حتى أنه تمكن من إدخال والدته إلى المستشفى. ومن شراء بيت قرب الشاطئ، كما أرسل أخته الصغيرة إلى مدرسة داخلية. ولعل هذا ما أثار الشكوك حوله وما دفع الشرطة إلى مطاردته.

تأوه محمود حين اصطدم بصخرة لم يعرها انتباهه داخل المغارة لكنه ما لبث أن تابع سيره غير مكترث لقدمه التي تنزف بغزارة، فجأة سمع صوتا لم يعتده وانطلق ضوء قوي كاد أن يذهب ببصره.

- توقف أيها الوغد! لا سبيل للمقاومة إنك محاصر!

بغث محمود من هول المفاجأة وسارع إلى التهام ما معه من مخدرات في هلع وخوف. لكن ما لبث أن سمع ارتطاما مهولا على الأرض ارتعدت له جدران الكهف، لقد كان ذلك الصوت اصطداما هائلا تحركت على إثره القوات التي تحاصر المكان في تأهب وترقب تقدم الضابط عبد السميع في حذر ظاهر ليقلب الشخص الذي سقط محدثا كل تلك الضجة ثم ثبت مصباحه الكهربائي على وجهه فصرخ من هول المفاجأة:

- من! محمود؟

لقد كان المجرم المطارد صديق الضابط في الماضي القريب، لقد كانا زميلين متلازمين وعاشا معا أعذب فترات الدراسة وأروع مراحل الطفولة لكن القدر جعل من أحدهما صاحب سلطة وجعل من الثاني صاحب جريمة، لكنه ما كان ليقترفها لولا قسوة الظروف.

فتح الجريح عينيه على مضض ليجد نفسه على إحدى أسرة المستشفى العمومي والضابط عبد السميع يحدق في وجهه تحديق الأخ الوجل، لا تحديق الرجل المسؤول. لم تكن دهشة محمود أقل من دهشة الضابط :

- من! عبد السميع؟

- هو بعينه يا محمود.

- لا أكاد أصدق!

- ولا أنا، لم أتصور يوما أن أجد أمهر وأذكى زملائي بين أوكار اللصوص وتجار المخدرات.

- إنه الزمن، إنها الظروف يا حضرة الضابط، تغير وتبدل كما تشاء.

- أنا صديقك يا محمود ولست عدوا لك فلم الألقاب.

- لكن القدر جعلك غريمي اليوم، وعلى أية حال، ما أنت إلا رجل قانون.

- لن أسلمك للشرطة يا محمود؟

- ماذا تقول؟

صفحة 3

- عدني فقط أن تقلع عن هذه الأعمال القذرة. أن تدلني على بقية أفراد العصابة. ستكون بمثابة مرشد للشرطة ولن تعاقب. أعدك أن أساعدك على إيجاد وظيفة شريفة أم تفضل أن تبقى تاجرا في الخفاء؟

- آسف، لا أستطيع أن أخون زملائي ولا أن أدلك على مخدعهم!

- إنهم ليسوا زملاء لك، إنهم يخربون عقول أبناء الوطن ويقتلون الشجاعة في نفوسهم. يجعلون منهم أباطرة للشر والإجرام، إن ساعدتهم فإنما تخذل وطنك وتساعد على تدميره.

- وطني! أين كان وطني حين طردت أختي من المؤسسة؟ أين كان وطني حين فقدت والدتي بصرها؟ أين كان وطني حين كنت أتسكع في الشوارع لأبحث عن قوت عائلتي فلا أجني إلا القذف والسب والشتم، أين كان وطني حين قتل أبي؟ حين دهسه أحدهم بالسيارة فلا آزرنا فيه أحد ولا عوضونا عن وفاته، بل حتى راتب تقاعده حرمونا منه؟ رزئنا في موته ولولا رحمة المجرمين، بل لولا رحمة المخدرات لهلكنا منذ أمد بعيد. هم وحدهم رحبوا بي وساعدوني، هم وحدهم عوضوني في دقائق عن كل الذي رأيته وعن المر الذي تجرعته، لو كان لنا الوطن سندا لساندناه، لو حمانا من الفقر والجوع لآزرناه، ولكنه تخلى عنا ونعتنا بالمجرمين!

- أفهم من كلامك أنك لن تساعدنا في القبض على العصابة.

- لن أفعل هذا ما حييت، إنني قطعت على نفسي وعدا، لن أخذل من ساعدوني.

ولن أرشدكم إلى أمكنتهم، وأنا مستعد لأي شيء.

- يبدو أنك مصر على موقفك؟

- كل الإصرار يا حضرة الضابط.

- لم تترك لي الخيار إذن.

- ماذا ستفعل؟

- ما يجب فعله.

قال عبد السميع ذلك وإمارات الغضب بادية على وجهه. ثم أمر من معه بإلقاء القبض على المجرم العنيد دون رحمة. ثم أمر بتعذيبه إلى أن يعترف أو يموت. ظل محمود يصارع الألم والتعذيب أسبوعا كاملا إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.

مات وهو يعتقد أن الواجب يحتم عليه الكتمان. أما عبد السميع ففضل قتل صديقه وهو الآخر يعتقد أن الواجب يحتم عليه أن يفعل ما فعله.

صفحة 4

الغريب

لم يمض على إقامته في هذا الزقاق الشعبي سوى أسبوعا واحدا، وهاهي ذي لا تقوى على مقاومة نظراته الحانية وصوته الهادئ ذي النبرة الموسيقية العذبة... تتعمد تنظيف الدرج كلما شاهدته قادما، تظل هنيهة وراء النافذة الزجاجية وهي تشرئب بعنقها نحو شرفته المضاءة لكنها مع ذلك، تتصنع عدم الاكتراث كلما حياها تحية الصباح بل حتى أنها لا ترد التحية. كم شغلها أمر هذا الغريب! إنه ليخرج قبل أن تشرق الشمس من مخدعه ولا يعود إلا في هجيج الليل وسط ظلامه البهيم. هذه المرة لم تقو حليمة على التظاهر بعدم المبالاة، لقد ردت تحيته، حتى أنها سلمت عليه بيد مرتجفة مرتعشة خجولة كادت أن تفصح عما يخالجها من مشاعر وأحاسيس غامضة. ترى أقرأ الغريب ما يعتمل بين جوارحها؟ لاشك أنه سمع خفقان قلبها المرتبك، وأحس بقشعريرة كهربائية وهي تسري بين أصابعها الغضة، لقد كانت صبية بسيطة ساذجة، طاهرة، غواها إحساس لم تفهم معناه الكبير...

انساقت بكل جوارحها وراء المجهول. كانت تلك الليلة عاصفة هوجاء وكان المطر الغزير يزأر في غضب وهو يهز أركان غرفتها الباردة، تسللت حليمة من بين أغطيتها الدافئة في حذر ولهفة، وبخطى الشوق المحموم كانت تتسلق السلم في حنين مجنون. مدت كفها الصغيرة نحو ذلك البيت الحبيب وهي تقرع الباب الذي انفتح على مصراعيه، حيث أشرقت ابتسامته المشجعة وهو يرنو إلى حبيبته المذهولة. دخلت والفرحة باللقاء تملأ قلبها، لكنها خرجت والدموع تحفر أخاديد عميقة فوق خدودها الممتقعة ورغم ذلك داعب الأمل أحلامها اللذيذة، فنامت على مضض وهي تراه زوجا وأبا صالحا، لكنها أفاقت ذات صباح على نغمات عصافير الحقيقة حين تفقدت صوته فلم تسمعه، وحين قرعت غرفته فلم يفتح بابها الموصد.

صفحة 5

الهروب من خنجر مسموم

لفح الصمت لسانه الجريح، عندها أشاح بوجهه عن الناس جميعا بوشاح من العزلة والحزن... ظل يحبس نفسه وسط غرفته السطحية الحقيرة، إنه لا زال يستعرض ذلك المنظر الفظيع، لازال يحدج أخاه الأصغر بعيون حائرة ملتاعة مزقها الشك وشتتتها الصدمة فتملكها الذهول، لم يقو على قتل أخيه ولا قوي على اغتيالها هي الأخرى، لقد طعناه من الخلف بخنجر مسموم فأحسنا تصويبه وسرعان ما خر صريع الغدر والثقة العمياء.

هجر المسكين ذلك الوكر الملعون، حاملا قلبه الكسير بين جوانحه الدامية، هاربا من جور الزمن وظلم الأيام وهاهو الآن قابع داخل حجرة قاتمة يقضي يومه في تأمل جدرانها الرهيبة في بلاهة ومرارة، كان الألم أقوى من التحمل وكانت صفعة الخيانة أشبه بصفعات إعصار محيط. لقد أصبح راهبا داخل معبد غريب، يحلم بالوفاء والحب المتبادل في دنيا غير هذه، يرنو إلى أخ حبيب يربت على كتفه وزوجة تؤنس وحدته وتطيب خاطره، لكنه يفيق على الحقيقة التي يراها في غفواته، عندها ينتشله صوت أقدام مرتبكة متعثرة تخطو نحو حجرته اليتيمة، ليقرع بابها في تردد وحيرة ظاهرة. ينهض سالم في تثاقل واستغراب ليفتح الباب في بطء شديد، لكنه يخرج عينيه من هول المفاجأة ويفتح فاه من الدهشة:

- أنت! قال ذلك ثم دفع الباب بكل ما أوتي من قوة في حين تمتد يدها لتشل حركته ولسان حالها يقول:

- تمهل أرجوك! لقد بحثت عنك طوال هذه السنين لأخبرك الحقيقة لن آخذ من وقتك إلا القليل. ألا يهمك أن تعرف الحقيقية؟

- الحقيقية! ادخلي.

دخلت فاطمة وهي ترنو إلى المكان في حذر وترنو إليه في رأفة حانية:

- لم أخنك يوما يا سالم؟!

- أهذه خدعة جديدة؟

- إن تفكيرك المريض هو الذي خدعك، صدقني لم يحدث بيني وبين أخيك شيء يذكر إنه أخي أيضا.

- والقبلة؟

- كانت قبلة بريئة من أخ يواسي أخته.

صفحة 6

- و ...

- لا! لا ! ذلك كان من وحي خيالك أنت؟

- لقد قضيت في مستشفى الأمراض العقلية سنة وبضعة أشهر، لكني لم أفقد عقلي بعد!

- وإذا قلت لك أنني لازلت أحبك؟

- الحب وحده لا يشفي جراح الخيانة يا فاطمة؟

- وابننا يا سالم!

- قد يكون ابنه.

لم تتمالك فاطمة نفسها عند سماعها لهذه الكلمات المسمومة، انفعلت وإمارات الأسف بادية على وجهها الصادق، تم صرخت في وجهه وهي تنتفض غيضا:

- أحمق! حقير! كيف تجرؤ! أنت والده ولا أحد غيرك... كم كنت غبية حين أخلصت لمعتوه مثلك!؟

خرجت فاطمة وهي تركض كالمجنونة، وظل سالم يسبح بين الحقيقة والخيال دون أن يعلم أيهما الحقيقة وأيهما الخيال.

صفحة 7

حب يحتضر

أمسك حمزة بلفافة السيجارة التي تحترق بين أصابعه وأحس الألم وهو يعصر قلبه الذي لم يتوقف عن النزيف بعد. كانت الضوضاء تعم المكان، فهذا المقهى كعادته، غاص بالعجزة ذوي الألسنة الحادة والحشرجة المزعجة وهذا الشارع، أشبه بحمام نساء، أو بسوق شعبي. حيث لا تسمع إلا صراخ بائعي الخردة والجرائد، أو صياح الصبيان الذين يتشاجرون من أجل كرة متهرئة. لم تكن هذه الجلبة لتنقذ حمزة من هواجسه، فسرعان ما غاص وسط بحر من التفكير اللاذع، حين طارده شبح الذكريات دون رحمة. لازالت صورتها تنخر مخيلته المتعبة، لازال صمتها الرهيب يلفح أنفاسه الحارة، لازالت نظراتها تلاحقه كاللعنة الرهيبة، ولازال حبها يعصف به كإعصار المحيط.

انبعثت آهة عميقة من بين ضلوعه، وهو يتذكر تلك الأيام الغابرة، حين كانا يلعبان معا تحت شجرة الزيتون الضخمة، حين كانا يتسلقا فروعها ليرمي إليها بحباتها الطازجة، حين كانا يمشيان متجاورين إلى المدرسة وحين تخرجا سوية من نفس المعهد.

- "ما أشبه اليوم بالبارحة وما أسرع مرور الأعوام!- قال حمزة متأوها- لقد أحببتها منذ صغري، أسكنتها قلبي وفرشت لها أركانه، كان فؤادي معبدا وكانت راهبته، لكنها اتخذتني أخا دون استئذاني، فأحبت غيري. وهاهي ذي تزف إلى حبيبها، أما أنا فإني أحاول استئصال قلبي من جذوره فلا أستطيع!" عندها اغرورقت عيناه بالدموع، وأحس بخنجر يدمي أحشاءه. فجأة، تهز كتفه يد غريبة بكل قوة، ليرفع رأسه إلى صاحبها الذي يستعجله قائلا:

- لقد افتقدك أهل العريس، والعروس تود وداعك، ألن تذهب؟

نهض حمزة في تثاقل وهو يجرجر قدميه، لكنه أدرك حينها أن حبه يحتضر.

صفحة 8

المعقـــدة

استلقت على سريرها، كمن يسترخي بضمير نقي ومفعم بالطمأنينة، فدبت أحاسيس الإقصاء والعزلة لتعذبها من جديد لم تكن تكترث لأحد. كانت تعتقد دائما أن حزمها وصرامتها وجديتها سيجعلنها فوق الجميع. لكنها قرأت في أعين زملائها ما لم تفهمه، وعلمت فيما بعد أنهم ينعتونها "بالمعقدة". لا لشيء إلا لأنها ترفض أن تبتسم أثناء العمل، أن تشرب رفقتهم قهوة الصباح، أو أن تركب سيارة أحدهم ليوصلها إلى البيت. كانت تعتذر إذا دعيت لحفلة ظريفة، كانت تعتذر إذا عرض عليها أحدهم أن يأخذها في نزهة قصيرة، كانت تعتذر أحيانا لمجرد الاعتذار. تمر الأيام مرور البرق فتشعر ليلى بالوحدة والاكتئاب، تنتابها نوبة غريبة من الهواجس الغامضة، فتحن حينا إلى زميل أو صديق يسامرها. وأحيانا أخرى إلى رفيق يخفف من أحزانها واضطراباتها الدفينة. لازالت تذكر أن والدتها رحمها الله، كانت توصيها بالاستقامة دائما. وحتى والدها رغم طابعه المرح كان يكشر في وجهها كلما حاولت مداعبته بنكتة خفيفة الظل أو مزحة طريفة. إن تصلب عضلات وجهها لم يكن وليد اليوم. لقد عجنته السنين ودعكته الأيام. فألفت منظره ولم تعد تقو على الابتسام. كان عصفورها الصغير على غير عادته صامتا منقبضا كأنه يقرأ أفكار صاحبته، قامت عندها ليلى في خفة فجددت الحب والماء له. لكنه لم يقرب شيئا. فتحت النافذة وعلى غير هدى وجدت نفسها تفتح قفصه الصغير ثم تقذف به ليحلق عاليا في السماء، تابعته نظراتها الحانية وأشرق وجهها نورا وبهجة فعلته حينها مسحة من الرضا والأمل.

صفحة 9

الحلم

ساوره قلق فظيع، شعر بانقباض لم يألفه، أدخل وأخرج يديه في جيوبه مرات عديدة، ثم بدأ يطقطق أصابعه في اضطراب ظاهر. كان يدرك أنه لم يعد يحلم. إنها اليقظة، لكنه استيقظ متأخرا، منذ سنة فقط كانت أجنحة القناعة ترفرف فوق بيته الصغير، منذ سنة فقط كان يبتسم ملء شدقيه، والآن يرتجف خوفا. قد تحجز ممتلكاته؟ قد يسجن؟ إن العملية الأخيرة أتت على الأخضر واليابس؟ لقد كان يعتقد أنها ستكلل أعماله بالنجاح، لكنها جاءت لتدمر كل شيء. دق جرس الباب، هرع ابنه الصغير لتداهمه شرذمة من رجال الشرطة تاركة الطفل وأمه وسط بحر من الذهول والاستغراب.

أخذ الأب إلى المجهول وظلت عائلته الصغيرة تقاسي الأمرين، طاردته صورة الفقر المدقعة، وداهمه منظر زوجته وابنه اللذان كانا تبدو عليهما إمارات الفاقة والحاجة. أحس حينها أن صرخة الندم تنبعث من أعماقه من حيث لا ينفع الندم. علا صراخه ففقأ أذني زوجته التي كانت تنام بجانبه هادئة مطمئنة في سكون الليل، أيقظته في خوف وفزع، وهي تسمي الله وتقرأ ما حفظته من كتاب الله، فتح عبد الله عينيه فأدرك أنه أنذر بنهايته في نومه فأصبح وهو عازم على رفض العملية الجديدة، وكله قناعة ورضا بما قسمه الله له.

صفحة 10

السجن الرهيب

الظلمة الحالكة تحيط من كل جانب، الصمت المرعب يخنقني، وهذه الزنزانة الضيقة تكتم أنفاسي. رغم أنهم يزعمون أنني محظوظة لأني أملك غرفة منفردة، لكنهم واهمون. لقد عزلوني هنا ليسجنونني، إنني أعيش بينهم أسمع ضحكاتهم أتحسس همساتهم ودعاباتهم، لكني لا أشاركهم بهجتهم تلك. حكم علي أن أكون الكبيرة، الكبيرة في كل شيء. في البداية كنت سعيدة بهذه العزلة، لقد سنحت لي أن أصادق الكتاب، أن أحبه كل الحب. على الأقل هو قادر على مساعدتي، بل هو الذي جعل مني تلميذة نجيبة، تحظى بإعجاب الأساتذة وتقديرهم. على الأقل هو قادر على الدفع بي لتصدر الصفوف الأولى. قلما كان يخذلني الحظ، وما أكثر الأيام التي كانت تبتسم لي كلما خطوت نحو النجاح. لكن الكتاب غدا سجاني، أضحى قطعة من أحشائي. ألفته، تعودت عليه، ولاشيء جديد، لاشيء جديد. حتى بين أهلي، أشعر بالعزلة والإقصاء. لا مكان لي بينهم. عندما كنت أحاول اقتحام أحاديثهم، أقرأ في نظراتهم شيئا من الرفض، علي أن أعود أدراجي من حيث أتيت. أن أتوجه صوب غرفتي لأنزوي هناك بين الأوراق، لأبتعد، فلا يصح لي أن أتصنت على أحاديث لا تخصني. فأنا الكبيرة... الكبير وجب أن يتصرف بمسؤولية، أن يبتعد عن محادثات كهذه. هذا ما كانت تقوله نظراتهم. لقد أصبحت أشعر أنني ولدت كبيرة وأنني سأظل كذلك من المهد إلى اللحد. فلا أذكر أنني مررت بمرحلة الطفولة أو بمرحلة المراهقة، كلاهما سيان بالنسبة لي. كلما قرأت عن هذه المراحل أغرق في الضحك فهي تبدو لي حبرا على ورق. فالإنسان كبير بطبعه، خاصة في هذا الزمن العجيب الذي يسبقنا دائما، فتجد نفسك قد كبرت وأنت في اللفة. كانت غرفتي في البداية ملاذا ومرتعا عذبا لي، كانت الأم الحنون التي يدفئني سكونها الهادئ. كانت الأب الرحيم الذي يأخذنا إلى دنيا الكلمة الطيبة والنغمة الصادقة، كانت الأخ الذي أسامره وأعاتبه، كانت الصديق الذي أشكوه أحزاني. كانت تشهد ميلاد فرحة تجود علي بها نهاية العام. كانت تشهد أيضا انهمار دمعة تسكبها عيناي كلما أتعبها التأمل وصدتها البسمة. أما اليوم أصبحت غرفتي سبب نكبتي أضحت سجنا رهيبا. سجن مخيف تلفه الوحدة ويشحنه الغموض... أصبحت أشعر بالفراغ بالخوف من المستقبل، فأنا قابعة هنا اليوم أترقب مسيرة الحياة الصامتة. أعيش اللحظة تلو اللحظة ،لا أكاد التمييز بين اللحظات، أصبحت أدور في حلقة مفرغة، في حلقة مستديمة، إنه سجن مؤبد قضبانه من فولاذ، نسجتها السنين ودعكتها الأيام، تحكمت فيه العادة فألفه الطبع، فلا أنا استطعت التخلص منه ولا أنا استطعت الاستغناء عنه.