eKtab
EN ع
شهداء الصحابة على أرض الأردن المستطابة
اقرأ عينة مجانية

شهداء الصحابة على أرض الأردن المستطابة

بقلم د. نوح مصطفى الفقير

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله، رب العالمين، ناصر المجاهدين، ورافع راية الموحدين المخلصين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ قائد الغر المحجلين، وإمام المتطهرين، وعلى آله وأصحابه البواسل الشهداء الطاهرين، والشرفاء والمهتدين.
أما بعــد ؛
فيحتضن الأردن مقامات ثلة من شهداء الصحابة الكرام، ارتفعت أرواحهم الطاهرة من أجسادهم الى باريها عبر أثيره، وارتوت أرضه بدمائهم، وضم ثراه أجسادهم النيّرة، فارتفع بهم وتسامى، وارتقى بآثارهم وأمجادهم وبطولاتهم حتى قارب عنان السماء؛ فمن السابقين الأوائل تشرفت أرض الاغوار بأمين الأمة أبي عبيدة، وأرض اليرموك بالحارث بن هشام، ومن القادة البواسل ضم ثرى مؤتة الشجعان الأقوياء، منهم حِبُ النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وفي الأردن من آل البيت الهاشميين ذو الجناحين، الطيار المكرم، الفذّ المعظم، ومن شعراء الدعوة الاسلامية الذابين عن الدين بالسنان واللسان عبدالله بن رواحة، ومن السفراء حاملي رسائل النبي صلى الله عليه وسلم وخطاباته الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عظيم الروم، ومن العلماء معاذ بن جبل الذي يأتي يوم القيامة متقدماً العلماء برتوة، بالاضافة الى الكثير ممن غابت اسماؤهم ولم تغب أجسادهم فسطر التاريخ من أفعالهم ما يغني عن تحديد مقاماتهم واضرحتهم.
إن الاردنيين ما زالوا بتلك الأمجاد والآثار محتفين محتفلين، يرفعون المآذن والقباب، ويشيّدون المقامات والآثار، ويرسمون السير والأمجاد، ويسطرون البطولات بماء الذهب، ويفتخرون بالثلة الطاهرة النقية، يقول كل واحد منهم للبقية:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ومن ثَمّ ارتأيت استعراض تلك المكرمات الالهية، واستنطاق بطولات الاجداد، وتشيد صروح المجد التي بدت جلية في جنوب بلدي وشماله ووسطه، فآثرت جمع خلالهم واوصافهم وطريقة استشهادهم في كتيب؛ يحكي حالهم، ويصور علاماتهم، وينطق بألسنتهم، ويكتب باقلامهم، ليكون نبراساً يسير عليه مبتغي الهداية وطالب الاسترشاد الى سواء السبيل، وليكون فخراً للمفتخرين، ونموذجاً للمقتدين.
وتحيّرت بمن ابدأ؛ بأقدمية الاسلام! أم بأسبقية الاستشهاد! واستقر الأمر على الابتداء بالأسبق الى الشهادة، ومن كان استشهاده لعهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الأقرب، واستعرضت التاريخ فوجدت بداية دخول الصحابة أرض الأردن لغاية الجهاد والاستشهاد كانت في السنة الثامنة للهجرة، وفيها سرية كعب بن عمير الغفاري(1) ومقتل الحارث بن عمير الأزدي(2)، وبقي الاشكال قائماً في ايهما أسبق؟ وبالتأمل وجدت أن مقتل الحارث الأزدي كان سبباً في غزوة مؤتة(3) مما يدل دلالة واضحة على أن استشهاد الغفاري كان قبل استشهاد الأزدي، وكلاهما في السنة الثامنة وقبل مؤتة والله تعالى أعلم.
وقبل الشروع باستعراض سير الصحابة الزكية قدّمت نُبذاً عن المراد بالصحابي وبالشهيد، وكيف كانت أرض الأردن مباركة.
ولن أضع القلم حتى اعتذر عن الهفوات - دأب البشر – والنقص إن حصل، رغم اني التزمت ابان المسيرة الاستيعاب والتقصي، فلم أدخر جهداً في سبيل الاحاطة بما يتطلبه هذا البحث الشيق، وآمل ممن قرأ هذا الكتاب فوجد فيه نقصاً أن يُتم نقصي بارشادي، والله الهادي الى سواء السبيل.
المؤلف
صفحة 2
من هو الصحابي؟؟

الصحبة في اللغة: الملازمة والمرافقة والمعاشرة(4) والمراد بها اصطلاحاً صحبة النبي صلى الله عليه وسلم(5) وملازمته، وهذا شرف عظيم، إذ يرتقي الصحابة بين الخلائق بالصحبة مرتبة فائقة عالية، ومكانة لائقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومحبيه، وهم مناط مدح الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً "(6)، وقال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون"(7).
من هنا اختلف أهل العلم فيما تثبت به الصحبة؟ والأصح أن الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الاسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له ومن قصرت، ومن روى عنه، ومن لم يرو عنه، ومن غزا معه ومن لم يغزُ معه، ولا يدخل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكفر، ومن ارتد عن الاسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
واكثر العلماء على عدم اشتراط التمييز عند الرؤية، وبعضهم يرى أنه لا يُعد من الصحابة الا من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم مدة سنة فصاعداً(8).
وبعض العلماء لا يشترط لقيا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيعدون النجاشي من الصحابة، وفروة الجذامي(9) وغيرهما، وقد سرت في هذا الكتاب على اعتبار الصحابي: هو المؤمن المعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم الذي مات على ايمانه.
لقد اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول، لكون الله تعالى اختارهم ليكونوا أصحاب وانصار نبيه صلى الله عليه وسلم، وأخبر عن طهارتهم، ومثلهم بأجمل الصور، ووصفهم بأحسن الأوصاف، فاذا أضفنا الى صحبتهم الشهادة في سبيل الله تعالى ازدادوا بهاءً وعظمة وجمالاً.
ومن كان هذا حاله فلا يجوز الانتقاص من مقداره، ومن فعلها فهو المذموم الملام، روي بسنده الى أبي زرعة الرازي قال: اذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ ذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وانما أدى الينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (10).
فالمطلوب طلب رضى الرحمن عليهم، ورفع درجتهم، وتحقيق أملهم، ونيل مطلبهم، فغاية رغبتهم أن ينال نبيهم صلى الله عليه وسلم الوسيلة التي لا تنبغي لغيره، وأن يكونوا معه والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً.
صفحة 3
الشهيد فضله وانواعه

الشهيد صنف مبجل من أصناف أهل الجنة، المنعمين فيها والمكرمين بانعام الله سبحانه وتعالى عليهم واكرامه؛ قال الله تعالى: "ومن يطع الله والرسول فاؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"(11)، والشهداء مبشرون بحياة عند ربهم يرزقون؛ قال تعالى: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون"(12). وقال سبحانه: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون"(13)؛ فالشهادة مرتبة عظيمة، وجائزة مبهجة، وتكرمة للشهيد ولسبعين من أهله؛ يشفع لهم عند الله، فيسعدون بقبول شفاعته ويفرحون؛ قال الله تعالى فيهم: "فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين"(14) وقال سبحانه: "والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم"(15).
ومن هنا نجد الشهيد تواقاً للعودة ليموت شهيداً مرة ثانية، في الوقت الذي لا يتمنى العودة الى الدنيا من وجد عند الله خيراً؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يموت له عند الله خير يسرّه أن يرجع الى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها الا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع الى الدنيا فيقتل مرة أخرى)(16)، وفي رواية اخرى: (فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)(17).
الشهداء على ثلاثة اقسام:
الأول : شهيد الدنيا والآخرة؛ وهو الذي يقاتل الكفار فيقتل إبان القتال مقبلاً غير مدبر، لتبقى كلمة الله هي العليا، ولتكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، ودون غرض من أغراض الدنيا؛ ففي الحديث الشريف الذي يرويه أبو موسى الاشعري رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مستفهماً: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)(18)، وهؤلاء مكرمون عند الله سبحانه وتعالى، وموعودون بالأجر العظيم والفضل العميم، قال تعالى: "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً‌"(19).
الثاني : شهيد الدنيا: وهو من قُتل في قتالٍ مع الكفار لغرض من أغراض الدنيا، أو قاتل رياءً، أو غلَّ من الغنيمة، وهؤلاء علمهم عند الله سبحانه وتعالى، لا ينتفعون بموتهم، ولا يسعدون في آخرتهم، والله أعلم بمصيرهم وعاقبتهم عنده، ولذلك تجري عليهم أحكام الشهيد في الدنيا فقط.
الثالث : شهيد الآخرة، وهو المقتول ظلماً من غير قتال، والميت بداء البطن، والميت في الغربة، وطالب العلم إذا مات في طلبه، والميت بداء الطاعون(20)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشهداء خمسة؛ المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)(21).
هذه أقسام الشهداء(22)، ومن القسمين الأول والثالث استشهد على ارض الأردن عدد من الصحابة الأجلاء، وأما القسم الثاني - شهيد الدنيا - فموكول الى الله تعالى لا يمكن تحديد من مات على هذه الصفة من الناس والله تعالى أعلم.
صفحة 4
أرض الأردن مباركة

الأُرْدنُّ - بالضم ثم السكون وتشديد النون – في لغة العرب النعاس الغالب، قال أبّاق الدُّبيري(23):
قد أخذتني نعسة أردن وموهب مبز بها مُصنُّ(24)
ولعل تسمية الأردن البلد بهذا الاسم لطيب هوائه؛ ويؤيده قول النووي رحمه الله: قال محمد بن جعفر الهمداني النحوي في كتابه اشتقاق اسماء البلدان: قال أهل العلم: انما سمي بذلك في قولهم للنعاس الثقيل أُردن، فسمي بذلك لثقل هوائه، فسمي بالنعاس المُخثر جسم صاحبه(25) انتهى.
وقال ياقوت الحموي: الظاهر أن الأُردن الشدة والغلبة(26).
ويقول أهل السير: الأردن وفـلسطين ابناء سام بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام(27).
والأردن قديماً يطلق على الاردن اليوم وفلسطين وارضٍ من الشام، وكانت مشهورة بالخصب، حتى عدت من العالم جنة، ومن هنا نجد كفار مكة يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم تحدياً: اجعل لنا جناناً كجنان الأردن، وصور الله تعالى قولهم في القرآن: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيراً"(28).
فالأردن سابقاً جزء واسع من أرض الشام، ويقال لها: ارض الروم، ارسل اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً للانتقام لمقتل الحارث بن عمير الأزدي، الذي قتل ظلماً، إذ كان سفيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحاملاً لرسالته، والعادة تقتضي المحافظة على سلامة الرسل السفراء. ولكنه أختير شهيداً على ارض الأردن، سيأتي الحديث عن سيرته بإذن الله تعالى – ليكون سبباً في غزوة مؤتة، تلك الغزوة التي عُدّت كرامة عجيبة خارقة، استشهد خلالها ثلاثة عشر شهيداً، منهم الهاشمي الأول جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه ليكون أول الهاشميين الاخيار استشهاداً على هذه الأرض المباركة، ثم توالت كواكب الهاشميين على ارض الأردن، وما زالوا يحمون الأرض، ويعشقون الاقصى، ويستشهدون على أسواره، ويتعلقون بترابه حتى يقضي الله تعالى امراً كان مفعولاً.
ولا تزال أرض الأردن كسائر أرض الشام خصباً وخيراً ووفرة، وما زالت محط الانظار، يتسابق الاستعمار عليها لابتزاز خيراتها والفوز بطيب هوائها.
يحتل الأردن في وسط العالمين الاسلامي والعربي مركزاً استراتيجياً مرموقاً، كدأبه في جميع العصور، منذ أن افتتحه شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه في العام الثالث عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ففي خلافة الصديق رضي الله عنه افتتح الأردن شرحبيل عنوة ماخلا طبرية، فان أهلها صالحوه على انصاف منازلهم وكنائسهم، وكان فتحه طبرية بعد أن حاصر أهلها أياماً فآمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم الا ما جلوا عنه وخلّوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعاً، ثم انهم نقضوا في خلافة عمر رضي الله عنه، واجتمع اليهم قوم من سواد الروم وغيرهم، فسير اليهم أبو عبيدة عمرو بن العاص رضي الله عنه في أربعة آلاف ففتحها على مثل صلح شرحبيل، وكذلك جميع مدن الأردن وحصونها على هذا الصلح، فتحاً يسيراً بغير قتال، وزاره الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في طريقه الى بيت المقدس.
وقد نسب الى الأردن جماعة من العلماء وافرة(29) منهم حسان بن مالك الكلبي، والوليد بن مسلمة الاردني، وأبو سلمة الحكم بن عبدالله بن خطاف الاردني.
وبرزت أهمية الأردن خاصة ابان الحروب الصليبية، فنشأت بها دويلات، وحصون، ومعاقل تبادلها الصليبيون والمسلمون(30).
والحاصل أن الأردن من الارض المباركة، التي تقررت بركتها بالقرآن الكريم فقال سبحانه وتعالى: "سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير"(31)، والأردن حول الاقصى، ان لم يكن الاقصى وسطه، وأما بركته فجوانبها متعددة، قال الطبري في تفسير قوله تعالى: "الذي باركنا حوله": يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم(32)، وقال الماوردي: فيه قولان: احدهما: يعني بالثمار ومجاري الانهار، والثاني: بمن جعل حوله من الانبياء والصالحين، ولهذا جعله مقدساً(33)، وزاد الالوسي فذكر أنه متعبد الانبياء وقبلة لهم وفي الحديث (انه تعالى بارك فيما بين العريش الى الفرات وخص فلسطين بالتقديس)(34).
لقد ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى: (يا شام أنت صفوتي من بلادي أدخل اليك صفوتي من عبادي)(35)، والشام مصطلح يشمل أرض الأردن، كما جاء في البخاري: باب غزوة مؤتة من ارض الشام(36).
ومن ثم وصفت بانها أرض طيبة مباركة، ضمت في احضانها من الانبياء والشهداء مالا يعلم عددهم الا الله سبحانه وتعالى، وأُغدق عليها الخيرات، التي كانت سبباً في الطمع فيها، فتناهشها الاستعمار، وتكالب عليها الحاسدون.
وفي قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام قال الله تعالى: "ونجيناه ولوطاً الى الأرض التي باركنا فيها للعالمين"(37). والارض هنا أبواب بيت المقدس وما حولها، وفي الحديث: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق الى يوم القيامة)(38).
صفحة 5

شهداء ذات أطلاح أوائل الشهداء

كعب بن عمير الغفاري وأصحابه

تقع ذات أطلاح قرب الطفيلة في الأردن، وصفها ياقوت الحموي(39) بأنها وراء ذات القرى، وفي الاصابة(40): من أرض البلقاء، وفي خطط الشام(41): بين تبوك وأذرعات.
نزلت فيها قبائل قضاعة، تطلب المتسع من المعاش، قال شاعرهم(42):
وقد نزلت منا قضاعة منزلاً بعيداً فأمست في بلاد الصنوبر
أرسل اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري(43) وهو من كبار الصحابة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه مرة بعد مرة على السرايا، وفي السنة الثامنة بعد هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ذات أطلاح، قال الطبري(44): (في شهر ربيع الأول من السنة الثامنة كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري الى ذات أطلاح) كذا قال ابن جرير، والصواب ما اثبتت كتب التراجم أنه كعب بن عمير، وقال ابن جرير: خرج في خمسة عشر رجلاً حتى انتهى الى ذات أطلاح، فوجد جمعاً كثيراً فدعوهم الى الاسلام فأبوا أن يجيبوا فقتلوا أصحاب عمرو جميعاً، وتحامل(45) حتى بلغ المدينة، قال الواقدي: وذات أطلاح من ناحية الشام وكانوا من قضاعة، ورأسهم رجل يقال له: سدوس.
ونقل ابن سعد(46)عن الزهري أن الغفاري وأصحابه لما بلغوا ذات أطلاح من ارض الشام وجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً، فدعوهم الى الاسلام فلم يستجيبوا لهم،
ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهمّ بالبعث اليهم - الى قضاعة – فبلغه أنهم قد ساروا الى موضع آخر فتركهم(47).
لقد كانت هذه الحادثة في السنة الثامنة، وهي السنة التي قُتل فيها الحارث بن عمير الأزدي، والذي كان قتله سبباً في غزوة مؤتة الشهيرة، فلعل حادثة ذات أطلاح كانت قبل مقتل الحارث والله تعالى أعلم.
والظاهر أن سبب هذه السرية غير معروف، قال برهان الدين الحلبي: لم أقف على السبب الذي اقتضى البعث الى ذلك المحل(48).
إن المتأمل في أفراد هذه السرية الأبطال ليتاكد لديه صدق عزيمة السلف الأبرار، وقوة شكيمتهم، واختيارهم الحياة الآخرة على الدنيا الفانية؛ إذ كيف يقف النفر الذين لم يتجاوزوا العشرين أمام قبائل قضاعة! وهم ببلادهم، وعلى أرضهم، وبين أهليهم، والمسلمون مسافرون وبلا مأوى ولا وفرة زاد، ولا كثرة عدة وعتاد! لكنهم يملكون من العقيدة وحب الاستشهاد، والتطلع الى احدى الحسنيين ما يفوق عدد الكفرة وعدتهم، وبهذا كانوا ينتصرون، ويتفوقون، انه الدين الذي أكرمهم الله تعالى به.
وكدأبه لم يذكر التاريخ غير العدد (49) اكتفاء بالأفعال بدل الاشتهار، والحظ الأوفر للأرض التي تباركت بأجسادهم وتعطرت بأفعالهم، وكريم خصالهم، فعليهم وعلى شهدائنا الابرار الرحمة والرضوان.
صفحة 6

من أوائل الشهداء

الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه (50)

من أوائل شهداء الصحابة على ارض الأردن سفير من الرسل والسفراء، الذين وجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الملوك والامراء، ففي السنة الثامنة بعد الهجرة الشريفة(51) بعث الرسول صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لِهْب – بكسر اللام وسكون الهاء(52) - بكتابه الى ملك بُصرى الشام(53)التابع لقيصر ملك الروم وأحد امرائه(54)، وقيل الى هرقل عظيم الروم بالشام(55)، فلما نزل الصحابي – رضي الله عنه – اللهبي الأزدي ارض حاكم مؤتة جنوب الأردن عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وقال له: أين تريد؟ لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأوثقه رباطاً، ولم يثنه تعذيب الغساني عن مواصلة دعوته بجرأة وشجاعة وإقدام، فقُدم وضربت عنقه، ولم يُقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسفراء عند الملوك والامراء مهما اشتد الخلاف، ومهما كُرهت الرسالة التي يحملونها.
إن المتأمل في صبر الصحابي الشهيد وعزيمته ليتأكد لديه مدى عناية النبي صلى الله عليه وسلم باصحابه وتربيته لهم، كما يتأكد لديه ثمرة الايمان اذا استقر في النفس، وتمكن من القلب، وكأن لسان حاله يقول ما قاله الذين آمنوا من سحرة فرعون: "وما تنقم منا الا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين"(56).
ولما كان هذا الحادث غير محتمل، ولا يجوز التغاضي عنه، لما فيه من الخطر والاهانة، كان لا بد من تأديب المعتدي، والغضب للمُعتدى عليه، حتى لا تهون حياة السفراء ولا تتكرر هذه المأساة(57).
إن الدماء الزكية التي نزفت من الحارث الأزدي لم تذهب هدراً، فقد تطيب بها ثرى الأردن أولاً، وانتقم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانياً؛ إذ لما اتصل خبره برسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك عليه، وندب الناس فاسرعوا وعسكروا بالجرف على بعد ثلاثة أميال من المدينة المنورة، وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء الأبيض وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ويدعو من هناك الى الاسلام فإن أجابوا والا استعانوا عليهم بالله تبارك وتعالى وليقولوا: بسم الله، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام)(58).
إن التاريخ لم يرو لنا من سيرة هذا الصحابي وصفاته الكثير ولعل قصر مدة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عائقاً عن تتبع آثاره، واستكشاف خلاله وفضائله، ولكن الذي وصلنا كفانا وزاد، فاختيار النبي صلى الله عليه وسلم له حاملاً لرسالته، وصبره على دعوته حتى لقي ربه شهيداً كافيان لاظهار فضله وسبقه، انه من السابقين المقربين.
ولعل من أقوى الأدلة على حب المؤمنين له أنه لما نودي للثأر له اجتمع ثلاثة الاف من المجاهدين، يحملون الخير، وينشرون البر، ويعشقون الصبر.
وسارت جحافل المؤمنين للثأر لمقتل الحارث رضي الله عنه يتقدمهم زيد بن حارثة حِب النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون الشهيد التالي من شهداء الصحابة الكرام في الأردن.
صفحة 7
غزوة مؤتة ورياض شهدائها

مُؤْتة – بضم الميم وسكون الواو المهموزة، وقيل: بغير همز – قرية عريقة، يذكرها المؤرخون على أنها من قرى البلقاء(59) وقد ورد في ترجمة الامام البخاري، باب غزوة مؤتة من ارض الشام(60) وقيل: من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف، واليها تنسب المشرفية من السيوف، قال كثير:
إذا الناس ساموكم من الامر خطة لها خطمة فيها السمام المثًّملُ
أبى الله للشّم الأنوف كأنهم صوارم يجلوها بمؤتة صيقلُ(61)
وهي اليوم مدينة، تضم في جنباتها جامعة مؤتة، تشيد ما أسسه الصحابة الكرام على ارضها، وترفع مقاماتهم، وتعلي مآذنهم، وتوثق علاقة الخلف بسلفهم الأبرار.
دارت على أرضها معركة عظيمة - سبق ذكر سببها عند الحديث عن الحارث الأزدي رضي الله عنه – إذ بعد عمرة القضاء أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة حتى بعث الى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمانٍ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم(62) وذلك بعد أن دعا الناس فعسكروا بالجرف قرب المدينة، وتهيأوا للخروج، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الامراء، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمّر رسول الله صلى عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحه)(63).
لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقاربه، وأحبابه، وأنصاره، فاختارهم الله سبحانه وتعالى شهداء على ارض مؤتة.
انه لتكريم عظيم، أن يدفن في الأردن من خيار الناس وارفعهم، قال حسان بن ثابت رضي الله عنه فيهم:
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبدالله هم خير عصبة تواصوا وأسباب المنية تنظر(64)
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مشيعاً حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف، ووقفوا حوله، ووصاهم بالغزو في سبيل الله، ومقاتلة اعداء الله، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان، وعن حرق النخل وقطع الشجر، وهدم البناء، وغير ذلك مما يعبر عن أهداف الجهاد وغاياته، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ونقاء سريرته، وعفوه، وحلمه، ورأفته، ورحمته.
وسار الجيش حتى بلغوا معان فأقاموا بها يومين، وبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب من أرض البلقاء بمائة الف من الروم ومائة الف من نصارى العرب، قال عبدالله بن رواحة في ذلك:
أقامت(65) ليلتين على معانٍ فأعقبت بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مُسومات تنفّس في مناخرها سموم
فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم(66)
ولما رأى المسلمون كثرتهم قالوا: نبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بكثرة عدونا، فحثهم عبدالله بن رواحة رضي الله عنه، فتقدم المسلمون، والتقى الجيشان، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر الى معركتهم، ويخبر عنهم، وعن مقتل أمرائهم، حتى أخذ الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولم يكن من الامراء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم انه سيف من سيوفك فانت تنصره)(67) فمن يومئذٍ سمي سيف الله، ففتح الله عليه، وانحاز بالمسلمين، حتى رجعوا سالمين بعد أن انكشف عدوهم منهزمين، خائفين، لقد فتح الله تعالى على خالد بن الوليد رضي الله عنه فجعل المقدمة ساقة – مشاة – والميمنة ميسرة، فانكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا، واصاب منهم المسلمون، وغنموا بعض أمتعة المشركين.
وقدم يعلى بن أمية بخبر أهل مؤتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأخبرني، وان شئت أخبرك، قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفاً لم تذكره(68).
وانحاش ابن الوليد بالجيش ومرّ في طريقه على أهل قرية في حصن كانوا شدوا على المسلمين في القتال، فحاصرهم، وفتح حصنهم عنوة، وقتل مُقاتلتهم في نقيع الى جانب حصنهم، فسمي ذلك النقيع نقيع الدم الى اليوم، كذا قال ابن عساكر(69).
وعاد خالد بن الوليد سالماً، والمسلمون معه نجاهم الله تعالى ليفوزوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: انهم الكرار ان شاء الله، وتركوا لنا كنوزاً، من الشهداء الابرار الاخيار، وفيهم قال كعب بن مالك:
صلى الاله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للاله نفوسهم حذر الردى وحفيظة أن ينكلوا(70)
فمضوا امام المؤمنين كأنهم فنق(71) عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه قدام اولهم فنعم الأول(72)
أولئك الذين سأبدأ – باذن الله تعالى – سيرتهم وامجادهم وبطولاتهم.
صفحة 8
أول شهداء مؤتة

زيد بن حارثة رضي الله عنه (73)
أول شهداء مؤتة الأمير الشهيد النبويُّ(74)، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو حبه – وما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا طيباً – أبو اسامة، الكلبي، المسمى في سورة الاحزاب باسمه، ولم يُسم الله تعالى في كتابه صحابياً باسمه الا زيد بن حارثة، وما ذلك الا لحب الله تعالى له، وأما حُب رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيشهد له ما ذكره ابن عمر رضي الله عنهما إذ قال : فرض عمر لاسامة بن زيد اكثر مما فرض لي، فكلمته في ذلك فقال: إنه كان أحب الى رسول الله منك، وإن اباه كان أحبّ الى رسول الله من أبيك(75).
آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة بن عبدالمطلب، وقدّمه في الامرة على ابن عمه جعفر ابن أبي طالب، وذلك في غزوة مؤتة، تلك الغزوة التي كانت سبب دخول زيد ارض الأردن، إذ عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد راية بيضاء، وقدّمه على الامراء، لينتقم للشهيد الأول الحارث بن عمير الأزدي، ورافقه الى ثنية الوداع على أبواب المدينة المنورة، ووصاه قائلاً له وللامراء معه: (أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالاً في الصوامع معتزلين، فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً)(76).
ولما التقى الجمعان. وكان الامراء الثلاثة زيد وجعفر ابن أبي طالب وعبدالله بن رواحة يقاتلون على ارجلهم، أخذ زيد اللواء فقاتل حتى شاط في رماح القوم، فقتل طعناً، وخرّ صريعاً، ويذكر أنه لما أخذ الراية جاء الشيطان فحبب اليه الحياة، وكرّه اليه الموت، وحبب اليه الدنيا، فقال: الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب الي الدنيا؟!(77) فمضى قَرْماً(78).
لقد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم يصف حال المجاهدين. فلما نعى صلى الله عليه وسلم زيداً– أي دعا له – وقال: (استغفروا لاخيكم قد دخل الجنة وهو يسعى)(79).
إنه ابن خمس وخمسين سنة، يهجم على الجنة راجلاً، رافضاً الدنيا وقد تشوّفت اليه، وتزينت لديه، صابراً محتسباً الى أن دخل الجنة ساعياً.
ويشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد، ولقيت الرسول صلى الله عليه وسلم ابنة زيد بعد مقتل ابيها، فأجهشت بالبكاء في وجهه فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى انتحب، فقيل: ما هذا يا رسول الله؟! قال: شوق الحبيب الى الحبيب!!!، وفي صحيح الامام البخاري(80) عن انس رضي الله عنه (ان النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم).
رضي الله عنك يا زيد بن حارثة، لقد أحبك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، واختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا اخترته، إذ ذهبت امك تزور أهلها، فأغارت عليهم خيل فأخذوك، فاشتراك حكيم بن حزام لعمته خديجة رضي الله عنها، فوهبتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فوجدك أبوك فخيرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبيك فقلت: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً فقال عليه السلام: اشهد أن زيداً ابني أرثه ويرثني، حتى جاء الاسلام فأبطل التبني، وبقيت الحبيب، فهنيئاً لك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنيئاً لك الجنة.
صفحة 9
ثاني شهداء مؤتة

ذو الجناحين جعفر الطيار (81)
ثاني شهداء مؤتة السيد الشهيد جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، أخو علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أسن منه بعشر سنين(82)، هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة الى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقّبل بين عينيه، وقال: (ما أدري بأيهما انا افرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر)(83)، لقد كان له في الحبشة صولة وجولة، أدهشت النجاشي، حتى تمنى أن يكون خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم وحاملاً لنعليه وموضئه.
إن جعفر ابن أبي طالب من شهداء آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من شجرتهم، فعن اسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجعفر: (أشبه خَلقُك خَلْقي، واشبه خُلُقُك خُلُقي، فأنت مني ومن شجرتي)(84) وأما جوده وكرمه فيصوره أبو هريرة رضي الله عنه إذ يقول: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلُ من جعفر ابن أبي طالب(85).
قدم جعفر رضي الله عنه الاردن في غزوة مؤتة، قائداً ثانياً للجيش، ولما أصيب القائد الأول زيد بن حارثة رضي الله عنه، أخذ جعفر اللواء الابيض فشدَّ على الناس حتى قتل، وذلك بعد أن اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها(86) وكان أول من عقر في الاسلام وقال:
يا حبذا الجنة واقترابها والروم روم قد دنا عذابها
طيبة وبارد شرابها عليَّ إن لاقيتها ضرابها
لقد تناوشته سهام القوم، وطعن وكثُر فيه الطعن؛ قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: (كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر ابن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية)(87)، ولكن تلك الطعنات لم تثنه عن قتاله، طمعاً في الشهادة وحرصاً على الراية حتى تقطعت اطرافه، فابدله الله تعالى جناحين يطير بهما في الجنة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس واسماء بنت عميس(88) قريبة، اذ قال: (يا اسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مرّ، فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلّم فردي عليه السلام، وقال: إنه لفي المشركين فاصابه في مقاديمه ثلاث وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، ثم اخذ باليسرى فقطعت، قال: فعوضني الله من يديّ جناحين اطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة آكل من ثمارها)(89).
لقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله، وقال لاهله: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا عن انفسهم(90)، وما واساه الا عندما رآه ملكاً يطير في الجنة مضرجة قوادمه بالدماء، فعليك رحمة الله يا من سموك أبا المساكين، لانك كنت تذهب بهم الى بيتك، فاذا لم تجد لهم شيئاً اخرجت لهم عكة اثرها عسل فيشقونها ويلعقونها(91).
صفحة 10
ثالث شهداء مؤتة

عبدالله بن رواحة (92)
ثالث شهداء مؤتة (الامير السعيد الشهيد أبو عمرو الانصار الخزرجي البدري النقيب الشاعر)(93) عبدالله بن رواحة رضي الله عنه، كان اذا لقي الرجل من أصحابه يقول: (تعال بنا نؤمن ساعة)، فقاله يوماً لرجل فغضب، فجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! الا ترى ابن رواحة يرغب عن ايمانك الى ايمان ساعة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله ابن رواحة، انه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة)(94) هذا قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه.
أما أبو الدرداء - رضي الله عنه – وهو أخو عبدالله بن رواحة لامه – فقال: (إنا كنا لنكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر في اليوم الحارّ ما في القوم أحد صائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة)(95) لقد كان شهيدنا يحب الصيام اذا اشتد الحر، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدته، ولا عجب، فانه يبتغي الرواء اذا اشتد الظمأ، ولعل مما زاد في خوفه من ربه ما ذكره خاله النعمان بن بشير رضي الله عنه إذ قال: أغمي على عبدالله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: واجبلاه، واظهراه، وكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً الا قيل لي: أنت كذلك(96)؟، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه لما اغمي عليه فقال: (اللهم ان كان حضر أجله فيسّر عليه والا فاشفه، فوجد خفة فقال يا رسول الله أمي قالت: واجبلاه، واظهراه! وملك رفع مرزبة من حديد يقول: أنت كذا، فلو قلت: نعم لقمعني بها)(97)، ولهذا كثر بكاؤه، وان كان قد ذكر عن نفسه أنه كان يُبكيه شيء آخر،إذ ذهب الى بيته فبكى فجاءت امرأته فبكت لبكائه، فجاءت الخادمة فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون فلما انقطعت عبرتهم قال: يا أهلاه ما الذي ابكاكم؟ قالوا: لا ندري، ولكن رأيناك بكيت فبكينا، قال إنه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية(98) ينبئني فيها ربي تبارك وتعالى أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها فذاك الذي أبكاني(99).
إنه الذي استثني من قول الله سبحانه وتعالى: "والشعراء يتبعهم الغاوون"(100) إذ لما نزلت قال سائلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا منهم؟ فانزل(101)الله سبحانه وتعالى: "الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(102).
وأما سبب دخوله الأردن فظاهر؛ اذ لما جهز النبي صلى الله عليه وسلم الجيش الى مؤتة وأمّر الامراء جعل عبدالله بن رواحة ثالثهم، ولما استشهد صاحباه كرهت نفسه الاقدام، فأرغمها قائلاً:
اقسمت يا نفس لتنزلنَّه فطالما قد كنت مُطمئنهْ
طائعةً أو لا لتُكرَهِنَّه مالي أراك تكرهين الجنَّه
فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى كما رحم الشهداء الابرار.
رحمك الله يا أبا محمد، وأسكنك فسيح جناته، فانك القائل: يا قوم والله ان الذي تكرهون للذي جئتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل العدو بعدد ولا عدة، وما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي اكرمنا الله به، ومن أجل نصرة الدين قاتلت حتى استشهدت، روي أنه أتاه ابن عم له قبل مؤتة بعرق – العظم الذي عليه بعض اللحم – من لحم، فقال له: شد بهذا صلبك فقد لقيت ايامك هذه ما لقيت، فأخذه فانتهس – أخذ منه بفمه يسيراً – نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر، فقال لنفسه وأنت في الدنيا؟! ثم القاه، واخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل(103).