صفحة 1
-1-
عمي محمود، الأمي، هو أكثر الشخصيات تأثيرا في عائلتنا التي تفخر الأمهات والآباء فيها بعدد خريجي الجامعات من أبنائها، ومنهم من يحمل شهادات الماجستير والدكتوراه·
شخصية عمي محمود كانت دائما محط إعجابنا، إلا أنها الآن، وبعد سنوات طويلة من رحيله، تحولت إلى أسطورة·
لعل أهم ما يثير إعجابنا في شخصيته، بالإضافة إلى حكاياته التي لا تنتهي، معظمها من نسج خياله، هي حكمته السليقية في التعامل مع أمور الدنيا ومآزقها الحياتية، ومنها مأزق الزوجية·
أليس هو مأزقا حقيقيا؟ وإلا لماذا يكون عمي محمود مضطرا لتبرير شهامته حين شكا أحد أصدقائه، أبو محمد، من أنه في ضائقة مالية ولا يدري من أين يتدبر قسط الجامعة لابنته سهام، فعرض عمي محمود مساعدته في الحال· كان قد وصله مبلغ من ولده فايز الذي يعمل في الكويت، فوضعه بكامله تحت تصرف أبو محمد· ولكن عمي محمود في أوج نخوته نسي أن له زوجة، أم فايز، وهي ستحاسبه حسابا عسيرا على تصرفه بالمبلغ دون الرجوع إليها، فما العمل؟ بسيطة، الكذب ثلثا المراجل كما تقول الحكمة الزوجية المحرفة عن الحكمة الشعبية التي تقول الهريبة ثلثين المراجل
عاد عمي محمود إلى البيت وقد استعد للمواجهة، وهجم على الموت· قبل أن تسأله أم فايز عن النقود لجأ إلى المثل القائل أتغدى فيها قبل ما تتعشى فيي وتصنع الحزن والكرب اللذين ما لبثت أم فايز أن لاحظتهما، فسألته عن السبب فقال، دون أن يرف له جفن: ضيعت المصاري اللي وداهن الولد
- الله يرمل مرتك، كيف ضيعتهن؟
فبدأ عمي محمود برواية قصة كان قد اختلقها مسبقا، وتلقى كل ما قذفته به أم فايز من دعوات ولسعات، ولكن الله سترها·
صفحة 2
أما مأزق عمي محمود فلم ينته عند هذا الحد، فبعد أقل من شهر وصل إلى أبو محمد مبلغ من المال من ولده محمد الذي يعمل في السعودية، فأراد سداد الدين لعمي محمود، وقد فعل·
ولكن ماذا يقول الآن لأم فايز؟ بسيطة، فإذا كان ربك قد سترها في البداية الصعبة، فإن النهاية السعيدة لا بد ستكون أهون، والحل: كذبة بيضاء أخرى·
حين وصل عمي محمود إلى البيت كان يحمل معه بطيخة وكيلو عنب خليلي أصابع زينب، وكان وجهه منبسطا وبشوشا·
- إسكتي، مش بيّنوا المصاري؟
هكذا بادر أم فايز التي ذهلت !
- عن جد؟ كيف؟
- أولاد الحلال كثار، واحد لقيهن ورا الجامع وأعطاني إياهن
وأخرج المبلغ من جيبه وسلمه لأم فايز التي بلغت فرحتها درجة لم تسمح لها بالتشكيك في رواية عمي محمود، والتعبير عن استغرابها من أن يكون المبلغ قد بقي ينتظر ابن الحلال ورا الجامع إلى أن أتى ووجده، ليسلمه في النهاية لمالكه الشرعي، عمي محمود، الذي لم تطأ قدمه الجامع في حياته أبدا، فما الذي ذهب به إلى هناك حتى يسقط منه المبلغ وراء الجامع تحديدا؟ كان تعليقه الوحيد: الله يرضى عليه فايز، مصاريه حلال·
وهذه نادرة واحدة فقط من نوادر عمي محمود، محبوب الشباب، رغم أني لا أذكره إلا عجوزا·
صفحة 3
كان حين ينضم إلى مجالس العائلة على سطح بيت عمي أبو الأمين في ليالي الصيف، لا يجلس بين أقرانه من العجائز، بل يجلس بيننا، شباب وفتيان العائلة: أنا وسمير وماجد وأسامة، أولاد إخوته، لأنه دائما يروي لنا نوادر لا يتقبلها العجائز بسبب طابعها المتحرر، وخاصة حين يتحدث عن بنات اليوم اللواتي يخرجن من البيت فارعات دارعات، وبشنجلن مع أي مارق طريق، وننفجر ضاحكين، مما يثير ريبة السامرين من الكبار، وخاصة عمي أبو الأمين الذي لم يكن يرتاح كثيرا لجلوس عمي محمود بيننا· والغريب أن عمي أبو الأمين، رغم تدينه، اعترض حين قام والدي وأعمامي لأداء صلاة العشاء يوما، ففوجئ بعمي محمود ينضم اليهم، على غير عادته، ونهره، لأنه كان، في رأيه، في غير مكانه، بين المصلين·
إذن لا عجب أن شخصية عمي محمود كانت وما زالت تحوز إعجاب شباب وصبايا العائلة، لطرافتها، وحكمتها في التعامل مع الأمور، وخير دليل على ذلك أن لديه جوابا لكل سؤال يصدر عن أم فايز مهما كان غريبا أو صعبا· وحين وجّهت له أم فايز السؤال البسيط التالي: وينتا بدهم ينسحبوا يا محمود؟ (تعني انسحاب الإسرائيليين من الضفة الغربية)
نظر إليها بحيرة، ولكنه لم يتردد، فجوابه حاضر دائما: يوم الأربعاء
ولم تستغرب أم فايز من اللهجة الواثقة التي كان يتحدث بها عمي محمود، وسكتت·
ولكن يوم الأربعاء تحديدا جاءت قوات اسرائيلية لاعتقال هيثم ابن الجيران، فاستغربت أم فايز أنهم لم ينسحبوا حتى الآن، وراجعت زوجها في الأمر:
- بشوف منسحبوش يا محمود؟
ولا تظنوا أن عمي محمود ارتبك أو وقع في حيرة، بل كان جوابه جاهزا هذه المرة أيضا:
- مش هاي الأربعا
مرة أخرى تبدت حكمة عمي محمود ليس فقط في حسن تعامله مع أسئلة أم فايز المحيرة، بل أيضا في إدراكه لحقيقة أن الناس هناك، في الضفة الغربية وقطاع غزة، يعيشون بانتظار أربعاء أخرى، وربما هذا هو ما يمدهم بالطاقة على احتمال حياتهم التي تقارب قسوتها الخيال، وابتكار وسائل للتحايل على وضع وصفه لا يحتمل، فكيف بمعايشته؟ وسر هذه القدرة يكمن في الحكمة التي اكتشفها ولخصها عمي محمود: يوم الأربعاء سيتغير الوضع فجأة : ستنسحب القوات الإسرائيلية وتقوم الدولة العتيدة التي ستقضي على البطالة والبؤس وتضمد الجراح وتوزع التفاح وتنعش الأرواح، كل هذا سيحصل، يوم الأربعاء، ولكن أي أربعاء؟ غير مهم·······
صفحة 4
-2-
- ولك يا يوسف، تعال شوف شو جبت لك· يوسف· ولك وين رحت يا حريق الوالدين· وين أخوك يامحمد؟
- بيلعى البٍَِقَلة···· (أي يرعى البقرة)
- روح ناديه، قوام
إنطلق محمد حافي القدمين خارجا من البيت ومتوجها إلى الحقل القريب، فاصطدم بوالدته التي كانت عائدة من الفرن حاملة صينية عليها بضعة أرغفة
- وين رايح ولك
- لايح أنادي يوكيس، أبوي كال لي (يوكيس هو يوسف حسب لفظ الصغير محمد الذي، ورغم بلوغه الرابعة، لا يستطيع نطق بعض الحروف بشكل سليم)·
- طيب أتتأخرش، مشان تتغدى
دخلت فوزية البيت وصرخت باتجاه زوجها برهان: -ان شا الله قبضت؟ مظلش في البيت ولا حبة طحين، مشان تروح تشتريلنا كيس ولا كيسين
لم يصدر عن برهان أي رد فعل
- مالك بتردش؟ انخرست ولا انطرشت؟
وقبل أن يجيب برهان وصل يوسف بصحبة أخيه الصغير محمد:
- نعم يا با
صفحة 5
- تعال ولك، شوف شو جبت لك
- شو هاذ؟
- كمبيوتر صغير
وصلت كلماته إلى أسماع فوزية في الوقت الذي تركزت نظراتها على حجر زوجها، حيث كان مشغولا بمحاولة إدارة جهاز الكمبيوتر الصغير (لاب توب)
- شو هاذ يالله يرمل مرتك؟ احنا شبعنا الخبز تا نشتري كمبيوتر؟ قديش حقو هاذ يالله يعدمني اياك؟
قبل أن يجيب برهان صرخ يوسف بفرح: يا ألله !!! كمبيوتر؟ هذا إلي إلي؟ وفيه ألعاب وإنترنت يابا؟
لم يسمع جواب أبيه لأن والدته بدأت بصراخ هستيري: بقول لك فش عنا طحين بتقول لي كمبيوتر؟ يالله ريتني أموت تتريحوا وتريحوني· الله يفضحك، شو بدهم يوكلوا ولادك؟ كمبيوتر؟
قال برهان بصوت يشوبه خليط من العجز والحزن واللامبالاة: بس يا مرة تفضحيناش، خلّي الولد يفرحلوا شوي
- يفرح؟ عليش يفرح يا حريق الوالدين؟ أبوه انجن وبدوا يموتنا من الجوع؟ إشي بفرح هاذ ياللي ما بتعرف الله؟ طلقني· بقول لك طلقني هسّة هسّة !
بدأ صوت برهان يعلو تدريجيا ويفقد شيئا فشيئا نبرة اللامبالاة التي كانت تشوبه في البداية:
صفحة 6
- اهدي عاد يا مرة
- أهدا؟ إنتي خليت فيها هدا؟ ما صدّقنا وانتي تلاقي شغل، من جمعتين واحنا بنستنى تقبض، مظلش حدا الا اتداينّا منو، أنو بدو يداينّا هسّة؟ شو بدّي أطعم ولادك؟ شو بدهم يوكلو، ها؟ كمبيوتر يا عاطل يا بن العاطل؟ يوكلو كمبيوتر؟
- يوكلو خرا، وكلي خرا انتي الثانية يا شرموطة يا بنت الشرموطة· بدي أفرّح إبني والله لا يجعلكم توكلوا· أنا مش أبو يا عالم؟ إحنا مش بشر؟ ولادي بحقّلهمش يفرحو؟هذا الولد ما شافلو يوم زي الناس، بيجي من المدرسة وبيروح يرعى البقرة قبل ما يتغدّا، وبعد الظهر بلف شوارع البلد يبيع حليب، وفي الليل دراسة الله يلعن أبو هيك حياة· الله يلعن هيك أب اللي ما بقدر يفرح ولادو بلعبة زي الناس في العمر مرة······
واستمر برهان يندب حياته وفوزيه تزاود عليه بالولولة واللطم والشتائم، بينما انشغل يوسف بالكمبيوتر وكأن ما يدور حوله يجري في عالم آخر لا يعنيه·
- سو هادا؟
سأل الصغير محمد:
- شوف شوف· هاي لعبة سباق سيارات· فووووم
- خليني ألعب
- بعدين، روح نادي فدوى خليها تشوف شو جابلي أبوي
جرى محمد ويده تحاول الإمساك ببنطلونه الذي يسقط تدريجيا عن خصره كلما أتى بحركة، مما يوحي بفشل الوالدة رغم جهودها الخارقة في إعادة تفصيل البنطلون الذي استخدمه الأخ الأكبر يوسف لثلاث سنوات حتى يناسب مقاس محمد الذي يصغره بأكثر من عشر·
صفحة 7
أطلت فدوى من باب احدى الغرف ونقلت نظرها بين مشهد المأتم الصاخب الذي يتناوب والداها بث الحياة فيه، وأصوات الفرح الأكثر صخبا التي يصدرها شقيقها يوسف· فدوى بلغت السن التي تطبع سلوكها بشيء من الرصانة المبكرة والمفتعلة، التي تدفعها إلى لعب دور البنت الكبرى ذات المسؤوليات العائلية، ولكنها لا تستطيع دائما كبت ملامح الطفولة العفوية في انفعالاتها كما حصل الآن، حيث صرخت بفرح: منين هذا الكمبيوتر؟ مستعمل؟
- يمكن، بس بشتغل كأنو جديد لوكس· شوفي ····
وضغط يوسف على دواسة البنزين في لعبة سباق السيارات فأصدرت زئيرا لم ترتح له فدوى، واختطفها من الحلم ليوجه أنظارها إلى المشهد الآخر الذي يدور على بعد مسافة قليلة في الغرفة نفسها·
- فيه انترنت؟
سألت فدوى
- بعرفش، بس إذا ما فيهوش بكرة بشتري كرت
- شو هذا يا يوسف؟
- خلّيني ألعب فيه شوية
- منين جيبتو؟
انهالت الأسئلة والطلبات على يوسف من أبناء الحارة الذين بدأوا يتواردون على البيت، بعد أن طاف بهم الصغير محمد وأبلغهم بالخبر: أبوي جاب ليوكيس تنبيوتل
ولم يمض وقت طويل حتى بدأت الأمهات أيضا بطرق الباب واحدة في إثر الأخرى، بحجة البحث عن أبنائهن في البداية، ثم ما لبثن أن اقتربن بدورهن ليلقين نظرة يشع منها الحسد على الكمبيوتر الذي اشتراه برهان العامل في اسرائيل، والذي يشتغل يومًا ويتعطل ثلاثة أيام، لابنه يوسف الذي لم يتجاوز السادسة عشرة والذي لم يحلم قبل ذلك بالحصول حتى على دراجة هوائية صغيرة مستعملة·
صفحة 8
بدأت فوزية تتمالك أعصابها بوجود الجارات وتحاول التظاهر بأنها فرحة بالهدية غير المتوقعة التي حصل عليها ولدها، والتي لا يملك مثلها حتى ابن الأستاذ غالب جارهم، ولا ابن أبو قاسم صاحب أكبر متجر في البلد، وسرها أن يكون بيتها محط اهتمام هذا العدد من الجيران·
- ولك يامحمد، روح جيبيلنا ربع شاي من عند خليل، قول له أبوي بحاسبك
صرخت فوزية بابنها وقد خلا صوتها من توتره السابق·
- لا والله ما بيروح
اعترضت رشيقة، وتابعت: في عندنا شاي· روح يا محمد خللّي وفاء تعطيك حفنة·
ذهب محمد إلى بيت الجارة وعاد ومعه قليل من الشاي ملفوفا في ورقة، وكانت فوزية في هذه الأثناء قد سخنت الماء وأصبح كل شيء جاهزا للسمر· أما برهان فقد سر بسرور أولاده من جهة، ومن جهة أخرى بكونه لم يعد هدفا لشتائم زوجته، ولو إلى حين، فهو يدرك أن هذه الهدنة لن تدوم طويلا، ليس هدنة زوجته فقط، ولكن هدنة المعيشة كذلك لن تمهله أكثر، فغدًا موعده مع يوم جديد ومطالب جديدة من زوجته وأطفاله، والبقال الذي نفد صبره ولم يعد يقبل ببيعهم بالدين، أما الجزار فلا خطر منه فهم لا يدينون له بفلس واحد منذ توقفوا عن شراء اللحم نهائيا قبل أكثر من سنة: لم يعد مسموحا التفكير باللحم إلا حين يذبحون فرخة من الإنتاج المحلي بين الفترة والأخرى، أو حين تتكاثر صغار الأرانب فيمكن التضحية بواحد أو اثنين طالما أن هناك ما يكفي للبيع·
ما عدا ذلك فهي مستورة، يقول برهان الذي لا يسمح لا للحواجز ولا لتذمر زوجته وعويلها أن تقتل فيه روح التحدي لهذا الوضع الذي لا يبدو أنه سيتغير عما قريب، والتحدي في مفهوم برهان معادل للاحتيال على الظروف والتكيف معها، فإن أوقفت السلطات الإسرائيلية إصدار تصاريح العمل له ولأمثاله، فهناك طرق وعرة يسلكها مع زملائه ويصلون إلى قلب تل أبيب رغم أوامر المنع وتهديد السلطات ووعيدها· صحيح أن هذا يعني أن يفيق في الثالثة صباحا في بعض الأحيان حتى يصل إلى تل أبيب، التي تبعد عن بلدته عنبتا أكثر من ثمانين كيلوميترا قبل شروق الشمس، وصحيح أنه يقع في قبضة الشرطة التي تغير أحيانا على أماكن تجمع عمال الضفة أثناء انتظارهم لرزق العيال، الذي يرسله الله في هيئة خواجا أو خواجاية يبحثون عن يد ماهرة لإجراء إصلاحات منزلية أو تشذيب الأزهار وقص العشب في الحديقة، أو ربما طلاء جدران البيت· مع ذلك فبرهان لا يتذمر، بل هو لا يفقد روح التفاؤل التي فاجأت دونالد ماكنتاير مراسل صحيفة الاندبندنت البريطانية، الذي التقاه على حاجز الطيبة بعد أن ركله جنود حرس الحدود على قفاه عقب دفعه الغرامة التي فرضت عليه لاجتياز الحدود من دون تصريح، وحظي بتوصيلة مجانية في جيب الشرطة إلى حاجز الطيبة الحدودي·
صفحة 9
سأله ماكنتاير: أراك تضحك· لا بد أن الاعتقال كان تجربة ممتعة·
تابع برهان الضحك بصوت عال بعد أن انتهى صديقه علي من الترجمة، وقال: قول له الله سترها، اعتقلونا العصر، كنا خلصنا شغل· لو اعتقلونا الصبح كان راح علينا شغل اليوم·
وفقع ضحكة أخرى قبل أن يوجه له ماكنتاير المذهول سؤالا آخر: هل ستكررها: هل ستتجاوز الحدود من دون تصريح مرة أخرى؟
- شو بتقول؟ بكرة راجع· لسة ما خلصنا شغل عند الخواجة شلومو·
وتابع سيره باتجاه السيارات التي تنتظر على الناحية الأخرى من الحاجز، لتقله إحداها إلى طولكرم ومنها إلى عنبتا حيث تنتظره فوزية والأولاد· حيّاًاا
أما الآن فرغم فرحه بفرح الأولاد، وإحساسه أنه استطاع أن يقوم بواجبه كأب للمرة الأولى دون أن يسمح للتفكير بالظروف بإعاقة نواياه، مع أن كل هذا جعله يحس بالنشوة في البداية، إلا أن رد فعل فوزية التي يتفهمها تماما قد جعله يحس بالذنب، فهو لم يستطع أن يجلب الفرح للعائلة إلا بأن يعقب ذلك النكد ليس فقط بسبب شتائم فوزية، بل بسبب الثمن الذي ستدفعه العائلة في الأيام القادمة، والذي سيقتطع من وجباتها الغذائية وأساسياتها·
نعم، زوجته لديها كل الحق، وقد هيأ نفسه ليعتذر لها بعد أن ينام الأولاد، ويبوس رأسها، وقدمها إن أرادت، ويقول لها إن كل شتائمها أقل مما يستحق، وإنه انسان عديم المسؤولية كما قالت ولا يستأهل الأكل الذي يأكله، وما تريد وأكثر· نعم، هذا ما هيأ نفسه له بعد أن ينام الأولاد، لذلك ذهل برهان حين كان ما يزال يفكر في ما سيقوله لها بعد أن تنتهي من غسل الأطباق في المطبخ وتلحق به في غرفة النوم، ذهل حين اكتشف أن فوزية لم تكن تجلي الصحون كما هيئ له بل كانت تستحم، استعدادا لليلة حميمة معه، فهي وإن كانت غاضبة منه، إلا أنها فخورة به أيضا، ليس فقط لأنه قام بتلك المغامرة وجلب الفرح لولدهما يوسف، بل لأنه هو ولا أحد غيره سيتحمل تبعة ذلك من قلة نومه وتعبه ومخاطرته بالسجن حين يذهب للعمل من دون تصريح·
لم يكن يوسف أو فدوى قد ناما كما هيئ لبرهان وفوزية اللذين نهلا من نبع السعادة في تلك الليلة، وهما يعلمان أنها ربما السعادة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تصريح من السلطات الإسرائيلية·
كانت فدوى قد بدأت تستمتع بلعبة سباق السيارات وضغطت على دواسة البنزين بكل قوتها، وما إن بلغت بالسيارة سرعتها القصوى مصدرة الزئير المعتاد حتى سمعت ويوسف زئيرا من نوع آخر تبعته شهقات متوالية مصدرها غرفة نوم والديهما·
غمز يوسف بعينه لأخته وقال: وقع الطخ·····
صفحة 10
-3-
صباح الجمعة مثل غيره من الصباحات: واجبات العمل المنزلي التي لا تنتهي بالنسبة لفدوى، رغم أنها تعد لامتحان الثانوية العامة وعليها قضاء وقت أطول في الدراسة، هذا لو لم يكن مطلوبا منها تنظيف البيت وإعداد وجبتي الإفطار والعشاء لأخويها· أما العناية بالبقرة اليتيمة التي تعتمد عليها العائلة كمصدر دخل إضافي فهي من اختصاص يوسف: هو الذي يأخذها كل يوم بعد عودته من المدرسة إلى المرعى القريب، ويحلبها بعد أن يكون غسل ضرعها بعناية، ثم يطوف شوارع البلدة لبيع الحليب·
أما محمد ورغم سنه الصغيرة فعليه الاهتمام بإطعام الأرانب وعلف الدجاج وجمع البيض كل يوم، ثم إيصال الطلبيات إلى المشترين·
هكذا تستطيع العائلة تأمين أساسياتها، بأن يأخذ كل فرد الدور المنوط به من أصغر أفرادها إلى أكبرهم·
خرج الوالد كعادته في ساعات الفجر الأولى بحثا عن عمل في إسرائيل رغم أنه لا يحوز تصريحا لدخولها، مما يعني مغامرة أخرى، ولكن المغامرات أصبحت نمط حياة بالنسبة له وللكثيرين غيره·
فدوى أعدت طعام الإفطار بعد أن اشترى يوسف صحنا من الحمص من مطعم زكي على الشارع الرئيسي، وشيئا من الفلافل من مطعم هاشم القريب منه· لم تكن مائدة الإفطار حافلة، فباستثناء الحمص والفلافل كان هناك الزيت والزعتر وهو من الأساسيات، وكذلك لم يغب الشاي بعد أن مر برهان على حانوت خليل واستدان منه أوقية شاي، مع وعد بدفع الجزء الأكبر من الحساب في آخر الشهر·
انتهت فدوى من غسل الأطباق في المطبخ بعد أن تناول الجميع إفطارهم، وعادت إلى غرفة الجلوس حيث أدارت التلفزيون بحثا عن برنامج غنائي في إحدى المحطات الفضائية· التلفزيون هو تسليتها الوحيدة، فهي لا تغادر البيت إلا للذهاب إلى المدرسة، ونادرا ما تزور إحدى صديقاتها أو تتلقى زيارة من إحداهن، عندها تختلي بها تحت شجرة التين في الحقل الكبير إذا كان الطقس مشمسا، فهناك بعض الأحاديث الخاصة التي لا يرغبن بمشاركة الوالدة بها، مثل أخبار الحب، وهو حديث محرم طبعا ولا يجوز أن يطلع عليه الأهل، بينما هو المحور الذي تدور حوله حياة فدوى وصديقاتها· أما بقية التفاصيل كالدراسة والعمل المنزلي وأمور المعيشة الأخرى فهي من الأمور الثانوية· صحيح أنها تبتلع معظم أوقاتهن، ولكن اللحظات الحميمة والتي تهم فعلا مع قصر المتاح منها بسبب أعباء الحياة هي التي يقضينها بالحديث عن محبوب القلب، أو حتى مناجاته في الخيال·