eKtab
EN ع
شخصي جداً - الجنس في حياتنا
اقرأ عينة مجانية

شخصي جداً - الجنس في حياتنا

بقلم د. أوسم وصفي

صفحة 1

الفصل الأوَّل:الجنس في الإنسان لماذا يشكِّل ضَبط الاتِّزان معضلة؟

سكار: ليستْ لديكَ أدنى فكرة! إنَّك تقول إنَّ أباك قد أراكَ كلَّ المملكة، أليس كذلك؟

سيمبا: كلَّ شيء!

سكار: لكنَّه لم يخبركَ بما يقع خلف تلك الهضبة التي عند الحدود الشماليَّة، أليس كذلك؟

سيمبا (محبطًًا): حسنًا. بلى، لقد قال إنَّه لا ينبغي لي الذهاب إلى هناك.

سكار: إنَّه محقٌّ تمامًا! إذ إنَّ ذاك المكان خطِرٌ جدًّا. ولا يستطيع إلاَّ أشجع الشجعان الذهاب إليه.

سيمبا: حسنًا، أنا شجاع. فماذا يوجد هناك؟

سكار (مقاطعًا) : لا. آسف يا سيمبا، فأنا لا أستطيع إخبارك.

سيمبا: ولِمَ لا؟

سكار: سيمبا، سيمبا. إنِّي أحافظ على مصلحة ابن أخي المفضَّل. (يربِّت سكار على رأس سيمبا الصغير ويدلكه بيده).

سيمبا: (يتنهَّد بسخرية) نعم، صحيح. فأنا ابن أخيك الوحيد!

سكار: لقدِ أوجبَ هذا أن أحافظ عليك، إذ ليست مقبرة الفِيَلة مكانًا يذهب إليه أمير صغير (يتظاهر بالمفاجأة وكأنَّه أخطأ دون قصد بذِكْره مقبرة الفِيَلة). أووبس!

سيمبا (بحماس): مقبرة ماذا؟ وااااه!

سكار (يتظاهر بالإحباط واليأس): يا عزيزي. لقد أخبرتُك بِما هو أكثر من اللازم. حسنًا. أعتقد أنَّك كنتَ ستكتشف ذلك إنْ عاجلاً أم آجلاً. فأنت ذكيٌّ (يجذب سكار سيمبا إلى جانبه). فقط عِدني بأنَّك لن تزور أبدًا هذا المكان المخيف!

سيمبا: (يفكِّر) لا بأس.

سكار: إنَّك فتًى طيب. اذهبِ الآن واستمتع بوقتك. لا تنسَ سِرَّنا الصغير!

صفحة 2

يصوِّر الحوار السابق، من فيلم ‘‘الأسد الملك’’[1] (The Lion King)، كيف استطاع العمُّ الشرِّير سكار أن يغويَ ابن أخيه (وارث العرش القادم) سيمبا بالذهاب إلى مقبرة الفِيَلة وذلك بالتلميح والترهيب، وليس هو في واقع الأمر إلاَّ ترغيبًا. إنَّنا نتعاطى في مجتماعاتنا الشرقيَّة بشأن الجنس بهذه الطريقة. فالجنس عندنا ‘‘مقبرة الفِيَلة’’ المكان الخَطِر الذي يقع خلف الهضبة عند الحدود الشماليَّة. إنَّه أمرٌ من الأمور التي لا نتكلَّم بشأنها، وإن تكلَّمنا، فإنَّنا نقول ما مفاده إنَّ الجنس حرامٌ أو خطير، أو إنَّنا نربط بينه وبين الزنا والنجاسة وكلِّ ما هو محرَّمٌ ومنبوذ. فإمَّا أنَّنا لا نتكلَّم بشأن الجنس؛ أو نتكلَّم بشأنه بصورةٍ سلبيَّة، كما فعل والد سيمبا الذي لم يُخبره شيئًا بشأن ما وراء الهضبة، وإنَّما أمره بعدم الذهاب إلى هناك فحسب- فإنَّ ‘‘مقبرة الفِيَلة’’ هذه تصبح أكثر الأماكن إثارةً بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين. وتصيرُ تلك الإثارة الخفيَّة رغبةً شديدةً في داخل أولئك الأطفال والمراهقين ليتعرَّفوا بالجنس ويختبروه لإشباع تلك الرغبة وإثبات أنَّهم أشجع الشجعان.

إن كانت هذه هي مشكلة مجتمعاتنا الشرقيَّة، فعلى الجانب الآخر نجد أنَّ المجتمعاتِ الغربيَّة، لا سيَّما في عصر ما بعد الثورة الجنسيَّة، تتكلَّم بشأن ‘‘مقبرة الفِيَلة’’ كما لو كانت مكانًا عاديًّا، كما أنَّها تتجاهل أهمِّيَّة الجنس وخطورة التعاطي به دون حذرٍ أو إجلال، فتكون العواقب وخيمةً مدمِّرةً أيضًا.

لقد وصفت هيلين دويتش (Helene Deutsch) السلوك الجنسيَّ في بعض فئات المراهقين في الولايات المتَّحدة خلال عقد السبعينيَّات من القرن العشرين بقولها:

لقدِ انطلق هؤلاء المراهقون في دروب ‘‘الثورة الجنسيَّة’’ متحدِّين بها المجتمع، فأطلقوا للغزيرة العِنان وطرحوا جانبًا العناصر العاطفيَّة التي من شأنها أن تهذِّب هذه الغريزة. غير أنَّ نتيجة الموقف كانت، على حدِّ تعبير دويتش، ‘‘كارثةً نفسيَّة’’. وتتابع قائلةً: ‘‘إنِّي لم أشاهد قطُّ شبَّانًا وشابَّاتٍ تبدو على ملامحهم التعاسة أكثر من هؤلاء. إنَّهم يتألَّمون بشكلٍ واضحٍ من جرَّاء الحرمان العاطفيِّ؛ وبالتالي من فقدان طعم تلك الإثارة الجنسيَّة التي يزعمون أنَّها حرَّةٌ ولا محدودة.[2]

بدأَتِ الثورة الجنسيَّة في الغرب في ستِّينيَّات القرن العشرين، وتأصَّلت عبر العقود المتتالية حتَّى صار المفهوم السائد الآن في الإعلام الغربيِّ أنَّ الجنس ليس سوى حاجةٍ بيولوجيَّةٍ يمكن للإنسان أن يشبعها كما يُشبِع جوعه إلى الطعام باِلْتهام شطيرةٍ من الهامبرجر، ويَمضي بعدها في طريقه. حتَّى إنَّه قد صارت هناك نوعيَّةٌ من العلاقات يسمِّيها الشباب ‘‘علاقات المنفعة المتبادَلة’’(Friends with Benefits) بمعنى أنَّها صداقاتٌ وعلاقاتٌ مبنيَّةٌ على ‘‘المساعدة المتبادلة’’ فقط. والمساعدة هنا إشباع الرغبة الجنسيَّة ليس أكثر. وليس ثَمَّة روابطُ أوِ التزاماتٌ أخرى. إذ ما عاد هناك من حاجةٍ يخطِّط فيها الشابُّ ليخدعَ الفتاة ويَعِدُها بالزواج، كما يحدث في الشرق، حتَّى يقيم علاقة جنسيَّة معها؛ إذ إنَّهم يعلنون من البداية أنَّ العلاقة ما هي إلاَّ علاقةٌ جنسيَّة ليس أكثر.

إنَّ هذه العقليَّة، التي تختزل الجنس إلى مجرَّد إشباع رغبةٍ جامحةٍ وتهدئةٍ لتوترٍ جسديّ، هي العقليَّة ذاتها التي تروِّجها الثورة الجنسيَّة، والتي استولت تمامًا على صناعة السينما والإعلام. ففي أيِّ فيلمٍ أمريكيّ، يكون من الطبيعيِّ أن يتعرَّف شابٌّ ما بإحدى الفتيات، ويتجاذبان أطراف الحديث، ثُمَّ يدعوها إلى العشاء، إذ يبدأ العشاء بالسلطات والمقبِّلات، من ثَمَّ يحين دور الطبق الرئيسيِّ مع النبيذ، تليه الحلويَّات والقهوة، ويختمان عشاءهما الفاخر هذا بالجنس! وتكون اللقطة التالية في الصباح وهما معًا في الفراش وقد غطَّيا عُريَهما بملاءات السرير. قد يستيقظ أحدهما قبل الآخر ليذهب إلى عمله، إنْ كان يومَ عمل، أو قد يستيقظان ويُعدَّان الفطور ويتناولانه معًا، وهو ما قد يُشير إلى بداية علاقةٍ جادَّة. فمع أنَّ هذا ليس أسلوب حياة أغلب الناس في المجتمع الأمريكيّ، فإنَّه أسلوب الحياة المعتاد في السينما الأمريكيَّة التي تصنعها عقولٌ سيطرتْ عليها أفكار الثورة الجنسيَّة. وقد يكون أيضًا أسلوبَ حياة نسبةٍ ضئيلةٍ من المجتمع الأمريكيِّ تسكن المدن الكبرى كنيويورك ولوس أنجلوس، فيما السواد الأعظم من المجتمع لا يعيش على هذا النحو. إذ قد أظهرتْ دراسةٌ عنِ التنظيم الاجتماعيِّ للممارسة الجنسيَّة في الولايات المتَّحدة أنَّ نسبة مَن يلتزمون بشريكٍ واحدٍ طِوال العمر تصل إلى نحو 83%[3].

صفحة 3

وتقول كلمات إحدى الأغنيات العاطفيَّة[4]

لقد وقعتُ في حبِّ العالم

بعيون فتاة

وهي لا تزال باقيةً

في صباح اليوم التالي

لقد أنهَينا علاقتنا الشهر الفائت،

وقد مضيتُ في أيَّامي- لكنِّي لم أعلم

بأنِّي سأظلُّ موجودًا في الصباح التالي

لقد كان الأمر دائمًا

‘‘انتظرْ وشاهدْ’’

يومٌ سعيد، ثُمَّ تدفع النقود

وتشعر شعورًا سيِّئًا

في صباح اليوم التالي

I’m in love

with the world

through the eyes

of a girl who's still around

the morning after

we broke up a month ago,

and I grew up- I didn't know

I'd be around the morning after.

It's always been

Wait and see

A happy day

And then you pay

And feel like shit

The morning after

كما نرى، فإنَّ هذه الأغنية تخبرنا بمقدار الاشمئزاز الناتج عن العلاقات الجنسيَّة التي تبدأ ليلًا وتنتهي في صباح اليوم التالي. وتعكس الأغنية الجوع الحقيقيَّ إلى العلاقة والشعور بالوَحدة والفراغ الذي نشعر به بعد ممارسة الجنس الاستهلاكيِّ هذا. إنَّ هذه الثورة الجنسيَّة التي بدأت في الغرب قد وصلت أيضًا إلى الشرق. وصلت إلينا نحن المحافظين الذين بالكاد نتحدَّث بشأن الجنس– كجزءٍ من ثقافتنا- بينما نواجه الإعلام المشبَع بتقليعات الثورة الجنسيَّة- ذلك الإعلام الذي يخترق وعيَنا ببساطةٍ ونعومةٍ بوسائلَ متعدِّدة: حلقات تلفزيونيَّة ‘‘لطيفة’’ مليئة بالإضحاك مثل مسلسل ‘‘الأصدقاء’’ (Friends) وشخصيَّاته التي تُجسِّد في بعض المشاهد مَثَلاً واضحًا على صداقات الفائدة المتبادَلة، وفيديوهات الجنس الفاضح على القنوات الفضائيَّة، وفضاء الإنترنت الذي يشكِّل الجنسُ الاستهلاكيُّ أكثر من 80% من محتواه. وهكذا أصبحنا في الشرق بين المطرقة والسندان، إذ إنَّنا نفهم الجنس ونتحدَّث به أقلَّ من اللازم، غير أنَّنا نفكِّر فيه أكثر من اللازم. مع أنَّنا قد بدأنا ندرك احتياجنا إلى الكلام العلميِّ الواعي بشأن الجنس وأهمِّيَّة التربية الجنسيَّة للأطفال والمراهقين، فإنَّ هذا لا يزال محصورًا ضمن فئةٍ محدودة من المتعلِّمين المثقَّفين الذين بدأوا يستشعرون حجم المعضلة التي نواجهها.

صفحة 4

لماذا لا يَسهُل ضَبط الاتِّزان؟

عندما نشير إلى الانفلات الجنسيِّ عند إنسانٍ ما، فإنَّنا نقول إنَّه ‘‘يمارس الجنس كالحيوانات’’. ويرجع سبب ذلك إلى أنَّنا نَعدُّ الحيوانات منفلتةً جنسيًّا لمجرَّد أنَّها تمارس الجنس علانيَةً. بينما يجد مَن يدقِّق في حقائق السلوك الجنسيِّ لدى الإنسان والحيوان أنَّ الإنسان عمومًا أميَلُ إلى الجنس من كلِّ الحيوانات، وهذا يجعله أكثر انفلاتًا من الناحية الجنسيَّة لدى مقارنته بالحيوان. إنَّ من الحقائق المثيرة التي تُظهِر الفارق بين الجنس في كلٍّ من الحيوان والإنسان[5] أنَّ لدى ذكر الإنسان عضوًا ذكريًّا أكبر من كلِّ الأعضاء الذكريَّة لدى القِرَدة العليا (الرئيسات)؛ كما أنَّ أنثى الإنسان هي الأنثى الوحيدة بين الثديِّيات التي يكتمل نموُّ ثديَيْها قبل أوَّل حمل. وفي ما يتعلَّق بالاستعداد للجنس، تكون أنثى الحيوانات الثديِيِّة مستعدَّةً للإخصاب في أوقاتٍ معيَّنةٍ من السنة، أمَّا في الإنسان فيكون الاستعداد للجنس في كلِّ الأوقات تقريبًا. مع أنَّ أنثى الإنسان تشعر برغبةٍ جنسيَّة أكثر قليلًا قُبَيل الدورة الشهريَّة، فإنَّ تأثير ذلك على سلوكها الجنسيِّ ضئيلٌ جدًّا بالمقارنة بتأثير المشاعر والعلاقات. أمَّا في ما يتعلَّق باللذَّة الجنسيَّة، فإنَّ أنثى الإنسان، على سبيل المَثَل، هي الأنثى الوحيدة بين الثديِيَّات التي تختبر ذروة اللذَّة الجنسيَّة، كما أنَّ الإنسان عمومًا يشعر باللذَّة بصورةٍ أعمق بكثير من الحيوان؛ إذ إنَّه يعي إحساسه باللذَّة ويدرك ما الذي من شأنه أن يزيد من لذَّته ممَّا يضخِّم إحساسه بها. لذا فإنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد من الرئيسات الذي يستمرُّ في ممارسة الجنس بعد انتهاء المدَّة التي قد يحدث فيها الحمل.

لماذا كلُّ هذا؟ وأعني، لماذا الجنس عندنا أعرض وأعمق بكثير من كلِّ الحيوانات ممَّا يؤدِّي بنا إلى الفشل كثيرًا في ضبط اتِّزانه؟ الإجابة ببساطة أنَّ الجنس عندنا له وظيفةٌ أبعدُ من التكاثر وأعمقُ من اللذَّة. ليس الجنس في الإنسان مجرَّد حاجةٍ بيولوجيَّة وغريزةٍ كسائر الغرائز التي تربطنا بالمملكة الحيوانيَّة. فَلِلجنس في الإنسان، بالإضافة إلى بعده الجسديِّ، بعدٌ عاطفيٌّ عميق يربط الرجل والمرأة برباطٍ وجدانيٍّ قويٍّ يفوق المتعة الجسديَّة ويؤول إلى تكوين الأُسرة والمجتمعات والشعوب. ليس ذلك فحسب، فالجنس يعبِّر أيضًا بصورةٍ جسديَّةٍ ووجدانيَّةٍ عميقة عن حقيقةٍ روحيَّةٍ أصيلة في الإنسان وهي القدرة على الاتِّصال والالتصاق والرغبة فيهما، لا بالبشر المحدودين فحسب؛ وإنَّما بالله غير المحدود أيضًا.

إنَّنا لا نضبط الاتِّزان لأنَّنا، سواءٌ أَفي الشرق كنَّا أم في الغرب، قد فشلنا في رؤية الجنس في بعده الإنسانيِّ هذا. إذ لا نزال ننظر في الشرق إلى الجنس على أنَّه غريزةٌ حيوانيَّة يجب أن نمارسها رغم شعورنا بالخوف والخزي. أمَّا في الغرب، حيث أراد الغربيُّون تحرير الجنس من الخوف والخزي؛ وبسبب الثقافة الاستهلاكيَّة وفَشَلِ العلاقات الحميمة في المجتمع الصناعيِّ الحديث، فقد تدهور الجنس في الممارسة إلى مجرَّد غريزةٍ حيوانيَّة نستخدم ونستهلك بها بعضنا في سبيل إشباعها. ويظلُّ البشر عالقين في دورة بين هذين الموقفَين إذ يؤدِّي أحدهما إلى الآخر باستمرار. وعندما نرى نحن الشرقيِّون ذلك ‘‘الانحلال الجنسيَّ’’ من خلال وسائل الإعلام، فإنَّ بعضنا يخفِّف تدريجيًّا من القيود التي يضعها على سلوكه الجنسيِّ ويسير في نفس تيَّار الثورة الجنسيَّة. بينما تشعر النسبة الأكبر من الناس بمزيدٍ من الخوف والاشمئزاز من الجنس؛ ممَّا يؤصِّل نظرتهم أنَّ الجنس ما هو إلاَّ غريزةٌ حيوانيَّة استسلم أهل الغرب لها، وحتَّى لا نحذو حذوهم يتحتَّم علينا أن نضع كلَّ القيود عليه للدرجة التي تجعلنا نريد تجاهُل وجوده، وتجنُّب الكلام به بأيَّة صورةٍ حتَّى وإنْ كان ضمن العمليَّة التربويَّة. غير أنَّ الحقيقة أنَّنا بسبب الخوف والجهل اللذين يزيدان من الإثارة (كما في قصة سيمبا)؛ وبسبب فشل العلاقات الحميمة أيضًا في مجتمعاتنا، لا سيَّما في المدن الكبرى، نجد أنَّنا نتحوَّل تدريجيًّا في واقع حياتنا الداخليِّ لنصبح مثل الغرب في طريقتنا الاستهلاكيَّة في تعاطينا مع الجنس (حتَّى الجنس ضمن إطار الزواج)[6]، بينما نظلُّ محافظين في الخارج على قشرةٍ خارجيَّة من العفَّة والوقار المزيَّفَين والنابعَين فقط من أنَّنا ‘‘لا نتحدَّث بهذه الأمور’’.

صفحة 5

التوتّر المستمرّ

يظلُّ الجنس في الإنسان في حالةٍ من التوتُّر بين السعي إلى اللذَّة والسعي إلى الآخر للاتِّحاد به. وتنبع الخطورة من أنَّ السعي إلى اللذَّة قد يتضخَّم ويلتهم لا العلاقة الإنسانيَّة فحسب، بلِ الشخص ذاتَه مَن يبحث عنِ اللذَّة. فإنَّ اللذَّة الخالية من الاتِّحاد العاطفيِّ تترك الإنسان فارغًا كما كان بل وأكثر فراغًا ممَّا كان عليه. وقد عبَّر عن هذا الشاعرُ الهنديُّ الكبير طاغور في الأبيات التالية:

أُمسكُ بيدها وأضمُّها إلى قلبي.

أحاول أن أملأ ذراعيَّ من سحرها،

وأن أنهب بقبلاتي عذوبة ابتسامتها،

وأن أشرب بعينيَّ لحظاتها القاتمة.

ولكن أوَّاه أين ذلك كلُّه؟

مَن يقدر أن يفصل عنِ السماء زُرقتها اللازورديَّة؟

أحاول أن أُمسك الجَمال، ولكنَّه يفلت منِّي،

تاركًا بين يديَّ جسدًا فقط

فأتراجع خائبًا، تَعِبًا:

كيف يمكن للجسد أن يلمس الزهرة

التي تطالها الروح وحدها؟[7]

مع أنَّنا نظنُّ أنَّ ما نريده ونسعى إليه هو الجمال أوِ الجسد أوِ اللذَّة الحسِّيَّة، فإنَّنا مهما نهلنا منها، نظلُّ نشعر بأنَّ ثَمَّة شيءٌ آخر يتعدَّى إلى كلِّ ما لا يمكن أن تطوله إلاَّ الروحُ وحدها. لذا، فإنَّ الجنس في الإنسان يعيش توتُّرًا مستمرًّا بين اللذَّة والعلاقة. فإنِ انفصلَتِ اللذَّة عنِ العلاقة، فإنَّها تتحوَّل إلى شهوةٍ واستهلاكٍ بل وإدمانٍ مدمِّر يسجن الإنسان في غياهب وَحدةٍ مريرة.

صفحة 6

الفصل الثاني:النضج الجنسيّ الجنس في معناه الإنسانيّ

‘‘عندما يتَّصل شخصان ويتَّحد كياناهما بشكلٍ حميمٍ خلال التواصل الجنسيّ، فإنَّ شيئًا ما ينسكب من أحدهما إلى الآخر، وهو شيءٌ يحوز قدرةً على شفاء أعمق جروح نفس الشخص الذي يقبله، ويستردُّ تلك النفس إلى الصحَّة. يختبر هذا الشخص المستقبِل فرحةَ الشفاء، فيما يختبرُ مَن يُعطي فرحةً أكبر؛ إذ يُدرك أنَّه قد لعب دورًا في شفاء شخصٍ آخر. إنَّ هناك أمرًا صالحًا في قلب البشر، لا سيَّما أولئك المؤمنين بالله منهم، يقوى على أيِّ أمرٍ سيِّئ. يوجد هذا الأمر الصالح في قلب كلِّ واحدٍ من البشر منتظِرًا أن يخرج منه نحو آخر ليعملَ فيه سحره’’.[8]

بهذه الكلمات يصفُ لاري كراب (Larry Crabb) العلاقة الجنسيَّة في أجمل صورها الروحيَّة والإنسانيَّة، غير أنَّه يضيف في النهاية قائلًا:

‘‘لكنَّ هذا نادرًا ما يحدث!’’

لماذا يندر حدوث ذلك حتَّى في إطار العلاقات الزوجيَّة الشرعيَّة؟ السبب ببساطة هو أنَّنا لا نصلُ غالبًا إلى النضج الروحيِّ والوجدانيِّ اللذين يؤهلاننا كي ما نحيا في إطار هذا المستوى من الانفتاح على الله والآخرين وأنفسنا، لنستقبل تلك القوَّة المُحيِية من الله ونعطيَها لبعضنا نحن البشر. إنَّنا- ويا لِلأسف- نشعر بالرغبة الجنسيَّة وتتفجر طاقتها فينا، فنقيم العلاقات الرومانسيَّة والجنسيَّة، بل إنَّنا قد نتزوَّج قبل وصولنا إلى النضج الكافي الذي يُمَكِّننا من إدارة هذه العلاقات وعَيْشها بالطريقة التي تحقِّق كياننا الإنسانيَّ الأصيل.

صفحة 7

النضج الوجدانيّ

إنَّ النضج الوجدانيَّ عنصر غائب بصورة مأساويَّة عن أذكانا وأكثرنا مواهبًا، بل وعن أكثرنا تديُّنًا وروحانيَّة.

يُعبِّر موقفنا من الجنس بوضوحٍ عنِ المرحلة التي قد وصلنا إليها في نضجنا الوجدانيّ. والمقصود بالنضج الوجدانيِّ قدرتنا على إدراك مشاعرنا والتعبير عنها وإدارتها، كما يعني إدراك مشاعر الآخرين وفَهْم الحالة الوجدانيَّة التي يمرُّون بها؛ ممَّا يجعلنا قادرين على التواصل الإنسانيِّ على مستوًى أعمق وأسمى أخلاقيًّا من مستويات الاستغلال والاستهلاك، والتي تظهر جليًّا في ممارساتنا الجنسيَّة حتَّى في إطار العلاقات الزوجيَّة الشرعيَّة.

والحقيقة أنَّ النضج الوجدانيَّ عنصرٌ غائب بصورة مأساويَّة عن أذكانا وأكثرنا مواهبًا، بل وعن أكثرنا تديُّنًا وروحانيَّة. يؤكِّد هذه الحقيقة بيتر سيزارو صاحب أحد الكتب الأكثر مبيعًا في الدوائر المسيحيَّة مؤخَّرًا وهو كتاب ‘‘الكنيسة الناضجة وجدانيًّا’’[9]. ويصف سيزارو في هذا الكتاب النضج الوجدانيَّ بأنَّه الحلقة المفقودة في منظومة التلمذة المسيحيَّة في معظم الكنائس.

إنَّ من شأن هذه الحلقة المفقودة أن تعطِّل مسيرة علاقتنا بالبشر وبالله أيضًا. فكم من قائدٍ روحيٍّ شهير تعثَّر في مسيرته وشهادته المسيحيَّة بسبب عدم نضجه الوجدانيِّ، وهو ما أدَّى إمَّا إلى فشل حياته الزوجيَّة أو توتُّر علاقته بأبنائه، بل أدَّى حتَّى إلى فضائحَ ماليَّةٍ وجنسيَّة. وكلُّ هذا بسبب ضعفٍ في القدرة على التحكُّم في المشاعر وإدارة الأفكار والسلوكيَّات. وقد يبدأ الأمر من مشاعر الغضب المدمِّر إلى إدمان العمل شديدِ الإجهاد، وعدم القدرة على التحكُّم في النزوات الجنسيَّة. والسبب وراء كلِّ هذا هو عدم النضج الوجدانيّ.

صفحة 8
النضج الوجدانيُّ والنضج الروحانيّ
 
إنِّي أرى أيضًا أنَّ النضج الوجدانيَّ يؤثِّر بقوَّةٍ أيضًا في النضج الروحانيِّ والتلمذة المسيحيَّة. فإنَّ كلمة تلمذة باللغة الإنجليزيَّة (Discipleship) تأتي من كلمة (Discipline) وتعني الانضباط. ويمكن تلخيص هذا الانضباط في عبارةٍ واحدة: أن يستطيع الإنسان أن يقود ذاته ويدير مشاعره كي يفعل ما يراه مفيدًا له على المدى البعيد. يقدِّم بولس الرسول هذا المفهوم بوضوحٍ في العهد الجديد في أكثر من فِقرة مستخدمًا أكثر من كلمة تشير جميعها إلى سلوكٍ يتميَّز بقيادة الإنسان لِذاته. فتارةً يتكلَّم بشأن ‘‘الجهاد’’ و‘‘ضبط النفس’’ و‘‘قمع الجسد’’ فيكتب إلى أهل كورنثوس:
 
‘‘وكلُّ مَن يُجاهد يضبط نفسه في كلِّ شيء. أمَّا أولئك فلِكيْ يأخذوا إكليلاً يفنى، وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى. إذًا، أنا أَرْكُضُ هكذا كأنَّه ليس عن غير يقين. هكذا أُضارِبُ كأنِّي لا أضربُ الهواء. بل أقمعُ جسدي وأستعبدُه حتَّى بعد ما كرزتُ للآخرينَ لا أصيرُ أنا نفسي مرفوضًا.
 
(1كورنثوس 9: 25- 27)
 
وتارةً أخرى يتكلَّم بشأن ‘‘الرياضة’’ و‘‘ترويض’’ الجسد فيقول لتلميذه تيموثاوس:
 
‘‘وأمَّا الخرافاتُ الدَّنِسة العجائزيَّةُ فارفضها، وروِّضْ نفسكَ لِلتَّقوى’’.
 
(1تيموثاوس 4: 7)
 
إنَّ هذا المفهوم للتلمذة غائبٌ عن معظم كنائسنا وممارساتنا الروحيَّة، وقدِ استُبدِل بهذا المفهومِ الحضورُ السلبيُّ في اجتماعات يقودنا فيها أشخاصٌ آخرون: إذ يعظون ويعلِّمون ونحن نسمع؛ يُصلُّون وينفعلون ونحن ‘‘نصلِّي من بعدهم’’؛ يرنِّمون ويسبِّحون ونحن نرنم برفقتهم. وحين لا نرنِّم بِحماسٍ كافٍ، فإنَّهم يلوموننا على ذلك ويوقفوننا ثُمَّ يُجلسوننا، من ثَمَّ يجعلوننا نردِّد عباراتٍ أو هتافات معيَّنة. بالطبع، لا بأس بالعبادة الجماعيَّة برفقة جمهور المؤمنين؛ وهي ذات دورٍ في منظومة التلمذة والتغيير، ومن الضروريِّ أيضًا تشجيع القيادة الجماعيَّة، أمَّا أن نهجُرَ التلمذة، التي تعلِّمنا الانضباط الشخصيَّ وترويض الجسد ومشاعره ونكتفيَ بالعبادة الجماعيَّة، فتلك هي المشكلة الحقيقيَّة والحلقة المفقودة في حياتنا الروحيَّة. يؤكِّد كنت هيوز هذا المفهوم في كتابه ‘‘التدريبات الروحيَّة للإنسان التقي’’[10] إذ يقول إنَّّ الحياة المسيحيَّة المنضبطة في عالم اليوم وفي كنيسة اليوم هي الاستثناء لا القاعدة. وينطبق هذا على شعب الكنيسة ورجال الدين على حدٍّ سواء. هذا ويصف دالاس ويلارد غياب هذا النوع من التلمذة بقوله إنَّه الغياب الأعظم في الكنيسة[11].
 
يردِّد علم النفس هذا المفهوم ذاته للتلمذة فيما يُعرَف بالذكاء الوجدانيّ[12]، لا سيَّما ذلك العنصر من الذكاء الوجدانيِّ الذي يتحدَّث بشأن القدرة على قيادة النفس وتأجيل اللذَّة والراحة في سبيل هدفٍ أسمى. إنَّ هذا العنصر من النضج الوجدانيِّ هو، في رأيي، حلقة الوصل بين النضج الوجدانيِّ والنضج الروحانيّ. فبينما يتيح النضج الوجدانيُّ الفرصة للإنسان أن يضبط نفسه ممَّا يمكِّنه من قيادة نفسه في كلِّ الأمور، كعلاقاته الإنسانيَّة في العمل والزواج، فإنَّ ممارسة التدريبات الروحيَّة من صلاةٍ وصومٍ وتأمُّلٍ وخلوة تتيح له أن يتواصل بالله؛ ويجعل من حياته إناءً مستقبِلًا لنعمة الله وقوَّته.
صفحة 9

مراحل النضج الوجدانيّ

يصف بيتر سيزارو مستويات النضج الوجدانيِّ للفرد عبر مقارنتها بمراحل نموِّ الإنسان منذ أن كان رضيعًا، مرورًا بطفولته ومراهقته، إلى أن يصير فردًا راشدًا. فكما أنَّ الإنسان يمرُّ زمنيًّا بهذه المراحل، فهو يمرُّ فيها وجدانيًّا أيضًا. وحقيقةُ الأمر أنَّنا غالبًا ما نعاني من هوَّةٍ بين أعمارنا الزمنيَّة ونموِّنا الجسديِّ والعقليِّ من جهة، ونضجنا الوجدانيِّ الذي أدركناه من جهةٍ أخرى. إنَّ هذا يعني أنَّ الإنسان قد يبلغ عمر الرشد زمنيًّا (أي أنَّه جاوز العشرين) ويتمتَّع بالنضج الجسديِّ والعقليِّ المتوافق مع ذلك العمر، لكنَّه يظلُّ رضيعًا أو طفلًا أو مراهقًا من الناحية الوجدانيَّة. وفي ما يلي سنحاول أن نتلمَّس هذه المراحل من نُضجنا الروحانيِّ والنفسيِّ محاولين أن نستكشف كيف تنعكس هذه المراحل على سلوكنا وعلاقاتنا الجنسيَّة.

الرضيع

إنَّ الرضيع يأخذ فقط ولا يفكر إلاَّ في الأخذ. فالناس بالنسبة إليه ليسوا سوى فرصٍ يحقِّق بها إشباعه.

إنَّ الطفل الرضيع، بطبيعة الحال، منحصرٌ في ذاته تمامًا ولا يشعر إلاَّ باحتياجاته المباشرة. فهو لا يستطيع أن يدرك احتياجات الآخرين أو مشاعرهم. إنَّ كلَّ هَمِّ الرضيع هو أن ‘‘يتغذَّى’’. وهذا ليس بمشكلة إنْ بدر من رضيع لم يبلغ عامه الثاني. غير أنَّه يُعدُّ رضيعًا من الناحية الوجدانيَّة إنْ تجاوزَ عمرَ الرضيع زمنيًّا وظلَّ غير مدركٍ لمشاعر الآخرين أوِ احتياجاتهم. ولأنَّ الرضيع وجدانيًّا يجد نفسه مدفوعًا دائمًا برغبةٍ في الإشباع المباشِر، فإنَّه عادةً ما يستغلُّ الآخرين لإشباع احتياجاته دون أن يعيَ كيف يؤثِّر سلوكه في الآخرين تأثيرًا قد يصل حدَّ الإيذاء. فمثلاً، نقبل من الطفل الرضيع أن يوقظ أمَّه في منتصف الليل حتَّى ترضعه، أمَّا أن يوقظ الرجل زوجته في منتصف الليل لتحضِّر له العشاء أو لممارسة الجنس لأنَّه قد شعر فجأةً بالجوع أوِ برغبةٍ في ممارسة الجنس، فهو رضيعٌ وجدانيًّا بمعنى أنَّه غير قادرٍ على تأجيل لذَّته أوِ احتياجاته المباشرة تقديرًا لاحتياجات الآخرين.

كما لا يستطيع الرضيع أيضًا أن يصف ما يشعر به بوضوح. فإذا جاع أو عطش أو إن كان مبلَّلًا فإنَّه يصرخ. وهذا طبيعيٌّ بالنسبة إلى حال الرضيع. ويصفُ صلاح جاهين عدم القدرة على التعبير عنِ المشاعر بالرباعيَّة التالية:

عيني رأت مولود على كتف أمه    (رأت عيني مولودًا على كتف أمِّه)
يصرخ ..تهنن فيه    (يصرخ فتحاول تهدئته)
يصرخ..تضمه    (يصرخ فتضمُّه)
يصرخ..تقول يابني ما تنطق كلام    (يصرخ فتقول له أن ينطق كلماتمفهومة)
ده اللي ما يتكلمش يا كُتر همّه    (إنَّ مَن لا يتكلَّم، يزداد همُّه)

صفحة 10

لعلَّ جاهين في هذه العبارة الأخيرة لا يصفُ الأطفال الرُّضَّع فحسب؛ بل يصف أيضًا الرُّضَّع وجدانيًّا الذين، وبالرُّغم من قدرتهم على الكلام، فإنَّهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم بكلمات. وحيث إنَّ التعبير عنِ المشاعر بالكلام يخفِّف من وطأة المشاعر الباعثة على الضيق، فإنَّ الرضيع وجدانيًّا عادةً ما يلجأ إلى موادَّ أو سلوكيَّاتٍ مختلفة يهدِّئ بها من مشاعره. فإذا شعر بالحزن أوِ الوَحدة أوِ الضجر أوِ الغضب، فإنَّه يلجأ إلى إشعال سيجارة أو شُرْب كأس خمرٍ أو ربَّما يلجأ إلى الأكل أو ممارسة الجنس ليهدِّئ من مشاعره المضطربة تلك.

والحقيقة هي أنَّنا بسبب أساليب التربية التي لم تساعدنا على النضج الوجدانيّ، فإنَّنا لا نزال رُضَّعًا وجدانيًّا بالرُّغم من بلوغنا سنَّ النضج الجنسيِّ والعقليّ. ويقيم عددٌ من الشباب الأكثر جرأةً علاقاتٍ هدفها الوحيد هو الجنس سواءٌ أَمعلنةٌ تلك العلاقات بوضوح أم أنَّها مستترةٌ تحت ستار العلاقات العاطفيَّة والرومانسيَّة. ويلجأ شبابٌ آخرون أقلُّ مهارةً في التعامل مع الفتيات إلى الجنس التجاريِّ (الدعارة)، فيما يلجأ الشباب الأقلُّ جرأةً على الإطلاق إلى الجنس الذاتيِّ (العادة السرِّيَّة) باستخدام الصور والمواقع الإباحيَّة. وإنْ تزوَّج الشابُّ وهو في هذه المرحلة، فإنَّه غالبًا ما يستمرُّ في النظر إلى الجنس ضمن العلاقة الزوجيَّة بوصفه مجرَّد إشباعٍ لِلَذَّته فيوقظ زوجته في منتصف الليل من أجل ممارسة الجنس بلا مقدِّماتٍ ولا مراعاةٍ لمشاعرها، ودون بَذْل أدنى مجهودٍ لتستمتع هي أيضًا بالعمليَّة الجنسيَّة. وبعد أن يُشبع لذَّته، يرتدي ملابسه ويدير وجهه ليغطَّ في نومٍ عميق.

إنَّ هذا سببٌ من أسباب انتشار العنف الجنسيِّ بين المتزوِّجين. فكما أنَّ الطفل الرضيع يصرخ ويرفس برجلَيه عندما يكون جائعًا إذا لم يُشبَع جوعه بسرعة، فإنَّ الزوج ‘‘الرضيع وجدانيًّا’’ سيفعل الأمر ذاته، لكن بطريقة رجلٍ في الثلاثين أوِ الأربعين أوِ الخمسين من العمر.

وردتْ في مقال صحيفة ‘‘المصري اليوم’’، الذي سبق أن أشرتُ إليه، بعض القصص الواقعيَّة التي تعكس الممارسات الجنسيَّة التي يمارسها رجالٌ رُضَّع وجدانيًّا. قالت س.م، وهي أمٌّ لثلاثة أطفال، إنَّها تتعرَّض لاغتصابٍ يوميٍّ من زوجها حتَّى إنَّه أحيانًا يرفض صيامها النوافل[14] لأنَّه يريد معاشرتها. وقد ذكرت أنَّها متزوِّجةٌ منذ ٨ سنوات، ولم تشعر يومًا بسعادةٍ فى العلاقة الحميمة؛ لأنَّ زوجها لا يختار الوقت المناسب الذي يعاشرها فيه، ولا يراعي رغبتها أو حالتها النفسيَّة أو طاقتها التي ضاعت طوال اليوم فى البيت وتربية الأبناء. ووصفت م.ن العلاقة الحميمة بين الزوجين بأنَّها أشْبَهُ ما تكون بحلبةِ المصارعة التي يحاول فيها الرجل إظهار قدرته على التحكُّم في زوجته والانتصارِ عليها. وقد أشارت إلى أنَّ المرأة لا تستطيع أن ترفض طلب المعاشرة؛ لأنَّ السيِّدة التي ترفض تلبية رغبة زوجها تظلُّ الملائكة تلعنها طِوال الليل- على حدِّ تعبيرها. وثَمَّة الكثير من القصص المشابهة.