صفحة 1
قبل قراءة الذكريات···!
ذكرياتنا هل تموت؟ ربما نفقد بعضها وربما يخفت البعض الآخر منها لكن الجزء الحبيب والعميق في النفس يظل الصدى يهز شغاف القلب بين الحين والحين··
ماذا نفعل كي لا تموت ذكرياتنا؟··الإنسان لن يخلد جسداً لا بد أن يفنى ذاك الجسد، فتظل صورته، وتظل ذكراه، ثم تتوه الذكرى في خضم الحياة ومتاهات الزمن، ولا يظلل إلا الجانب المتوهج من تلك الذكرى· يظل كشعلة المصباح يتألق بالقدر الذي نوقده لمن بعدنا شعاعاً شعاعاً، ونزرعه في قلوبهم نبتة نبتة·· فلماذا إذن لا نحفظ هذه الذكرى، ذكرى من أحببنا، وذكرى من احبّونا؟ نحفظها سطور وفاء، وكلمات إخلاص، وصفحات حب؟
كثيرة هي الكلمات التي قيلت في فلان أو فلانة،كلمت رثاء أو تأبين أو تكريم، لكنها حين تطوى صفحاتها، وتتكوّم مع أكداس صفحات أخرى تضيع،كما يضيع طفل -بلا مأوى-!· لا بد إذن أن نحرص عليها مجتمعة كلها، فالبعض ليس كالكل، ولكل إنسان ممن قلنا فيه كلمة حق أو صدق، موقعه ومكنه من تلك الذكريات الحميمة الحبيبة···
وهذا ما أردت أن أفعله حين ضممتها بين دفتي هذا الكتاب·· لتظل حيّة يعود إليها القارئ كلما أراد التعرف على صدق وحق ومحبة عن ناس أحببتهم كما كثيرون غيري···
شكراً لكل من ساعدني على جمع هذا الوفاء المخلص
في كتابي: هذا الذي يشكل إضافة لكتابي الأول والذي صدر بداية هذا القرن! تحت عنوان: شخصيات وذكريات كذلك···
يوسف العاني
صفحة 2
عبدالرحمن منيف
ولقاء خارج السفر!
أكثر من مرة التقينا، ولكن على عجل·· كلمات مجاملة وتعبير عن محبة صادقة وإعجاب كبير، ثم نفترق لزمن قد يطول أحياناً·· ونعود نلتقي مثل ذلك اللقاء العاجل بمناسبات تجمعنا، ويعود تبادل الإعجاب والمحبة من جديد.
الملاحظ في تلك اللقاءات العاجلة أنني أشعر بصدق وأمانة هذا الرجل الأديب الكبير الذي نقرأ رواياته بمهابة وتقدير، أنه يحمل إضافة إلى قدراته الكبيرة المبدعة أدباً آخر في نفسه وسلوكه وفي كل تعبير عن حالة أو موقف أو رأي، إنه مؤدب حد النقاء··!
كنت ألتقيه في الشارع وكان قد شاهد تمثيلة عبود يغني عرضت على شاشة تلفزيون العراق عام 1975 فلا يقول سوى جميلة ي ضحكها وبكائها·· ويضحك بإيجاز يعبر عن مرارة ذلك الضحك·
وأراه في مطار بغداد مع الأخ (جاسم المطير) حيث كان ينتظره وهو قادم لبغداد وأنا مغادرها·· فيتوقف ليقول: دعنا نلتقني خارج السفر!
وتمضي سنوات، وعبدالرحمن منيف في البال، وأمام العين مئات الصفحات الزاهية·· والإبداع المتجدد اقرؤها بين حين وحين لهذا الكاتب الفذ··
وفي بغداد في العشرينات ليكحل صفحاتها الأول بمقدمة يكتب فيها عن المؤلف -عباس بغدادي- وعن قيمة الكتاب توثيقاً وتأريخاً وأدباً يعجز آخرون عن التقاطمكانة ذلك الكتاب وصاحبه·
وفي عمان - مجمع المغتربين كما أسميتها·· وفي بيت الصديق باسم مشتاق، التقينا مع الأستاذ عبدالرحمن منيف بسهرة طالت ولم تكن على عجل·· لكنها أسرعت لتنتهي ونحن جياع لأحاديث ممتعة مفيدة وغنية في كل ما قاله ونطق عبدالرحمن منيف·
قلت له: أتذكر لقاءنا العاجل في المطار، حين تمنينا أن نلتقي خارج السفر؟
قال: أتذكر وها نحن نلتقي ولكن داخل السفر! أنت مسافر وأنا مسافر! ومن نحن بضيافته·· مسافر! لكن الذي يجمعنا ويخرجنا عن السفر هو العراق·
ويعود الحديث والحوار ليتحدد ويستمر وأتحدث عن كتابي شخصيات وذكريات فينصت لي باهتمام·· كيف تناولت الأصدقاء والأقارب·· وسجلتهم في ذلك الكتاب بلا تقليدية أو أرشيفية محضة·· ويلتفت إليّ ليقول بكل تواضع··
من كتب مقدمة الكتاب؟
قلت: لا أحد بعد··
قال: أتسمح لي بكتابتها؟
لحظات سكت!! وفجأة صرخت بفرح·· أنت ونهضت لأقبله وأحتضنه، ليعيد كلانا كلمات شكر متبادلة لكنني وفي قرارة نفسي شعرت أن عبدالرحمن منيف هو صاحب الفضل!
وأسافر·· ويسافر، وتأتيني المقدمة بخط عبدالرحمن منيف بعد أن قرأ مسودة الكتاب·· عن (128) شخصية فارقت الحياة وقد ارتبطت بهم من خلال المسرح·· وأقرأ سطوره وأعيش نشوة واعتزازاً، وأقول ذلك وأدعوه للقاء جديد·· خارج السفر في بغداد·· هذه المرة·· لكن بغداد - هكذا علمت كانت مغلقة أمامه··! وقلوب من في بغداد مفتوحة له بلا حدود ولا سدود·· وابدأ بتهيئة الجزء الثاني منشخصيات وذكريات لكنني جمعت هذه المرة في ذهني وذاكرتي·· أكثر من الذين ضمهم الجزء الأول، فقد فتحت الصفحات لا للذين فقدناهم بل للأحياء ممن عرفت وكان لهم وما زال موقع وأثر في مسار حياتي المسرحية والفنية والثقافية، وبدأت أستعيد آخرين لم تكن الظروف التي أحاطت بنا تسمح بنشر أي شيء يشير إلى قيمتهم ومكانتهم المتقدمة على مختلف الأصعدة السياسية والفنية والفكرية···
وهنا عاد عبدالرحمن منيف حين اقترح عليّ أن يكتب مقدمة شخصيات وذكريات وشرفني فعلاً حين كتبها·· هذه المرة قررت أن أقترح أنا عليه ذلك·· في الجزء الثاني الذي تجمعت مادته·· وحسب ظني أنه لن يرفض·· وبدأت أستفسر من بعض الأصدقاء عن مكانه الآن·· فأنا أدري أنه بدمشق أو بيروت أحياناً وربما في القاهرة أو عمان· وتساءلت هل سيمر ببغداد! وتذكرت كيف كن يتحدث عن بغداد وعن أيامه واقاربه وأصدقائه فيها·· ويتنسم هواءها ويتحدث وكأنه يقرأ شعراً·· بغداد جزء من حبي الخالد وزهو أيامي وانتظرت، عساني أرصد مكانه لأكتب له·· كي يتشرف الجزء الثاني بكلماته التي ستضفي على الكتاب مكانة من التقويم الذي وجده الجزء الأول·
لم أنتظر طويلاً·· فقد جاء الرد قاسياً معذباً مفجعاً: الموت مات الكاتب الفذ والصديق الصدوق والإنسان النبيل النزيه عبدالرحمن مينف! ونحن في الشهر الأول من عام 2004·
ولم يصله رجائي في أن يكحل كتابي الجديد·· فمن سيكتب مقدمته؟ قررت·· أن يكون عبدالرحمن منيف هو الكاتب! وسيكون هو نفسه في مقدمة من سيضمهم الكتاب، سواء بهذه الكلمة التي كتبتها اليوم أو بكلمات أخرى سأكتبها·· وبالمقدمة التي كحلت كتابي في جزئه الأول·· حيث سأعيد نشرها في هذا الكتاب باعتزاز وتقدير·
وعذراً منك يا من كانت بغداد جزءاًمن حبك الخالد وزهو أيام لم تنسها·· وكانت آخر كلمات قلتها لي ونحن نبحث عن لقاء خارج السفر···!
25/2/2004
صفحة 3
عبدالرحمن منيف
أبعد من الذكريات(1)
حين قرّر يوسف العاني جمع هذه المراثي بين دفتي كتاب، لم يخطئ· جمعها ليقول لنا أن هذه الكتابات التي نُشرت في الصحف، كتحيات وداع للذين غادرونا من الفنّانين والاصدقاء، لم تكن مجرد باقات زهر توضع على قبورهم، اعترافاً بما قدّموا، أو تأكيداً لعلاقة إنسانية، بل دعوة لأن نمتلك ذاكرة تاريخية·
فالحيا اليومية بصخبها، وتلاحق الأحداث فيها، وأيضاً بهذا التوالي الموجع لموت الأصدقاء والمبدعين، يجب أن لا يجعل الغياب سبباً للنسيان، أو لانقطاع الذاكرة·
صحيح أن المبدع حاضر ومستمر بمقدار ما يترك من أثر، القادر وحده على أن يدافع عن نفسه، ويؤكّد جدارته بمرور الزمن، إلاّ أن الضرورة تقضي بوضع سياق وعلامات في هذا الطريق الطويل· ولعل الذين عايشوا المبدع وعرفوه عن قرب هم الأقدر على رسم الملامح وإبراز التفاصيل التي من شأنها أن تزيد التعريف به وبالمرحلة التاريخية التي عاش خلالها، لأنّ المبدع لا يصبح كذلك بسبب الموهبة وحدها، وإنما بتأثير الزمن الذي عاشه، والبشر الذين كانوا حوله، وبالتالي أثّروا فيه وتأثّر بهم·
إنّ الدعوة إلى التوقف، بين فترة وأخرى، من أجل استعادة لحظات هامة من الماضي، واستعادة ملامح الناس الذين عاشوا فيه، لا تعني الوفاء لهذا الماضي وناسه فقط، بل الأكثر أهمية أن تبقى الدورة الدموية تتسرى في العروق، لاكتشاف النبض الحقيقي للحياة التي كانت، وأن تتواصل هذه الدورة، لتكون لنا ذاكرة، وكي يصبح كل جيل، وكل فرد مبدع، جدولاً أو نقطة في نهر الحياة الكبير·
يوسف العاني في شخصيات وذكريات يحاول أن يرد الاعتبار لتقليد عرفه الأدب العربي في فترة سابقة· فأغلب الكتب التي وضعها الأقدمون، وفي حقول شتى، كانت تترك مساحة للعصر، ولإبراز الذين أثروا فيه· أكثر من ذلك أن بعض كتب الأقدمين تخصصت في هذا الحقل بالذات· ولعل أول ما يرد في هذا المجال كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان· لكن شخصيات وذكريات لا يلتفت لمفهوم الأعيان كما عُرف سابقاً، ويركز على الفن والأدب، ومع أنه من زاوية شخصية فهو تأريخ للفن والأدب في مرحلة معينة، ضمن منظور الذاتي والموضوعي في آن، وكن سببه أو الدافع إليه هو الموت·
حين يحل الموت، وتكتمل الدورة، لا بدّ أن تستثار عواطف وأفكار، ومع استثارتها تتلاشى الأشياء الصغيرة، ويكون الحكم أكثر صواباً على حياة هذا الذي غادرنا إلى الأبد، ومدى ما أثّر فينا، وما تركه لنا وللأجيال القادمة من أثر· ربما يكون الحكم، في بعض الحالات، عاطفياً،لأنّ الجرح لا يزال ساخناً، وقد أملته المفاجأة أو صدمة الغياب، لكنه، في أغلب الحالات، صادر عن القلب، ولا يقيم وزناً للحسابات الصغيرة، ويكون في النهاية حكم قيمة قد يساعد اللاحقين، مؤرخي الفن والأدب، في رسم المسارات وتحديد المعالم ثم الآثار·
صفحة 4
من التقاليد القديمة التي لا تخلو من مغزى، وأهمية أيضاً، أن يذكر صاحب الأثر الفني والأدبي، مّن كان شيوخه، على مَن تتلمذ، وممن أخذ، ومَن أجازه، ومَن سمع منه، وكنت هذه الأسانيد تكسبه جدارة بنظر معاصريه ثم الذين يأتون بعدهم، الأمر الذي نلاحظ نقيضه في الأيام التي نعيشها في المرحلة الراهنة، إذ يظن البعض أنه يكبر وتزداد أهميته من خلال إنكار دور الآخرين، أو التقليل من تأثيرهم· أمّا في حال غياب المنافسين، خاصة بالموت، فيشعر هؤلاء أنهم اكتسبوا أهمية مضاعفة!
غياب هذا التقليد من حياتنا المعاصرة يجعل ذاكرتنا مثقوبة، أو كمن يمشي برجل واحدة، إذ لا تكتسب ثقافة أي شعب أهميتها، وبالتالي دورها، إلا من خلال استنادها إلى تراث، أي تجربة تاريخية طويلة وملموسة، تمنحها الشعور بالثقة، وتقدم لها الدليل والبرهان؛ ومن خلال تطلعها نحو المستقبل مع التصميم ورغبة التجاوز، مما يؤكّد التواصل من ناحية، والثقة بالنفس من ناحية ثانية·
قد يكون التاريخ بالمعنى السائد حالياً، عبئاً، يحاول الكثيرون التحرّر منه، في محاولة لاكتشاف المستقبل، أو الوصول إليه، لكن المستقبل لا يمكن إدراكه، وتالياً الوصول إليه، كما لا يكون قوياً وثابتاً، دون ذاكرة تاريخية، دون ركائز وعلامات تحدد النسب والعلاقات، وتُشير إلى الاتجاهات أيضاً، وهذا ما يُعطي بعض الكتابات، حتى لو كانت هوامش، دلالتها إن لم نقل أهميتها·
تعاقب الشخصيات والذكريات في هذا الكتاب يرسم كروكي، إن لم نقل مصوراً كاملاً، لمساحة الفن، خاصة المسرح، في عدد من البلدان العربية عبر فترة زمنية طويلة؛ يفعل ذلك من خلال التجارب والعلاقات الإنسانية، وبذلك التوهج الحي الذي يُساعد في تلمس البدايات ومعرفة المراحل، وحجم المساهمات، وأيضاً بذلك التفاعل العربي الذي نفتقده في المرحلة الحالية·
وإذا كان يوسف العاني قد رسم لنا تضاريس الحياة الفنية في العراق، وضمن مجالاتها المتعددة وأضاف إليها لقطات إنسانية لأستاذة وزملاء وأقرباء، فإنّه لم يغفل عن البعد العربي، إذ بمقدار ما كان وفياً لزملائه في بغداد، كانت علاقاته العربية أفقاً زاد ملامحه وضوحاً، وأكسب تجربته غنى، من خلال التفاعل مع المحيط، ومن خلال المشاركة النشيطة من أجل خلق مسرح عربي متميز، وسينما عربية لها ملامح المكان والمرحلة التاريخية، وهذا ما جعل شخصياته والذكريات تمتد إلى المنطقة كلها، وما جعل تجربته تكتسب بعداً عربياً لافتاً، الأمر الذي لا نجده بنفس الوضوح لدى آخرين، أو بنفس المقدار·
صفحة 5
أمّا وهو يختار مكاناً، كبيروت أو عمّان، لنشر هذه الذكريات مجتمعة، فإنّه من خلال هذا الاختيار يبعث برسائل عديدة:
أُولى هذه الرسائل أن يعيد ربط ما انقطع من العلاقات، خاصة وهو يستعرض حياة وإنجازات عدد من المبدعين العراقيين، الذين لم تتح الفرصة للتعرف عليهم عن كثب· عبر هذه الإطلالة نكتشف كم يزخر العراق بالمواهب والإبداع· كما ينبني جسر، أو مجموعة جسور، جرى نسفها، أو على الأقل إضعافها، خلال العقود الماضية، خاصة وأن القطيعة السياسية امتدت لتشمل المجالات الأخرى، بما فيها المجال الثقافي، الأمر الذي جعل تفاعل الثقافة في أدنى المستويات، وفي أحيان كثيرة نتلقاه عن طريق الآخر·
إقدام يوسف العاني على نشر مواد هذا الكتاب خارج العراق، بعد أن نُشر متفرقاً في الصحافة العراقية، يؤكّد المعنى الذي أشرنا إليها، ويحرض على: ربط ما انقطع؛ والرغبة في التعرف والاكتشاف للإلمام بما يجري هنا وهناك؛ والتأكيد، أخيراً، أن الثقافة أكبر وأخطر، وأيضاً أهم، من كل الخلافات السياسية، مما يستدعي بذل جهود مضاعفة من أجل التواصل الثقافي، من خلال تبادل الفرق المسرحية، والأعمال الفنية، ورفع القيود على انتقال الكتاب العربي من قطر إلى آخر·
الرسالة الثانية التي يشير إليها اختيار بيروت مكاناً لنشر الكتاب: أن يشعرنا، دون رغبة الإساءة، إلى فداحة الخسارة التي تلخق بنا كل يوم دون أن نحس بذلك· فهذا الكم الهائل من الموت الذي يقع قريباً منا، والذي يقطف الأطفال وأبرز الوجوه المبدعة، دون أن نعرف، دون أن نقول كلمة، يجعلنا نحس بالعار، وبالفقد المضاعف!
أن يموت الوردي، مثلاً، أو الحسني؛ أن يموت سليم صبري أو عبدالحميد العلوجي، وغيرهم كثير، أن يموت هؤلاء بصمت، بشكل سري، يقول لنا بالفم الملآن إلى أن درك وصلنا، وماذا ينتظرنا أيضاً·
الوردي، مثلاً، يُعتبر أهم، أو من أهم، علماء الاجتماع العرب، ومع ذلك لم يفطن لموته أحد خارج العراق، ي الوقت الذي تنشغل الصحافة العربية، ومعها المحطات الفضائية، باسم الكلب الذي ضمه كلينتون لأسرة البيت الأبيض!
قطيعة كالتي نعيشها الآن، والتي تفرد أجنحتها على الوطن العربي، وبين أجزائه، تقول لنا، بكثير من الخجل في أي ظروف نعيش، وماذا ينتظرنا أيضاً، إذا ظلت الأمور هكذا!
يوسف العاني، من خلال هذه الرسالة، يريد أن يكسر جدار الصمت والعزلة، وأن يقول لنا: اليوم في العراق، لكن غداً في كل جزء من الأرض العربية، وصولاً إلى كل زاوية في العالم الثالث، إن لم نبادر إلى الكلام الثقافي فيما بيننا، واعتبار الثقافة جسر الخلاص وطريق المستقبل·
صفحة 6
الرسالة الثالثة في هذه الذكريات: محاولة لإعادة رسم الخارطة الفنية - الثقافية، في العراق أولاً، ثم في المنطقة؛ واختيار العراق باعتبار أن يوسف العاني يمارس نشاطه هناك، وصولاً إلى محاربة النسيان المتعمد أو نتيجة الإهمال في المنطقة كلها·
إنّ أقرب الأشياء إلينا هي أكثر الأشياء قابلية للنسيان، ربما نتيجة الألفة، أو بسبب العادة، ولا نكتشف أهمية هذه الأشياء إلاّ إذا فقدناها، إذا أخذت بالابتعاد ثم بالغياب· وهذا يقتضي وضع سلم جديد للأولويات، والتعامل معها بطريقة موضوعية، وفي الوقت المناسب، لأنه، وحسب نظرية الاحتمالات لا تتكرر الحالات إلاّ نتيجة كم كبير من العوامل، مما يتطلب أن ننظر إلى الفن، والإبداع بصورة عامة، بطريقة مختلفة عن نظرتنا الراهنة، إذا أردنا للفن، للإبداع، أن ينمو ويتطور ضمن ظروف طبيعية ومتناسقة، مع الأخذ بعين الاعتبار عمر الإنسان، والظروف التي يعيش فيها·
هذه بعض الرسائل التي أراد أن يقولها لنا يوسف العاني من خلال شخصيات وذكريات·
لكن هناك رسالة لا تقل أهمية عن هذه الرسالة، لم يقلها، مباشرة، يوسف، وإن كانت حاضرة غائبة في آن واحد، وهي الرسالة الخاصة: يوسف العاني نفسه، ودوره في الحياة الفنية العراقية والعربية·
قد لا يكون دوره، هنا والآن، وفي هذا الكتاب بالتحديد، مع أنه جعلنا نطل على نصف قرن من الفن، وهو خلال نصف هذا القرن كان هاماً وأساسياً، إذا استبعدنا الصفات الأخرى، ومع ذلك لم نر وجهه وآثاره إلا لماماً ومن خلال الآخرين، في الوقت الذي يستحق وقفاتطويلة أمام مسرحه ونصوصه، والتعامل معه بطريقة تمكننا من رؤية هذا القلب الكبير، ومعرفة هذا الجهد المتواصل، لنتأكد في النتيجة، أنه رغم الظلمات والمصاعب والتحديات، هناك غد ينتظرنا، ولا بدّ أن يكون أجمل منا لأيام التي نعيشها الآن· شكراً يا يوسف، على الذكريات والذين غابوا، في قبورهم الخضراء، يقدرون ما فعلت·
أيلول 1998
صفحة 7
حسن الناظمي
الفنان الذي ضيعه الحصار علينا!
في احتفال غرفة المسرح الشعبي الذي أقيم في منتدى المسرح 8/11/1997.· ذكر الأستاذ جعفر السعدي في سياق كلمته عن تاريخ الفرقة المدون في أرشيف نظمه المرحوم - حسن الناظمي، صعقت! لكلمة مرحوم فلم أكن أدري حتى تلك الساعة أن الرائد الفنان حسن الناظمي قد مات!
سكت وأنا أتجرع مرارة الخبر حتى انتهاء الاحتفال·· متى فارق حسن الناظمي الحياة؟
حين أخبروني تذكرت أنني كنت خارج القطر فلم أسمع بالنبأ·· لكن الحدث هذا والنسبة لفنان يحتل مكانة عالية في نفوس زملائه وطلابه·· يذهب بلا أثر ولا ذكرى؟ آلمني الأمر·· وعلمت أن الفنان الراحل قد فارق الحياة قبل عام ونصف وهو يحمل في قرارة نفسه وأعماقها قسوة الدنيا ومتاعبها ليرحل بصمت الأبرياء الأنقياء الطيبين·
حسن الناظمي كان طالباً معنا في معهد الفنون الجميلة قسم المسرح منذ بداية الخمسينات وكن وديعاً رقيقاً كقطة شامية هكذا كنا نسميه·· وكان منظماً ونظيفاً ودقيقاً في تعامله الفني والحياتي فقد نقل سلوك عمله الوظيفي في أكثر من محكمة إلى سلوك التلمذة خلال الدراسة في المعهد كان صديقاً للجميع يتعاونمعهم ويقف على المسرح الصغير يمثل مشهداً·· ثم يعود ليسأل زملاءه عما أداه؟ زين لو مو زين·
وأنهى حسن دراسته ليسافر إلى أمريكا يدرس المسرح·· ويعود بين معهد الفنون وأكاديمية الفنون ومتابعات في المحاكم· خبيراً·· كانت أيامه تنقضي بهدوء ووداعة وبنعومة متناهية·
قبل أيام·· وبمناسبة الاحتفالية علمت برحيل·· حسن الناظمي·· الفنان الوديع الطيب والرائد الذي ظل بعيداً عن الأضواء إلا عند الضرورة وحين يحتاج إليه زملاؤه وطلابه·· كان حسن واحداً ممن بنوا الثقة وزرعوها في قلوب من عرفوه وكان بعيداً عن رغبات التسلق على سلالم ملتوية لا تفضي إلا إلى السقوط·
كلمة متأخرةأسجلها بحق واحد ممن وضعوا لبنة في أساس مسرحنا العراقي يوم كان ذاك المسرح نضالاً وبسالة وجهداً ساخناً·· كسخونة الأيام التي فارق فيها حسن الناظمي الحياة ليقول للجميع وداعاً···!
25/12/1997
صفحة 8
غازي العبادي
تساءلت عن ابتسامته؟؟
غازي أيها الإنسان الطيب·· أيها المبدع الكبير، أيها المتواضع حد السذاجة، يا نقياً كالسلسبيل··
أقسمت أن لا أكتب كلمة رثاء حتى عن أقرب الناس لي·· حين جاءني نبأ وفاتك·· استغفرت ربي أول الأمر، وعدت إلى نفسي لأكتشف أن الكتابة عن من نحب·· أو عن من تركوا في نفوسنا نقاط ضوء مشرقة ومتألقة·· تعبير عن وفاء إنساني وفرض من فروض الصداقة والحق والحقيقة··
وأنت واحد من أروع من نحب ومن تركوا فينا وعلينا فيضاً من الضوء الذي لن ينطفئ·· فكيف لا أكتب··؟
سأكتب ولكن ليس رثاء كما تعارف عليه الناس·· بل ذكريات صغيرة ما زالت في الذاكرة طرية وندية··
حين كتبت قبل سنوات سيناريو قصته السور وقدمتها للتلفزيون كان سعيداً كالطفل·· تمنى منذ زمن أن يرى الناس شخصياته حية أن يقرأوها حسب··· فالكثير من شخصيات قصصه تصلح أعمالاً درامية وللتلفزيون بالذات·· لكنه كان متردداً خشية أن تمسخ تلك الشخصيات وتضيع في الفهم الخاطئ لها··
حين شاهد التمثيلية، وجلسنا لنسجل الندوة عنها، بعد العرض·· كان غازي متواضعاً إلى حد دعاني لأن أشير إلى جوانب في العمل لم أرض عنها حتى ي سياق وكتابة السيناريو والذي أتحمل أنا مسؤوليته شخصياً··! وقلت لوأعدت كتابة العمل لملات شخصيات القصة شحنات من الطيبة تفوق ما ظهرت عليهم أو فيهم·· لأن غازي المؤلف هذا الرجل النقي·· يمكن أن يملأ شخصيات حية - بطيبة تمحو آثار الخشونة التي ظهرت في بعض المشاهد·· ولو وزعت كل رقته التي أبداها في الحديث عن العرض الذي شاهده لاكتسبت الشخصيات وفاء من صاحبها غازي·· لتكون هي وحوارها وأحاديثها أقرب إلى الشعر، وتصبح بعد هذا·· قصيدة شعر تشاهد من خلال عين شاعرها·· غازي العبادي··
حين دخل المستشفى وكنا نحن أيضاً في عمان·· ذهبنا لزيارته فلم نجده·· حسبناه قد فارق الحياة، لكننا علمنا أنه نقل إلى أفضل مستشفى ليعالج على حساب الدولة·· بأمر من السيد الرئيس القائد··
وحينما خرج من المستشفى ليعود لوطنه العراق راحوا يبحثون عن جواز سفره·· لأنه قد ذاكرته وما عاد يدري أين هي أوراقه··!
هذا الذي يتذكر كل اسم من شخصيات قصصه ورواياته وفي أية قصة أو أي حدث كان صاحب ذاك الاسم·· ويتذكر كل حالات المحبة والوفاء والفارق·· واللقاء··
في بغداد التقيت به ي مقر مجلة ألف باء مع شريكة حياته الوفية·· ورحنا نضحك مما حدث له وما كان وكت له على أن الدنيا أرحب وأبهى من أن تنتزع عنه وهج الحياة وحيويتها··
ابتسم وأراد أن يقول شيئاً·· لكنه سكت والابتسامة ظلت مرتسمة في وجهه تحمل ألف معنى ومعنى··
حين علمت بنبأ وفاته·· تساءلت: هل فارق الحياة والابتسامة ما تزال مرتسمة في وجهه ومحياه الرائقالطيب·· هل ما زالت؟
13/5/1998
صفحة 9
وحيد الشاهري
الذاكرة التي انطفأت··!
في الخمسينات كان حماسنا كبيراً في متابعة الأفلام السينمائية الجيدة أولاً·· ثم متابعة الأفلام الأخرى أياً كان مستواها، من أجل أن نتعرف على كل سياقات ومضامين تلك الأفلام لتكتمل الرؤية ونكون الموقف من خلال تناولنا لتلك الأفلام بالنقد والتحليل··
كنا في تلك الفترة وما قبلها·· نكاد نتلاقى كل أسبوع أو بين أسبوع وآخر·· في اليوم الأول من عرض الأفلام الجيدة·· التي سبقها إعلام وإعلان عنها·· تكاد الوجوه تتكرر· بل كانت تلك الوجوه تتلاقى بعد ذلك·· لتتبادل وجهات النظر بشأن هذا الفيلم أو ذاك·· من بين تلك الوجوه التي كانت تظهر بتواضع وبخجل أحياناً شاب أسمر اللون نحيف القوام·· نراه ولكننا لم نكن نعرفه·· ولأقل لم كن أعرف اسمه·· ومرت سنوات وكانت لقاءاتنا المسرحية·· خلال التمرينات أو قبل العروض وتتكرر·· وإذا بنا أمام ذاك الشاب الذي ظل متواضعاً خجولاً·· لكن رغم ذلك كنت -أنا بالذات- ألاحظ اهتمامه وحماسته·· وفضوله أحياناً في معرفة تفاصيل حالة ما، وأشياء ذات علاقة بالمسرحية··
قبل أشهر من نهاية عام 1998·· رأيت ذاك الذي كان شاباً كهلاً يدخل مجلتنا ألف باء ليقدم إلى قسم الفنون عدداً من مقالاته·· رأيته يدخل بذاك الهدوء بل وبالخجل أحياناً، لا يعلو صوته إلا بقدر إسماعك ما يريد حول هذا المقال أو ذاك·· بل ظل لفترة طويلة وهو ينشر مقالاته النقدية أو الأرشيفية·· ظل متردداً في طلب نسخة من المجلة التي نشرت فيها مقالاته!
بين الخمسينات وبين نهاية عام 1998·· وقد فارق·· وحيد الشاهري الحياة بعينا لهدوء والصمت وبلا ضجيج·· بين هذه السنوات الطويلة، كانت بيني وبينه معرفة عميقة بدأت بعد سنوات من تعارفنا الذي أشرت إليه·· وكان ذاك التعارف الجديد عبر مقالة كتبتها في 14 تشرين الأول عام 1977 بعنوان كيف الكيف؟ وفيه مفارقة بطلاها شخصيتان في مقهى البيروتي الشهيرة، فقد وصلتني رسالة من وحيد يشير إلى أن إحدى هاتين الشخصيتين والتي تقدم، القهوة لزبائن المقهى·· هو أبوه حسن الذي اشتهر وعرف بقهوته التي يفضلها كل زبائن المقهى·· ولم تكن الرسالة تقدم هذه المعلومة حسب بل راح وعبر ذاكرته الغنية المتقدة يستعيد لي شخصيات صوب الكرخ·· ومحلاتها·· وأطرافها··
صفحة 10
ومهنها·· وخاناتها ومحاميل تلك الحانات·· وشخصيات مقهى البيروتي·· وحمدة أم الكيمر، وشهاب أبو الحبال·· وسيد عزيز العرضحلجي وكرومي العطار ودعبول البلام وملا عبود الكرخي·· ثم سوق الجديد وخضر الياس والمختار صالح العمر وبيت رشيد الهند؟ وتوفيق الحسن ودربونة المعاضدة·· و·· و·· وكأنه خزنة لكل من مر من هناك أو عاش في جانب الكرخ من نهاية الجعيفر وحتى الصالحية·· صفحات تحمل الأسماء والصفات·· وفجأة ينتقل إلى مكتبة عباس الكتبي ومكتبة ذبيان المولى ومكتبة رشاد السامرائي التي يعاونه فيها أخوه ناجي حيث كنا نشتري من هذه المكتبة، الصباح، دنيا الفن، مسامرات الجيب، السينما، الأستوديو، الكواكب·· وغيرها ويشير إلى أنه يحتفظ بمجلة الفن فقط قد ضاعت تلك المجلات لسبب أو لآخر·· ويعود ليذكرني بالأفلام السينمائية التي كنا نشاهدها يذكر بعضاً من الأفلام الهندية والعربية والأميركية بلا حساب·· حتى أغاني تلكالأفلام وملحنيها وتواريخ عرضها ودور السينما التي عرفها و·· و·· وكانت رسالته تلك فتح باب لأدعوه كي ألتقي به·· وأن يدخل ميدان النشر في ألف باء بعد أن نشر في أكثر من صحيفة·· من صحفنا اليومية·· وأن نجلس بعد هذه السنوات نتناقش في شؤون الفن·· وهو يؤكد على أثر تلك السنوات، ويشير إلى المقام حيث علمت أنه يعمل ببيت المقام العراقي -كما أتذكر- وأن لديه خزيناً من المجلات والكتب والمذكرات والذكريات في هذا الميدان أيضاً·· ويحلم أن توجه إليه دعوة·· لإلقاء محاضرة في عمان·· عن المقام العراقي!
وحيد الشاهري بدأ عمله طباعاً ماهر للأوفسيت في مطبعة الحكومة عام 1946·· وبعد سنواتمشرفاً على قسم الطبع في مطبعة الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط وتقاعد وظيفياً في 1/1/1982 لكن الذي بقي عنده ذاك الخزين الكبير من أرشيف ظلت -رغم المجلات والصفحات المتجمعة عنده- أقول ظلت ذاكرته معيناً لا ينضب يتابع ويصحح خطى الكثير من الكتاب الذين يتناولون ما كان·· ويضيف ويحلل·· ويتقدم إلى كل صحيفة ينشر فيها بتواضع وأدب·· وبلا ادعاء إلا بالقدر الذي يعرف مؤكداً ذلك بالوثائق والحجج·
هذه الذاكرة انطفأت ولم نكن ندري إلا من خلال، مربع صغير تقدم مقالة له في جريدة العراق في 24 تشرين الثاني 1998 ثم في جريدة الموعد في 9 كانون الأول 1998· فكان عليّ أن أضيف القليل من الكثير الذي أعرفه عن وحيد الشاهري الذاكرة النظيفة عن سنوات عمره من خلال الناس الطيبين الذين عرفهم في صوب الكرخ·· بكل أزقته، ومحلاته ودرابيته مع الاعتذار عن تأخري في الكتابة·· رحمة الله عليه·
30/12/1998