eKtab
EN ع
شجرة تنمو في بروكلين
اقرأ عينة مجانية

شجرة تنمو في بروكلين

بقلم بيتي سميث

صفحة 1
1
 
ربما تكون كلمةُ (هادئة) هي الصفة التي تليق بضاحية بروكلين في نيويورك، خاصة في صيف عام 1912 أو ربما تكون كلمة «كئيبة» أفضل وضعاً. ولكن صفة الكآبة لا تلائم منطقة وليامزبيرغ في بروكلين. ربما تكون كلمة مرج وصفاً رائعاً أو كلمة السهل الأخضر تحمل تأثيراً جميلاً، ولكن كلتا الكلمتين لا تناسبان بروكلين. الكلمة الوحيدة المناسبة هي كلمة «هادئة» وخاصة في عصر أحد أيام السبت من ذلك الصيف.
 
في ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم، كانت الشمس تنحدر وسط الفناء المغطى بالطحالب أمام منزل فرانسي نولان، تنشر الدفء على السياج الخشبي شبه المهترئ الذي يحيط بمدخل الدار. كانت فرانسي جالسة تتأمل الشمس وهي تهوي إلى أفق الغروب حين تملَّكها شعور شبيه بذلك الشعور الذي كان يغشاها وهي تستذكر قصيدة كانت تنشدها أيام المدرسة:
 
هذه هي الغابة البدائية
 
أشجار الصنوبر والشوكران التي تهمهم
 
وقد كستها الطحالب بلون أخضر
 
يصعب تمييزه عند الشفق،
 
تقف كأنها كهنة من العصور الغابرة.
 
لم تكن تلك الشجرة الوحيدة في فناء بيت فرانسي شجرة صنوبر أو شوكران. بل كانت شجرة ذات أوراق إبرية تنمو عبر انحناءات خضراء تنطلق من غصونها فتبدو وكأنها تحمل مظلات خضراء مفتوحة. كان البعض يطلق عليها اسم شجرة الجنة. وحيثما سقطت بذورها، كانت تظهر شجرة تكافح في النمو كي تصل إلى السماء. تنمو وتورق على الحواف ووسط أكوام القمامة وحتى من داخل الإسمنت ولكن نموها كان يقتصر فقط على المناطق السكنية.
 
إذا تمشيت عصر يوم أحد ووصلت إلى ضاحية راقية لطيفة، ورأيت إحدى هذه الأشجار الصغيرة تنمو عبر بوابة حديدية تفتح على فناء بيت أحد الناس، فإنك ستعرف فوراً أنك قد دخلت في الضاحية السكنية لبروكلين. كانت الشجرة تعرف ذلك، فقد أرست بذورها هناك، وبعد ذلك بدأ تدفق الفقراء الغرباء على الضاحية وتحولت المنازل القديمة ذات الطوب البني إلى شقق مزدحمة تبرز من نوافذها أسرّة الريش في الهواء وتنمو على أطرافها شجرة الجنة، هذه الشجرة تحب الفقراء وتعيش بينهم.
صفحة 2
كان في فناء منزل فرانسي شجرة مثل هذه تلتف أغصانها كالمظلات حول وأسفل مهرب الإطفاء في الطابق الثالث. كانت فرانسي في الحادية عشرة من عمرها تتخيل نفسها حين تجلس عند مهرب الإطفاء بأنها تعيش على الشجرة. تجلس هناك عصر كل يوم سبت في فصل الصيف.
 
ما كان أجمل يوم السبت في حيّ بروكلين، بل ما أجمله في كل مكان. كان الناس يقبضون رواتبهم يوم السبت وينطلقون في عطلتهم الأسبوعية بعيداً عن القيود التي تفرضها مراسيم يوم الأحد. كانوا ينفقون ما في جيوبهم ويبتاعون الأشياء ويأكلون جيداً أو يسكرون أو يتواعدون ويعشقون ويسهرون حتى الصباح وسط الغناء والموسيقى والرقص والشجارات أحياناً وهم يعلمون جيداً أن الأحد هو يوم عطلة وأنهم يستطيعون النوم حتى ساعة متأخرة من الصباح. وإذا فاتهم القداس الأسبوعي الصباحي فإن بإمكانهم حضور القداس في المساء.
 
صباح الأحد كان الناس يتجمعون في باحة الكنيسة عند قداس الحادية عشرة، بعضهم كان يصلي خلال قداس الساعة السادسة صباحاً، ولكن هؤلاء رغم حضورهم باكراً إلى الصلاة لم يكونوا يستحقون أجراً ولا ثواباً لأنهم هم الذين كانوا يطيلون السهر ثم يعرِّجون على الكنيسة في طريقهم إلى بيوتهم عند السادسة صباحاً ليحضروا القداس ويخلدوا إلى النوم طوال النهار بضمير مرتاح.
 
بالنسبة لفرانسي كان صباح السبت يبدأ بالذهاب إلى مكان تجميع القمامة حيث تقوم هي وأخوها نيلي مثلهم مثل باقي أطفال بروكلين بتجميع الخرق البالية والورق والمعادن والمطاط وغيرها من أنواع القمامة المفيدة، وتخزينها في علب أو صناديق مخبأة تحت أسرّتهم. كانت فرانسي طوال الأسبوع تمر على مجمع القمامة في طريق عودتها من المدرسة وتبحث عن رقائق الصفيح في علب السجائر أو لفافات العلكة وتذيبها في غطاء أحد المرطبانات لأن المشتري لا يقبل شراء لفافة من الرقائق المعدنية خشية أن يكون الأولاد قد أدخلوا فيها حلقات من الحديد لكي يصبح وزنها أثقل عند البيع. كان نيلي يعثر أحياناً على زجاجة فارغة من المياه المعدنية فيقوم بمساعدة فرانسي بكسر قمتها وتذويبها من أجل الرصاص الموجود فيها. وكان مشترو القمامة يرفضون استلام قمة زجاجة كاملة خوفاً من الدخول في مشاكل مع جماعة مصنع زجاجات الصودا. ولكن بالنسبة لنيلي فإن زجاجة الصودا تعتبر صيداً ثميناً فهي حين تذاب قمتها تباع بخمسة سنتات.
صفحة 3
كانت فرانسي ونيلي ينزلان إلى القبو كل مساء ليفرغوا الرفوف التي يتم فيها تكديس القمامة. كان هذا الأمر يعتبر امتيازاً خاصاً بهما كون والدتهما تعمل حارسة هناك. وتغض النظر عما ينهبونه من ورق وخرق قماش وزجاجات فارغة. لم يكن الورق صيداً ثميناً إذ لا يتعدى ثمن 10 باوندات من الورق بنساً واحداً أما خرق القماش فكانت تباع بقيمة سنتين لكل باوند والحديد بأربعة سنتات. الأفضل كان النحاس، فالباوند منه يباع بعشرة سنتات. أحياناًً كان حظ فرانسي يقودها إلى قطعة من قاع سخان للغسيل وهي بالنسبة لها ثروة من النحاس كانت تقوم بخلعها بواسطة فتاحة للعلب ثم تطويها وتدقها عدة مرات قبل أن تصبح جاهزة للبيع.
 
بعد الساعة التاسعة بقليل من صباح كل يوم سبت كان الأولاد ينتشرون في الشوارع الجانبية لجادة منهاتن التي تعتبر الطريق العام، ثم يصعدون الجادة ببطء باتجاه شارع سكولز. بعضهم كان يحمل ما يلتقطه من حاويات القمامة في يده والبعض الآخر كان يجر عربات مصنوعة من صندوق خشبي مركب على عجلات خشبية، وقليل منهم كان يجر عربات أطفال محملة.
 
أما فرانسي ونيلي فكانا يضعان ما يجمعانه في كيس من الخيش يمسك كل منهما بأحد طرفيه ويجرانه صعوداً عبر جادة منهاتن ثم شارع موجر فشارع تن أيك وستاغ حتى شارع سكولز. حقاً إنها أسماء جميلة لشوارع قبيحة. من كل جانب من تلك الشوارع، كانت أفواج الصعاليك تنضم إلى المارّين. على الطريق إلى محل كارني كان هناك المزيد من الأولاد عائدين ولكن فارغي الأيدي بعد أن باعوا قمامتهم وأنفقوا ما حصلوا عليه من بنسات قليلة، كان هؤلاء يتسكعون ويسخرون من الأولاد الآخرين وينادونهم: يا جامعي الخرق البالية.. يا جامعي الخرق البالية.
 
ظل وجه فرانسي يلتهب احمراراً وغضباً كلما سمعت هذه الكلمات. لم يكن يعزيها أن الذين ينعتونها بهذه الصفة هم أيضاً من جامعي الخرق ولا كون أخيها يفعل مثلهم حين يعود فارغ اليدين ويشرع بالسخرية من القادمين الجدد، بل كانت تشعر بالخجل.
 
كان كارني يمارس عمله في شراء القمامة داخل إسطبل متداعٍ. وصلت فرانسي إلى زاوية المكان ورأت أن كلا البابين مشرّعان في وضع استقبال وعبرهما شاهدت الميزان الضخم وهو يتأرجح استعداداً لاستقبال البضائع. وراء الميزان كان يقف كارني بشاربه الصدئ وشعره الصدئ وعينيه اللتين كانتا أيضاً بلون الصدأ. كان كارني يحب التعامل مع الفتيات أكثر من الفتيان وكان يمنح الفتاة بنساً إضافياً إذا لم تنفر منه حين يقرص طرف خدِّها.
صفحة 4
بسبب وجود احتمال لمثل هذه الزيادة، أفسح نيلي المجال لفرانسي لكي تجر الكيس إلى الإسطبل. هنا قفز كارني إلى الأمام وأفرغ محتويات الكيس أرضاً ثم قرصها قرصة أولية على الخد. وفيما كان يكوِّم البضاعة على الميزان، رمشت فرانسي بعينيها وهي تحاول التكيف مع الظلام الذي يلف المكان ومع الهواء العفن ورائحة الخرق القماشية المبللة. حدق كارني جيداً في عداد الميزان ثم قدّم لها عرضه بكلمتين. كانت فرانسي تعلم أن المساومة ممنوعة لذلك أومأت بالموافقة. عندها قام بتوزيع القمامة وتصنيفها كل قطعة في مكانها. جمع الأوراق في زاوية والخرق في زاوية أخرى ثم فرز المعادن فيما هي تنتظر. بعد ذلك مد يده إلى جيوب بنطاله وأخرج لفة من الجلد ثم حلّ رباطها وأخذ يعد بضعة بنسات لونها أخضر مثل القمامة، وفيما كانت تشكره قام بقرص خدها مرة أخرى ولكنها بقيت ثابتة. عندها أعطاها كارني سنتاً آخر وهو يبتسم. وما أن خرجت فرانسي حتى تغيرت نبرة صوته وهو ينادي الفتى التالي بصوت أجش: «ادخل» ثم صاح وهو يناديه. أخرج الرصاص جانباً. كان يوازن ضحكته وهو يقول: «لا أعني القمامة». كان الأولاد يضحكون بإذعان وتبدو ضحكاتهم كأنها أصوات ثغاء لحملان صغيرة تائهة ولكن كارني كان يبدو راضياً كل الرضا.
 
خرجت فرانسي لتعطي الغلة إلى أخيها وقالت: «16 سنتاً إضافة إلى سنت القرصة»، ولكنه أعاد لها السنت الأخير قائلاً: هذا حقك كما اتفقنا. وضعت السنت في جيبها وسلّمت له باقي المبلغ. كان نيلي في العاشرة من العمر يصغر فرانسي بسنة ولكنه كان الذكر في المنزل وهو المسؤول عن تقسيم الأموال بدقة.
 
«ثماني سنتات للبنك» هكذا كانت القاعدة. دائماً نصف المبلغ المحصل يذهب إلى البنك. والبنك لدى فرانسي ونيلي هو علبة صفيح مثبتة بمسمار في أرضية الخزانة وفي أكثر زواياها ظلمةً. ويتم تقسيم المبلغ المتبقي: أربعة سنتات لفرانسي وأربعة سنتات لنيلي.
 
لفَّت فرانسي نقود البنك بمنديلها ونظرت بسعادة غامرة إلى سنتاتها الخمسة فهي سوف تتمكن من تحويلها إلى «نيكل كامل». أما نيلي فقام بطي كيس الخيش ووضعه تحت إبطه وسار في طريقه نحو دكان تشيب تشارلي، وفرانسي خلفه. وتشيب تشارلي هو دكان يبيع الحلوى ويقع إلى جوار مخزن كارني لتجارة القمامة. في نهاية كل يوم سبت يمتلئ صندوق النقود لدى دكان تشيب تشارلي بالسنتات الخضراء ولكن الدكان وبموجب قانون غير مكتوب كان يعتبر دكاناً للفتيان لذلك ظلت فرانسي تنتظر أخاها ليحضر لها الحلوى ولم تكن تدخل إلى الدكان أبداً.
 
كان الفتيان من عمر 8-14 يشبهون بعضهم البعض ببناطيلهم القصيرة المتهدلة وقبعاتهم المقصوصة عند القمة. وكانوا يتسكعون في المنطقة، وأيديهم في جيوبهم وأكتافهم مندفعة بشدة إلى الأمام. يكبرون وهم على هذه الشاكلة مع فارق وحيد فقط هو تلك السيجارة التي كانت تبدو دائماً محكمة الربط بين شفاههم، تعلو وتهبط في أفواههم فيما هم يتكلمون.
صفحة 5
في تلك اللحظة، كان الأولاد يتحركون بعصبية ووجوههم النحيلة تنتقل بين تشارلي وبين بعضهم البعض ثم إلى تشارلي مرة أخرى. لاحظت فرانسي أن بعضهم قد أنهى الحلاقة الصيفية لشعره. كانت شعورهم قصيرة جداً بحيث تظهر بعض الشقوق على جلد رؤوسهم حيث كان القص عميقاً. كان هؤلاء المحظوظون يحشون قبعاتهم داخل جيوبهم أو يرتدونها على الجهة الخلفية من رؤوسهم. أما الذين لم يحلقوا فكانت شعورهم تتدلى بلطف وبصبيانية على مؤخرة أعناقهم. كانوا يرتدون قبعاتهم بخجل ويغطون بها آذانهم. كان منظرهم يوحي ببعض الأنوثة على الرغم من لغة التجديف القاسية التي يستخدمونها في حواراتهم.
 
لم تكن دكان تشيب تشارلي بالرخص الذي يوحيه اسمها كما أن صاحبها لم يكن يدعى تشارلي ولكنه ادعى هذا الاسم وأطلقه على الدكان بحيث صدقته فرانسي وصدقه الجميع. كان تشارلي يجري عمليات سحب مقابل السنت الإضافي الذي يدفعه. وكان لديه لوح مرقم عليه خمسون وصلة. كل وصلة تتدلى منها جائزة من بينها جوائز قيمة مثل مزاليج بعجلات وقفازات لالتقاط كرات البيسبول ولعب على شكل فتيات بشعر حقيقي وغيرها. كذلك كانت هناك جوائز خفيفة كالأقلام وورق النشّاف ومنظفات الأقلام. راقبت فرانسي نيلي وهو يختار أحد الأرقام ثم يرفع البطاقة القذرة عن الغلاف المتهلهل ليظهر رقم 26. نظرت فرانسي إلى اللوح بأمل. كانت الجائزة منظف أقلام بائساً. سأله تشارلي: هل تريد الجائزة أم قطعة حلوى؟ أجابه نيلي: قطعة حلوى ماذا تظن غير ذلك؟
 
كان الأمر دائماً ينتهي بالشيء نفسه. لم تسمع فرانسي عن أحد كسب جائزة من قبل حتى إن عجلات المزلاجات علاها الصدأ وامتلأ شعر اللعب بالغبار لطول ما انتظرت على اللوح. كذلك كان الأمر بالنسبة للكلب اللعبة ولتمثال الجندي المصنوع من الصفيح. يوماً ما، كانت فرانسي تقول سوف تحضر خمسين سنتاً وتربح كل شيء على اللوح. كانت تعتقد أن هذه ستكون صفقة رابحة. المزلاجات والقفازات واللعب مقابل خمسين سنتاً. فالمزلاجات وحدها تساوي أربعة أضعاف الخمسين سنتاً. كان على نيلي أن يحضر ذلك اليوم العظيم لأن الفتيات نادراً ما كنّ يتعاملن مع تشارلي. صحيح أنه كانت هناك بضع فتيات في ذلك السبت ولكنهن كن معروفات بوقاحتهن أو تهورهن. هن يبدونَ أكبر من عمرهن ويقضين الوقت في اللعب مع الفتيان. كان الجيران يتنبؤون لهن بمستقبل غير سليم.
صفحة 6
عبرت فرانسي الشارع باتجاه دكان غيمبي للحلوى. كان غيمبي يعرج في مشيته ولكنه كان يبدو لطيفاً وحنوناً مع الأطفال الصغار. على الأقل كان الجميع يظنون ذلك إلى أن قام في ذات عصر مشمس أحد الأيام بإغواء فتاة صغيرة إلى غرفته الخلفية الموحشة.
 
أخذت فرانسي تناقش بينها وبين نفسها فيما لو كان من الأفضل لها أن تضحي بسنت من أجل الحصول على إحدى جوائز غيمبي الخاصة. كانت صديقتها مودي دونافان على وشك شراء شيء من الدكان عندما شقت فرانسي طريقها لتقف خلف مودي مباشرة. التقطت أنفساها بينما كانت مودي تشير إلى كيس نافر داخل صندوق الجوائز. كانت فرانسي ستختار كيساً أصغر لو كانت مكانها. نظرت فرانسي من خلف كتف صديقتها ورأتها تلتقط قطعاً من الحلوى القديمة وتتفحص الجائزة التي كانت عبارة عن منديل قطني خشن. في إحدى المرات ربحت فرانسي زجاجة صغيرة فيها عطر قوي الرائحة. فكرت فرانسي مرة أخرى في أمر دفع سنت للدخول في سحب الجائزة. إن من الممتع أن تفاجأ بهدية حتى ولو لم تستطع أن تأكل الحلوى. ولكنها اكتفت بالمفاجأة التي رأتها مع مودي. كان الأمر جيداً بما فيه الكفاية.
 
سارت فرانسي على جادة منهاتن وهي تقرأ أسماء الشوارع الجميلة المنتشرة فيها: شارع سكولز، شارع ميزيرول ثم شارعي مونت روز وجونسون. كان هذان الشارعان يضمان مساكن للإيطاليين الذين استوطنوا تلك المنطقة وبعد ذلك تأتي بلدة اليهود وتبدأ من شارع سيغل عبر شارعي مور وماككيبين حتى برودواي حيث اتجهت فرانسي.
 
وماذا كان يوجد في برودواي في وليامسبيرج بروكلين حتى تتوجه إليه فرانسي بهذا الحماس؟ لا شيء ... فقط دكان يبيع بضاعته على أساس كل شيء بنيكل وسنت، ويعتبر بالنسبة لها أروع دكان في العالم أو هكذا كان يبدو بالنسبة لفتاة في الحادية عشرة من عمرها. كان بيد فرانسي نيكل وهذا يعني قدرة على شراء ما ترغب من هذا الدكان، وهو أمر لا يوجد مثله في مكان آخر من العالم.
 
دخلت إلى الدكان وراحت تتجول بين الأرفف وتتحسس ما يعجبها. يا له من شعور رائع أن تستطيع لمس الأشياء ثم رفعها عن الرف والنظر إليها للحظة كي تتحسس معالمها ثم تعيدها بحذر إلى الرف مرة أخرى. كان النيكل في يدها يعطيها كل هذه الامتيازات. وإذا ما سألها أحد الموظفين إذا كان في نيتها شراء شيء ما فستجيبه على الفور نعم ثم تريه سنتاً أو سنتين. لا شك في أن النقود شيء رائع. هكذا قررت بينها وبين نفسها. وهكذا بعد أن استمتعت بلمس الأشياء، قررت شراء شيء ثمنه خمسة سنتات. كان هذا الشيء لوح شوكولاته مع بسكويت بطعم النعناع.
صفحة 7
عادت أدراجها إلى المنزل عبر شارع غراهام المعروف بشارع الغيتو اليهودي. كانت مندهشة من تلك العربات التي تجر باليد والتي تضم كل منها مخزناً صغيراً متجولاً. كذلك أدهشتها المساومات الدائرة حول الأسعار، منظر اليهود العاطفيين والروائح الخاصة بذلك الحي. كان هناك السمك المطبوخ والمحشي، وخبز الشوفان الخارج لتوه من الفرن وروائح أخرى تشبه روائح العسل المغلي. حدقت في الرجال الملتحين الذين يرتدون قبعات الصوف ومعاطف الحرير وتساءلت ما الذي يجعل عيونهم تبدو هكذا صغيرة وقاسية. نظرت من الثقوب الصغيرة في جدران المحلات واستنشقت رائحة الثياب والأنسجة المبعثرة على الطاولات. كذلك استرعت انتباهها الأسرّة المصنوعة من الريش والتي تبرز عبر نوافذ وواجهات المحلات والثياب ذات الألوان الشرقية الزاهية وهي تجفف على سلالم الحريق فيما يقف الأطفال نصف عراة يلعبون عند المزاريب. كانت هناك امرأة ضخمة تجلس مع طفلها على مقعد خشبي ثابت عند حافة الطريق، وتحت أشعة الشمس الحارقة تراقب سير الحياة في الشارع فيما تحتفظ بسرها حول حياتها الشخصية في باطن نفسها.
 
تذكرت فرانسي دهشتها عندما أخبرتها أمها ذات يوم أن المسيح كان يهودياً بينما ظلت تعتقد أنه كاثوليكي. ولكن أمها كانت تعرف أكثر فقد أخبرتها أن اليهود لم ينظروا أبداً إلى المسيح إلا على أنه ولد يهودي مشاكس لا يرغب في العمل كنجّار والزواج والاستقرار وإقامة عائلة كما يفعل الباقون. كما أن اليهود كانوا يؤمنون حسب قول أمها بأن مسيحهم لم يأت بعد. حالما خطرت ببالها تلك الفكرة، أخذت فرانسي تحدق بشدة في امرأة يهودية حبلى وقالت لنفسها أظن أن هذا هو السبب الذي يجعل اليهوديات ينجبن العديد من الأطفال ويجلسن بهدوء كأنهن ينتظرن شيئاً ما. كما أنهن لا يخجلن من كونهن سمينات لأن كل منهن تظن في قرارة نفسها أنها قد تكون هي التي تحمل المسيح الصغير في بطنها. ربما لهذا السبب يسرن على الطريق فخورات بأنفسهن عندما يكن حبالى فيما تشعر النساء الإيرلنديات بالخجل لأنهن يعرفن تماماً أنهن لن يلدن أي مسيح بل ولداً من الأولاد الآخرين. عندما أكبر وأعرف أنني سألد طفلاً، سأتذكر أن أسير بفخر وكبرياء وببطء رغم أنني لست يهودية.
 
كانت الساعة قد اقتربت من الثانية عشرة عندما وصلت فرانسي إلى المنزل، دخلت أمها بعد قليل وبيدها مكنسة ودلو. أودعتهما في إحدى الزوايا وهي تطرق بهما على الجدار. كانت هذه الطرقات تعني أنهما سيبقيان مكانهما دون أي لمس حتى يوم الاثنين.
صفحة 8
وأم فرانسي سيدة في التاسعة والعشرين من العمر، شعرها أسود وعيناها بنيتان وجسمها جميل أيضاً. يداها تتحركان بسرعة ونشاط فقد كانت تعمل في تنظيف البيوت، وتولت تنظيف ثلاثة مبانٍ سكنية، من يصدق أن أمي كانت تمسح أرضيات المنزل من أجل أن تعيلنا نحن الأربعة. تقول فرانسي وتضيف: كانت أمي جميلة جداً نحيفة تنبض بالحيوية والنشاط والمرح. ورغم أن يديها تبدوان حمراوتين ومشققتين بسبب مياه التنظيف المليئة بالصودا إلا أنهما كانتا جميلتين بأظافرهما البيضاوية الأنيقة. كان الجميع يشعرون بالأسف لأن امرأة جميلة أنيقة مثل كيت مولان قد اضطرت للعمل في تنظيف أرضيات المنازل من أجل لقمة العيش ولكن ماذا كان بإمكانها أن تفعل ولها زوج مثل هذا ! كان الجميع متفقين بأن جون نولان شاب أنيق محبوب يتفوق على جميع رجال الحي ولكنه كان سكيراً! وكان كلامهم صحيحاً.
 
طلبت فرانسي من أمها أن تراقبها وهي تودع السنتات الثمانية في علبة الصفيح أو البنك كما تسميه. دخلت الاثنتان في حدس لطيف لمدة خمس دقائق حول كمية النقود الموجودة في علبة الصفيح. كانت فرانسي تظن أن هناك ما يقارب المائة دولار ولكن أمها أجابت أن رقم 8 دولارات قد يكون الأصح.
 
أعطت الأم تعليماتها إلى فرانسي لشراء طعام الغداء: خذي ثمانية سنتات من الكأس المكسور واشتري ربع رغيف من خبز الشوفان اليهودي ولكن تأكدي من أنه طازج. بعد ذلك خذي نيكل واذهبي إلى ملحمة سويرواين واطلبي طرف لسان بقيمة نيكل ! سألتها فرانسي: ولكن يتوجب عليك أن تكوني على انسجام معه ليعطيك طرف اللسان.
 
- قولي له إن أمي طلبت ذلك. أجابت كاتي بحزم ثم أردفت بعد تفكير قليل: أتساءل إذا كان علينا أن نشتري حلوى بقيمة خمسة سنتات أو أن نودع هذه النقود في بنك الصفيح.
 
- آه يا أمي اليوم هو السبت وقد أمضيت الأسبوع وأنت تعديننا ببعض الحلوى يوم السبت.
 
- حسناً، اشتري بعض الحلوى.
 
كانت دكان بيع خبز الشوفان اليهودي مليئة بالمسيحيين. راقبت البائع وهو يدس ربع الرغيف في كيس الورق. كان منظر الرغيف رائعاً بمظهره المقرمش وقشرته الرقيقة وقاعه المغطس بالدقيق. تعتقد فرانسي أنه أروع رغيف في العالم عندما يكون طازجاً. 
صفحة 9
دخلت مترددة إلى دكان بيع اللحم، كان البائع أحياناً راضياً عن بيع اللسان وأحياناً ساخطاً. كانت شرائح اللسان المقطعة تباع للأغنياء بثمن يصل إلى خمسة وسبعين سنتاً للباوند ولكن طرف اللسان المربع كان يباع بنيكل للفقراء إذا كان السيد سويرواين راضياً. بالطبع لم يكن هناك شيء من اللحم في طرف اللسان بل كان عبارة عن عِظام صغيرة رقيقة وهشة، أما اللحم فعبارة عن ذكرى متبقية.
 
كان السيد سويرواين في ذلك اليوم في حالة رضا: لقد بعت اللسان بالأمس وأبقيت الطرف لكم. أنا أعرف أن أمك تحب طرف اللسان وأنا أحب أمك قولي لها ذلك، هل تسمعين؟
 
حاضر يا سيدي ... همهمت فرانسي ثم وجهت نظرها إلى الأرضية وهي تشعر بحرارة تدب في وجهها. كانت تكره السيد سويرواين ولذلك لن تخبر أمها بما قاله.
 
عند الخبّاز تناولت فرانسي أربع قطع من الكعك، واختارت بعناية القطع التي تغطيها أكبر كمية من السكر. في الخارج قابلت نيلي الذي راح يسترق النظر إلى كيس الكعك ثم وثب مرحاً حين شاهد الكعك داخل الكيس. ورغم أنه كان قد تناول ما قيمته أربعة سنتات من الحلوى في ذلك الصباح إلا أنه كان جائعاً وأجبر فرانسي على الهرولة معه بسرعة باتجاه المنزل.
 
لم يأت أبي للبيت ذلك المساء. كان يعمل نادلاً مغنياً حراً دون الالتزام بمطعم واحد وهذا يعني أنه كثيراً ما كان يقضي الوقت دون عمل. غالباً ما كان يمضي صباح يوم السبت في مقر النقابة بانتظار عمل يأتي إليه.
 
تمتعت الأم ونيلي وفرانسي بوجبةٍ رائعة فقد كان نصيب كل منهم شريحة كبيرة من طرف اللسان وقطعتين من خبز الشوفان الطازج مع مسحة من الزبدة غير المملحة إضافة إلى قطعة كعك بالسكر وفنجان من القهوة الممزوجة بالحليب.
 
كان هناك أمر خاص في شأن هذه القهوة فقد كانت تشكل متعة لهم وأي متعة! كانت الأم تصنع منها إبريقاً كبيراً في الصباح وتعيد تسخينه عند الظهر وعند العشاء وهكذا كان طعم القهوة يزداد حدة مع مرور النهار. لم تكن كمية القهوة متناسبة مع الكمية الكبيرة من الماء، ولكن الأم كانت تضيف شيئاً من الهندباء مما يعطي المحلول طعماً قوياً ومراً. كانت حصة كل فرد في المنزل ثلاثة فناجين مع الحليب. أما بدون الحليب فكان فبإمكان كل فرد أن يتناول القهوة السوداء في أي وقت يشعر بالرغبة في تناولها. أحياناً عندما لم يكن يوجد شيء في البيت والسماء ماطرة وأنت وحدك في المنزل، كان رائعاً أن تعلم إن بإمكانك تناول فنجان من القهوة المرة السوداء.
صفحة 10
كان نيلي وفرانسي يحبان القهوة ولكنهما نادراً ما كانا يشربانها. واليوم كما هي العادة ترك نيلي القهوة السوداء جانباً وأخذ حصته من الحليب المكثف بعد أن قام بدهنه على قطعة خبز. كما شرب رشفة صغيرة من القهوة السوداء من باب اللباقة. صبت الأم فنجاناً لفرانسي وأضافت إليه الحليب رغم علمها أنها لن تشربه.
 
كانت فرانسي تحب رائحة القهوة وسخونتها. كانت تأكل طعامها وتترك إحدى يديها محيطة بالفنجان تتمتع بسخونته أو تشتم رائحة القهوة الحادة فيه. كان هذا بالنسبة لها أفضل من شربه، وفي نهاية الوجبة كانت ترميه في بالوعة المجلى.
 
كان للأم أختان هما سيسي وإيفي وكانتا تأتيان لزيارتها عدة مرات وتوبخان الأم على تبذيرها في كل مرة كانتا تجدان القهوة مقذوفة في المجلى. ولكن الأم كانت تفسر الأمر بالقول: إن لفرانسي الحق بفنجان واحد مع كل وجبة مثلها مثل باقي أفراد الأسرة وإذا كان يحلو لها أن ترميه بدلاً من أن تشربه فلا بأس - أعتقد أن من الممتع أن يشعر أشخاص مثلنا بأن بإمكانهم رمي بعض الأشياء من وقت لآخر مثل هؤلاء الذين يملكون مالاً كثيراً ولا يقلقون إذا رموا شيئاً.
 
كانت وجهة النظر هذه ترضي الأم وتسر فرانسي. كانت واحدة من تلك الروابط التي تربط بين الفقراء الممعنين في فقرهم وبين الأغنياء المبذرين وتجعلهم يشعرون بأنهم أغنى لأن بإمكانهم التفريط بشيء ما. تناولت فرانسي كعكتها ببطء خشية أن ينتهي طعمها الحلو بسرعة فيما أصبحت القهوة باردة كالثلج. بعد الانتهاء من تناول الطعام، قامت فرانسي بصب القهوة في المجلى وكان هذا كفيلاً بأن يكسبها شعوراً ولو عرضياً بالكبرياء والفخامة. بعد هذا أصبحت فرانسي جاهزة نفسياً للذهاب إلى مخبز لوشر من أجل شراء مؤونة نصف الأسبوع من الخبز القديم. أخبرتها والدتها أن بإمكانها شراء فطيرة حلوى بقيمة نيكل شريطة أن لا تكون مهروسة.
 
كان مخبز لوشر يزود دكاكين الحي بالخبز ولكن خبزه لم يكن ملفوفاً بورق الشمع كما أنه كان سريع العطب. كان لوشر يسترد هذا الخبز من المتعاملين ويعيد بيعه إلى الفقراء بنصف السعر. وكان دكانه المجاور لمخبزه يتألف من منصة استقبال طويلة تمتد على طول أحد جوانب الدكان فيما تمتد على الجانبين رفوف ضيقة وطويلة. عندما يفتح الباب المزدوج الضخم وراء المنصة تدخل عربات الخبز وتفرغ حمولتها على المنصة. كل رغيفين يباعان بنيكل. كان الناس يتدافعون لشرائها وأحياناً يضطرون لانتظار تفريغ ثلاث أو أربع عربات قبل أن تسنح لهم فرصة الشراء. لم يكن الخبز المتوفر كافياً وكان على الشاري إحضار أكياس التغليف معه لأن بمثل هذا السعر لا يمكن إعطاؤك أكياس تغليف من المخبز. معظم الشارين كانوا من الأطفال الذين كان بعضهم يضع الأرغفة تحت إبطه ويعودون إلى منازلهم وكأنهم يريدون إعلام الدنيا وبكل جرأة ووقاحة أنهم فقراء. أما الآخرون فكانوا يلفون الأرغفة بأكياس أوراق صحف، أو بعبوات الطحين التي كان بعضها نظيفاً وبعضها قذراً. أما فرانسي فقد كانت تحضر معها كيس ورق كبيراً.